أزمـــــــة الـــبــيــــئـــة بين المـــــوروث الثقــــــافي وتفــــرد الــتشريــــع الإســـــلامي في رعـــايـــتــهـــــا

 

 د. جميلة مرابط

   كاتبة و باحثة 

 

 

 

                  أزمـــــــة الـــبــيــــئـــة

بين المـــــوروث الثقــــــافي وتفــــرد الــتشريــــع الإســـــلامي في رعـــايـــتــهـــــا

 

تعد قضية البيئة من المشكلات المتعددة الأوجه والأبعاد، وتتميز بطابعها التراكمي، ومحصلة لعلاقة تفاعلية بينها وبين الإنسان عبر السنين، التي ازدادت عمقا مع التطور العلمي والتكنولوجي؛ مما نتج عنها أزمة بيئية تجتاح الكوكب الأزرق من أقصاه إلى أقصاه، حيث شكّلت تهديدا حقيقي للبشرية ولمظاهر الحياة المختلفة على الأرض.

وأمام تصاعد حدة هذه الأزمات تطورت نقاشات حول الأسباب الفعلية التي أنتجت بيئة معطوبة، فقسم من هذه النقاشات نجدهم يعتبرون المعتقدات والقيم والموروثات الثقافية، تؤثر مباشرة على علاقة البشر بالكون وطريقة تعاملهم مع الطبيعة؛ وتتحكم في نظرتهم إلى البيئة المحيطة بهم، خاصة ما جاءت به الأديان السماوية وما منحته للإنسان من ترخيص في معاملته للطبيعة والحيوان معاملة سيئة وأعطته مكانته المتميّزة أو استثنائية مقارنة ببقية الكائنات… ونجد غالبية من يأخذون بالموروثات الثقافية ينتمون إلى التيارات الايكولوجية الجذرية(الراديكالية). فهذه التيارات تحمل المسؤولية المباشرة للسلوك البشري فرديًا كان أو جماعيًا نحو الطبيعة للخطاب الديني خاصة المسيحية في نسختها الغربية .

ونجد على رأس هؤلاء الإيكولوجي أرنولد توينبي والمؤرخ الأمريكي لين وايت  Lynn White بأطروحته التي حمل عنوان” الجذور التاريخية للأزمة البيئية”، و سالي ماك فاغ Sallie MacFaque… فهم يتهمون بعض الأفكار الدينية في إحداث الأزمة البيئية بسبب نزع القداسة عن الطبيعة ومنح تمركزا للإنسان مما زاده غطرسة، لذا نجد هذا التيار يلتمس علاج للخروج من الأزمة في صياغة أخلاق بيئية جديدة وذلك عبر الانفتاح على ثقافات أخرى التي تعظِّم المحيط الطبيعي.

فقد أثارت هذه المبررات جذلا كبير ورفضا مطلقا من قبل رجال الدين، الذين بادروا للدفاع ضد الغلو والتعسف الشديد تجاه الديانات السماوية، بما فيهم علماء وفقهاء المسلمون عبر تطوير رؤى وأفكار ونظريات مستوحاة من الإسلام التي تدعو إلى حماية البيئة والمحافظة عليها … وعلى ذلك فنحن نتساءل عما إذا كانت الأفكار الدينية مهمة حقا لدرجة تشكيل الأفكار الغربية عن الطبيعة تشكيلا جعل من الممكن تسخير العالم الطبيعي على نحو أكبر؟ ثم كيف استطاع علماء الدين من تبرئة الديانات السماوية؟؟ وما الجديد الذي تميز به التشريع الإسلامي كديانة سماوية عن غيرها من الديانات والقيم والموروثات الأخرى في حماية البيئة ورعايتها؟؟

وللكشف عن هذا الجدل التاريخي الخاص بالطبيعة الإيكولوجية المعطوبة حسب تعبير الراديكاليون، سأعمد على استقراء الوقائع التاريخية بتعقب الظاهرة التي انطلقت منها التيارات الجذرية في تثبيت صحة نظريتها مع تحليل وكشف العجز والقصور الذي شاب البديل المقترح من طرفها، دون أن ننسى عرض وبمنهج تحليلي دفاعات التي ساقها رجال الدين في اعتبار الديانات السماوية ما هي إلا سياج لحكاية الطبيعة والعناصر المكون لها.

