إجراءات سير الدعوى

مقدمة:

يعتبر القضاء من وظائف الدولة الأساسية باعتبارها وحدها مكلفة بإقامة العدل و ضمان حقوق المواطنين و الفصل في النزاعات القائمة بينهم؛ و لأجل ذلك أنشأت المحاكم و وضعت القوانين التي تحدد اختصاصاتها و تبين للمتقاضين الإجراءات و المساطير الواجب سلوكها عند الالتجاء إلى القضاء. و ما دام ممنوعا على الأفراد أن يدافعوا عن حقوقهم بعيدا عن اللجوء إلى القضاء، فإن القانون أوجد عدة وسائل لهذا الغرض بالذات تتمثل أساسا في الدعوى.

لدراسة الدعوى يتعين تحديد المقصود بها، سيما و أن التشريعات المتعلقة بالمسطرة المدنية لم تتول تعريفها، حيث انبرى الفقه إلى تحديد مفهومها و تعريفها، وإن كان جلهم قد قام بالخلط بينها و بين الحق.

ففريق يرى أن الدعوى هي الحق ذاته، إذ يقع اندماج بينهما و يستحيل فصل أحدهما عن الآخر1 . و ينتج عن هذا الاندماج ما يلي:

-لا يتصور حق بدون دعوى؛

– لا يمكن تصور عدة دعاوى في الحق الواحد؛

– تصطبغ الدعوى بصبغة و طبيعة الحق المدعى به، فإذا كان عينيا كانت عينية، و إذا كان شخصيا كانت شخصية.

و بالنسبة للفريق الثاني، فهو يدعو إلى التمييز بين الدعوى و الحق، لأنهما مستقلان عن بعضهما. و يترتب على هذا الاتجاه النتائج التالية:

–       يستمد الحق وجوده من التصرفات القانونية سواء كانت صادرة عن إرادة منفردة أو عن إرادتين أو من الوقائع القانونية2؛

–       و لا يشترط القانون نفس الشروط لممارسة كل من الدعوى و الحق، فقد يكون الشخص صاحب حق لكن لا يستطيع أن يباشر الدعوى بنفسه3؛

–       ليس بالضرورة أن يكون لكل حق دعوى واحدة، فلو امتنع  أحد الأطراف الالتزام عن تنفيذ التزاماته جاز للطرف الآخر إما أن يطالب بتنفيذ الالتزام عينا، و إما بفسخه، أو بتعويضه عن الأضرار و الخسائر التي لحقت به من جراء الإخلال بواجباته.

 

 

 

1- ينتصر لهذا الرأي الأستاذان جارسوني و سيزار برو اللذان يقولان إن" الدعوى لسيت سوى الحق نفسه الذي يبقى في حالة ركود ما دام لا يجابه العدوان، ثم ينتقل إلى الحركة إذا قوبل بالجحود أو الاعتداء". للمزيد انظر:

عبد الكريم الطالب:" الشرح العملي لقانون المسطرة المدنية، طبعة 2009، مطبوعات المعرفة، مركش- ص: 144 و ما بعدها.

2- كالعمل غير المشروع و الإثراء بلا سبب.

3- كما هو الشأن بالنسبة للقاصر الذي يكون وارثا لكنه لا يمكنه أن برفع الدعوى بنفسه ما لم ينب عنه نائبه القانوني أو الشرعي.

 

كما يلزم التمييز بين الدعوى و حق الالتجاء للقضاء. فالدعوى وسيلة حمائية للحقوق مكفولة للأشخاص المتضررين فقط، بينما الالتجاء إلى القضاء فهو حق من الحقوق العامة أو الطبيعية، إذ يسوغ لأي كان ممارسته متى تبين له ذلك.

 

و تختلف الدعوى كذلك عن الخصومة و الادعاء. فالخصومة هي مجموع الإجراءات التي يقوم بها كل المتدخلين في النزاع من قضاء و خصوم و أغيار بهدف تحقيق الحماية القضائية لموضع الخصومة. أما الادعاء فهو اصطلاح عام قد يكون قانونيا و قد لا يكون، فإذا كان قانونيا فإنه يقترب من مفهوم الدعوى بعد مباشرة إجراءات التقاضي، أما إذا خالف ذلك فلا يعتد به لأنه و الحالة هذه أقرب إلى الافتراء منه إلى الحقيقة، و مع هذا التمييز فالقضاء ملزم بالبت في الادعاء أيا كان نوعه متى عرض عليه.

