أحكام الحضور الشخصي في المادة المدنية و تطبيقاته في المادة الأسرية.

إعداد الباحث في العلوم القانونية: عبد الرحيم بنيحيى

خريج ماستر الأسرة في القانونين المغربي و المقارن، كلية العلوم القانونية و الاقتصادية و الاجتماعية. جامعة ابن زهر أكادير


مقدمة:

يعتبر الحضور الشخصي إجراء من إجراءات التحقيق في الدعوى الموصلة إلى الإقرار، نص عليها المشرع المغربي في كل من قانون المسطرة المدنية و مدونة الأسرة  كإجراء مسطري، بمقتضاه خول المشرع للمحاكم إلزام الخصوم على الحضور الشخصي أمامها، إما بالجلسة العلنية، أو بغرفة المشورة، وإما أمام القاضي المقرر، أو القاضي المنتدب لهذا الغرض، وذلك من أجل الإجابة عن الأسئلة التي سيتم طرحها بصدد الدعوى القائمة بينهم[1] رغبة في الوصول إلى الحقيقة، أو لمحاولة صلح بين الزوجين في حالة النزاع، حيث بواسطة هذا الإجراء تتمكن المحكمة من ملامسة واقع النزاع بفضل الاتصال المباشر بالخصوم.[2]

و للحديث أكثر عن هذا الموضوع ارتأيت تقسيمه إلى مطلبين أساسيين وفق الشكل التالي:

المطلب الأول: الحضور الشخصي في قانون المسطرة المدنية الحالي و مستجداته في مسودة مشروع قانون المسطرة المدنية ليناير 2015.

المطلب الثاني : تطبيقات الحضور الشخصي في المادة الأسرية.

 

المطلب الأول: الحضور الشخصي في قانون المسطرة المدنية الحالي و مسودة مشروع ق م م ليناير 2015:

نظم المشرع المغربي أحكام الحضور الشخصي في قانون المسطرة المدنية الحالي بمقتضيات جعلته إجراء من إجراءات التحقيق في الدعوى، كما جاءت مسودة مشروع قانون المسطرة المدنية ليناير 2015  بمستجدات في هذا الشأن.

الفقرة الأولى: أحكام الحضور الشخصي في قانون المسطرة المدنية.

   يعتبر الحضور الشخصي إجراء لا يخرج عن القواعد العامة المنصوص عليها في الفصل 55 من قانون المسطرة المدنية الذي ينص في فقرته الأولى على أنه ” يمكن للقاضي بناء على طلب الأطراف أو أحدهم أو تلقائيا أن يأمر قبل البت في جوهر الدعوى بإجراء خبرة أو وقوف على عين المكان أو بحث أو تحقيق خطوط أو أي إجراء آخر من إجراءات التحقيق”.

من خلال هذه الفقرة فالمشرع المغربي لم يحصر إجراءات التحقيق في قانون المسطرة المدنية الحالي بل أوردها على سبيل المثال، ويعد الحضور الشخصي إجراء الأكثر بساطة والأقل تكلفة، يمكن للمحكمة أن تأمر به تلقائيا، أو بناء على طلب الخصم، أو أحدهم وذلك في أية مسألة نزاعية وفي أية مرحلة من مراحل الدعوى، ابتداء من افتتاحها إلى حين إقفالها، سواء أمام محكمة الدرجة الأولى أو أمام محكمة الدرجة الثانية.

كما نص المشرع في الفقرة الأولى من الفصل 334 من قانون المسطرة المدنية على أنه ” يتخذ المستشار المقرر الإجراءات لجعل القضية جاهزة للحكم ويأمر بتقديم المستندات التي يرى ضرورتها للتحقيق في الدعوى. ويمكن له بناء على طلب الأطراف أو حتى تلقائيا، بعد سماع الأطراف أو استدعائهم للحضور بصفة قانونية، الأمر بأي إجراء للتحقيق من بحث وخبرة وحضور شخصي دون مساس بما يمكن للمحكمة المرفوع إليها الاستئناف[3] أن تأمر به بعد ذلك من إجراءات في جلسة علنية أو في غرفة المشورة.

ونشير هنا أن المشرع المغربي لم يضع أي جزاء قانوني حين يمتنع الخصم عن الحضور شخصيا، ويمكن استخلاص ذلك  في أنه في حالة امتناع الخصم عن الحضور الشخصي، أو رفضه الإجابة عن اسئلة المحكمة دون عذر مشروع، يخول للمحكمة استنتاج ما تراه مناسبا. ويمكن أن تعتبر ذلك قرينة قضائية على صحة ادعاءات الخصم الآخر.

