أطراف العقد بين حماية المستهلك وقانون التوثيق

btn-ac

توفيق عزوزي

رئيس قسم التكوين بالغرفة الوطنية للتوثيق العصري 

ان الحديث عن أهم إشكالية يمكن إثارتها بخصوص موضوع أطراف العقد بين حماية المستهلك وقانون التوثيق الجديد، موضحا أن قانون حماية المستهلك يوحي للوهلة الأولى باتساع مجال تطبيقه ليشمل حتى قطاع الخدمات التي يقدمها أصحاب المهن الحرة، بما في ذلك المحامون والموثقون لفائدة زبنائهم، ولو أن القانون المذكور لم ينص بشكل صريح على تقنين العلاقة بين هاته الفئات المهنية و»المستهلكين»، إلا أن ذلك يمكن أن يستنبط من خلال ديباجة القانون 31-08 التي تنص على أن هذا القانون يعتبر إطارا مكملا  للمنظومة القانونية في مجال حماية المستهلك.
قال توفيق عزوزي في المداخلة التي ألقاها في اليوم الثاني من أشغال الندوة، إن التعريفات التي أعطاها المشرع لكل من المستهلك والمورد أو المهني والتي يمكن أن تتسع لتشمل وصف أصحاب المهن الحرة، بما في ذلك الموثقون، فالفقرة الرابعة من المادة الثانية من القانون 31-08 تنص على تقيد الأشخاص الخاضعين للقانون الخاص، المفوض لهم تسيير مرفق عام، بالالتزامات التي يفرضها هذا القانون على المورد.  
 وأضاف أن إخضاع علاقة الموثق «بزبنائه» قد يوحي بتمتيع المستهلك بقدر كبير من الحماية من خلال تعزيز حقوقه الأساسية المنصوص عليها في ديباجة القانون 31-08  كالحق في الإعلام، فإن ذلك سوف يطرح العديد من الإشكاليات العملية أهمها المس بمبدأ استقرار المعاملات الذي يمكن أن ينجم عن إقرار حق التراجع.
وحسب المتحدث نفسه يبقى للقاضي الحق في تحديد القانون واجب التطبيق على كل النزاعات المرتبطة بالعلاقة بين الموثق وزبونه، وذلك وفقا لمضمون الفقرة الأخيرة من المادة الأولى من القانون 31-08 التي تنص على أنه «تظل مطبقة جميع أحكام النصوص التشريعية المتعلقة بالموضوع والتي تكون أكثر فائدة بالنسبة للمستهلك»، علما أن ذلك ليس بالأمر الهين خاصة إذا كانت مقتضيات القانون المستبعد من النظام العام.
وانتقل عزوزي إلى الحديث عن نطاق تطبيق قانون حماية المستهلك من خلال مضمون منظومة حماية المستهلك، إذ أشار إلى أن منظومة حماية المستهلك تكتسي أهمية كبيرة تمكن من جهة، من معرفة مدى إمكانية تأطير القانون 31-08 للعلاقة القانونية القائمة بين الموثق وزبونه، ومن جهة أخرى معرفة ما إذا كانت مقتضيات القانون 32-09 تشكل جزءا لا يتجزأ من منظومة حماية المستهلك.
ولعل أول ملاحظة يمكن إثارتها في هذا الشأن تتجسد في صعوبة التحديد الدقيق لقانون حماية المستهلك، وهو ما  يمكن استنباطه من خلال مقتضيات القانون 31-08 التي تفتح المجال لتطبيق نصوص أخرى  في مجال حماية المستهلك، وهكذا جاء في ديباجة هذا القانون «يعتبر هذا القانون إطارا مكملا للمنظومة القانونية في مجال حماية المستهلك…»، إضافة إلى ما جاء في الفقرة الأخيرة من المادة الأولى من القانون نفسه والتي تقضي باستمرار تطبيق النصوص التشريعية المتعلقة بنفس الموضوع والتي تكون أكثر فائدة للمستهلك.
 وبعد سرد نظريات الفقه المقارن خلص إلى أن منظومة حماية المستهلك سواء في إطار القانون المغربي أو المقارن هي منظومة متحركة ولا ترتبط بقانون بعينه، وإنما بمقتضيات قانونية لها ارتباط بهذا الموضوع، فنطاق تطبيقها يتسع ليشمل عموما تنظيم العلاقات التي يكون طرفاها من جهة شخص مهني ومن جهة أخرى شخص مستهلك.