  1. قــــــوة المـــوروتاث الثقــــافيــة فـــي إعـــاقـــة الـــوعي البيــــئي:

لعل التأثير القوي للأديان والتقاليد الروحية في سلوك البشر، هو الذي دفع المفكرين للبحث في القضايا البيئية واستقصاء الصلات المحتملة بينها وبين الأديان وتعاليمها ونظراتها. فكيف تم عقد الصلة بين الدين و المعتقدات بما تعانيه الأنظمة الإيكولوجية؟؟؟ وهل لأفكار أخرى القدرة على تلمس الحلول لها؟ وهل ثمة تباينات بين الأديان يمكن رصدها في هذا الصدد؟

لقد ظهرت دراسات وبحوث تأخذ في منظورها هذه الأسئلة، ومن أهم هذه الدراسات؛ ما نشره المؤرخ الأمريكي لينْ وايتْ Lynn White لنصه المشهور”الجذور التاريخية لأزمتنا الإيكولوجية” الذي تقدم به إلى المؤتمر السنوي للجمعية الأميركية لتقدم العلوم (American Association for the Advancement of Science)، وكان ذلك يوم 26 ديسمبر1966.[1] وقد نشأ عنها جدال مثير وطويل لا يزال مستمرًا إلى يومنا هذا.

فحسب تأويله للنصوص، يرى وايت أن الأديان السماوية هي المسؤولة خاصة  المسيحية التي ورثت عن اليهودية فكرة سيادة الإنسان على الطبيعة ومخلوقاتها، كما ورد في قصة التكوين التوارثية التي اعتمدتها المسيحية كما هو وارد في (سفر التكوين28:1):{{ وباركهم الله وقال لهم: أثمروا وأكثروا و املؤوا الأرض، وأخضعوها وتسلطوا على سمك البحر، وعلى طير السماء، وعلى كل حيوان يدب على الأرض}}، يقول وايت: {{ في القديم كان لكل شجرة ومنبع ماء وجبل حارس من الجنوقبل قطع أي شجرة أو فتح معبر خلال جبل، أو تغيير مجرى ساقية، كان لا بد من إرضاء ذلك الحارس}} وعلى خلاف هذا أفرغت المسيحية الطبيعة من كل حضور إلهي أو شيطاني يمنحها قوة أو معنى، فعوّضت بذلك النظرة القديمة، التي كانت تنظر إلى الأرض كمكان مقدس، بنظرة جديدة تنظر إلى الطبيعة كمورد لإشباع حاجات البشر، وحلّ تمجيد الإنسان محل تمجيد الطبيعة، وأصبح بإمكان الإنسان أن يحكم العالم … وبالتالي وحسب وايت فإن الغرب وحده، وتحت تأثير المسيحية الغربية لا الشرقية، أنتج تكنولوجيا مهيمنة على الطبيعة، وحدّدت مسار”الثورة العلمية والصناعية” التي أدّت إلى تدمير الطبيعة، فقد دفعت بالتطور العلمي والتقني إلى نتائجه القصوى حين منحت الإنسان مكانة متميزة وسط الكون، ورخصت له بالهيمنة على الطبيعة.[2]

وفي نفس الاتجاه نجد أيضا أرنولد توينبي يطرح المسألة على النحو التالي: “… وفحوى هذه المقالة  أن بعض أمراض عالم اليوم الكبرى- مثل: السفه واستهلاك كنوز الطبيعة التي لا تعوض وتلويث ما لم يتبدد منها- إنما يرجع في خاتمة المطاف إلى سبب ديني وهذا السبب هو ظهور التوحيد…”؛ [3] وأشار توينبي إلى الإنسان السابق على التوحيد فقال إن الطبيعة بالنسبة له: “لم تكن مجرد كنز نفيس من الثروات الطبيعية  وإنما كانت إلهة الأرض الأم،  وكل النباتات التي انبثقت من الأرض والحيوانات التي تمشي في مناكبها مثل الإِنسان نفسه، والمعادن المطمورة في الأرض كلها تشارك في ألوهية الطبيعة”… فالإنجيل لم يسلب الطبيعة قداستها ورهبتها القديمة فحسب لكي ينصب إلها خالَقا أسمى، بل إنه نصح البشر بصفة خاصة أن يقهروا العالم الطبيعي.[4]

