آليات محاربة الأمية بالمغرب

 

آليات محاربة الأمية بالمغرب

 

                    د. حميد المكاوي/ دكتوراه دولة في العلوم الاقتصادية

                        أستاذ باحث زائر بجامعة محمد الخامس بالرباط

 

لئن أعطت السياسات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية بالمغرب مند الاستقلال أولوية وأهمية كبرى لتنمية وعصرنة مختلف القطاعات الإنتاجية والصناعية والتجارية والاجتماعية، والمتجلية على وجه الخصوص في الاهتمام الذي حظيت به مجمل القطاعات في مختلف الاستراتيجيات والمخططات التنموية بالبلاد، إلا أن تطوير هذه القطاعات يبقى مع ذلك رهينا بتنمية المجال القروي ووسائل الإنتاج داخله في إطار نظرة شمولية ومندمجة للتنمية وبالنهوض بوضعية المرأة والعالم القروي والقضاء على آفة الأمية.

وقد عرف قطاع محو الأمية منذ الاستقلال تطورا ملحوظا، حيث شهدت الساحة المغربية مبادرات شتى تهدف إلى التقليص من آفة الأمية وتأهيل المواطن المغربي. كما عرف ملف محو الأمية إسنادا متعددا وانتقل بين العديد من القطاعات، منه الشبيبة والرياضة، ومنها قطاع التعاون الوطني… مما أدى معه هذا الوضع إلى إحداث قسم لمحو الأمية وتعليم الكبار بالوزارة المكلفة بالشؤون الاجتماعية. كما سنة 1997 إحداث مديرية محاربة الأمية تابعة لوزارة التشغيل والتكوين المهني، وفي سنة 1998 تم إحداث مديرية التربية غير النظامية بوزارة التربية الوطنية.

وفي هذا الصدد يمكن اعتبار صدور الميثاق الوطني للتربية والتكوين من المحطات الأساسية التي عرفها مسار محو الأمية بالمغرب على اعتبار أن محو الأمية الدعامة الثانية التي سيرتكز عليها إصلاح التعليم والنهوض بالتكوين في المغرب، وإلزاما اجتماعيا للدولة وعاملا محددا للرفع من مستوى النسيج الاقتصادي. ولأجل ذلك تم في نونبر 2002 إحداث كتابة الدولة لدى وزير التربية الوطنية والشباب مكلفة بمحاربة الأمية وبالتربية غير النظامية حيث تم الجمع بين مديرية محاربة الأمية التابعة لوزارة التشغيل ومديرية التربية غير النظامية التابعة لوزارة التربية الوطنية، وبعد ذلك أصبحت كتابة الدولة المكلفة بمحاربة الأمية وبالتربية غير النظامية تابعة لوزارة التربية الوطنية والتعليم العالي وتكوين الأطر والبحث العلمي، تتكون من مديرية محاربة الأمية ومديرية التربية غير النظامية ومن أقسام ومصالح مركزية ومن مراكز ومصالح غير ممركزة كالنيابات ومؤسسات عمومية مرفقية كالمتعلقة منها بالأكاديميات الجهوية للتربية والتكوين.

ففي أكتوبر 2005 تم انطلاق برنامج الدعم التربوي وإحداث خلايا اليقظة على صعيد المؤسسات التعليمية من أجل التصدي لظاهرة الانقطاع عن الدراسة والحد من الهدر المدرسي، وهو من برنامج التربية غير النظامية. في مقابل ذلك، أصبح قطاع محاربة الأمية والتربية غير النظامية منذ أكتوبر 2007 تابعا لكتابة الدولة لدى وزير التربية الوطنية والتعليم العالي وتكوين الأطر والبحث العلمي المكلفة بالتعليم المدرسي. أما بتاريخ 03 يوليوز  2013، فقد تم إصدار المرسوم رقم 2.13 .46   بتطبيق القانون رقم  38.09  القاضي بإحداث  الوكالة الوطنية لمحاربة الأمية.

