إبرام عقود تفويض المرفق العام في التشريع الفرنسي والتشريعات العربية

د. أبوبكر أحمد عثمان النعيمي

جامعة الشارقة

إبرام عقود تفويض المرفق العام في التشريع الفرنسي والتشريعات العربية

 


المقدمة

   تشكل المرافق العامة نشاط الإدارة الذي يهدف إلى إشباع الحاجات العامة للأفراد، ولذا تحاول جاهدة الوصول إلى أفضل الأساليب والطرق لإدارة مرافقها العامة.

   والدول في سبيل إدارتها للمرافق العامة فإنها اما تتولى إدارتها بصورة مباشرة وهذا ما ينطبق بصورة كبيرة على مرافق الدولة الإدارية، أو تعهد بإدارتها إلى الغير من خلال تفويضه للقيام بهذا المهمة بدلاً عنها مع احتفاظها بحقها في الاشراف والرقابة وهذا ما ينطبق في الغالب على المرافق العامة الاقتصادية.

   وعلى وفق ما تقدم يعد أسلوب تفويض المرافق العامة من أقدم وأهم الأساليب التي لجأت اليها الدول بوصفه سبيل لتنفيذ المرافق العامة. وفكرة التفويض للمرافق العامة حالها حال الأفكار الأخرى لم تبقى جامدة وإنما تطورت وأدخلت عليها عديد من التعديلات والتغييرات التي هدفت إلى مسايرة التقدم الفني والعلمي الذي هو سمة لعصرنا الحديث.

     وهكذا تدخل المشرع في عديد من الدول وفي مقدمتها رائد فكرة التفويض ومنبتها ألا وهي فرنسا، فقام المشرع هناك بتنظيم عديد من جوانب عقود تفويض المرفق العام والتي كانت في السابق محكومة باتجاهات القضاء ومبادئه التي وضعها بصدد هذا النوع من العقود.

    إن أهم النواحي التي تم تعديلها وتحديثها في مجال عقود تفويض المرفق العام كانت في مجال طرق وإجراءات إبرام هذا النوع من العقود، فبعد ان كان مستقراً في السابق قاعدة حرية الإدارة في اختيار المفوض اليه من دون ان يتقيد هذا الاختيار بأي قيد يذكر استناداً  لمبدأ الاعتبار الشخصي لعقود التفويض، اصبح الوضع الجديد الذي تبناه المشرع الفرنسي يقوم على خضوع عقود تفويض المرفق العام بصورها المختلفة لمبادئ المنافسة والمساواة والعلانية وبما يفرضه تبني هذه المبادئ من إجراءات يتوجب على الإدارة أتباعها ومنها تعدد العروض وعلانية الإجراءات وعدم التمييز بين المرشحين في المعاملة.

    أن التغييرات والتحديثات التي كرسها المشرع في فرنسا وجدت لها صدى في عديد من الدول التي كانت تملك تجربة سابقة في تطبيق فكرة تفويض المرفق العام، فشرعت هذه الدول في سن تشريعات خاصة بعقود تفويض المرفق وعملت على جماع شتات الأنواع المختلفة لهذه العقود ضمن قواعد محددة واشترطت بموجب هذه القواعد لقيام فكرة التفويض توفر عناصر محددة، وأصبحت ايضاَ تخضع هذا النوع من العقود للمبادئ ذاتها التي جاء بها المشرع في فرنسا وفي مقدمة الدول التي ينطبق عليها هذا الكلام هي مصر المغرب وتونس والجزائر والكويت والاردن.

      أهمية الدراسة: تعد عقود تفويض المرافق العام بأنواعها المختلفة من أهم الطرق التي تلبي حاجة الإدارة في تنفيذ مرافقها العامة، نظراً للمزايا التي يوفرها هذا النوع من طرق إدارة المرافق

العامة. إلا أن عقود تفويض المرفق العام بقواعدها ومبادئها التقليدية التي وضع جلها اجتهاد القضاء الإداري أصبحت تحتاج إلى الكثير من التعديلات بما يجعلها قادرة على تجنب المساؤى التي رافقت تطبيق عقود التفويض في المراحل السابقة، ولعل أكثر النواحي التي كانت بحاجة إلى تعديل وتطوير ما يتعلق بطرق وإجراءات إبرام هذا النوع من العقود.

مشكلة الدراسة: على الرغم من عقود من أن عقود تفويض المرفق العام هي نوع من أنواع العقود الإدارية بل لعلها أهم هذه العقود، إلا أن هذه العقود تتميز بمزايا وخصائص لا وجود لها في العقود الأخرى لذا فإن فكرة اخضاع إبرام عقود تفويض المرفق العام للمبادئ المستقرة في نظام العقود الإدارية فكرة غير قابلة للتطبيق نظراً لخضوع هذه العقود لمبدأ الاعتبار الشخصي، وهذا التناقض اثار عديد من المشاكل في مسيرة تطوير وتحديث إجراءات إبرام عقود تفويض المرفق العام.

 

هدف الدراسة: تهدف الدراسة إلى محاول التعرف على المدى الذي وصلت اليها التشريعات الحديثة في مجال تحديث وتطوير إجراءات إبرام عقود تفويض المرفق العام بما يحقق المصلحة العامة التي هي مصلحة المرفق العام.

 

منهجية الدراسة: اتبعنا في هذا البحث المنهج التحليلي المقارن.

خطة البحث:

المبحث الأول: ماهية عقد تفويض المرفق العام

المبحث الثاني: مراحل تطور إبرام عقد تفويض المرفق العام.

المبحث الثالث: المبادئ والقيود التي تحكم إبرام عقود تفويض المرفق العام

المبحث الرابع: إجراءات إبرام عقود تفويض المرفق العام

 

 

 

 

 

المبحث الأول

ماهية عقود تفويض المرفق العام

      لغرض الوقوف على ماهية عقود تفويض المرفق سنستعرض ظهور فكرة تفويض المرفق العام، ثم نبين تعريف عقود تفويض المرفق العام.

المطلب الأول

ظهور فكرة تفوبض المرفق العام

    يعود الظهور الأول لاصطلاح تفويض المرفق العام في فرنسا إلى المنشور الوزاري الذي صدر بتاريخ 7/8/1987 والمتعلق بتفويض إدارة المرافق المحلية، إذ عالج هذا المنشور الضوابط المتعلقة بعقود المرفق العام والخاصة بشروط الإبرام ومدة العقد وطرق الرقابة[1].

     وإذا انتقلنا إلى التشريع فإننا نلحظ أن اصطلاح "تفويض المرفق العام" تم تداوله أول مرة بموجب القانون المتعلق بالإدارة اللامركزية للجمهورية الفرنسية المرقم (125-92) والذي صدر بتاريخ 6/2/1992، إذ نصت المادة (52) منه على عدد من الإجراءات الخاصة بإبرام عقود تفويض المرفق العام والمتمثلة بالإعلان المسبق عن نية التعاقد والقيام بالاستشارات السابقة على إبرام عقود تفويض المرفق العام[2].

      وصدر في سنة 1993 قانون (Sapin) والخاص بالوقاية من الفساد واحترام الشفافية في الحياة الاقتصادية، ووسع هذا القانون من نطاق تطبيق فكرة تفويض المرفق العام لتشمل العقود التي يبرمها الأشخاص العامة جميعها بما في ذلك الدولة والمؤسسات العامة. ولذلك عد هذا القانون بحق الإطار القانوني لعقود تفويض المرفق العام لتضمنه القواعد التي تنظم الية تنفيذ المرفق العام فعالجت المادة (38) من قانون (Sapin) المواد اللاحقة القواعد والاصوال اللازمة لإبرام عقود تفويض المرفق العام فضلاً عن تدعيم قواعد فرض الرقابة وترسيخها[3].

      وقد تكرست خطوات الإصلاح والتحديث بصدور قانون مورسيف (Murcef) والذي تضمن تنظيماً للصفقات العامة والتفويض في إدارة واستغلال المرافق العامة، وشكل هذا القانون أهمية خاصة إذ وضع ولأول مرة تعريفاً موحداً لتفويض المرفق العام بأنواعه المختلفة[4].

     وقد تبنى القضاء الفرنسي هو الأخر مفهوم تفويض المرفق العام بموجب حكم مجلس الدولة الفرنسي الصادر سنة 1994، فأقر المجلس في هذا الحكم بطرق لاستغلال المرفق العام تكرس مفهوم فكرة التفويض[5]. وتجدر الإشارة بهذا الصدد أن القضاء الفرنسي وأن لم يتبنى مصطلح "تفويض المرفق العام" إلا بعد تبني المشرع الفرنسي له، إلا أنه كان له الدور الأساس في وضع القواعد والأصول لصور العقود المختلفة التي أصبحت تنضوي تحت مسمى "تفويض المرفق العام".

    ان التطورات التي لحقت بفكرة تفويض المرفق العام بصورها المختلفة لم تقف عند فرنسا، بل شهد العالم ما يمكن ان نسميه ثورة في مجال تطوير تقنيات التفويض وأساليبه ففي المغرب وابتداء من سنة 2002 عرف التفويض للمرفق العام وتحت مسمى "التدبير المفوض" وذلك بموجب قانون الميثاق الجماعي الصادر في 3/10/2002، ثم تأكد مصطلح "التدبير المفوض للمرافق العامة" بصدور القانون رقم (5-45) بتاريخ 14/2/2006 والذي سمي بقانون التدبير المفوض للمرافق العامة، فأشار هذا القانون في مادته الأولى إلى التفويض بوصفها طريقة شاملة لصور تدبير المرافق العامة جميعها.

      وفي تونس تبنى المشرع القانون رقم (23) لسنة 2008 جمع فيه صور التفويض تحت مسمى واحد هو عقود اللزمات، إذ أشارت المادة الثانية من هذا القانون إلى مسمى التفويض للمرافق العامة.

     وفي مصر وعلى الرغم من أن المشرع عرف التنظيم التشريعي منذ وقت مبكر لأهم أنواع عقود التفويض وهو عقد التزام المرفق العام بموجب القانون رقم (129) لسنة 1947، إلا أنه لم يساير وإنما أتجه ومنذ عقد التسعينات من القرن الماضي إلى إيجاد استثناءات من القانون رقم (129) لسنة 1947 ثم انتهى في نهاية الأمر إلى إصدار القانون رقم (67) لسنة 2010 وهو "قانون تنظيم مشاركة القطاع الخاص في مشروعات البنية الأساسية والخدمات والمرافق العامة" ليحل محل القانون رقم (129) لسنة 1947.

    ويقارب الوضع في الجزائر نظيره المصري فقد أخذ المشرع ومنذ فترة مبكرة بأحد أهم أساليب تفويض المرفق العام وهو عقد الامتياز وذلك بموجب قانون البلدية لسنة 1969 وقانون الولاية لسنة 1969، ولكن تطبيق هذا العقد شهد تراجعاً ملحوظاً في الفترة اللاحقة بسبب تبني الدولة للنهج الاقتصادي ليعود بعد ذلك بقوة ابتداء من عقد الثمانينات من القرن الماضي من خلال قوانين متفرقة تتعلق بمرفق المياه والبلدية والولاية. ونظراً لعجز هذه القوانين عن مواكبة التطورات التي لحقت بأساليب مشاركة القطاع الخاص في تسيير المرافق العامة وجد المشرع لزاماً عليه التدخل وتحديث هذه الأساليب متأثراً بالتطورات والتغييرات التي قام بها المشرع فصدر القانون الصفقات العمومية وتفويضات المرافق العامة رقم 15 – 247 المؤرخ في 16 سبتمبر 2015، والذي أصبح يمثل إطاراً قانونيا موحداً لأساليب تسيير المرافق العامة عن طريق الغير.

      ولم تظهر فكرة التفويض كما قررها المشرع الفرنسي في لبنان والأردن كلاهما وإنما أكتفى المشرع بتبني بعض تطبيقات عقود تفويض المرفق العام في القوانين المنظمة لعملية الخصخصة من دون الإشارة إلى تسمية التفويض التي جاء بها القانون الفرنسي.

     اما في العراق فانه لا يوجد في التشريع العراقي أية إشارة إلى مصطلح تفويض المرفق العام، وانما اكتفى المشرع بالإشارة فقط الى عقد التزام المرفق العام بوصفه إحدى صور عقود تفويض المرفق العام في المادة (891) من القانون المدني. كما لا يتوافر القضاء والفقه العراقي اية إشارة إلى مصطلح " تفويض المرفق العام".

 

 

المطلب الثاني

تعريف عقود تفويض المرفق العام

    انقسم الفقه الفرنسي بصدد تحديد مفهوم تفويض المرفق العام، فذهب الأستاذ (Auby) إلى أنه "العقد الذي يعهد فيه إلى شخص أخر يسمى صاحب التفويض تنفيذ مهمة مرفق عام والقيام بالاستغلال الضروري للمرفق، ويمكن ان يتضمن إقامة منشأة عامة، وأن يتحمل صاحب التفويض مسؤولية تشغيل المرفق العام وإقامة علاقة مباشرة مع المستفيدين الذين تؤدى إليهم الخدمات مقابل تأديتهم لتعريفات محددة، وتقيد صاحب التفويض بالمدة المحددة في العقد التي تعكس الاستثمارات التي يهدف إلى تغطيتها"[6]

     أما الفقيه (Delvolv) فعد فكرة تفويض المرفق العام التي تستوعب عقود الامتياز والالتزام والإدارة غير المباشرة والإدارة الحرة بمثابة منح لمؤسسة او مشروع ما مهمة تحقيق لمرفق عام على وفق صيغ من العائدات يتم الاتفاق عليها والتي تختلف عن الثمن[7].