الفقرة الثانية : مستجدات الحضور الشخصي في مسودة مشروع قانون المسطرة المدنية ليناير 2015.

بالعودة إلى مسودة مشروع قانون المسطرة المدنية لسنة 2015 نجد أنه في المادة 334 منه حذف المشرع عبارة ” الأمر بأي إجراء لتحقيق من بحث وخبرة وحضور شخصي” حيث اكتفى  من خلالها بعبارة ” الأمر بأي إجراء لتحقيق دون مساس بما يمكن للمحكمة الاستئناف أن تأمر به..”

و الرأي في اعتقادي أن هذا التغيير، وحذف الحضور الشخصي من الفصل 334       من قانون المسطرة المدنية الحالي، إجراء قيد به المشرع المحكمة والزمها بالتقيد فقط بإجراءات التحقيق الأخرى المنصوص عليها في مسودة المشروع، وهذا ما سيمنع المحكمة من إجراء من إجراءات التحقيق التي بها يتم ملامسة واقع النزاع بفضل الاتصال المباشر بالخصوم.

المطلب الثاني : تطبيقات الحضور الشخصي في المادة الأسرية

حرص المشرع المغربي في مدونة الأسرة على إعمال مجموعة من إجراءات التحقيق من بينها الحضور الشخصي كإجراء يتم إلزام به الخصوم للحضور شخصيا أمام المحكمة قصد استجوابهم حول وقائع القضية، ومجال إعمالها في المدونة متنوع منها الزواج و الطلاق.

 

 

الفقرة الأولى: تطبيقات الحضور الشخصي في الزواج

أصبح الحضور الشخصي ضروريا ولازما للزوجين في مجلس العقد، وذلك من أجل التعبير عن الإيجاب والقبول – الرضى – والتوقيع على الرسم من طرف الزوجين أو ولي أحدهما عند الاقتضاء، وذلك طبقا للبند الرابع من المادة 67 من مدونة الأسرة الذي ينص على أنه ” يتضمن عقد الزواج ما يلي: 4- صدور الإيجاب والقبول من المتعاقدين وهما متمتعان بالأهلية والتمييز والاختيار..”

ولكن المشرع سمح بالتوكيل في الزواج طبقا للبند الخامس من المادة 67 الذي ينص “البند الخامس على أنه: في حالة التوكيل على العقد، يجب أن يتضمن اسم الوكيل ورقم بطاقته الوطنية، وتاريخ ومكان صدور الوكالة في الزواج..”

والحكمة من الوكالة أنها تبقى وسيلة تعاضدية وتكافلية يسد بها الشخص حاجته عندما يقف عليها، فالمشرع تسهيلا على كل ما تعذر عليه إجراء عقد الزواج بنفسه – الذي غالبا ما يكون من الجالية المغربية المقيمة بالخارج- أن يوكل غيره من مباشرة إجراءاته. وذلك وفق شروط المادة 17 من مدونة الأسرة وهي:

1 – وجود ظروف خاصة، لا يتأتى معها للموكل أن يقوم بإبرام عقد الزواج بنفسه؛

2 – تحرير وكالة عقد الزواج في ورقة رسمية أو عرفية، مصادق على توقيع الموكل فيها؛

3 – أن يكون الوكيل راشدا متمتعا بكامل أهليته المدنية، وفي حالة توكيله من الولي يجب أن تتوفر فيه شروط الولاية؛

4 – أن يعين الموكل في الوكالة اسم الزوج الآخر ومواصفاته، والمعلومات المتعلقة بهويته، وكل المعلومات التي يرى فائدة في ذكرها؛

5 – أن تتضمن الوكالة قدر الصداق، وعند الاقتضاء المعجل منه والمؤجل. وللموكل أن يحدد الشروط التي يريد إدراجها في العقد والشروط التي يقبلها من الطرف الآخر؛

6 – أن يؤشر القاضي المذكور على الوكالة بعد التأكد من توفرها على الشروط المطلوبة.