فقد انخرط في هذا الخطاب المضاد للمسيحية الذي رفع لواءه لين وايت، والعديد من الإيكولوجيين الذين ينتمون إلى ما يسمىالإيكولوجيا الراديكالية أو الجذرية”، أمثال: ميشال مافيسولي Michel Maffesoli، وإدوارد غولد سميث Edward Goldsmith ، وأيضا المفكر الرياضي والإيكولوجي المعروف ميشال سار Michel Serres … وملخص ما جاء عن لسان هؤلاء أن علاقة الله بالعالم في الديانة المسيحية هي علاقة تسلط، وأن الكائن الوحيد المحبوب من الله هو الإنسان، وهو ما يعني، في رأيهم، أن الطبيعة لم تُخلق إلا لخدمة الإنسان، ويعني أن المركزية البشرية ذات أصل مسيحي هي التي أعاقت تطور الوعي الإيكولوجي…

لهذا فهم  يقترحون اعتناق ثقافات الشرق الأقصى والأديان القديمة المؤمنة بتعدد الآلهة، كالهندوسية والبوذية والطاوية، لأنها لم تميز بين الإِنسان والطبيعة أو بين الحيوان والجماد، حيث كانت ترى في كل شيء حتى الصخور والأحجار تسري فيه الحياة، وكانت الكائنات الحيوانية والنباتية تعد على وجه التأكيد »حية « كالبشر سواء بسواء، وهذا ما يعرف بـ “كوسمولوجيا جديدة أو “أخلاق جديدة للبيئة المعطوبة. كيف ذلك؟؟؟ ثم هل فعلا المثل العليا التي تدعيها هذه الديانات ألا تتناقض بين  المواقف من البيئة والسلوك الإنساني ؟؟؟

  1. صيـــــــاغــــة أخــــلاق بـــيئية جديـــدة عبر تبنـــي المــثل العليـــا

إذا عدنا إلى أطروحة لين وايت  نجده يخبرنا أن فكرة مقالته جاءت وهو يراقب البوذيين في سيلان يشقون طريقا،  “اكتشف ثقوبا في أرض الطريق المطلوب شقه تركت وشأنها ثم اكتشف أنها أوكار ثعابين وقد امتنع البوذيون عن تدميرها حتى تغادر الثعابين من تلقاء نفسها مكان العمل”.  ولم يكن في وسع وايت إلا أن يلاحظ عدة أشياء من بينها “أن الذين يشيدون الطريق لو كانوا من المسيحيين  لكان مصير الثعابين مختلفا”… ومن هنا نجد وايت يدعو إلى الانفتاح على ثقافات أخرى تعظِّم المحيط الطبيعي، أي التوجّه الثيولوجي[5] (الأديان الآسيوية بالتحديد).

إذ تجد واقع الثقافات الشرق الأقصى يصرون علىَ أن العالم الإنساني والعالم الطبيعي واحد، ففي إحدى الروايات من كتاب الهندوكي المقدس يعود إلى حوالي عام 700 ق.م، أن بعض كهنة الهندوك كانوا ينطلقون للعيش في الغابة ولا يرافقون سوى الحيوانات والحشرات والنباتات، فهم يبحثون عن التواصل المستمر مع ألوهية الطبيعة؛ ومنهم من ذهب إلى أبعد من ذلك كجواناما سد ضازطا حوالي 500 ق.م، المسمى ببوذا (المستنير).[6]

وفي نفس الاتجاه نجد الفلاسفة الصينيون يرددون أقوالا مماثلة، فقد كانت »الطاوية[7] « من أكثر أديان الطبيعة الصينية القديمة تأثيرا، فقد اشتقت اسمها من الطاو »الطريق الطبيعي « الذي دعا الشاعر لاوتسو  Laotzu الناس حوالي 600 ق. م.  إلى إتباعه.