    إن اختلاف الفقه الفرنسي بصدد تحديد مفهوم تفويض المرفق العام أدى إلى ظهور بعض الاتجاهات التي شككت باستقلالية هذه الفكرة، وأنها ليس إلا تطبيقاً لامتياز المرفق العام وهو ما جوبه بمعارضة شديدة من جانب اغلب الفقه الفرنسي والذي شدد على أن فكرة التفويض لا تنحصر فقط كما ادعى البعض بامتياز المرفق العام فالأخير ليس إلا مظهراً خاصاً في مجموعة أوسع تضم صيغ عقدية أخرى.

     وإزاء هذا الانقسام بصدد مفهوم فكرة التفويض تدخل المشرع الفرنسي بموجب قانون مورسيف (Murcef) الصادر سنة 2001 واضعاً تعريفاً محدداً لتفويض المرفق العام وذلك بموجب المادة الثالثة منه والتي عرفت تفويض المرفق العام بأنه "عقد يعهد من خلاله شخص معنوي عام للغير (المفوض له) سواء أكان عاماً ام خاصاً تحقيق مرفق عام هو مسؤول عنه، بحيث تكون العائدات متصلة بصورة جوهرية بنتائج استثمار المرفق، والمفوض له قد يكون مكلفاً ببناء منشأت او بتحصيل أموال لازمة للمرفق".

      أما في المغرب فإن وبعد ظهور مصطلح التدبير المفوض في التشريع، انقسم الفقه بصدد تحديد مفهوم له إلى ثلاثة اتجاهات، فذهب الاتجاه الأول إلى المساواة بين التدبير المفوض والامتياز، في حين ذهب أتجاه ثاني إلى عد التدبير المفوض أسلوب جديد إضافة للأساليب التقليدية الأخرى، اما أصحاب الاتجاه الثالث فسايروا الموقف المستقر في فرنسا فعرفوا التدبير المفوض تعريفاً واسعاً بحيث يشمل أساليب إدارة واستغلال المرافق العامة كافة[8].

     ومسايرة لموقف المشرع الفرنسي أتجه المشرع المغربي إلى وضع تعريف للتدبير المفوض وذلك بموجب المادة الثانية من قانون التدبير المفوض للمرافق العامة والتي عرفت التدبير المفوض بأنه "عقد يفوض بموجبه شخص معنوي عام خاضع للقانون يسمى (المفوض) لمدة محدودة تدبير مرفق عام يتولى مسؤوليته إلى شخص معنوي خاضع للقانون العام أو الخاص يسمى (المفوض اليه) يخول حق تحصيل أجرة من المرتفقين أو تحقيق أرباح من التدبير المذكور أو هما معاً.

يمكن أن يتعلق التدبير المفوض كذلك بإنجاز أو تدبير منشأت عمومية او هما معاً تساهم في مزاولة نشاط المرفق العام المفوض".

        وفي تونس عرفت المادة الثانية من قانون نظام اللزمة رقم (23) لسنة 2008 (اللزمة على معنى هذا القانون هي العقد الذي يفوض بمقتضاه شخص عمومي يسمى (مانح اللزمة) لمدة محددة إلى شخص عمومي أو خاص يسمى (صاحب اللزمة) التصرف في مرفق عام عمومي أو استعمال أو استغلال أملاك او معدات عمومية وذلك بمقابل يستخلصه لفائدته من المستعملين حسب الشروط التي يضبطها العقد.

         ويمكن أن يكلف صاحب اللزمة ايضاً بإنجاز أو تغيير بنايات ومنشأت أو اقتناء ممتلكات لازمة لإنجاز موضوع العقد".

    وفي الجزائر عرف المادة 207 من قانون الصفقات العمومية وتفويضات المرافق العمومية لسنة 2015 عقد تفويض المرفق العام بأنه "يمكن الشخص المعنوي الخاضع للقانون العام المسؤول عن مرفق عام، أن يقوم بتفويض تسييره إلى مفوض له، وذلك ما لم يوجد حكم تشريعي مخالف. ويتم التكفل بأجر المفوض له، بصفة أساسية، من استغلال المرفق العام، وتقوم السلطة المفوضة التي تتصرف لحساب شخص معنوي خاضع للقانون العام بتفويض المرفق العام بموجب اتفاقية، وبهذه الصفة يمكن السلطة المفوضة بأن تعهد للمفوض إنجاز منشأت أو اقتناء ممتلكات ضرورية لسير المرفق العام.

المبحث الثاني

مراحل تطور إبرام عقد تفويض المرفق العام

      مرت عملية اختيار المتعاقد في مجال عقود تفويض المرفق العام بمرحلتين، ففي المرحلة الأولى وهي تمثل الاتجاه التقليدي كانت الإدارة تتمتع بسلطة الاختيار الحر للمتعاقد معها من دون أن تكون ملزمة باتباع إجراءات المناقصة المقررة بموجب نظام إبرام العقود الإدارية، أما المرحلة الثانية والتي تمثل الاتجاه الحديث فشهدت إدخال عديد من التعديلات والتقييدات على سلطات الإدارة في إبرام عقود التفويض بحيث أصبحت تتماثل إلى درجة كبيرة مع تلك الإجراءات المفروضة بموجب نظام العقود الإدارية لاسيما عقود الصفقات العامة. وسنستعرض طرق إبرام العقد في فقرتين مستقلتين.

المطلب الأول

سلطة الاختيار الحر لاختيار المفوض له (الاتجاه التقليدي)

    بمقتضاه هذا الاتجاه كانت الإدارة تتمتع بسلطة تقديرية واسعة في اختيار المفوض له، فلم تكن تخضع لأية إجراءات تتعلق بتأمين منافسة سابقة على إبرام العقد بين المتقدين للتعاقد.

    إن الأساس الذي كان يستند إليه هذا الاتجاه هو فكرة الاعتبار الشخصي الملازمة لعقود التفويض بصورها كافة، ووجد هذا الأساس تأييداً له من جانب مهم من الفقهاء الفرنسين ومنهم الفقيه جيز والذي يقول بهذا الصدد "أن الاعتداد بالاعتبار الشخصي لا يكون على المستوى نفسه بالنسبة للعقود الإدارية، ذلك أن أساس هذه القاعدة هو صلة العقد بالمرفق العام بحيث يتعين التزامه بغاية الصرامة في مجال عقد الامتياز لهيمنة الملتزم التامة على المرفق العام الذي يتولى شؤون إدارته"[9]. وأكد الفقيه دلفولفيه أنه "إذا كان المشرع يخضع عقود الإدارة لأساليب معين عند إبرامها – كالمناقصات والمزايدات-، فأنه م يقيد الإدارة بأسلوب معين عند إبرام عقود الامتياز بالنظر إلى اتصال هذا العقد الوثيق بالمرفق العام، مما يجعل للاعتبارات الشخصية في الملتزم وزناً عند إبرام العقد"[10].

     وأيد القضاء الفرنسي فكرة الاعتبار الشخصي، فقد أستقر قضاء مجلس الدولة منذ البداية على عدم أن الإدارة ليست ملزمة بالخضوع لإجراءات الإبرام التي نص عليه القانون والمطبقة في مجال الصفقات العامة. فضلاً عن عدم وجود نص قانوني يجبر الإدارة على اتباع إجراء محدد في معرض إبرامها لعقود الامتياز.

      إن مبدأ حرية الاختيار الممنوح للإدارة في مجال إبرام عقود التفويض لم يقتصر في تطبيقه على فرنسا، وإنما وجد لها تطبيقاً في الدولة كافة التي عرفت وطبقت فكرة تفويض المرفق العام سواء من خلال أسلوب الامتياز أم من خلال الأساليب الأخرى كعقود الإيجار او عقود إدارة المرفق العام. فتبنى المشرع المصري فكرة الاعتبار الشخصي بموجب القانون رقم (129) لسنة 1947 بشأن التزامات المرافق العامة، فلم يلزم الإدارة بأية إجراءات في اختيار الملتزم، وأكد القضاء هذا الموقف ومن ذلك ما جاء في قرار محكمة القضاء الإداري (…. ليس في القانون ما يلزم الحكومة بطرح التزامات المرافق العامة في مناقصة عامة قبل منحها والامر في ذلك متروك للسلطة التقديرية تتصرف فيه بما تراه محققاً للمصلحة العامة)[11].

     وقد وجد هذا الموقف تأييداً له من جانب الفقه المصري مستنداً إلى في تسويغه إلى سببين[12]:

         1. إن عقد الامتياز يضع المتعاقد في تعامل مباشر مع الجمهور ومن ثم فإن شخصية الملتزم يجب أن تكون محل اعتبار من جانب الجهة الإدارية المتعاقدة، لأنه فيح الة اختيار الإدارة لمتعاقد ليس أهلاً لتنفيذ هذه المهمة فإن ذلك سينعكس بصورة سلبية على إدارة المرفق العام، وهو ما سيرتب نفور جمهور المنتفعين من الملتزم ويخل بسمعة الإدارة.

      2. إن الاعتبار الشخصي ليس هدفا بذاته وإنما هو وسيلة تتمكن بها الإدارة من ضمان تنفيذ العقد الإداري على نحو يحقق النفع العام ومصلحة المرفق العام من دون النظر إلى إي اعتبار أخر.

    وفي المغرب كان الاتجاه التقليدي لإبرام عقود تفويض المرفق العام يقوم على حرية الإدارة في اختيار المباشر للمفوض اليه.

     وفي تونس كان الوضع قبل صدور قانون اللزمات رقم (23) لسنة 2008 يقوم على التنظيم القطاعي للمرافق العامة وقد صدرت مجموعة من القوانين بلغ عددها (12) قانون، وهذه القوانين لم تعالج الشروط والإجراءات المتعلقة بإبرام عقود اللزمات، ولذا حاولت الإدارة إكمال النقص في هذه القوانين بأوامر تنظيمية قضت باعتماد مبدأ الدعوة للمنافسة واعتماد الشفافية في إجراءات التعاقد من دون أن تتضمن تلك الأوامر القواعد التفصيلية لوضع هذه المبادئ موضع التنفيذ[13].

      اما بالنسبة للجزائر فإن عملية اختيار المفوض اليه كانت تتم قبل صدور قانون الصفقات العمومية وتفويضات المرافق العمومية لسنة 2015 بعدة طرق وأساليب، فكانت الإدارة تتبع في اختيار المتعاقد في عقد امتياز المرفق العام وهو من أشهر تطبيقات عقود التفويض بعد طرق تختلف باختلاف المرافق موضوع الامتياز، ومن خلال استعراض النصوص التي عالجت شروط وإجراءات منح الامتياز يظهر أن بعص تلك النصوص يعطي للإدارة سلطة الاختيار الحر في اختيار المتعاقد صاحب الامتياز، في حين فرضت نصوص قانونية أخرى على الإدارة المسؤولة عن التعاقد اتباع إجراءات معينة في اختيار هذا الأخير عن طريق المزايدات مثل المرسوم التنفيذي رقم 94/320 المتعلق بالمناطق الحرة والذي نص على منح امتياز تسيير المنطقة الحرة واستغلالها يكون عن طريق مزايدة وطنية دولية مفتوحة أو محدودة أو عن طريق التراضي، والشي نفس تم اتباعه التعلمية رقم 3.94/842 المتعلقة بامتياز المرافق المحلية وتأجيرها إذ اعتمدت إجراءات المزايدة لمنح امتياز المرافق العمومية المحلية[14]

المطلب الثاني

المفهوم الجديد للاعتبار الشخصي في نطاق عقود تفويض المرفق العام

     ساهمت عوامل عديدة في إدخال تعديلات على فكرة الاعتبار الشخصي التي كانت سائدة فرنسا بوصفها الأساس في اختيار المفوض له ويمكن تحديد هذه العوامل بما يأتي:

     1. التشريعات الأوربية التي صدرت بصدد إبرام عقود الصفقات العامة التي يمكن أن تبرمها الإدارة في دول الاتحاد الأوربي، إذ استندت تلك التشريعات إلى فكرة المنافسة، وقد توسع المشرع الأوربي في تعريف تلك العقود ليشمل عقود التزام الاشغال العامة والتي عدت في فرنسا على الدوام من قبل عقود تفويض مرفق عام، وقد أدى هذا التوسع إلى تطبيق مفاهيم العلانية والمنافسة والمساواة على أحد أنواع عقود تفويض المرافق العامة هو التزام الاشغال العامة في الحالات التي تتوفر فيها شروط تفويض المرفق العام باعتباره عقد امتياز مرفق عام.[15]

   2. سياسة مكافحة الفساد التي نشطت في فرنسا منذ أواخر الثمانينات من القران الماضي، فدفعت تلك السياسة المشرع إلى التفكير جدياً في وضع إجراءات محدد لإبرام عقود تفويض المرفق العام ضمن إطار الشفافية في الحياة الاقتصادية والإدارية للبلاد التي تشكل عقود التفويض للمرفق العام عنصراً حيوياً فيها، فتوالت المحاولات لإقرار مبادئ الشفافية والعانية والمساواة ليتمخض عنها بالنهاية ولادة قانون (Sapin) سنة 1993 والذي سمي بقانون مكافحة الفساد والشفافية في الحياة الاقتصادية والإجراءات العامة فتضمن هذا القانون لأول مرة قواعد إجرائية خاصة تحكم إبرام عقود تفويض المرفق العام. فأصبح تبادل الإيجاب والقبول في عقود التفويض يتم في إطار إجرائي حدده القانون ولا يجوز للإدارة تجاوزه إلا أصبح تصرفها مشوباً بالبطلان، إلا أن هذا الإطار الإجرائي الجديد لم يكن مطابقاً لما هو مقرر بالنسبة لعقود الصفقات العامة، ذلك أن قانون (Sapin) اعتبر أن التقنية الوحيدة لإبرام عقود تفويض المرفق العام هي التقنية التفاوضية التي تتم ضمن علانية كاملة ومنافسة مسبقة. وبذلك حقق القانون الانسجام المطلوب بين مقتضيات الشفافية في الحياة الاقتصادية والإجراءات العامة من جهة وبين ضرورة تمتع الإدارة بالحرية الكافية في اختيار المتعاقد معها في عقود التفويض نزولاً عند ما تطلبه فكرة الاعتبار الشخصي من جهة أخرى[16].