وبالنسبة إلى تحديد طرفي العلاقة الاستهلاكية، أفاد الموثق عزوزي أن قانون حماية المستهلك هدف إلى تحقيق التوازن في العلاقة بين المستهلك والمورد وذلك عن طريق إلزام المورد بمجموعة من الالتزامات لصالح المستهلك، وبالتالي كان من الضروري وضع تعريف لكل طرف في علاقة الاستهلاك بشكل يمكننا من تحديد القانون واجب التطبيق على كل نازلة على حدة. وأثار انتباه عزوزي أن صفة المورد تنصرف إلى المهنيين بكل أصنافهم بما في ذلك الموثقين، خاصة أن القانون ألزم الأشخاص الخاضعين للقانون الخاص، المفوض لهم تسيير مرفق عام، بالتقيد بالالتزامات  التي يفرضها القانون 31-08 على المورد. فالموثق مهني في المجال القانوني، وهو مأمور رسمي، يعمل في إطار حر، معين من طرف الدولة من أجل بإسداء خدمة عامة (إضفاء الرسمية) على العقود القانونية والاتفاقات، وهو ما يوحي بإمكانية انصهار تعريف الموثق  في الوصف الذي أعطاه القانون 31-08 للمورد.
وانتقل عزوزي إلى الحديث بعد ذلك عن حماية المستفيد من خدمة العقد التوثيقي التي تتخذ صورتين أساسيتين: الأولى تتجسد في التنظيم الدقيق لعلاقة الموثق بالزبون سواء عن طريق القانون المنظم للمهنة أو النصوص الداخلية و مدونة الأخلاقيات والسلوك، وذلك تحت طائلة متابعة الموثق في إطار المسؤولية التأديبية والمدنية وأحيانا حتى المسؤولية الجنائية إذا توفر القصد الجنائي، وكان الفعل المرتكب يكتسي صبغة إجرامية.
والثانية تتجسد في حماية المستهلك بمناسبة تلقي الموثق لعقد بين هذا الأخير وبين مهني ما، وذلك بتفادي إدراج كل شرط ذو طبيعة تعسفية في العقد التوثيقي.  
قبل أن يتناول تحديد الشروط والإجراءات المتعلقة بالتعويض عن الضرر الذي يلحق بالمستهلك، وذلك عن طريق إقرار الضمانات التي تسمح للمستهلك بإيجاد حل منصف للمشاكل التي قد يتعرض لها في علاقته بالمهني، وهو الشيء الذي تنبه له قانون 32-09 الذي ألزم الموثق بالتأمين عن مسؤولية المدنية وكذا عن المسؤولية المدنية لأجرائه (المادة 26)، إضافة إلى إقرار نظام آخر للتعويض عن طريق صندوق ضمان الموثقين (المادة 94).
وأشار في في ختام المحور إلى الإشكال المتعلق بحالة تطبيق القانون الأكثر فائدة للمستهلك وما يطرحه من إشكال إذا قرر القاضي استبعاد أحكام القانون 31-08 و التي هي من النظام العام. 
وبعد ذلك تحدث الموثق عزوزي عن أوجه الحماية الأخرى المقررة في القانون 32-09 لفائدة المستهلك، ومن بينها أن الموثق بحكم مهمته الأساسية التي تتجلى في إضفاء الرسمية (إسداء خدمة عامة) على العقود و الاتفاقات يجعل من علاقته بالمستفيد من خدمة العقد التوثيقي غير تجارية و لا يحكمها منطق السوق، فهدفها الأساسي يصب في اتجاه تحقيق الأمن القانوني و العدالة الوقائية، الشيء الذي يضفي على مهمة الموثق طابعا خاصا، ويتجلى ذلك أساسا في القوة الثبوتية التي يتمتع بها العقد التوثيقي بوصفه حجة قاطعة على المعلومات والبيانات التي يتضمنها، بحيث لا يمكن الطعن فيه إلا باتباع مسطرة الزور وهي مسطرة معقدة، والملاحظ أن المادة 27 من القانون 32-09 قد كرست قيمة العقد التوثيقي عن طريق إقرار مسؤولية الموثق عن كل ما يضمنه في العقد من تصريحات وبيانات يعلم مخالفتها للحقيقة أو كان بإمكانه العلم بها، فرسمية العقد التوثيقي سوف تضفى على العقد الذي يتلقاه الموثق بكامله ودون استثناء تصريحات الأطراف وفقا لما سار عليه العمل القضائي سابقا.

===================

بتصرف 

المقال منشور بجريدة الصباح 

Profile photo of AFKIR Mohamed

AFKIR Mohamed

باحث في قانون الأعمال

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

التخطي إلى شريط الأدوات