من خلال هذه  المقارنات، يتبين أن الدعوى تختلف عن المؤسسات السالف ذكرها، فهي إذن و سيلة قانونية قررها القانون للأشخاص يلجؤون إليها عندما يدعون مساس الغير بحقوقهم، و ذلك أمام القضاء بصفته المكلف بالنظر في كل الدعاوى التي تعرض أمامه بسبب الخلافات التي تنشأ بين الأفراد.

إذن للدعوى خصائص:

– فهي و سيلة قانونية4؛

– لا يمكن تصور دعوى أمام جهة أخرى غير القضاء، لأنه صاحب السلطة قانونا في البت في الدعاوى التي يرفعها الأفراد حماية لحقوقهم و دفعا لكل اعتداء عليها5؛

– تتميز الدعوى بكونها وسيلة اختيارية، فالالتجاء إلى القضاء متروك لتقدير صاحب المصلحة، ولا يمكن إجباره على ذلك إذا رغب عنه؛

– ليست الدعوى من طبيعة واحدة، و إنما تتعدد باختلاف صبغة و سمة الحق موضوع الدعوى، فلو كان عينيا لكانت الدعوى عينية6، و لو كان شخصيا لكانت ذات طابع شخصي…7

 

و لتكون مقبولة، لا بد من احترام عدة شروط منها ما هو موضوعي و منها ما هو شكلي.

و متى اكتملت شروط الدعوى8 و اتضحت معالمها، وجب سلوك عدة مساطر و إجراءات

 

4 -إذ يمنع على الأفراد اقتضاء حقوقهم بأنفسهم درءا لانتشار الفوضى و عدم استقرار المعاملات داخل المجتمع.

5- يمكن تقديم الدعوى أمام هيئات التحكيم إذا اتفق الأطراف على ذلك( الفصل 306 من ق م م و مايليه).

6- الدعوى العينية هي التي ترمي إلى حماية حق عيني، و الحق العيني هو سلطة مباشرة يمنحها القانون لشخص ما على شيى معين يمارسها دون وساطة أحد.

7- الدعوى الشخصية ترمي إلى حماية حق شخصي، و الحق الشخصي هو رابطة قانونية بين شخصين أحدهما دائن و الآخر مدين، يلتزم بمقتضاه المدين إما القيام بعمل أو الامتناع عن عمل.

8- حدد الفصل الأول من ق. م. م. الشروط الواجب توفرها لقبول الدعوى و هي: الصفة و المصلحة و الأهلية.

هذا إضافة إلى شرطين آخرين لا بد من احترامهما، و هما:

–         ألا يكون سيق الحكم في موضوع الدعوى، تطبيقا لقاعدة عدم المساس بحجية الشيئ المقضي به؛

–          أن تقام الدعوى في الميعاد الذي حدده القانون بالنسبة للدعاوى التي يحدد القانون أجلا معينا لإقامتها (استحقاق الشفعة مثلا).

حددها القانون للمطالبة بالحقوق و الدفاع عنها، فلا يقبل أن يطالب الشخص بحق اعتدي عليه دون أخذ المراحل التي ينبغي اتباعها بعين الاعتبار، و إلا كان مصيرها إما عدم القبول أو الرفض.

 

إن افتتاح الدعوى9 بالمقال ليس إلا خطوة أولى في عرض النزاع على المحكمة،  وإعتباراً لكون هذا النزاع يجمع طرفين أو أكثر لهم مصالح متعارضة، ونظراً لأن البت في الطلب والدفع يقتضي من المحكمة التمحيص والبحث للتأكد من صحة الادعات المرفوعة إليه أو بطلانها، وهو ما يعني الفصل بين مواقف  ومصالح متواجهة مما يفرض لحسن تطبيق القانون وضمان تحقيق العدالة المطلوبة، وجود قواعد ضابطة.

 

و قد اهتم المشرع المغربي سواءٌ في قانون م.م. أو في قوانين أخرى، بوضع هذه القواعد والإجراءات التي تضمن من جهة حقوق الدفاع للطرفين بما يقتضيه ذلك من تحقيق المبادئ التي يقوم عليها نظام التقاضي ونظرية للدعوى ، وهو ما يستدعي تنظيم شروط وقواعد إعلام الأطراف وخاصة المدعى عليه بما رفع ضده وتمكنه من الجواب والرد، خلال آجال معقولة دون تعسف أو مماطلة، ومن جهة أخرى يسمح للمحكمة بالتوفر على المعطيات والعناصر الكافية لإصدار الحكم والبت في الدعوى.

 وتختلف القواعد والإجراءات المتعلقة بسير الدعوى والتحقيق فيها وإعدادها ، بحسب أنواع المحاكم ودرجتها.