      وفي تعليقه على قانون (Sapin) أكد رئيس محكمة باريس الإدارية بأن مفهوم المنافسة الصارم الذي أتى به القانون لا يطابق مفهوم المنافسة الذي يطبق في عقود الصفقات العامة، ويكفي ان تنتج عن المنافسة في عقود التفويض للمرفق العام وجود حالة تنافس بين المرشحين على مستوى جيد لاختيار المتعاقد، ويظل مبدأ عدم جواز تنازل المفوض له عن عقده إلى الغير سارياً نزولاً عند مبدأ الاعتداد بالاعتبار الشخصي في عقد التفويض[17].

      أن الحجر الذي القاه المشرع الفرنسي بموجب قانون (Sapin) حرك المياه الراكدة لدى عديد من المشرعين في دولنا العربية، ففي المغرب نصت المادة الخامسة من القانون رقم (05- 54) المتعلق بالتدبير المفوض للمرافق العامة لسنة 2006 على أنه (لاختيار المفوض اليه يجب على المفوض، ماعدا الحالات الاستثنائية المنصوص عليها في المادة (6) بعده) القيام بالدعوة إلى المنافسة قصد ضمان المساواة بين المرشحين وموضوعية معايير الاختيار وشفافية العمليات وعد التحيز في اتخاذ القرار ويجب ان تكون مسطرة إبرام عقد التدبير المفوض موضوع إشهار مسبق…..).

     وفي تونس اوجبت المادة التاسعة من قانون اللزمات العامة رقم (23) لسنة 2008 بأنه (باستثناء الحالات المنصوص عليها بالمادة 10 من هذا القانون يجب لاختيار صاحب اللزمة ان يقوم مانح اللزمة بالدعوة إلى المنافسة ضماناً للمساواة بين المرشحين ولشفافية الإجراءات وتكافؤ الفرص). وتم تأكيد مبدأ المنافسة في الأمر المرقم (1753) لسنة 2010 الخاص بضبط شروط وإجراءات منح اللزمات الذي نص في المادة (4) منه على أن تمنح اللزمات بعد الدعوة إلى المنافسة عن طريق طلب عروض.

   وفي لبنان وبالرغم من عدم توافره على قانون ينظم عقود تفويض المرفق العام الا ان المشرع اتجه إلى تقرير بعض الإجراءات التي جيب إتباعها في ابرام العقود التي تتضمن تفويضا للمرفق العام، وذلك اما من خلال نصوص عامة كما فعل في القانون رقم( 228) لسنة 2000 المنظم لعمليات الخصخصة وتحديد شروطها ومجالات انطباقها حيث نصت المادة الثامنة منه على ان (تراعى في عمليات الخصخصة الأحكام الآتية: -تأمين المنافسة في الأنشطة التي تكون المنافسة فيها مجدية). أو من خلال القوانين التي صدرت بتنظيم منح الامتيازات في قطاعات معينة مراعاة مبدأ المنافسة في اختيار المتعاقد ومن ذلك القانون رقم (431) لسنة 2002 المنظم لقطاع خدمات الاتصالات على الأراضي اللبنانية.

وفي الكويت فان تقييد سلطة الإدارة في اختيار المتعاقد في عقود امتياز المرفق العام وهو احد اهم تطبيقات تفويض لمرفق العام قد تقرر بموجب نص دستوري، حيث تنص المادة (152) من الدستور الكويتي على ان (كل التزام لاستثمار مورد من موارد الثروة الطبيعية أو مرفق من المرافق العامة لا يكون الا بقانون ولزمن محدود، وتكفل الإجراءات التمهيدية تيسير أعمال البحث والكشف وتحقيق العلانية والمنافسة).

وفي الأردن فان قانون التخاصصية رقم (25) لسنة 2000 ينص في المادة الخامسة على انه (يتم في تنفيذ عملية التخاصصية ما يلي:

– الالتزام بقواعد الشفافية والعلنية والمنافسة المشروعة.

– تقييم موجودات…. ).

 

المبحث الثالث

المبادئ والقيود التي تحكم إبرام عقود تفويض المرفق العام

      أدت التحولات التي شهدتها التشريعات المنظمة لعقود تفويض المرفق العام بصورها المختلفة سواء في فرنسا أم في تشريعاتنا العربية إلى إخضاع عملية إبرام عقود تفويض المرفق العام لمجموعة من المبادئ التي لم يكن لها مجال للتطبيق في هذا النوع من العقود في السابق. كما أن استعراض التشريعات الخاصة بعقود التفويض تظهر فرضها لمجموعة من القيود التي تتقيد بها الإدارة لدى ابرامها لهذا النوع من العقود. وسنستعرض المبادئ التي تحكم إبرام عقود التفويض في مطلب اول، ثم نعالج في المطلب الثاني قيود إبرامها.

 

 

المطلب الأول

المبادئ التي تحكم إبرام عقود تفويض المرفق العام

     كما بينا سابقاً فإن من أهم التعديلات التي جاءت بها التشريعات المنظمة لعقود تفويض المرفق العام ما يتعلق منها بتقييد سلطة الإدارة في الاختيار الحر للمفوض اليه والتي كانت إحدى مقتضيات مبدأ الاعتبار الشخصي لعقود التفويض.

       وبناء على ذلك نصت المادة 38 من قانون (Sapin) الفرنسي لسنة 1993 على أن تفويض المرفق العام يتم وفق إجراءات تحترم الشفافية والإشهار وتتم بناء على طلب العروض وفي إطار منافسة محدودة.

     وفي المغرب نصت المادة نصت المادة 5 من قانون التدبير المفوض للمرفق العام رقم (54.5) لسنة 2006 أنه يجب لاختيار المفوض اليه يجب على المفوض القيام بدعوة إلى المنافسة قصد ضمان المساواة بين المرشحين وموضوعية معايير الاختيار وشفافية العمليات وعدم التحييز في اتخاذ القرارات، ويجب ان تكون مسطرة إبرام عقد التدبير المفوض موضوع إشهار مسبق.

    وهذا الموقف تبناه المشرع التونسي أيضاً بموجب المادة (10) من قانون اللزمات رقم (23) لسنة 2008، وأيضاً بموجب الأمر رقم (1753) لسنة 2010 المتعلق بشروط إجراءات منح اللزمات إذ نصت المادة (2) منه على أن يخضع منح اللزمات إلى مبادئ أساسية وهي المساواة بين المترشحين وتكافؤ الفرص، مبدأ شفافية الإجراءات واللجوء إلى المنافسة.

     وفي الجزائر نصت المادة (5) من قانون الصفقات العمومية وتفويضات المرافق العمومية لسنة 2015 والتي تحكم إبرام عقود التفويض على أنه يجب ان يراعى في إبرام عقود التفويض مبادئ حرية الوصول للطلبات العمومية والمساواة في معاملة المرشحين وشفافية الإجراءات.

    مما تقدم يتضح أن إبرام عقد التفويض أصبح في الوقت الحاضر يخضع لمجموعة من المبادئ وهي مبدأ المنافسة ومبدأ المساواة وأخيراً مبدأ العلانية، ومبدأ الشفافية. وسنستعرض هذه المبادئ في ثلاثة فقرات مستقلة.

 

 

الفرع الأول

مبدأ المنافسة الحرة

        سنبحث في هذا الفرع مبدأ في غاية الأهمية وهو مبدأ المنافسة الحرة، الذي يستند على جملة من الأفكار القانونية الجوهرية، ولكن المنافسة لا تكون مفتوحة بشكل مطلق بل مقيدة بقيود ذات طبيعة مختلفة تؤدي إلى حرمان بعض الأفراد أو المشروعات من الدخول في العطاءات، كما تتمتع الإدارة بسلطة استبعاد بعض العطاءات. ولغرض الإحاطة بمبدأ المنافسة الحرة سنبحث أولاً في مفهوم هذا المبدأ، ثم نناقش الاستثناءات التي ترد عليه.

أولاً-مفهوم مبدأ المنافسة الحرة

        يقصد بمبدأ المنافسة الحرة حرية دخول المناقصة التي تعلن عنها الإدارة وفي الحدود التي حددها القانون. ([18]). وعرف آخرون مبدأ المنافسة الحرة بكونه من المبادئ الأساسية والتقليدية التي تحكم أبرام العقود الإدارية سواء بالنسبة للقواعد والإجراءات المنظمة لعملية التعاقد أو بالنسبة للتطبيق العملي ([19]). والمنافسة الحرة بهذا المعنى تقتضي أن يعامل كل المتنافسين على قدم المساواة فلا يجوز اعطاء ميزة لأحدهم لم تعطى لإقرانه أو على حسابهم، ويجب أن تكون الشروط في الاشتراك واحدة للجميع(1).

      ويستند فرض مبدأ المنافسة بوصفه أحد المبادئ الأساسية التي تحكم إبرام العقود الإدارية على مجموعة من الأسباب النظرية والعملية التي كانت سبباً في ظهور وتكريس هذا المبدأ.

-الأسباب النظرية وتشمل:

  1. الحرية الاقتصادية: مبدأ التنافس الحر الذي هو دعامة الاقتصاد الحر والتي ينبغي أن تحرص الدولة عليه، وعليها عدم تقييد تطبيقه كلما أمكن ذلك.
  2. المساواة أمام القانون: هذا المبدأ استقر تماماً في الضمير الحقوقي الفرنسي بوصفه أحد الأفكار التي كرستها مبادئ الثورة الفرنسية ([20]).

-الأسباب العملية وتشمل ([21]):

  1. المصلحة المالية للإدارة التي تستلزم توسيع قاعدة التنافس بالسماح لكل الراغبين في التقدم لغرض التعاقد مع الإدارة: وقد أثبتت التجربة دائماً أن استقطاب أكبر عدد ممكن من المتنافسين على الراغبين بالتعاقد مع الإدارة، يؤدي إلى الحصول على أقل سعر ممكن مما يفضي إلى تحقيق المصلحة المالية للإدارة.
  2. احتمال عدم الثقة بين الإدارة وبين موظفيها: فإن المنافسة من شأنها أن تحافظ على النزاهة في عملية أبرام العقد، وتمنع شبهة المحاباة عن الإدارة وموظفيها الذي يتولون عملية إبرام العقد، فقد أثبتت التجارب والخبرات التاريخية أن فتح باب السلطة التقديرية أمام الإدارة لأجل اختيار متعاقديها قد أدى إلى الكثير من الفساد.
  3. مصلحة المتنافسين ذاتهم التي تستلزم اعطائهم الضمانات جميعها التي تتمثل في حرية دخولهم إلى وتقديم عروضهم، إذ أن المنافسة تحرك كل القوى الاقتصادية الموجودة، فهي تجيز الدخول إلى الطلب العام للكافة ولاسيما المشاريع المتوسطة والصغيرة بحسب شروط العطاء.
  4. إن المنافسة تجعل الإدارة ملمة بكل معطيات التسوق، مما يفسح المجال لها للاختبار الدقيق والمتنور.

 ونظراً لأهمية مبدأ المنافسة فقد دأبت التشريعات على التأكيد عليه. فقد تبناه المشرع الفرنسي بموجب المرسوم رقم (229-64) الصادر في 17/7/1964 والخاص بالعقود العامة، كما نصت عليه المادة (281) من المرسوم الخاص بالعقود العامة للوحدات المحلية. وعندما صدر قانون سابان نص على مبدأ المنافسة بوصفه أهم المبادئ الحاكمة لعملية اختيار المفوض اليه.

    كما ان مبدأ المنافسة أصبح من المبادئ الأساسية التي تحكم إبرام عقود تفويض المرفق العام في التشريعات التي صدرت بهذا الصدد في الدول العربية التي تبنت فكرة تفويض المرفق العام وكما بينا سابقاً.

    وتجدر[22] الإشارة هنا أنه لا تتطلب المنافسة في نطاق عقود تفويض المرفق بالضرورة مشاركة عدد كبير من مقدمي العروض في عملية اختيار المفوض اليه، إذ ان الطبيعة الضخمة والمعقدة لهذا النوع من العقود قد يدفع الجهات الإدارية إلى جعل مقدمي العروض مقتصراً على عدد من الأشخاص أو الشركات التي تملك من المؤهلات الفنية المالية التي يحتاجها تنفيذ هذا النوع من العقود، على أن تراعي تلك الجهات الإدارية تحقيق مبدأ التنافس بالنسبة لهؤلاء المتنافسين المؤهلين.

ثانياً-الاستثناءات التي ترد على حرية المنافسة

     على الرغم من أهمية مبدأ المنافسة، إلا أن هذا المبدأ لا يمكن أن يكون مطلقاً وإنما ترد عليه قيود عديدة، ففضلاً عن القيود التي تتعلق بما تفرضه الإدارة من شروط معينة ترى وجوب توفرها فيمن يتقدم للتعاقد مع الإدارة، فإنه يمكن تحديد القيود التي ترد على حرية المنافسة بنوعين من القيود وهما الحرمان والاستبعاد من وسنوجز بيان هذين القيدين:

  1. قرارات الحرمان التي تتخذها الإدارة باستبعاد بعض الأشخاص والشركات من تقديم عروضهم: يقصد بالحرمان بأنه القرار الذي تصدرها الإدارة بمنع شخص أو شركة من الدخول أو الاشتراك في تعاقداتها([23]).