وفي القارة الإفريقية أيضا، كانت بعض قبائل الصيد تطلق على نفسها اسم »الدب « أو »الجاموسة « شعورا منها بأن ما يربطها بحيوانها الطوطم أقوى مما يربطها بالأغراب، زيادة على ذلك فهم يعتبرون حيوانهم الطوطمي هو سلفهم أو عصبهم … و أيضا في اليونان، فلا يزال الفلاحون اليونانيون إلى يومنا هذا يغنون لأمهم الأرض وابنتهم الزيتونة…

لكن السؤال الذي يتبادر إلى الأذهان هل فعلا هذه الثقافات شكلت صمام الأمان للطبيعة ؟؟؟ إذا كان الجواب بنعم، فلماذا نجد في تلك الفترة قوانين تعبر عن رفض بعض السلوكات السلبية تجاه البيئة؟؟؟

  1. تخـــــبـــط المـــــذاهـــب الإيكولوجية المضــــادة للأديـــــان السمـــاويـــة:

لا ينبغي أن نتصور أن الصيني بل وحتى الطاوي أو البوذي  بأكملهم كانوا يولون الطبيعة هذه الرعاية، يجب أن نعلم أن هذه المثل العليا التي تدعيها هذه الديانات تجاه الطبيعة يقابلها سلوكات فرضت قوانين التي ترمي إلى الحفاظ عليها؛ مثلا قوانين قدماء المصريين التي تدل عن مدى حرصهم على حماية مياه النيل من التلوث، لدرجة إن حضر أحدهم الموت كان يسجل حسناته في حياته ومن ضمنها أنه لم يلوث ماء النيل أبدا؛ واتجه الرومان أيضا لحماية البيئة ويظهر ذلك في مدونة جوستنيان حيث تقول: “إن الأشياء المشتركة بحسب القانون الطبيعي وهي الهواء والماء والتربة يجب الحفاظ عليها من كافة الآدميين”، كذلك ورد في الألواح الإثنى عشر القاعدة الرومانية التي تجرم دفن الميت أو حرقه داخل المدن.

ويطالعنا تاريخ الصين التقليدية على أنباء كثيرة، عن اقتلاع الغابات وتعرية التربة وإغراق الأراضي لتبارى الناس في تشييد البيوت، وتعتبر مدينة شانجان ومدينة هانجشو[8] مدن عملاقة التي شيدت في تلك الفترة وأثرت سلبا على الطبيعة الإحيائية في تلك المنطقة، كما استخدمت الصناعات الصينية الأشجار بكثرة إلى درجة أجهدت اﻟﻤﺨزون من الخشب الأمر الذي دعا إلى اتخاذ الفحم وقودا بديلا عن الخشب بشكل متزايد….

أمثلة كهذه تدل على عدم الاكتراث بالطبيعة، ودليل على تخبط المذاهب الإكولوجية في دعوتها إلى تبني الثقافات أخرى، لأن هذه الثقافات لم تحتكّ بالمسيحية، ومع ذلك تسببت هي أيضًا في الإضرار بالطبيعة، ما يعني أن موقف الإنسان من الطبيعة لم يحدّده الدّين، رغم التأثير القوي للأديان والتقاليد الروحية في سلوك البشر، إلا أنه لا يمكن تحميلها مسؤولية سلوك الإنسان المدمر، وإنما حدّدته وتحكمت فيه عوامل المتداخلة من أهمها التطور التكنولوجي والعلمي والنظام الاستهلاكي ألا متناهي كما عبر عنه إتيان فيرميرش بنظرية مركَّب STC : وهي نظرية أرجع من خلالها تيان فيرميرش أسباب الأزمة الايكولوجية إلى ثلاثة عناصر مجتمعة هي: العلم والتكنولوجيا ، والاقتصاد الرأسمالي.