ولهذه الغاية يمكن القول إن الوكالة الوطنية لمحاربة الأمية من خلال مهامها تقوم بدورا محوريا وأساسيا في انجاز أهداف الإستراتيجية الوطنية الرامية إلى محو الأمية، لكن إلى أي حد يمكن القول في مقابل ذلك أن الوكالة المذكورة تبقى كافية من خلال الأدوار المسندة لها أن تعمل على سد نقص محاربة الأمية بالمغرب لتجاوز هذه الإكراهات؟ وما هي عوامل وآليات محاربة الأمية؟

أولا: تنفيذ قرارات المجلس الإداري للوكالة الوطنية كأساس لمحاربة الأمية

شكل إحداث الوكالة الوطنية لمحاربة الأميةكما أشار إلى ذلك أحد رؤساء الحكومات المغربية المتعاقبة خلال اجتماع المجلس الإداري للوكالة الوطنية لمحاربة الأمية، تأكيد النهج الذي رسمته المملكة لسياساتها المتعلقة بإصلاح منظومة التربية والتكوين والتنمية البشرية ومحاربة الفقر والإقصاء والهشاشة، وذلك التزاما بمرجعية ديننا الإسلامي الحنيف، واستحضارا للتوجيهات الملكية السامية، منها ما تضمنته الرسالة الملكية السامية بتاريخ 13 أكتوبر2003 بمناسبة إطلاق جلالته “لمسيرة النور”، حيث جعل إصلاح نظام التربية والتكوين في مقدمة الأولويات الراهنة. كما بوأ تعميم التعليم والقضاء على الأمية مكانة الصدارة في الميثاق الوطني للتربية والتكوين، الذي أجمعت عليه كل المكونات.

فمن خلال التركيبة النوعية لمجلس إدارتها، تشكل الوكالة الإطار المؤسساتي الذي يوفر فضاء للتنسيق بين مختلف المتدخلين في هذا المجال، من فاعلين اقتصاديين واجتماعيين، في القطاعين العام والخاص، وأكاديميين ومنتخبين وفعاليات المجتمع المدني، وذلك وفق رؤية إستراتيجية مندمجة تربط محاربة الأمية بمشاريع التنمية البشرية ومحاربة الفقر والتهميش.

    وتعتبر توجهات المجلس الإداري الأول بمثابة خارطة طريق جد محكمة للوكالة من خلال التأكيد على وضع الآليات الضرورية للتنسيق بين مختلف المتدخلين وفق منظور شمولي يستوجب تضافر جهود الجميع و جعل من محاربة الأمية مسؤولية مشتركة بين الدولة والمجتمع للوقاية من هذه الآفة، ضمن مقاربة تشاركية وتعاقدية والتقائية بين كافة الأطراف المعنية.

من جهة أخرى، يشكل تنسيق مختلف التدخلات القطاعية التي تستهدف محاربة الأمية والنهوض بالعالم القروي والمناطق الجبلية والسهر على تحقيق التقائية البرامج والمشاريع والرفع من وتيرة الإنجاز تماشيا مع التوجهات الملكية والمتمثلة في تنزيل مختلف  الاستراتيجيات  بشكل متكامل واندماجي ومستدام، أساسا آخرا لتعمل الوكالة المذكورة على محاربة الأمية، وذلك تنفيذا للسياسة الحكومية في هذا المجال من خلال  مختلف أوراش محاربة الأمية التي تسهر عليها الحكومة.

وحيث إن تنفيذ التوجهات الإستراتيجية في إطار ميثاق تحدي الألفية تشكل هي الأخرى إلى جانب الأدوار المسندة للوكالة المذكورة عاملا أساسيا في القضاء على الأمية، فإن أهداف المشاريع أهداف المشاريع التنموية المعتمدة في إطار ميثاق تحدي الألفية المبرم بين المغرب والولايات المتحدة الأمريكية تتجلي في تحسين مستوى عيش ما يناهز 600 ألف عائلة مغربية. وما يؤكد ذلك هو ما استفاد منه المغرب بغلاف مالي يبلغ 697,5 مليون دولار هدفه تحقيق نمو اقتصادي بالمناطق النائية والحد من الفوارق الاجتماعية والمجالية عبر تنمية الإنتاجية الفلاحية، وتأهيل الصناعة التقليدية والصيد البحري التقليدي ودعم المقاولات الصغرى وتوفير الخدمات المالية والقروض الصغرى، إضافة إلى محو الأمية الوظيفية وتنمية التكوين المهني.