       والحرمان ينقسم إلى نوعين هما، الحرمان الجزائي والحرمان الوقائي.

  1. الحرمان الجزائي: وهذا الحرمان يتخذ نتيجة لفعل معين صدر عن الشخص أو الشركة وهو إما أن يقع بنص القانون أو تقرره الإدارة استناداً لسلطتها التقديرية([24]).
  • الحرمان الجزائي بنص القانون: وهذا الحرمان يقع بحكم القانون وقد يكون في صورة عقوبة أصلية أو تبعية عن أفعال ارتكبها الشخص المحروم، وسلطة الإدارة هنا لا تعدو أن تكون تطبيقاً للنصوص القانونية. والحرمان قد يكون في صورة عقوبة أصلية مثل الحظر الذي قررته المادة (129) من قانون الضرائب على الدخل المصري رقم 157 لسنة 1981 على "المختصين في الحكومة ووحدات الإدارة المحلية والهيئات العامة وشركات ووحدات القطاع العام…. التعامل مع الذين يزاولون نشاطاً تجارياً أو صناعياً أو الذين يزاولون مهنة حرة وغيرها من المهن الغير تجارية إلا إذا كان لدى الممول أو الجهة بطاقة ضريبية مثبت بها تاريخ تقديم الإقرار عن أخر سنة ضريبية".

  وأشترط المشرع المغربي بموجب المرسوم رقم(2.12.349) لسنة 2013 للاشتراك في الصفقات العمومية أن يكونوا في وضعية جبائية قانونية، كما منعت المادة ذاتها في طلبات العروض الأشخاص الموجودين في حالة تصفية قضائية او في خالة تسوية قضائية.

    والزم المشرع التونسي بموجب الأمر رقم 1753 لسنة 2010 الخاص بشروط وإجراءات                                     منح اللزمات بأن يقدم مقدم العطاء شهادة بعدم الإفلاس أو التسوية القضائية وشهادة بالوضعية الجبائية.

       وقد أخذ المشرع الجزائري بهذا النوع من الحرمان فقضى في المادة (75) من قانون الصفقات العمومية وتفويضات المرافق العامة لسنة 2015 بحرمان الأشخاص الذين هم في حالة الإفلاس أو التصفية والأشخاص الذين هم محل حكم قضائي بسبب مخالفة تمس بنزاهتهم المهنية أو الأشخاص الذين لا يستوفون واجباتهم الجبائية وشبه الجبائية والأشخاص الذين قاموا بتصريح كاذب.

           

    وقد يكون الحرمان في صورة عقوبة تبعية مثل حالة الحكم بجريمة معينة أو بسبب المديونية     للضرائب. ومن تطبيقات الحرمان الجزائي ما نص عليه قانون العقوبات المصري في المادة (25/4) بضرورة /عدم دخول المحكوم عليه بعقوبة جنائية في المناقصات أو المزايدات بوصفها عقوبة تبعية.

  • الحرمان الجزائي الواقع بقرار من جهة الإدارة: وهذا الحرمان يتحقق نتيجة لإخلال الشخص أو الشركة بالتزامات تعاقدية سابقة مع الإدارة. وهذا النوع من الحرمان الجزائي لا يتحقق إلا إذا تحققت أسبابه وذلك بأن يكون منطوياً على الغش من جانب المتعاقد ([25]). وبحسب محكمة القضاء الإداري في مصر لا يعد أي إخلال من جانب المتعاقد بمثابة غش يوجب الحرمان وإنما يجب لكي يتوفر الغش المحقق للحرمان ثبوت علم المتعاقد بمخالفة الشيء المسلم منه من حيث نوعه أو طبيعته أو صفاته الجوهرية التي جرى التعاقد عليها فيتعين لوصم المتعاقد بالغش في تنفيذ التزاماته أن يثبت سوء نيته أي علمه بما يشوب الأصناف التي يوردها من غش أو تلاعب، وأنه وإن كان هذا العلم مفترضاً في المتعاقد مع الإدارة ألا أنه متى كانت ظروف الحال تنفي هذا العلم عن المتعاقد فإنه لا يسوغ وصمه بالغش ([26]).

    والحرمان الجزائي الواقع من جانب الإدارة اخذ به القانون الفرنسي لسنة 1905 بشأن التدليس في المنتجات، إذ أشار إلى العديد من الأفعال التي تعد من قبيل الغش. كما اخذ قانون المناقصات المصري رقم 89 لسنة 1998 بهذا النوع من الحرمان.

  • الحرمان الوقائي: وهذا النوع من الحرمان لا يصدر بسبب صدور فعل معين من المتعاقد، وإنما تصدره الإدارة بوصفه إجراء احترازي ([27]).

    والحرمان الوقائي يمكن أن يقع أيضاً أما بحكم القانون أو بمقتضى سلطة الإدارة التقديرية:

  • الحرمان الوقائي بنص القانون: وتحقق هذه الحالة عندما يقدر المشرع ضرورة منع أشخاص محددين بصفاتهم من دخول التعاقدات التي تجريها الإدارة حماية للمصلحة العامة، ويشمل هذا الحكم حالة الموظف العام، إذ تحظر قوانين المناقصات والمزايدات في الدول معظمها اشتراك الموظفين في المناقصات والمزايدات العامة وذلك لتلافي استخدام نفوذهم وتأثيرهم على عملية إبرام العقود، وهذا الحظر يزول بزوال سببه وهو انتهاء الرابطة الوظيفية([28]).

       وقد اخذ القانون الفرنسي بهذا النوع من الحظر بموجب المادة (8) من المرسوم رقم (244) الصادر في 4/2/1995 عندما حظر على الموظف بالذات أو الواسطة الدخول في مناقصات أو مزايدات في دائرة اختصاصهم. وفي مصر حظرت المادة (29) من قانون المناقصات والمزايدات رقم 89 لسنة 1998 على العاملين بالجهات التي تسري عليها أحكام هذا القانون التقدم بالذات أو بالواسطة بعطاءات أو عروض لتلك الجهات.

  • الحرمان الوقائي بمقتضى سلطة الإدارة التقديرية: وفي هذه الحالة يصدر قرار الحرمان من جانب الإدارة بموجب سلطتها التقديرية في حالة إذا ما ثبت لها عدم كفاية بعض الأشخاص أو ضعف مقدرتهم الفنية والمالية، من دون أن يسبق لهم التعامل مع الجهات الإدارية وذلك بوصفه إجراء وقائي تمليه دوافع المصلحة العامة. وفي هذا الصدد فقد استقر قضاء مجلس الدولة الفرنسي على أن الإدارة لديها السلطة التقديرية كاملة في تقدير حرمان شخص من الاشتراك في التعاقدات التي تجريها، ولا يجوز للقاضي التعقيب على هذا القرار إلا في حالة الانحراف باستعمال السلطة أو انتفاء الأسباب ([29]). كما اقر القضاء المصري هذا النوع من الحرمان فقررت المحكمة الإدارية العليا بحق الإدارة في استبعاد بعض الأشخاص غير المرغوب بما يتجمع لدى الإدارة من تقدير عام عن عدم كفاية هؤلاء وقدرتهم من دون أن يسبق ذلك ارتباطهم مع جهة الإدارة في بعمل سابق، وذلك بوصفه إجراء وقائي توخياً للمصلحة العامة. وسلطة الإدارة في الحرمان ليست مطلقة وإنما تمارسها تحت رقابة القضاء.

2. قرارات استبعاد العروض: يعرف الاستبعاد بأنه قرار تصدره الإدارة ويتضمن استبعاد أحد العروض أو العطاءات التي لم تستوفي الشروط المقررة.

ويختلف الاستبعاد عن الحرمان بأن قرار الحرمان ينصب على شخص معين بالذات طبيعياً كان أم معنوياً، من التقدم إلى للاشتراك في التعاقدات التي تجريها الإدارة، أما الاستبعاد فهو إجراء موضوعي يلحق عطاءً وليس شخص من الأشخاص، ويهدف إلى استبعاد هذا العطاء وحرمانه من السير في إجراءات التعاقد.

والاستبعاد يمكن أن يتحقق بصور عديدة يمكن تحديدها بما يأتي:

أ. الاستبعاد نتيجة لتطبيق قرار الحرمان: وتتحقق هذه الحالة إذا كان الشخص قد صدر قرار بحرمانه من التقدم للاشتراك بالتعاقدات التي تجريها الجهة الإدارية، ورغم ذلك تقدم للاشتراك.

ب. الاستبعاد بسبب ضعف الإمكانات الفنية أو المالية: ذلك أن مقدم العطاء يجب أن يتمتع بالمقدرة المالية والكفاءة الفنية التي تمكنه من انجاز موضوع العقد، ولذلك فللجهة الإدارية سلطة تقديرية في تحديد مدى توفر الإمكانات الفنية والمالية بالنظر لعدة اعتبارات مثل ملاءمته المالية وقدرته الفنية على وفق طبيعة موضوع العقد وحجم الالتزامات.

ج. الاستبعاد لعدم توفر شرط حسن السمعة: وبموجب هذا القيد يحق للإدارة استبعاد أي مقدم عطاء إذا كان لا يتمتع بسمعة طيبة ([30]). وقد اخذ بهذا النوع من القيود القانون الفرنسي في المادتين (48) و(258) من قانون العقود العامة. كما أكد عليه القضاء المصري الذي استلزم أن يكون من يتولى هذه الأعمال محمود السيرة لم يسمع عنه ما يشنه أو يحط من قدرته بين الناس.

ويمكن للإدارة الوقوف على شرط حسن السمعة من خلال عدد من الاعتبارات منها كون مقدم العطاء قد أهمل في تعاقداته السابقة.

د. الاستبعاد لعدم استيفاء العطاء للشروط العامة بدفاتر الشروط: فللإدارة استبعاد أي عطاء لم يستوفي الشروط اللازمة للتعاقد، ولكن مجلس الدولة الفرنسي يفرق بين المخالفات الجوهرية والمخالفات غير الجوهرية، إذ لا تنهض هذه الأخيرة أن تكون سبباً للاستبعاد. أما في مصر فإن المشرع اعتبر أية مخالفة لشروط المناقصة يوجب الإبعاد.  

 

الفرع الثاني

مبدأ المساواة

         ومفاد هذا الشرط أن تساوى الإدارة بين المتقدمين للتعاقد ومن ثم لا يجوز لها أن تخلق نوعاً من التمييز بينهم أو تمنح بعض المتقدمين امتيازات معينه من دون البعض الأخر أو أن تضع عقبات أمام بعض المتنافسين سواء أكانت عقبات قانونية أو مادية كإعفاء أحد المتقدمين للتعاقد من دفع التامين. وللإحاطة بمبدأ المساواة نستعرض أولاً مفهوم مبدأ المساواة، ثم نناقش الاستثناءات التي ترد مبدأ المنافسة.

أولاً-مفهوم مبدأ المساواة

        ويقصد به إيجاد الفرصة نفسها لكل من يتقدم إلى للتعاقد من دون تمييز بين شخص وأخر. وذلك بان لا تتم إعفاء بعض المتنافسين من شروط معينه دون البعض الأخر أو إضافة شروط أو حذفها أو تعديلها بالنسبة للبعض دون الآخرين[31].           ويعد مبدأ المساواة بين المواطنين بشكل عام من المبادئ الدستورية التي أكدتها معظم الدساتير. وقد أوجبت التشريعات الإدارية معظمها على احترام هذا المبدأ في علاقتها مع الأفراد. كالمساواة بين الأفراد أمام الوظيفة العامة، والمساواة أما المرفق العام ([32]). ويقتضي تطبيق هذا المبدأ أن تكون الفرصة متاحة وبصورة متساوية لكل الراغبين في التقدم بعروضهم ممن تتشابه مراكزهم القانونية. والمساواة بين هؤلاء المتنافسين بالمعاملة سواء من الوجه الفعلية أو القانونية، ويتفرع عن هذا الأصل انه لا يجوز للإدارة أن تعفي البعض من الشروط المتطلبة من دون البعض الأخر. كما انه لا يجوز لها أن تضيف شروط أو تحذفها أو تعديلها بالنسبة لبعض المتنافسين.

     ولأهمية مبدأ المساواة فقد جرم قانون العقوبات الفرنسي أي أسلوب من جانب الإدارة منح

أفضلية غير مبررة قانوناً لأحد المتنافسين من دون غيره في معرض إبرام عقد التوريد، وذلك مخالفة للقوانين والأنظمة المنظمة لمبدأ المساواة وهو ما يعرف اصطلاحاً بجنحة المحاباة ([33]).