كما نجد أيضا آيات في الكتب المقدسة تحد من سيطرة الإنسان على الطبيعة، بل و تلزمه العمل على رعاية وحماية البيئة، ومن هنا تم إنشاء تجمّع في أمريكا عرف باسم الشراكة الوطنية الدينية The National Religions Partnership تدافع عن البيئة باسم الدّين، كما قام البابا بولس الثاني بنشر كتاب عرض فيه المواقف الكاثوليكية عن الإيكولوجيا، وإطلاق خليفته بنديكت السادس سنة 2006 لنداء من أجل إيقاف التدهور البيئي الذي كان يهدد في رأيه وجود الفقراء في العالم، تبعه نداء ثانٍ في الأول من سبتمبر 2006 دعا فيه إلى احترام الطبيعة باعتبارها هِبَة الربّ، وهو اليوم أصبح رمزًا للدفاع عن الطبيعة…. وتميزت مبادرة علماء وفقهاء المسلمين بجعل حماية البيئة من منظار فقهي، وتحديدا من منظار نظرية المقاصد.

كيف أطرت نصوص التشريع الاسلامي لحماية البيئة؟؟؟ وكيف دافعت هذه النصوص عن الغلو التشدد الذي وجه إليها؟؟؟

 

  1. حمــــايـــة البـــيـــئة من مــنــظـــار نظــــرية المقـــاصد في التشريع الإسلامي:

إن المتتبع لأحكام الشريعة الاسلامية يمكنه العثور على الكثير من القرائن التي تدل بالتلميح و التصريح على حماية البيئة والمحافظة عليها، وهي لو جمعت و نظمت لأصبحت بابا فقهيا كسائر أبواب علم الفقه، كباب الطهارة و العبادات و أمثالها…. فإذا كان الفقه هو ذلك العلم الذي ينظم علاقة الإنسان بربه وعلاقة الإنسان بنفسه و أسرته و مجتمعه و أخيه الإنسان أينما كان، وعلاقته بالكون كله في ظل الأحكام الشرعية الموزعة بين الوجوب و الاستحباب و الحرمة و الكراهة والإباحة، فإن البيئة تشكل المسرح الذي تجري فوقه أفعال المكلفين و منه تستمد طاقتها و حاجاتها المادية والروحية.[9]

وبالتالي فالتأطير الشرعي لقضية البيئة  ينبني من نظرية المقاصد، لعل أول من ذكر المقاصد العامة  للشريعة كاملة الإمام الغزالي حيث يقول:”و مقصود الشرع من الخلق هو أن يحفظ عليم دينهم و نفسهم و عقلهم و نسلهم و مالهم، فكل ما يتضمن حفظ هذه الأصول الخمسة فهو مصلحة، وكل ما يفوت هذه الأصول فهو مفسدة ودفعة مصلحة”. فهذه المقاصد أو المصالح سماها البعض الأصول الخمسة أو الكليات الخمس، وهي تتصف بالإتقان و الإحكام و الكمال، و تراعي حاجات الإنسان و غرائزه التي جبل عليها.[10]

ومن هذا من منظار نجد العديد من المحاولات القيّمة التي ساهم بها المسلمين  للرد والدفاع وتبيان المكانة المخصصة لرعاية البيئة، ومن أهم هذه المحاولات نجد محاولة عبد المجيد النجار التي يمكن وصفها بالتجديدية ، حيث سعى إلى جعْل البيئة مقصدًا مستقلاً بذاته ضمن المقاصد الضرورية، وفي كتابه ” مقاصد الشريعة بأبعاد جديدة ” يقول:” … وبناء على ما يمكن أن يُحدث الإنسان من خلل في النظام البيئي، وما يكون لذلك من أثر على أدائه لوظيفته التي من أجلها خُلق، بل ما يكون له من أثر على مسيرة الحياة بأكملها، فقد جاءت الشريعة تبتغي مقصدا من المقاصد الضرورية هو مقصد حفظ البيئة. وإذا كنا لا نجد عند علماء إبرازا لهذا المقصد مقصدًا مستقلا قائمًا بذاته ضمن ما قرّروه من المقاصد الضرورية، فلعل ذلك يكون راجعًا إلى أنهم لم يكونوا يتصورون أن هذا الإنسان الصغير قادر على أن يحدث الخلل في هذا العالم الكبير بما يعود على الحياة فيه بالضرر العظيم….  ولما تبنّ أن الإنسان قادر على ذلك، بل هو قد اقترف ذلك بالفعل فإنه من الحق أن يدرج مقصد حفظ البيئة مقصدًا ضروريًا من مقاصد الشريعة ليكون مع مقصد حفظ المال مندرجًا ضمن مقصد أعلى، هو مقصد حفظ المحيط المادي الذي يعيش فيه الإنسان”[11].