الفقرة الثانية : تطبيقات الحضور الشخصي في الطلاق

إذا أراد الزوج أن ينفصل عن زوجته التي لم يعد يرغب في معاشرتها عن طريق الطلاق لسبب أو لدون سبب، عليه أن يتقدم بطلب بذلك إلى المحكمة المختصة في إطار الفصل 31 من ق م م،[4] ويمثل موضوع الطلب هنا في الحصول على إذن من المحكمة بالطلاق يسمح للعدلين المنتصبين للإشهاد بالإشهاد عليه أمامهما تبعا لمقتضيات المادة 79 من مدونة الأسرة.[5]

ويترتب على هذا الطلب المرور مباشرة من طرفها إلى مسطرة الإصلاح التي يتعين على الطرفين ( الزوجين ) الحضور شخصيا  لها في غرفة المشورة وذلك طبقا لمقتضيات المادة 82 من مدونة الأسرة،[6] وتعد محاولة الصلح إجراء جوهري لا يمكن إنجازه في غياب الزوجين المعنيين، ولذلك أوجب المشرع حضورهما الشخصي في حالة المصالحة التي يجب فيها على المحكمة بدل كل المجهودات لإصلاح ذات البين.[7]

وهذا ما أكده المشرع في الدليل العملي لمدونة الأسرة بقوله ” يحضر الطرفان شخصيا جلسة الصلح بغرفة المشورة،[8] وتجرى المناقشة والاستماع إلى الشهود والى جميع من ترى المحكمة فائدة في الاستماع إليه.”[9]  و محاولة الإصلاح قد تقوم بها المحكمة نفسها، وقد تنتدب لها حكمين أو مجلس العائلة أو أي شخص آخر تراه مؤهلا لإصلاح ذات البين.

وهكذا  فإن للمحكمة في إطار سلطتها التقديرية، أن تقوم بالإجراء الملائم لطبيعة كل نزاع على حدة، وأن تذكر الزوج الراغب في الطلاق بمختلف الآثار السيئة لذلك.[10]

لذلك فالحضور الشخصي هنا إجراء وفلسفة تشريعية لتحقيق والبحث عن أسباب النزاع بين الزوجين، والتحقق من مسبب النزاع ومناقشة ذلك مع الطرفين شخصيا.

ولكن أجاز العمل القضائي إعمال الوكالة في الطلاق، وذلك بأن يوكل إلى الغير القيام بإجراءات الطلاق، وفي هذا الصدد جاء في قرار لمحكمة الاستئناف بالجديدة بأنه ” سكوت المشرع عن تنظيم الوكالة في الطلاق لا يمنع من اعتماد التوكيل في الطلاق، وذلك عند نهوض ضروراته القصوى كتواجد الزوج خارج الوطن مع استنتاج إصراره الأكيد على الطلاق، نعم”[11]

من خلال هذا القرار يظهر أن التوكيل في الطلاق له شروط محددة نجملها فيما يلي:

– توفر ضروراته القصوى التي هي تحت السلطة التقديرية للمحكمة في تكييفها كضرورة  قصوى( كتواجد الزوج خارج الوطن).

– تأكد المحكمة من إصرار الزوج الأكيد على الطلاق.

والإشكال المطروح هنا أن الوكالة في الطلاق تتعارض مع مسطرة الصلح المنصوص عليها في المواد من 81 إلى 83 من مدونة الأسرة، باعتبارها وسيلة فعالة لحل النزاعات الأسرية سواء تعلق الأمر بالطلاق أو التطليق، ويقوم على أساس احترام الآخر والإخاء والمودة والرحمة. كما يخفف العبء عن المحاكم ومن تكدس القضايا والملفات بإنهاء الخصومة بصفة نهائية.

وعموما فإنه لا يمكن اعتماد التوكيل في الطلاق إلا اضطراريا، وذلك لتخفيف ورفع الحرج في حالة كون بعض الأشخاص لا يستطيعون أن يقوموا بجميع مصالحهم، كتواجد الزوج خارج الوطن، لكن مع التقيد بشرط الإصرار الأكيد على الطلاق كما ورد في القرار السابق الذكر، بمعنى رفض الطرف أية محاولة التصالح بينهما.

 

 

 

 

 

 

 

 

خاتمة:

نستخلص مما سبق أن الحضور الشخصي يعد إجراء مسطري هام في التشريع المغربي، وضع له المشرع أحكام عامة في قانون المسطرة المدنية كإجراء لتحقيق في الدعوى الموصلة للإقرار، بواسطته تتمكن المحكمة من ملامسة واقع النزاع بفضل الاتصال المباشر بالخصوم، كما اعتبره المشرع قاعدة في القضايا الأسرية وذلك بإلزام الأطراف بالحضور شخصيا أمام المحكمة إما بالجلسة العلنية أو بغرفة المشورة، ولكن سمح بإعمال الوكالة في الزواج وفق شروط نصت عليها المادة 17 من المدونة، وسكت عن تنظيم الوكالة في الطلاق، ولكن القضاء اعتمد التوكيل في الطلاق في عدة مناسبات، وذلك عند نهوض ضروراته القصوى كتواجد الزوج خارج الوطن و إصراره الأكيد على الطلاق. وهنا تطرح إشكالية تطبيق مسطرة الصلح التي تفترض الحضور الشخصي للطرفين، ومن هذا المنطلق أقترح ما يلي:

  • ضرورة وضع جزاء قانوني حين يمتنع الخصم عن الحضور شخصيا أمام المحكمة وفق الفصل 334 من قانون المسطرة المدنية،باعتبار الحضور الشخصي هنا إجراء من إجراءات التحقيق في الدعوى.
  • تقييد الوكالة في الزواج و الطلاق بشروط صارمة وعدم السماح الولوج إليها إلا اضطراريا لأنها تتعارض مع مقتضيات المواد 81 إلى 83 من مدونة الأسرة الخاصة بمسطرة الصلح.
  • الأخذ بإجراء الحضور الشخصي في مسودة مشروع قانون المسطرة المدنية عوض حذفه، باعتباره إجراء من إجراءات التحقيق التي بها يتم ملامسة واقع النزاع بفضل الاتصال المباشر بالخصوم.

[1] . محمد المجوبي الإدريسي، ، إجراءات التحقيق في الدعوى في قانون المسطرة المدنية المغربي، رسالة لنيل دبلوم الدراسات العليا في القانون الخاص، الطبعة الأولى 1996 مطبعة الكاتب العربي- دمشق ص 240

[2]. مرجع سابق ص 243

[3] –    تم تغيير و تتميم الفقرة الأولى من الفصل 334 أعلاه بموجب القانون رقم 35.10 .

[4] . تنص المادة 31 من قانون المسطرة المدنية على أنه ” ترفع الدعوى إلى المحكمة الابتدائية بمقال مكتوب موقع عليه من طرف المدعي أو وكيله أو بتصريح يدلي به المدعي شخصيا ويحرر به أحد أعوان كتابة الضبط المحلفين محضرا يوقع من طرف المدعي أو يشار في المحضر إلى أنه لا يمكن له التوقيع.

تقيد القضايا في سجل معد لذلك حسب الترتيب التسلسلي لتلقيها وتاريخها مع بيان أسماء الأطراف وكذا تاريخ الاستدعاء.  بمجرد تقييد المقال يعين رئيس المحكمة حسب الأحوال قاضيا مقررا أو قاضيا مكلفا بالقضية

[5]. تنص المادة 79  من مدونة الأسرة على أنه ” يجب على من يريد الطلاق أن يطلب الإذن من المحكمة بالإشهاد به لدى عدلين منتصبين لذلك، بدائرة نفوذ المحكمة التي يوجد بها بيت الزوجية، أو موطن الزوجة،    أو محل إقامتها أو التي أبرم فيها عقد الزواج حسب الترتيب.

[6]. تنص المادة 82 من مدونة الأسرة على أنه ” عند حضور الطرفين، تجري المناقشات بغرفة المشورة، بما في ذلك الاستماع إلى الشهود ولمن ترى المحكمة فائدة في الاستماع إليه.

للمحكمة أن تقوم بكل الإجراءات، بما فيها انتداب حكمين أو مجلس العائلة، أو من تراه مؤهلا لإصلاح ذات البين. وفي حالة وجود أطفال تقوم المحكمة بمحاولتين للصلح تفصل بينهما مدة لا تقل عن ثلاثين يوما.

إذا تم الإصلاح بين الزوجين حرر به محضر وتم الإشهاد به من طرف المحكمة.

[7]. الدليل العملي لمدونة الأسرة، منشورات جمعية نشر المعلومة القانونية والقضائية، وزارة العدل، سلسلة الشروح والدلائل العدد 1 – 2004 الصفحة 65.

[8]. غرفة المشورة هو مكان داخل المحكمة يتم التداول فيه بكيفية غير علنية وأحيانا تجري مناقشة القضية أو سماع الشهود داخلها، متى قرر المشرع ذلك بكيفية صريحة.

[9].الدليل العملي لمدونة الأسرة مرجع سابق صفحة  64

[10]. محمد الكشبور ، الواضح في شرح مدونة الأسرة، انحلال ميثاق الزوجية، مطبعة النجاح الجديدة الدار البيضاء، الطبعة الثالثة 1436-2015ص 76

[11]. قرار صادر عن محكمة الاستئناف بالجديدة بتاريخ 8\5\07 تحت عدد 319 في الملف عدد 47\06 منشور بمجلة الملف عدد 11 ص 246 ومايليها

Profile photo of AFKIR Mohamed

AFKIR Mohamed

باحث في قانون الأعمال

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

التخطي إلى شريط الأدوات