     أما على المستوى القضائي فقد اقر مجلس الدولة الفرنسي هذا المبدأ في عديد من اجتهاداته وذلك بتأكيد مبدأ المساواة الذي قامت عليه الدولة الفرنسية وتحقيقها للمصلحة المالية للإدارة التي تستلزم توسيع قاعدة التنافس كلما أمكن ذلك لضمن وجود منافسة حقيقية أو انعكاس ذلك على المصلحة المالية والإدارية.[34]

         وعلى الرغم من أهمية مبدأ المساواة إلا أنه ليس بالمبدأ المطلق وإنما ترد عليه بعض الاستثناءات من ذلك طبيعة المناقصة فالمشرع قد يعطى أولوية للشركات القطاع العام والمختلط عند التقديم بالعطاءات، وسلطة الإدارة بهذا الخصوص هي سلطة تقديرية لا رقابة القضاء عليها فيما عدا رقابة على انحراف السلطة ([35]). كما انه لما كانت العقود الإدارية ترتبط بالمصلحة العامة فمن حق الإدارة أن تتأكد من توفر بعض الصفات المالية والفنية لدى من سوف تتعاقد معهم فتشترط بعض الشروط التي تستبعد بواسطتها بعضاً من المتقدمين وسلطتها هنا أيضا سلطة تقديرية، وهي سلطة مشروعة طالما لا يترتب عليها استبعاد طوائف كبيرة من المتقدمين وإنما بمجرد إخضاعهم لبعض الشروط التي تستهدف حسن تنفيذ المرفق وموضوع العقد وإلا تكون مشوبة بعيب الانحراف في استعمال السلطة. وبمقتضى مبدأ المساواة يتعين على الإدارة كقاعدة عامة أن تقبل جميع الطلبات التي تقدم إليها. فليس لها أن تستبعد بعض الطلبات بقرارات عامة أو فردية. فحق التقدم للاشتراك في التعاقدات التي تجريها الإدارة يجب أن يكون مكفولاً للجميع بوصفه مبدأً عام، إلا أن هذا الحق ليس مطلقا وإنما يخضع لقيود عديدة: منها ما أوجبته المحافظة على مصلحة المرفق الفنية. كذلك الاعتبارات التي تتعلق بأهلية ممثل العطاء القانونية وكفاءته الفنية والمالية وحسن السمعة. ومنها ما أوجبته ظروف سياسية لحماية الدولة من تهيئة الفرص لدولة أجنبية قدمت عطاء من أن تبسط نفوذها. أو ظروف اقتصادية كحماية مقدمي العروض من المواطنين من دون الأجانب، أو ظروف اجتماعية كالرغبة في حماية المؤسسات والجمعيات التي تقوم بنشاط عام ([36]).

        ويقوم مبدأ المساواة بين المتنافسين على أساس أن جميع المتقدمين بعطاءاتهم يكونوا على قدم المساواة مع بقية المتنافسين وليس للإدارة أن تقيم أي تمييز غير مشروع بينهم فلا تطلب من أحد ما لا تطلبه من غيره. وإذا قامت الإدارة باستبعاد عطاءات بعض المتنافسين بقرارات فردية أو عامة فإن ذلك يؤدي إلى الإخلال بهذا المبدأ. ويقتضي تطبيق هذا المبدأ وضع شروط للتثبيت من صلاحية المتنافس للتقدم بعطاءه ([37]).

ثانياً-الاستثناءات التي ترد مبدأ المساواة

  إن مبدأ المساواة ليس بالمبدأ المطلق وإنما ترد عليه بعض الاستثناءات ومنها:

أولاً-المناقصة المحدودة: ففي هذا النوع من المناقصات يقتصر الاشتراك فيها على شركات أو أشخاص محددين بالنظر للإمكانات الفنية والمالية التي تتوفر لديهم.

ثانياً-المناقصات المحلية: وهي التي يقتصر الاشتراك فيها على الأشخاص والهيئات من داخل الوحدات المحلية.

ثالثاً-قد ينص القانون على بعض الاستثناءات لأسباب اقتصادية او اجتماعية: مثل أن ينص على تفضيل المنتجات المحلية.

الفرع الثالث

مبدأ العلانية

  يعد مبدأ العلانية باعتباره أحد المبادئ المهمة التي تحكم إجراءات إبرام العقود الإدارية، فمن دون الإعلان لا يوجد مجال حقيقي للتنافس بين الراغبين في التعاقد مع الإدارة، ويشير البعض لهذا المبدأ تحت تسمية الشفافية.

  والعلانية وهي أحد المبادئ التي تحكم إجراءات إبرام العقود الإدارية، وهي تضع المنافسة موضع التطبيق الفعلي لأنها هي التي تؤدي إلى إثارة المنافسة ضمن مناخ المساواة والشفافية فمن دون لإعلان لا يوجد مجال حقيقي للمنافسة بين الراغبين في التعاقد مع الإدارة. والعلانية هي أن تتم جميع الإجراءات التي تمر بها إجراءات التعاقد في نطاق علني، وهذا الامر قرره قانون (Sapin) الفرنسي لسنة 1993 إذ أوجب بأن تفويض المرفق العام سيكون خاضعاً لإجراءات العلانية التي تتيح التقدم بأكثر من عرض. وهذا يعني ان الهدف من الإعلان المسبق هو دعوة الشركات أو الأشخاص المؤهلين بما يؤدي إلى تحقيق المنافسة بين أكثر من متنافس.

  وقد حدد مرسوم 29/3/1993 في فرنسا القواعد الخاصة بالعلانية السابقة، ففرض النشر في مرتين، مرة في دورية لها نشر الإعلانات القانونية ومرة في دورية متخصصة في القطاع الاقتصادي ذات الصلة بعقد التفويض، من دون وجود أي التزام بالنشر في الجريدة الرسمية للجماعات الأوربية لعدم وجود نص في القانون الأوربي[38].

    ويجب على إدارة ان تحدد في الإعلان المدة المحددة لتقديم عروض الترشيح، وهذه المدة يجب ألا تقل عن شهر بدءً من تاريخ الإعلان الأخير. أما بالنسبة لمحتوى الإعلان فإنه يجب ان يضمن كيفية تقديم العروض وتحديد الخصائص الأساسية للعقد المراد إبرامه لاسيما موضوعه وطبيعته.

 ومعنى ذلك يجب ألا يكون إبرام العقد الإداري سرياً بل يجب أن يكون بشكل علني حتى يتيح الفرصة لمن يرغب في التعاقد والتنافس مع غيره. ويقصد بالعلانية هي معرفة الكافة بأن الدولة سوف تبيع أو تشتري أو تؤجر أو سوف تقوم بشغل عام او تقوم بتفويض مرفق عام. والغاية من ذلك لكيلا تبرم العقود الإدارية في أجواء يشوبها الريبة ويحوم حولها الشك ([39]). ويجب على الإدارة أن تبتعد عن السرية في التعاقد لأنها لا تتيح الفرصة لمن يرغب في التعاقد، والسرية تعني عدم علم الناس في العقود التي تبرم مع الإدارة.

     وعلى الرغم من اتجاه اغلب التشريعات إلى تقرير إجراءات العلانية والمنافسة السابقة في اختيار المتعاقد في عقود تفويض المرفق العام، إلا أنها قد أوردت بعض الاستثناءات التي تتحلل الإدارة فيها من الالتزام الذي ألزمها به القانون والمتعلق بتطبيق إجراءات العلانية والمنافسة، وهذا يعني انه في هذه الحالات فأن القانون قد أباح للإدارة ان تلجأ إلى التفاوض المباشر مع الشخص الذي ترى توافر عناصر الاعتبار الشخصي فيه دون ان تلتزم بمراعاة واجب المنافسة والعلانية.

        ففي فرنسا حددت المادة (41) من قانون(Sapin) لسنة 1993 هذه الحالات بما يأتي:

  1. عندما يقرر القانون احتكار بشأن خدمة أو نشاط معين لمصلحة مشروع معين بعينه.
  2. عندما تفوض إدارة المرفق إلى مؤسسة عامة بشرط ان يكون المرفق محل التفويض مما يقع بشكل واضح ضمن نشاط هذه المؤسسة وفقا للقواعد القانونية التي تحكمها. وقد تم الطعن، اما المجلس الدستوري الفرنسي في الاستثناءات المقررة في حالات الاحتكار وبالنسبة للمؤسسات العامة من جانب عدد من أعضاء البرلمان، لانه يتضمن من وجهة نظرهم إخلال بمبدأ المساواة، غير ان المجلس لم يشاطرهم وجهة نظرهم بالنسبة للنقد الموجه إلى هذا النص فيما يتعلق بإعفاء المشروعات التي تمارس احتكارا قانونيا مثل مشروعات الكهرباء والغاز، فهذه المشروعات بحسب طبيعتها تختلف عن المشروعات القابلة للمنافسة، لان تفويض المشروعات الأولى مفروض على الشخص العام، وبالتالي فان العلانية تسمح بتقديم عروض منافسة ليس لها سبب للوجود تجاه هذه المشروعات([40]).

ويرفض المجلس أيضاً النقد الموجه إلى هذا النص فيما يتعلق بالمؤسسات العامة لانها تابعة مباشرة للدولة أو لهذه الوحدات وبالتالي فان مركزها يختلف جوهريا عن المشروعات الخاصة، ويهدف التفويض إلى توفير شكل مرن للإدارة المباشرة([41]).

  1. وتعفى أيضاً من التزامات العلانية والمنافسة كل عقود التفويض التي لا تتجاوز فيها قيمة المبالغ التي تقع على عاتق المفوض مبلغ (700000) فرنك خلال كل مدة العقد.
  2. اذا كان مشروع عقد التفويض قد طرح في منافسة سابقة، ولم يقدم اي عرض أو قدمت عروض، لكن رأت الإدارة انها غير مناسبة.

وفي المغرب أجاز قانون التدبير المفوض للمرفق العام لسنة 2006 للإدارة استثناء اختيار المفوض إليه عن طريق التفاوض المباشر دون إجراء منافسة، حيث حددت المادة السادسة منه هذه الحالات بما يأتي:

  1. في حالة الاستعجال قصد ضمان استمرارية المرفق العام.
  2. لأسباب يقتضيها الدفاع الوطني أو الأمن العام.
  3. بالنسبة للأنشطة التي يختص باستغلالها حاملوا براءات الاختراع أو بالنسبة للأعمال التي لا يمكن ان يعهد بانجازها الا إلى مفوض معين.
  4. اذا كان المفوض جماعة محلية واذا لم يتم تقديم اي عرض أو اذا تم الإعلان عن عدم جدوى الدعوة للمنافسة يمكن للمفوض المذكور ان يلجأ إلى التفاوض المباشر.

       وفي تونس أجازت المادة العاشرة من قانون اللزمات رقم(123) لسنة 2008 اختيار المفوض له ( صاحب اللزمة) عن طريق التفاوض المباشر من دون إجراء الدعوة إلى منافسة في الحالات الآتية:

  1. اذا تم الإعلان على ان الدعوة إلى المنافسة غير مثمرة.
  2. لأسباب يقتضيها الدفاع الوطني أو الأمن العام.
  3. في حالة التأكد لضمان استمرارية المرفق العمومي.
  4. اذ تعلق أجاز موضوع العقد بأعمال لا يمكن انجازها الا لشخص معين أو بنشاط يختص باستغلاله حامل براءة اختراع.

وفي العراق فأن المادة الأولى من القسم الرابع من قانون العقود العامة رقم (87) لسنة 2004 قد أجازت للحكومة إحالة العقود العامة من دون التقيد بإجراء المنافسة الكاملة والعلنية في احد الحالات الآتية:

  1. لأسباب تقنية أو فنية أو لأسباب تتعلق بحماية الحقوق الحصرية أو عندما تكون السلع أو الخدمات المراد شراءها بموجب العقد تصنع أو تجهز من قبل كيان واحد أو متوفرة من كيانات محدودة العدد.
  2. لوجود أسباب ملحة جدا بسبب أحداث لا تعزى إلى سلطة التعاقد، وان المصلحة العامة لا تسمح بإحالة العقد على أسس تنافسية كاملة.
  3. حينما تكون السلعة المراد شراءها:
  4. طلب تبديلها جزئيا أو إضافتها للسلع المشتراة من المصدر الأصلي الذي جهز السلع الموجودة.
  5. -تطلب انسجامها أو قابليتها للاستبدال مع السلع المشتراة من المصدر الأصلي الذي جهز السلع الموجودة.
  6. عندما تكون الإجراءات الأخرى غير إجراءات المنافسة الكاملة والعلنية للعقود العامة الحكومية ضرورية لتعزيز الاقتصاد أو التطوير المؤسساتي في قطاع سكاني مهم أو في منطقة جغرافية في دولة العراق أو المؤسسات المملوكة للدولة.
  7. عندما يكون العراق طرفا في اتفاقيات (ثنائية أو متعددة الاطراف) أو معاهدات تتطلب استخدام إجراءات غير إجراءات المنافسة الكاملة والعلنية للعقود الحكومية سواء أكانت بموجب شروط صريحة أو ضمنية.
  8. إذا كانت القيمة المتوقعة للعقد تقل على الحد النقدي المحدد، في هذه الحالة تستخدم الإجراءات الأصولية المتعلقة بتوريد السلع والخدمات ذات الأقل سعرا.

المطلب الثاني

القيود التي ترد على سلطة الإدارة في إبرام عقود تفويض المرفق العام

       تتميز عملية إبرام عقود تفويض المرفق العام بخضوعها لمجموعة من القيود وهي القيد المتعلق بحق الدخول (مقابل التعاقد)، والقيد المتعلق بالتثبت من جدوى تفويض المرفق العام، تحديد الطريقة المناسبة لتفويض المرفق العام، وأخيراً القيد الخاص بمدة العقد.

الفرع الأول

القيد الخاص بحق الدخول (مقابل التعاقد)

 وهذا القيد خاص بعقود التفويض في القانون الفرنسي، ويراد بحق الدخول أو المقابل المالي بأنه عبارة عن مبالغ يقوم مشروع خاص بدفعها أو أشغال يقوم بتنفيذها، أو خدمات يقوم بأدائها من أجل اقناع الوحدات المحلية أن تبرم عقد تفويض المرفق العام، ثم يقوم المتعاقد بعكس قيمة هذه المبالغ أو الاشغال أو الخدمات على السعر الذي يدفعه المنتفعون من المرفق[42].