وفي نفس الاتجاه نجد الدكتور يوسف القرضاوي ضمن كتابه “رعاية البيئة في شريعة الإسلام “، أدخل حفظ البيئة  ضمن الدين، لأن الجناية على البيئة يُنَافِي جوهر الدّين، وأدخله ضمن المحافظة على النفس، لأن صحة البشر وسلامتهم مرتبطة ببيئتهم، كما أدخله ضمن المحافظة على النسل، لأن الجناية على البيئة تهدد الأجيال المستقبلة بما تحمله في طياتها من أسباب الهلاك والدمار، وأدرجه أيضًا ضمن المحافظة على العقل لأن حفظ البيئة – بمعناه العام-  يقتضي المحافظة على الإنسان بكيانه كله الجسدي والعقلي، وأدخله أخيرًا ضمن المحافظة على المال، لأن المال له معنى أشمل من النقود، ومن معانيه الشجر والزرع والأنعام والماء… [12]

إن تعاليم الإسلام و توجيهاته تعمل في مجموعها على تنظيم علاقة الإنسان مع خالقه ثم مع بني جنسه من الناس، ومع محيطه الذي يحيا فيه، يقول الرسول الله صلى الله عليه وسلم:{{ إتق الله حيثما كنت، وأتبع السيئة الحسنة تمحها و خالق الناس بخلق حسن}}، فالتناغم مع سنن الله ونواميس كونه، ومراعاة أداء الأمانة في وظيفة الاستخلاف؛ كل ذلك يستدعي صيانة كوكب الأرض، وما فيه من عناصر بيئية، ويحتم كذلك حمايتها من كل ضرر. إنه بالقدر الذي تتلاءم فيه طبيعة الإنسان مع السنن الكونية وتسخرها لخدمته، بالقدر الذي تظهر فيه علامات السلامة العامة، والنظرة السليمة، والعيش تحت مظلة من السلوكيات الخلاقة.

نجد قمة هذه العناية المتميزة،  في اعتبار المحافظة على البيئة وصيانتها شعبة من شعب الإيمان، [13]روى مسلم بسنده عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :{{الْإِيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ  -أَوْ بِضْعٌ وَسِتون  َمن شعب – شُعْبَةً، فَأَفْضَلُهَا قَوْلُ لَا إِلَهَ إِلا اللهُ، وَأَدْنَاهَا إِمَاطَةُ الْأَذَى عَنِ الطرِيقِ، وَالحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنَ الْإِيمَانِ}}.

وأيضا في دعوته عليه أفضل الصلاة والسلام بالرفق و الإحسان و تعاطف مع كل مكونات الطبيعة من نبات وحيوانات ومياه…. فقد روي أنس بن مالك في موطأ أن  صلى الله عليه وسلم قال :{{ نعم الجار البحر: هو الطهور ماؤه، الحل ميته}، أيضا قوله فيما أخرجه البخاري وأبو داود، عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال{{ في كل كبد رطبة أجر}}، فالنبي عليه أفضل الصلاة والسلام يعتبر أول معلم في ترشيد استخدام الموارد الطبيعية وحسن تدبيرها ، كما أعطى نماذج عملية في الرعاية بالبيئة من التلف و تفشي الأمراض و الأوبئة[14].