ونظرا للرغبة الجامحة للسلطات العمومية في محاربة الأمية والجهود التي تقوم بها الدولة، فقد تسلم المغرب جائزة منظمة الأمم المتحدة للأغذية والزراعة (الفاو) لتمكنه من تحقيق أول أهداف الألفية للتنمية المتعلق بالحد من الفقر المدقع والجوع، وذلك قبل سنتين من الموعد المسطر لهذا الهدف نهاية سنة 2015 بفضل السياسات المتبعة في هذا الباب والتي تروم مكافحة الفقر والهشاشة، لاسيما البرامج الخاصة بمحاربة الأمية بتنسيق مع مختلف الفاعلين.

إن ما ذكر أعلاه لن يصل بنا إلى المراد رغم تحققه إلا من خلال ترسيخ قواعد الحكامة الجيدة في دراسة وتقييم جميع الملفات و المشاريع المدرجة داخل اللجن الوطنية والمحلية، وذلك من خلال تفعيل العناصر التي يرتكز علبها مفهوم  الحكامة الجيدة في تدبير المشاريع:

  • الرؤية الاستراتيجية : استهداف و تمكين جميع مكونات المجتمع وتوسيع نطاق خياراتهم؛
  • المشاركة : اعتماد المقاربة التشاركية في طوري التحليل والتخطيط؛
  • الشفافية: والسلاسة في تبادل المعلومات بين مختلف المتدخلين ضمانة ضرورية للتشخيص السليم وللتخطيط العلمي والتقييم الدقيق؛
  • المحاسبة: المشروع في المحصلة عبارة عن توافق وتبادل الالتزامات من أجل تحقيق نتائج وأهداف مشتركة، لذا يتعين اتخاذ جميع الإجراءات اللازمة لمتابعة تنفيذ التعهدات؛
  • الفعالية: تمكين الناس من القدرات الأساسية وتوسيع نطاق خياراتهم الاقتصادية و الاجتماعية؛
  • التوافق: توافق المعنيين دعامة أساسية لنجاح أي مشروع وهو نتيجة طبيعية للمشاركة الفعلية في التشخيص والتخطيط و التنفيذ؛
  • حسن الاستجابة: المشروع التنموي الذي بني على تشخيص دقيق وتخطيط علمي إنما يبلور من أجل الاستجابة لوضع غير سليم يستهدف تصحيحه؛
  • حسن التدبير: فالموارد المالية والمادية الأخرى والبشرية التي يتم استثمارها في أي مشروع تنموي هي موارد مشتركة بين أفراد المجتمع من الأجيال الحالية و الأجيال القادمة.

ثانيا: تعزيز التنسيق بين الوكالة المشار إليها مع مختلف المتدخلين أساسا مكملا لمحاربة الأمية

بفضل التوجيهات الملكية وحرص جلالته على الارتقاء بالمجتمع المغربي وتيسير انخراطه في عالم المعرفة والتعلم مدى الحياة، عرفت محاربة الأمية منحى تصاعديا ايجابيا خلال العشر سنوات الأخيرة. وبمعنى ذلك أن الجهود المبذولة عبر مختلف البرامج الوطنية المؤطرة في مجال محاربة الأمية، والتي حققت نتائج مهمة في بعض القطاعات، وخاصة منها البرامج المؤطرة بالمساجد وكذا بالحس الوطني العالي الذي أبان عنه المجتمع المدني، من خلال مساهمته الفعالة في مختلف برامج محاربة الأمية ببلادنا وتحمله جزءا كبيرا منها؛ كانت لها انعكاسات محمودة في اتجاه القضاء على الأمية بالمغرب.

لكن، يجدر التذكير أن تتويج هذه الجهود والمحافظة عليها لن يتم كقاعدة عامة إلا من خلال مقاربة أخرى قوامها التنسيق بين المتدخلين والاستفادة من التجارب والبرامج السابقة. كما يجب التنبيه بما طلبته الخطب الملكية من علماء المملكة بالنظر في التجربة التي عاشها المغرب في موضوع محو الأمية والعمل على تقييمها وتقديم اقتراحات بشأن تسريع وتيرة هذا البرنامج، حتى لا يبقى بالمملكة مغربي واحد أو مغربية واحدة لا يعرف القراءة ولا الكتابة.