      ونظراً للإشكالات التي رافقت تطبيق حق الدخول في عقود التفويض والمتمثلة بالتعسف وسوء التطبيق فضلاً عن اختلاطه بالعمولات أو المبالغ التي كان يدفعها المفوض اليه، إذ ظهر أن هذا التفضيلات التي كانت الإدارة الوحدات المحلية على وجه الخصوص على أساس أنها تسهم في إنعاش الاقتصاد المحلي أصبحت ترتد سلباً على المنتفعين من خدمات المرفق العام محل التفويض، لأن ما يقدمه المفوض اليه للإدارة يقوم باسترداده م المنتفعين عن طريق عكسه على قيمة الانتفاع من المرفق. ولذلك فقد تدخل المشرع بموجب المادة (40) من قانون (Sapin) فنص على أنه (لا يجوز أن تتضمن عقود تفويض المرفق العام شروطاً يتحمل بمقتضاها المفوض اليه تنفيذ خدمات أو دفع مبالغ لا تتعلق بموضوع التفويض). وقد استنتج من هذا النص أن المشرع قد حصر الأخذ بفكرة بحق الدخول (مقابل التعاقد) فيما يتعلق بما يقدمه المتعاقد من مبالغ أو أشغال أو خدمات يوكون مرتبطاً بالمرفق محل التفويض فقط، باعتبار أن ما يقدمه المتعاقد في هذه الحالة سوف ينعكس على جودة الخدمة التي يقدمها المرفق العام محل التفويض، ولضمان الشفافية فإن المادة (40) أوجبت على المتعاقدين في حالة وجود حقوق دخول ترتبط بالمرفق محل التفويض أن يبنوا حقوق الدخول في العقد مع بيان قيمتها وطرق حسابها.

الفرع الثاني

القيد الخاص بالتثبت من جدوى تفويض المرفق العام

 إن المبدأ المستقر أن الدولة هي المسؤولة عن توفير الخدمات العامة التي يحتاجها الافراد وذلك من خلال إنشاء المرافق العامة التي تقوم بأنشائها لهذا الغرض، لذلك فإنها إذا ما قررت جهة إدارية عامة تفويض جهة أخرى غيرها عامة أو خاصة لتنفيذ هذه المهمة التي تقع على عاتقها بالأساس فإن الأمر يقتضي إثبات جدوى هذا التفويض من خلال القيام بالدراسات التي تتناول مجموعة من العناصر يمكن تحديده بالاتي:

1. الجدوى المالية: وذلك بدراسة التكاليف المبدئية التي يتطلبها المرفق المنوي تفويضه مثل الأرض والمعدات والآلات فضلاً عن تكاليف الإدارة الخاصة ومقارنة هذه التكاليف بين الشخص العام المسؤول عن المرفق وبين الشخص المفوض اليه والوصول إلى مدى تحقيق أسلوب التفويض وفراً للشخص العام او تجنبه العجز.[43]

 كما يستهدف من القيام بالجدوى المالية التحقق من حجم الإيرادات التي يفترض أن يدرها المرفق للمفوض اليه ومن ثم تغطيتها للتكاليف التي تطلبها المرفق موضوع محل التفويض.

2. الجدوى الاجتماعية: وينصرف هذا النوع من الدراسات إلى التحقق من ناحيتين، الأولى هي ثمن الخدمة التي سوف يدفعها المنتفعين من المرفق المفوض ومدى قدرتهم على تحملها، والناحية الثانية دراسة جودة الخدمة التي سوف يقدمها المرفق محل التفويض ومقارنة كلتا الناحيتين بين إدارة المرفق من الشخص العام والشخص المفوض اليه للوصول إلى تحقق الجدوى من اتباع أسلوب التفويض[44].

3. الجدوى البيئية: أصبح للتقدم التقني الذي يشهده عالمنا المعاصر الأثر الواضح في ضرورة إخضاع المشاريع المتعلقة بتوفير خدمات المرافق العامة الاشتراطات بالمتعلقة بسلامة البيئة، لذا فإن دراسة الجدوى المتعلقة بعقود تفويض المرافق العام باتت تشمل تقييم التأثير البيئي لهذا النوع من المشاريع. ويلحظ بهذا الصدد أن دراسة الأثر البيئية هنا يجب ألا يقتصر على دراسة الأسلوب التقليدي لدراسة الجدو القائم على (المنفعة-التكاليف)، بل يتطلب الأمر منهجية جديدة قائمة على حساب (المنفعة-التكاليف البيئية)، وذلك بالأخذ بالحسبان الموارد المستهلكة وتكلفة إصلاح الأضرار البيئية الناتجة عن تشغيل المرفق وصولاً إلى حقيقة حساب الناتج الإجمالي مشروع المرفق بمعنى تقدير التكاليف البيئية

الفرع الثالث

القيد الخاص باختيار أحد أنواع عقود التفويض

تتفق التشريعات جميعها التي أخذت بفكرة التفويض على أن هذه الفكرة يمكن أن تتحقق بصور أنواع عديدة من دون أن تقيد أو تحددها بصورة أو نوع واحد، وهذا الامر قررها مثلاً قانون مورسيف (Murcef) الفرنسي فهو وضع تعريفاً محددا لتفويض المرفق العام تضمن العناصر اللازمة لقيامه وبذلك فهو سوف يتحقق بأي نوع أو صورة تشتمل على تلك العناصر. والشيء نفسه ينطبق على التشريعات العربية جميعها التي طبقت فكرة التفويض.

     ويظهر التطبيق العملي أن الجهة الإدارية المختصة عندما تكون بصدد تحديد نوع التفويض الملائم للمرفق فهي تضع مجموعة من الاعتبارات يمكن حصرها بما يأتي:

1. تكليف المفوض اليه بإقامة المرفق: فإذا ما تضمنت مهمة المفوض اليه إقامة المرفق فضلاً عن تولي إدارته، فإن النوع الأفضل هو عقد امتياز المرفق، وبخلافه فإنه يمكن اختيار طريق إيجار المرفق العام أو مشاطرة الاستغلال.

2. تغطية التكاليف: ففي الأحوال التي يتوقع فيها ان يحقق المرفق محل التفويض إيرادات كافية لتغطية التكاليف التي سيتحملها الشخص المفوض اليه فضلاً عن تحقيقه للربح الذي المخطط له، فإن النوع الامثل للتفويض سيكون عقد امتياز المرفق العام او عقد إيجار. وفي غير هذه الأحوال سيكون النوع المفضل هو الطرق الأخرى مثل عقد الإدارة او عقد مشاطرة الاستغلال بشرط أن يتوفر فيها العناصر اللازمة لقيام فكر التفويض.

2. نطاق رقابة الشخص العام: إذا كانت الجهة العامة المفوضة ترغب في ممارسة رقابة واسعة فإن الأفضل لها أن تختار طريقة الامتياز أو عقد إيجار المرفق العام. أما إذا كانت لا ترغب إلا في ممارسة رقابة محدودة فستكون مشارطة الاستغلال أ عقد الإدارة هي الطريقة الملائمة.

4. نطاق مسؤولية المفوض اليه وتحمله لمخاطر المشروع: كلما كانت الإدارة ترغب في القاء القدر الأكبر من المسؤولية في إدارة المرفق وفي تحمل المخاطر المترتبة على الاستغلال على عاتق المفوض إليه فأنها ستختار طريقة الامتياز أو إيجار المرفق العام. وبخلافه سيكون الأفضل اختيار طريقة مشاطرة الاستغلال أو عقد الإدارة.

الفرع الرابع

القيد الخاص بمدة التفويض

 كان الاتجاه التقليدي يقوم على أن تكون مدة عقود التفويض، لاسيما العقد الأهم وهو امتياز المرفق العام، لفترات طويلة تصل في بعض الأحيان إلى خمسين أو تسعة وتسعون عاماً ومن دون وجود أية قيود على سلطة الجهة الإدارية بهذا الصدد، فإن التشريعات الحديثة التي صدرت سواء في فرنسا ام في دولنا العربية بخصوص عقود تفويض المرفق العام قد وضعت قيوداً على سلطة الإدارة بالنسبة لتحديد مدة عقود التفويض، ففي فرنسا الزم قانون (Sapin) الإدارة أن يتضمن عقد التفويض تحديداً لمدة تنفيذه وذلك في ضوء الأداء المطلوب من المفوض إليه على أن لا تزيد مدة العقد عن المدة المعتادة لاستهلاك الإنشاءات إذا كانت على عاتق المفوض إليه[45]. وقد أكد مجلس الدولة الفرنسي على ضرورة تحديد مدة عقود تفويض المرفق العام ويؤدي عدم التحديد المدة إلى بطلان العقد برمته[46].

      وفي المغرب وعلى غرار قانون (Sapin) الفرنسي لم يحدد المشرع مدة محددة لعقود تفويض المرفق العام إنما وضع ضابطاً على الإدارة تلتزم بها في تحديد مدة العقد، فنص المادة (13) من قانون التدبير المفوض لسنة 2006 على أنه (يجب أن تكون مدة كل عقد تدبير مفوض محددة، ويجب أن يؤخذ بنظر الاعتبار في المدة طبيعة الاعمال المطلوبة من المفوض إليه والاستثمار الذي يجب أن ينجزه ولا يمكنه أن تتجاوز المدة العادية لاستهلاك الإنشاءات عندما تكون المنشأت ممولة من قبل الشخص المفوض إليه).

     وفي تونس تكرر الموقف ذاته فنص المادة (18) من قانون اللزمات رقم (23) لسنة 2008 على أنه (يضبط العقد مدة اللزمة والاستثمار الذي يجب أن ينجزه….).

     ومما تقدم يظهر أن التشريعات المنظمة لعقود تفويض المرفق العام لم تقييد الإدارة المتعاقدة بمدة محددة لعقود تفويض المرفق العام وإنما وضعت ضابطاً يضبط هذه المدة ألا وهو ما هي المهام المكلف بها المفوض إليه والاستثمارات التي قام بها، وبذلك يضمن المشرع عدم قيام الإدارة في المبالغة في تحديد مدد طويلة لعقود تفويض المرفق العام كما كان الحال في الفترة السابقة لصدور التشريعات المنظمة لعقود التفويض.

المبحث الرابع

إجراءات إبرام عقود تفويض المرفق العام

      على وفق الاتجاه الحديث الذي تبنته التشريعات المنظمة لعقود تفويض المرفق العام سواء في فرنسا أم في الدول العربية التي تبنت أصبح هذا النوع من العقود يخضع لمجموعة من الإجراءات للوصول إلى اختيار الشخص المفوض إليه، ويلحظ أن هذا الإجراءات تشابه تلك المطبقة بموجب النظام القانوني الذي يحكم العقود الإدارية في بعض جوانبها من دون أن تكون مطابقة لها بصورة تامة، وذلك مراعاة للخصوصية التي تبقى ملازمة لعقود تفويض المرفق العام.

     وتظهر تجارب الدول في اختيار المفوض اليه في عقود تفويض المرفق العام أن قسم من الدول قد وضعت قوانين خاصة بإبرام هذا النوع من العقود وهذا ما ينطبق على الوضع في فرنسا وتونس كلاهما، في حين اكتفت دول أخرى بسن قوانين تنظيم النواحي الموضوعية لعقد تفويض المرفق العامة من دون إيجاد قوانين خاصة تعالج إجراءات الإبرام وهذا ما ينطبق على الوضع في المغرب والجزائر، وبتقديرنا لا يعد هذا الموقف سليماً لأنه مع عدم صلاحية تطبيق القوانين الخاصة بإجراءات إبرام العقود المطبقة على وفق القواعد العامة لنظام العقود الإدارية ولاسيما الإجراءات المطبقة في مجال عقود الصفقات العامة فإن المجال سيكون معبداً للجهات الإدارية لتتولى تحديد هذه الإجراءات من خلال المراسيم والأنظمة التي تصدرها وهو ما قد يشكل أداة للتحايل على القوانين أو للتأثير على نزاهة إجراءات إبرام العقود.

عموماً يلحظ من دراسة التشريعات التي صدر ت سواء في فرنسا أم في الدول العربية التي أخذت بفكرة تفويض المرفق العام أن إجراءات إبرام هذا النوع من العقود يمر بثلاثة مراحل هي:

المرحلة الأولى: الدعوة لتقديم العروض تحقيقاً لمبدأ المنافس.

المرحلة الثانية: إعداد قائمة المرشحين المؤهلين

المرحلة الثالثة: فتح العروض وعملية المفاوضات   

المرحلة الرابعة: اختيار المفوض اليه وإبرام العقد

    وعلى ضوء ما تقدم يمكن تحديد إجراءات إبرام عقود تفويض المرفق العام بما يأتي:

المطلب الأول

الإعلان عن الدعوة لتقديم العروض

      وهذا الإجراء قررتها المادة (38) من قانون (Sapin) الفرنسي التي أوجبت تخضع عقود التفويض لإجراءات العلانية التي تسمح بالتقدم بأكثر من عرض منافس. وعلى وفق مرسوم 29/3/1993 فيجب أن يتم النشر مرتين رمة في دورية لها نشر الإعلانات القانونية، ومرة في دورية متخصصة في القطاع الاقتصادي ذات الصلة بعقد التفويض.

    وبالنسبة لمضمون الإعلان فإنه يجب على الإدارة أن تحدد المدة المحددة لتقديم عروض الترشيح. ويجب أن يتضمن الإعلان كيفية تقديم العروض وتحديد الخصائص الأساسية للعقد المراد إبرامه لاسيما موضوعه وطبيعته[47].