يمكن القول أن مبادئ حماية البيئة و الحفاظ عليها في الشريعة الإسلامية، روعتها يكمن في الرفق و الإحسان و النظافة…

  • قال سبحانه و تعالى: {{وعباد الرحمان الذين يمشون على الأرض هونا وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما}}(سورة الفرقان 63)، ويشير التعبير ب(هون)؛ إلى التعامل الرفيق مع الأرض و ما فيها من مكونات، ويدل على السهولة و التواضع واللين عند ممارسة النشاطات المختلفة، فالسير على الأرض يكون هونا، والاستفادة منها تكون هونا، والتعامل معها يكون هونا؛ دون جور لها في أي صورة من صور التعامل.
  • وروى مسلم في صّحيحه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {{إن الله يعطي في الرفق ما لا يعطي على العنف، وما لا يعطي على ما سواه}} و أيضا {{إن الرّفق لا يكون في شيء إلّا زانه، ولا ينزع من شيء إلّا شانه}}،”ومن يحرم الرّفق يحرم الخير” .
  • الإحسان كلمة قرآنيّة نبويّة تتضمّن معنيين: الأوّل: معنى الإحكام والإتقان. والثّاني: معنى الإشفاق والحنان والإكرام. والمعنيان مطلوبان هنا في التّعامل مع البيئة، فيجب أن تعاملها بإحكام وإتقان، لا بإهمال وغفلة وإضاعة، كما يجب أن تعاملها برفق وإشفاق وحنان. ويتمثَّل هذا الرّفق مع كلِّ عناصر البيئة، جامدة كانت أم حيّة، عاقلة أم غير عاقلة، فيشمل هذا الرّفق الإنسان، والحيوان، والنبات، والجماد.[15]

وفي الأخير يمكن القول، أن بين القواعد الكلية والجزئية في الفقه الإسلامي تجد البيئة نفسها محتضنة في أروع حصون الاجتهاد الفقهي، المستوعب لأي تطور مادي أو معنوي لأنواع الضرر اللاحق بها، وفي أي عصر تكنولوجي, وبالتالي يأتي الفقه الإسلامي وأصوله في مقاصد الشريعة لبناء الإنسان البيئي كما يتصوره الإسلام، علما وخلقا وعبادة في تقواه مع الله وفي إحسانه مع خلقه وممارسته لدينه أو كما قال ابن القيم: “الدين كله خلق فمن زاد عليك في الخلق فقد زاد عليك في الدين”.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

االـــــهوامــــش :

 

  1. White, Lynn Jr, The Historical Roots Of Our Ecological Crisis, Science, Vol.155, No. 10, 1967
  2. Stéphane François, « Antichristianisme et écologie radicale »,Revue d’éthique et de théologiemorale ,n°272
  3. Arnold Toynbee, The Religious Backgroud of the Present Environmental Crisis, International Journal of Environmental Studies 3 (1972) : 141-146. Reprinted in David and Eileen Spring, eds., Ecology and Religion in History (New York: Harper & Row, 1974), p.146.
  4. , pp. 142-143
  5. Spring, Ecology and Religion, pp. 4-5. Lynn White,s account is in “Continuing the Conversation”in Western Man and Environmental Ethics, ed. Ian Barbour (Reading, Mass: Addison Wesley,1973), p.55.
  6. Herman Hesse, Siddhartha, trans. Hilda Rosner (New York: Bantham Books, 1971), p. 145
  7. The Canadian Georapher, 12, no. 3 (1968), quoted in Spring,Ecology and Religion, p.100.
  8. , p. 107
  9. جميلة مرابط: فقه البيئة والوجه الحضاري في رعايتها، دار النشر الدولية نور، الطبعة الأولى، 2017.
  10. الغزالي المستصفى من علم الأصول،طبعة الجندي،ص،251
  11. عبد المجيد النجار: مقاصد الشريعة بأبعاد جديدة )بيروت: دار الغرب الإسلامي، 2008
  12. يوسف القرضاوي: رعاية البيئة في شريعة الإسلام )القاهرة: دار الشروق).
  13. جميلة مرابط: فقه البيئة والوجه الحضاري في رعايتها، مرجع سابق.
  14. المرجع نفسه
  15. المرجع نفسه

 

 

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

التخطي إلى شريط الأدوات