و للرفع من وثيرة عملية التنسيق، يقترح العمل بما يلي: 

  • خلق ديناميكية في مجال التنسيق مع مختلف الوزارات والمنظمات الإقليمية والدولية وكذا الجمعيات والتعاونيات؛
  • التنسيق على الصعيد الوطني والجهوي؛
  • استغلال مختلف الأنظمة والطرق الحديثة في مجال التنسيق بين مختلف المتداخلين (القطاعات الحكومية منهم والهيئات الأخرى)، وذلك من أجل دراسة وتفعيل الإستراتيجية الرامية إلى محو الأمية ببلدنا والنهوض بالمشاريع التنموية بالمجال القروي والمناطق الجبلية بشكل أنجع و تنسيق فعال بين مختلف المصالح المركزية و الترابية.

         يضاف لما سبق ذكره، أن التنسيق بين المتدخلين في هذا الباب يتطلب تكثيف عملية محاربة الأمية بالموازاة مع المشاريع المنجزة بالعالم القروي وبالمناطق الجبلية، حيث تعد البرامج الأكثر نجاحا في مجال محاربة الأمية هي تلك التي يرتبط هدفها بالأنشطة المدرة للدخل، نظراً للترابط ما بين الأمية والفقر، ومن تم فإن تنفيذ برامج في مجال محو الأمية من غير ارتباطها بالإدماج السوسيو-اقتصادي خاصة لدى النساء يبقى محدود الأثر.

إن تنويع موارد المداخيل من خلال دعم تفعيل الأنشطة المدرة للدخل وإحداث المقاولات الصغرى التي تثمن مختلف الإنتاجات وتطوير الأنشطة الموجهة أساسا للنساء والشباب والساكنة الفقيرة والمهمشة، تعتبر قنطرة رائدة لتفعيل برامج محو الأمية والحد من الهدر المدرسي.

وبذلك يجب العمل على تغيير الانتقال من منظور يختزل التنمية القروية في التنمية الزراعية، التي تبقى مع ذلك رافعة حيوية، إلى مقاربة إدماجية تستحضر تدخل مختلف القطاعات وفق رؤية تنموية شمولية من بينها محو الأمية مع إرساء آليات مؤسساتية تروم تعزيز الاندماجية والانتقائية في تدخلاتها، وذلك على المستوى الاستراتيجي من خلال “اللجنة الوزارية الدائمة للتنمية القروية والمناطق الجبلية” وعلى المستوى التنفيذي من خلال “مديرية تنمية المجال القروي ومناطق الجبال”؛ مما يبين أهمية التنسيق في هذا المجال دون نسيان تدبير أنجع للموارد البشرية والمالية.

خلاصة:

تبعا لما ذكر سابقا، يعتبر ورش محاربة الأمية من بين المشاريع الجد هامة المتخذة على الصعيد الوطني. ومرد هذا الاستنتاج التجارب المتراكمة على الصعيد الوطني بفضل التوجهات النيرة والحكيمة المتواترة في الخطب الملكية، إضافة إلى التوجهات الفعالة والعملية لباقي السلطات العمومية في هذا السياق. كما أن خلق الوكالة المشار إليها آنفا  بالإضافة للقوانين المسطرة لها، تعد خطوة جد فعالة للقضاء على آفة الأمية ببلدنا. غير أن إنجاح هذا الورش وتنفيذه يتطلب مع ذلك ما يلي:

  • الحرص على العناية بالجانب الكمي على حساب المستوى النوعي وجودة الخدمات، حيث إن المؤشر المعتمد في تتبع ورصد هذه الظاهرة غالبا هو نسبة الأمية، أي الإنجازات الرقمية في هذا المجال؛
  • عدم إهمال مرحلة ما بعد محو الأمية وخاصة برامج مساعدة المتحررين من الأمية من الاحتفاظ بمهارات القراءة؛
  • التركيز بقوة على الحد من الهدر المدرسي خلال الابتدائي و كذا الاعدادي على اعتبار أن نسبة كبيرة ممن يغادرون المدرسة في سن مبكرة يصبحون أميون في غياب برامج مواكبة لهؤلاء الأطفال والحد من تشردهم وانحرافهم؛
  • الرفع من نسبة التمدرس خلال الابتدائي و كذا الاعدادي؛
  • الرفع النسبي لميزانية محاربة الأمية؛
  • استهداف محكم للفئات الاجتماعية؛
  • تقوية التنسيق مع مختلف المتدخلين والفاعلين في هذا الشأن.

 

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

التخطي إلى شريط الأدوات