وفي المغرب الزمن المادة (5) من قانون التدبير المفوض لسنة 2006 أن يتم إبرام عقد التدبير المفوض في الظروف الاعتيادية عن طريق دعوى للمنافسة، وهذا يعني أنه يلزم الإعلان عن عقد التدبير المفوض للأشخاص المؤهلين لتنفيذ هذا النوع من العقود، ولكن يلحظ ان القانون لم يحدد إجراءات محددة أو يحيل إلى أي شكل خاص لإبرام العقود كما هو الحال بالنسبة للصفقات العمومية.

     وفي تونس الزم القانون بالإعلان عن عقود التفويض فنصت المادة (9) من قانون اللزمات رقم (23) لسنة 2008 بأن يقوم صاحب اللزمة بالدعة للمنافسة بين المرشحين، ويتحقق ذلك من خلال النشر عن المنافسة بواسطة الصحافة أو بأية وسيلة مادية أو غير مادية حتى يتسنى لكل عارض محتمل المشاركة في طلب العروض. ويتضمن الإعلان عن طلب العروض على البيانات الضرورية التي من شأنها أن تعطي المشاركين المحتملين فكرة واضحة عن موضوع اللزمة (المرفق المعني) ومكانه. اما بالنسبة لمدة الإعلان فعلى وفق المادة (4) من الأمر رقم 1753 لسنة 2010 الخاص بشروط وإجراءات منح اللزمات تمنح اللزمة بعد الدعوة للمنافسة عن طريق طلب العروض يتم الإعلان عنه ثلاثين يوماً على الأقل قبل التاريخ الأقصى المحدد لقبول الترشحات بواسطة الصحافة أو بأية وسيلة إشهار إضافية أخرى مادية أولا مادية. كما أوضحت المادة (6) من الأمر على ان يبين الإعلان عن طلب العروض موضوع اللزمة، والمكان الذي يمكن الاطلاع فيه على الوثائق المكونة لملف طلب العروض، والمكان والتاريخ الاقصى لتقديم العروض فضلاً عن معايير الاختيار.

    وفي الجزائر وبعد أن أصبح إبرام اتفاقيات تفويض المرفق العام يخضع لمبادئ حرية الوصول للطلبات كما قررته المادة (5) من قانون الصفقات العمومية وتفويضات المرافق العامة لسنة 2015، فإنه يجب لتحقيق هذا الوصول قيام الإدارة المفوضة للمرفق بالإعلان عن اتفاقيات تفويض المرافق العامة. ويلحظ أن المشرع لم يحدد إجراءات خاصة بالإعلان عن اتفاقيات تفويضات المرافق العامة، وإنما يمكن الاستناد إلى الإجراءات الخاصة بالإعلان عن الصفقات العمومية والتي قررها المشرع في القانون ذاته لسنة 2015، إذ اوجبت المادة (65) منه أن يحرر إعلان طلب العروض باللغة العربية وبلغة أجنبية واحدة على الأقل، كم ينشر إجباريا في النشرة الرسمية لصفقات المتعامل العمومي.

المطلب الثاني

إعداد قائمة المرشحين المؤهلين

    بعد انتهاء المحدد بالإعلان لتلقي العروض تتولى هيئة تفويض المرفق العام في فرنسا بإعداد لائحة بالمرشحين المقبولين في الدخول بالمنافسة على إسناد عقد التفويض على أساس ضماناتهم المهنية والمالية ومقدرتهم على تأمين السير الجيد للمرفق العام، مع العلم بإن هذه الهيئة تكون ملزمة بقبول المرشحين جميعهم الذين تتوفر فيها الشروط التي حددها القانون والأنظمة. وبعد ذلك ترسل الإدارة إلى كل واحد من المرشحين المقبولين وثائق تبين فيها الخصائص النوعية والكمية للأداءات فضلاً عن شروط تعرفة الخدمة التي سيقدمها المرفق إذا كان هناك ما يوجب ذلك[48].

وتخضع أعمال هيئة تفويض المرفق العام لرقابة القاضي الإداري، ومن ثم بإمكان أي شخص تم رفض عرضه الطعن بهذا القرار عن طريق دعوى الإلغاء للمطالبة بإلغاء قرار الهيئة المذكور إذا ما تضمن مخالفة للقوانين أو الأنظمة المتعلقة بعملية اختيار المرشحين.

      وفي تونس وعلى وفق المادة (5) من الأمر رقم 1753 لسنة 2010 الخاص بشروط وإجراءات منح اللزمات تتحقق عملية طلب العروض إما من خلال دعوة عامة مفتوحة طبقاً لنظام الانتقاء الأولي في صورة طلب العروض المسبق أو طبقاً لملف التعبير عن الرغبة.

المطلب الثالث

فتح العروض وعملية التفاوض

      تقوم هيئة تفويض المرفق العام في فرنسا بتلقي عروض المرشحين المؤهلين على ضوء الوثائق التي تم تزويدهم بها. ثم تقوم الهيئة بفتح العروض المقدمة ضمن المحددة لاستقبالها، ويتم التحقق من توفر المستندات والمعلومات اللازمة في العروض المقدمة ومن ثم إجراء التحليل لهذه العروض ومقارنتها بعضها ببعض على وفق المعايير التي تم وضعها سلفاً وتخلص الهيئة إلى إعداد تقرير يشتمل على الإجراءات التي تم تخاذها ونتائج المقارنات التي أنجزت على ضوء تحليل العروض المقدمة. ويلزم بالهيئة أن تضمن التقرير رأيها مسبباً في كل عرض من العروض المقدمة

وتضمن اللجنة اقتراحاً للجهة الإدارية تحدد فيه أسم مرشح أو أكثر للتفاوض معه مع بيان أسباب هذا الاختيار، وقد لا تقترح اللجنة أي مرشح لعدم توفر الضمانات أو الإمكانات اللازمة لدى أي من المرشحين، مع الأخذ بنظر الاعتبار بأن رأي الهيئة ليس ملزماً للجهة الإدارية المختصة[49]

بما يفتح المجال للسلطة المختصة التي يرفع لها تقرير الهيئة في اختيار المرشح الذي ستجري معه المفاوضات.

     وتشكل المفاوضات في عقود تفويض المرفق أهمية كبيرة، ذلك أن تبني مبدأ المنافسة في اختيار المفوض إليه لا يعني القضاء على مبدأ الاعتبار الشخصي وإنما يبقى هذا المبدأ يلقي بظلاله على عقد التفويض بجميع مكوناته ومنها طريقة اختيار المفوض إليه، لذلك فإن فتح المجال للمنافسة بما يؤدي إلى تعدد العروض لا يعني أن الإدارة ستختار المتعاقد عن طريق الية الإرساء المكرسة في نطاق عقود الصفقات العامة، لذلك فإن يعقب عملية الترشيح للمتعاقد من جانب هيئة المرفق العام الدخول في مفاوضات مع هذا الأخير للوصول إلى أفضل الشروط تحقيقاً للمصلحة العامة، ومرحلة المفاوضات في عقود تفويض المرفق العام ليست مرحلة عابرة بل هي في غاية الأهمية لأنه قد يترتب عليها أحد امرين إما اتمام عملية التعاقد مع المرشح، او ان تنتهي بعد إتمام تلك الإجراءات.

      ويعرف التفاوض بأنه تبادل الاقتراحات والمساومات والتقارير والدراسات الفنية بل والاستشارات القانونية بين أطراف التفاوض، ليكون كل منهما على بينة من أفضل الاشكال القانونية التي تحقق مصالحه، وتعرفه على ما يسفر عنه الاتفاق من حقوق والتزامات[50].

     وعلى وفق قانون (Sapin) فإنه يمكن أن يمكن للجهة الإدارية المختصة بالتفاوض وبناء على تقرير هيئة تفويض المرفق العام أن تجري المفاوضات مع مرشح واحد او أكثر. وبخلاف للقاعدة المستقرة في القوانين الأنظمة المنظمة لإجراءات المناقصات والتي تحظر إجراء مفاوضات بين الجهة الإدارية المسؤولة عن التعاقد ومقدمي العروض، فإن عقود تفويض المرفق ومراعاة لتعقيدها وطول مدتها يجعل من الغير المرجح أن تتفق الجهة العامة المسؤولة عن التعاقد ومقدم العروض الذي يقع عليه الاختيار على شروط مسودة العقد من دون إجراء مفاوضات تهدف إلى الحصول على إيضاحات من المرشح حول عرضه والوصول إلى أفضل الشروط التي تحقق مصلحة المرفق العام.

        أما في تونس وعلى وفق المادة (20) من الأمر رقم 1753 لسنة 2010 الخاص بشروط وإجراءات منح اللزمات فإنه تتولى اللجنة الخاصة بإعداد المراحل التحضيرية لمنح اللزمة والتي يتم تشكيلها من الجهة مانحة اللزمة إعداد تقرير نهائي لفرز العروض الفنية والمالية وترتيب العروض ومقترحاتها في هذا الخصوص ويعرض هذا التقرير على مانح اللزمة الذي يتولى إعداد تقرير في هذا الغرض يحيله مرفقاً بتقرير للجنة على وحدة متابعة اللزمات لدراسات التقرير وإبداء الرأي حول اختيار صاحب اللزمة، ولتبدأ بعد ذلك المفاوضات بين اللجنة الخاصة بإعداد المراحل التحضيرية وبين الشخص الذي تم اخيتاره.

 

 

المطلب الرابع

اختيار المفوض إليه وإبرام العقد

       على وفق الاتجاه التقليدي فإن الجهة المختصة باختيار المفوض اليه هي الجهة الإدارية المكلفة أصلاً بمسؤولية هذا المرفق، إلا أن التجارب الحديثة أظهرت أن الأسلوب الأفضل هو وجود هيئة تنظيمية مستقلة تتولى صلاحية تطبيق فكرة التفويض بالنسبة لمرفق معين واختيار النوع الملائم من عقود تفويض المرفق العام فضلاً عن تخويلها للإشراف على الإجراءات التي تتطلبها عملية اختيار المتعاقد المناسب وإنجاز الموافقات جميعها التي تكون لازمة لتنفيذ العقد.                                         وقد أخذ المشرع الفرنسي بهذا الأسلوب في مجال عقود تفويض المرفق العام من خلال انشاء هيئة تفويض المرفق العام، في حين لم يتوصل المشرع سواء في المغرب أم في تونس لأسلوب وجود هيئة مركزية موحدة لتفويض المرفق العام. أما في الجزائر فنص قانون الصفقات العمومية وتفويضات المرافق العام لسنة 2015 على إنشاء هيئة ضبط الصفقات العمومية وتفويضات المرافق العمومية ولكن لم يخولها صلاحية اختيار المفوض اليه بل جعل اختصاصها الأصيل هو القيام بواجب الرقابة.

     ويلحظ بالنسبة لسلطة هيئة تفويض المرفق العام في فرنسا لاختيار المفوض اليه فإن الرجوع إلى المادة (38) من قانون (Sapin) يظهر أن الإدارة غير ملزمة بمعايير محددة لاختيار المفوض اليه وإنما تحتفظ الإدارة بالحرية الكاملة في اختيار المفوض اليه من دون وجود قيود محدد عليها بهذا الصدد، وهذه الحرية الكاملة بحسب البعض يمكن أن تشكل إهداراً لمبدأ المنافسة في التعاقدات العامة.

     وقد رفض القضاء الإداري الفرنسي بسط رقابته على سلطة الإدارة في اختيار المفوض اليه اللهم إلا فيما يتعلق بمراعاة الإدارة لمبدأ المساواة بين المرشحين فحكمت بهذا الصدد محكمة باريس الإدارية بإلغاء قرار الوزير الأول المتضمن إسناد الملعب الكبير الذي أقيمت عليه مباريات كأس العالم سنة 1998 بسبب مخالفته وتجاهله للشروط المالية المعلنة ضمن وثائق العقد[51].

 

 

الخاتمة

   بعد أن انتهينا من بحثنا في موضوع إبرام عقود التفويض في التشريع الفرنسي والتشريعات العربية توصلنا إلى النتائج والتوصيات الآتية:

أولاً- النتائج:

1. عقود تفويض المرفق العام هي وسيل تلجأ إليها الإدارة المكلفة بمرفق من المرافق العام بهدف نقل مسؤولية هذا المرفق إلى شخص يسمى المفوض إليه.

2. يمكن تنفيذ عقود تفويض المرفق العام بأنواع مختلف من الطرق تختلف باختلاف نطاق الواجبات التي يكلف المفوض إليه.

3. يشترط لتحقق فكرة التفويض أياً كانت طريقة تنفيذ أن تتوفر لها ثلاثة عناصر وهي وجود المرفق العام، قيام علاقة تعاقدية بين الجهة العامة المفوضة والمفوض إليه، وأن يرتبط المقابل المالي للمفوض اليه بنتائج الاستغلال.

4. أصبحت سلطة الإدارة في إبرام عقود تفويض المرفق العام تخضع لمجموعة من المبادئ وهي مبدأ المنافسة، مبدأ المساواة، ومبدأ العلانية.

5. على الرغم من تقييد سلطة الإدارة في اختيار المفوض إليه في عقود تفويض المرفق العام، فإن ذلك لا يعني التطابق الكامل بين إجراءات إبرام عقود التفويض والإجراءات المطبقة بموجب النظام التقليدي لإبرام العقود الإدارية.

6. ولذا فإن التزام الإدارة بمبدأ المنافسة وتعدد العروض لا يعني التزام الإدارة بالية الارساء المطبقة في عقود الصفقات العامة، وإنما تحتفظ الإدارة بالحرية الكاملة في اختيار المفوض إليه.

7. ان تطبيق مبدأ المنافسة لا يعني أن تكون عملية تقديم العروض مفتوحة بصورة تامة، وإنما يجوز للإدارة أن تحدد المنافسة بالأشخاص الذين يتوقع أن يكون لديهم الإمكانية لتنفيذ عقود تفويض المرفق العام.

8. تتقيد إجراءات اختيار المفوض إليه بمجموعة من القيود وهي القيد المتعلق بحق الدخول (مقابل التعاقد) المطبق في القانون الفرنسي، والقيد المتعلق بالتثبت من جدوى تفويض المرفق العام، وقيد تحديد الطريقة المناسبة لتفويض المرفق العام، وأخيراً القيد الخاص بمدة العقد.

9. تمر إجراءات اختيار المفوض إليه بمراحل متعددة وهي المرحلة الأولى: الدعوة لتقديم العروض تحقيقاً لمبدأ المنافس، ومرحلة إعداد قائمة المرشحين المؤهلين، مرحلة فتح العروض وعملية المفاوضات، مرحلة اختيار المفوض اليه وإبرام العقد.

ثانياً- التوصيات:

1. ندعو المشرع في الدول العربية التي طبقت فكرة تفويض المرفق العام أن يعزز الجانب الإجرائي الخاص بإبرام عقود تفويض المرفق العام.

2. وفي هذا الصدد نوصي بالنسبة للدول التي لم تسن لحد الأن تشريع خاص بإجراءات أبرام عقود تفويض المرفق العام إلى سرعة معالجة هذا القصور التشريعي.

3. نوصي ان يتم صياغة القوانين الخاص بإبرام عقود التفويض بما يتفق والطبيعة الخاصة لهذا النوع من العقود، وذلك بإقامة التوازن بين مراعاة مبادئ المنافسة والمساواة والعلانية، وبين احتفاظ الإدارة بالقدر الكافي من حرية اختيار شخص المفوض إليه مراعاة لناحية الاعتبار الشخص لعقود تفويض المرفق العام.

4. نوصي بتطوير القدرات الفنية والعلمية الأشخاص القائمين على إجراءات إبرام عقود تفويض المرفق العام بما يعزز الكفاءة والنزاهة بالنسبة لهذه العملية.

5. ندعو المشرع في دولنا العربية إلى إنشاء هيئات موحدة تتولى تنظيم هذا النوع من العقود والإشراف على إجراءات الإبرام ومتابعة التنفيذ، وبما يؤدي إلى تحقيق الانسجام والمساواة في تنفيذ عقود تفويض المرفق العام بين فئات المجتمع.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

المصادر:

اولاً-الكتب

1. د. إبراهيم طه الفياض، العقود الإدارية النظرية العامة وتطبيقاته في القانون الكويتي والمقارن، مكتبة الفلاح، 1981.

2. د. جابر جاد نصار، في العقود الإدارية، دار النهضة العربية، القاهرة، 1997.

3. عبد العليم عبد المجيد مشرف، فكرة الاعتبار في مجال العقود الإداري، دار النهضة العربية، القاهرة، 2003.

4. د. فؤاد العطار، القانون الإداري، دار النهضة العربية القاهرة، 1984.

5. د. مازن ليلو راضي، الوجيز في القانون الإداري، المكتبة القانونية، بغداد، 2009.

6. د. محمد محمد عبد اللطيف، تفويض المرفق العام، دار النهضة العربية، 2000

7. د. مطيع علي حمود جبير، العقد الإداري بين التشريع والقضاء، دار النهضة العربية، القاهرة، 2006.

8. محمود خلف الجبوري، العقود الإدارية، مديرية دار الكتب للطباعة والنشر، بغداد، 1989

9. مروان محي الدين القطب، طرق خصخصة المرافق العامة، منشورات الحلبي الحقوقية، بيروت، 2009.

10. مهند مختار نوح الإيجاب والقبول في العقد الإداري، منشورات الحلبي الحقوقية، 2013.

11. هاني عبد الرحمن غانم، أساليب التعاقد الإداري (دراسة مقارنة)، معهد البحوث والدراسات العربية جامعة الدول العربية، 2007.

12. د. هاني صلاح سرى الدين، التنظيم القانوني والتعاقدي لمشروعات البنية الأساسية الممولة من القطاع الخاص، دار النهضة العربية، القاهرة، 2001

13. د. وليد حيدر جابر، التفويض في إدارة واستثمار المرافق العامة، منشورات الحلبي الحقوقية، بيروت، 2009.

ثانيا-الرسائل الجامعية:

1. إبراهيم الدسوقي عبد اللطيف الشهاوي، عقد امتياز المرفق العام، أطروحة دكتوراه، كلية الحقوق، جامعة عين شمس، 2003، ص117.

2. بوزيدي نصيرة، النظام القانون لعقد امتياز المرفق العمومي، رسالة ماجستير، كلية الحقوق والعلوم السياسية، جامعة 8 ماي 1945-القامة، 2014.

 3. دويب حسين صابر عبد العظيم، الاتجاهات الحديثة في عقود الالتزام، أطروحة دكتوراه، كلية الحقوق، جامعة أسيوط، 2006.

4. د. عبد الفتاح صبري أبو الليل، أساليب التعاقد الإداري، أطروحة دكتوراه، كلية الحقوق، جامعة الزقايق، 1994.

5. ما هر محمد حامد أحمد، النظام القانوني لعقد (البوت) B.O.T، رسالة دكتوراه، كلية الحقوق جامعة بنها، 2004.

ثالثاً-البحوث والدارسات:

1. محمد يحيا، قراءة نقدية لمفهوم التدبير المفوض على ضوء مستجدات القانون رقم (5-54) المؤرخ ب 14 فبراير 2006، المجلة الالكترونية للدراسات والأبحاث القانونية، منشورة على الموقع الالكتروني http//www.droitplus.net/images/yahya2.pdf.

2. نواف كنعان، النظام القانوني لإبرام العقود الإدارية (دراسة مقارنة وتطبيقية في الأردن، مجلة دراسات، تصدره عمادة البحث العلمي الجامعة الأردنية، المجلد 25، علم الشريعة والقانون، العدد 2، كانون الأول، 1998.

3. الشراكة بين القطاعين العام والخاص، دراسة صادرة عن المدرسة الوطنية للإدارة-معهد تنمية قدرات كبار الموظفين، الدورة الرابعة، نوفمبر 2010، ص 27، متاحة على الموقع الإلكتروني الأتي: http://www.ena.nat.tn/fileadmin/user_upload/doc/Institut/PPP_ENA_derniere_version.pdf

4. دليل الأونسترال التشريعي بشأن مشاريع البنية التحتية الممولة من القطاع الخاص، لجنة الأمم المتحدة للقانون التجاري الدولي، نيويورك، 2010.

المصادر الأجنبية:

 .Rene Chapu, Dorit administrative general, Paris. 1

2.Gilles J.Claude Doueence- les contracts de service R.F.A,1993.

 Jean Claude Doueence- les contracts de delegation service R.F.A, 1993.

 

 

 

 


[1] Rene Chapu, Dorit administrative general, Paris, P. 628

[2] Gilles J.Claude Doueence- les contracts de service R.F.A,1993.P.939.

 

[3] Jean Claude Doueence- les contracts de delegation service R.F.A, 1993. P. 939.

[4] د. وليد حيدر جابر، التفويض في إدارة واستثمار المرافق العامة، منشورات الحلبي الحقوقية، بيروت، 2009.

[5] مروان محي الدين القطب، طرق خصخصة المرافق العامة، منشورات الحلبي الحقوقية، بيروت، 2009، ص 437.

[6] أورده مروان محي الدين القطب، مصدر سابق، ص44.

[7] د. وليد حيد جابر، مصدر سابق، 60.

[8] د. محمد يحيا، قراءة نقدية لمفهوم التدبير المفوض على ضوء مستجدات القانون رقم (5-54) المؤرخ ب 14 فبراير2006، المجلة الالكترونية للدراسات والأبحاث القانونية، منشورة على الموقع الالكتروني http//www.droitplus.net/images/yahya2.pdf

[9] د. عبد العليم عبد المجيد مشرف، فكرة الاعتبار في مجال العقود الإداري، دار النهضة العربية، القاهرة، 2003، ص 21.

[10] إبراهيم الدسوقي عبد اللطيف الشهاوي، عقد امتياز المرفق العام، أطروحة دكتوراه، كلية الحقوق، جامعة عين شمس، 2003، ص117.

[11] أورده دويب حسين صابر عبد العظيم، الاتجاهات الحديثة في عقود الالتزام، أطروحة دكتوراه، كلية الحقوق، جامعة أسيوط، 2006، ص169.

[12] إبراهيم الدسوقي عبد اللطيف الشهاوي، مصدر سابق، ص 189

[13] الشراكة بين القطاعين العام والخاص، دراسة صادرة عن المدرسة الوطنية للإدارة-معهد تنمية قدرات كبار الموظفين، الدورة الرابعة، نوفمبر 2010، ص 27، متاحة على الموقع الإلكتروني الأتي: http://www.ena.nat.tn/fileadmin/user_upload/doc/Institut/PPP_ENA_derniere_version.pdf

[14] بوزيدي نصيرة، النظام القانون لعقد امتياز المرفق العمومي، رسالة ماجستير، كلية الحقوق والعلوم السياسية، جامعة 8 ماي 1945-القامة، 2014، ص 39.

[15] مهند مختار نوح الإيجاب والقبول في العقد الإداري، منشورات الحلبي الحقوقية، 2013، ص321.

[16] مهند مختار نوح، مصدر سابق، ص 611.

[17] إبراهيم الدسوقي عبد اللطيف الشهاوي، مصدر سابق، ص122.

[18]. هاني عبد الرحمن غانم، أساليب التعاقد الإداري (دراسة مقارنة)، معهد البحوث والدراسات العربية جامعة الدول العربية، 2007، ص88

[19]. نواف كنعان، النظام القانوني لإبرام العقود الإدارية (دراسة مقارنة وتطبيقية في الأردن، مجلة دراسات، تصدره عمادة البحث العلمي الجامعة الأردنية، المجلد 25، علم الشريعة والقانون، العدد 2، كانون الأول، 1998، ص453.

[20]. هاني عبد الرحمن غانم، مصدر سابق، ص89.

 [21]د. عبد الفتاح صبري أبو الليل، أساليب التعاقد الإداري، أطروحة دكتوراه، كلية الحقوق، جامعة الزقايق، 1994، ص182.

[22] دليل الأونسترال التشريعي بشأن مشاريع البنية التحتية الممولة من القطاع الخاص، لجنة الأمم المتحدة للقانون التجاري الدولي، نيويورك، 2010، ص 75

 [23]د. مطيع علي حمود جبير، العقد الإداري بين التشريع والقضاء، دار النهضة العربية، القاهرة، 2006، ص266.

[24] د. إبراهيم طه الفياض، العقود الإدارية النظرية العامة وتطبيقاته في القانون الكويتي والمقارن، مكتبة الفلاح، 1981، ص102.

[25]. د. مطيع علي حمود جبير، مصدر سابق، ص266.

[26].  نواف كنعان، مصدر سابق، ص456.

[27] د. إبراهيم طه الفياض، مصدر سابق، ص 105.

[28] د. جابر جاد نصار، في العقود الإدارية، دار النهضة العربية، القاهرة، 1997، ص 144.

 [29]د. مطيع علي حمود جبير، مصدر سابق، ص ص 270-271.

[30]. نواف كنعان، مصدر سابق، ص456.

[31] محمود خلف الجبوري، العقود الإدارية، مديرية دار الكتب للطباعة والنشر، بغداد، 1989، ص52.

[32]. د. نواف كنعان، مصدر سابق، ص453.

[33] د. مطيع علي حمود جبير، مصدر سابق، ص 263.

 [34]د. نواف كنعان، مصدر سابق، ص453.

 [35]د. محمد خلف الجبوري، مصدر سابق، ص52.

[36]. د. فؤاد العطار، القانون الإداري، دار النهضة العربية القاهرة، 1984، ص592.

[37]. د. مازن ليلو راضي، الوجيز في القانون الإداري، المكتبة القانونية، بغداد، 2009، ص284.

[38] د. محمد محمد عبد اللطيف، تفويض المرفق العام، دار النهضة العربية، 2000، ص

[39]  د. محمود خلف الجبوري، مصدر سابق، ص 52.

([40]) د. محمد محمد عبد اللطيف، تفويض المرفق العام، مصدر سابق، ص123.

([41]) د. محمد محمد عبد اللطيف، تفويض المرفق العام، مصدر سابق، ص122.

[42] د. محمد محمد عبد اللطيف، مصدر سابق، ص145.

[43] مروان محي الدين القطب، مصدر سابق، ص480.

[44] د. هاني صلاح سرى الدين، التنظيم القانوني والتعاقدي لمشروعات البنية الأساسية الممولة من القطاع الخاص، دار النهضة العربية، القاهرة، 2001، 79.

[45] مهند مختار نوح، مصدر سابق، ص 617.

[46] مروان محي الدين القطب، مصدر سابق، ص 490.

[47] مروان محي الدين القطب، مصدر سابق، ص 484.

[48] مروان محي الدين القطب، مصدر سابق، ص 484.

[49] د. وليد حيدر جابر، مصدر سابق، ص 163.

[50] ما هر محمد حامد أحمد، النظام القانوني لعقد (البوت) B.O.T، رسالة دكتوراه، كلية الحقوق جامعة بنها، 2004.ص 90.

[51] مهند مختار نوح، مصدر سابق، ص 615.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

التخطي إلى شريط الأدوات