 

وتظهر أهمية هذا الموضوع في كون المدعي  أو وكيله بعد أن يتقدم بالمقال الإفتتاحي للدعوى، يعمد رئيس المحكمة إلى تعيين القاضي المقرر أو القاضي المكلف بالقضية للبدأ في إجراءات الدعوى وذلك بتبليغ المدعى عليه أو كل طرف معني بالدعوى وبتاريخ الجلسة التي يعينها لذلك وبمناقشة الطلبات والدفوع التي يقدمها الأطراف تأكيدا لمقالاتهم وذلك قبل أن تصبح الدعوى جاهزة وموضوعاً للمداولة تمهيداً لإصدار الحكم الفاصل فيها.

 

إذاً ما هي إجراءات سير الدعوى المدنية ؟ وهل تلك الإجراءات كفيلة بتحقيق الأمن القضائي ؟

 

بالنسبة للإشكالية الأولى خصصنا للإجابة عنها مطلبين ، وضحنا في أولهما مسطرة التبليغ والذي تكمن أهميته في عدم جواز احتجاج المبلغ له بجهله لما تم تبليغه به ، أما المطلب الثاني فخصصناه للمناقشةو المداولة،و في مايتعلق بالإشكالية الثانية فقد أجبنا عنها بطريقة غير مباشرة ، من خلال استعراضنا لبعض الصعوبات التي تواجه التبليغ وكذا المناقشة والمداولة ،و ما لتلك الصعوبات من تأثير على الأمن القضائي بتأثيرها على إجراءات الدعوى .

9- المحكمة تضع يدها على الدعوى بإحدى الطريقتين: المسطرة العادبة و المسطرة الإدارية.

·          المسطرة العادية: تكون بمقال مكتوب موقع عليه من طرف المدعي أو وكيله تؤدى عنه الرسوم القضائية بصندوق المحكمة؛

·          المسطرة الإدارية: في النزاعات المتعلقة بالتحفيظ العقاري، إذ ترفع من لدن المحافظ العقاري على شكل مقال افتتاحي دون أن يتضمن البيانات المنصوص عليها في الفصل 32 من ق. م. م.

و للإلمام بموضوع إجراءات صحة رفع الدعوى، سنعمل على تناوله وفق التصميم التالي:

 

 

 

                                                                                              ص

مقدمة …………………………………………………………....2

 

المبحث الأول: إجراءات التبليغ……………………………………....6

 

 

    المطلب الأول  : شكليات التبليغ……….……………………….6
 

    المطلب الثاني  : طرق التبليغ………………………………8       

 

المبحث الثاني المناقشة والمداولة…………………..………………..14

 

   المطلب الأول : إجراءات التحقيق و مناقشة الطلبات و الدفوع……14

 

   المطلب الثاني :المداولة……………………………………...19

 

خاتمة…………………………………………………………21

 

لائحة المراجع………………………………………………….22

 

 

 

 

المبحث الأول   : مسطرة التبليغ

 

لم  يقدم قانون المسطرة المدنية في الفصول 37 -38 -39 وغيرها أي تعريف وإنما اكتفى بذكر الإجراءات الواجب سلوكها سواء من حيث الجهات المكلفة بالتبليغ أو الأوراق التي ينبغي ملؤها كطيات التبليغ وشواهد التسليم ومع ذلك فإنه من المناسب إعطاء تعريف للتبليغ لبيان الهدف منه ويمكن ذكر التعريف الآتي:

التبليغ هو" إيصال أمر أو واقعة ثابتة إلى علم شخص معين على يد أحد أعوان كتابة الضبط، أو أحد الأعوان القضائيين، أو عن طريق البريد برسالة مضمونة مع الإشعار بالتوصل، أو بالطريقة الإدارية والهدف من ذلك هو ضمان علم المبلغ إليه بالأمر المراد تبليغه ".

ومن خلال هذا التعريف تكمن أهمية التبليغ في عدم جواز احتجاج المبلغ بجهله لما تم تبليغه به، حتى أن بعض الفقه اعتبر حجية التبليغ كحجية نشر التشريع بالجريدة الرسمية إذ لا يجوز الاعتذار بجهل ما تم التبليغ به قياسا على قاعدة عدم جواز الاعتذار بجهل القانون.

 

المطلب الأول: شكليات التبليغ 

 

ينبغي التذكير بأن التبليغ الذي يكتسي الحجية المذكورة هو ذاك المستجمع لكل البيانات والشكليات المنصوص عليها قانونا وهي:

الأسماء العائلية والشخصية ومهنة وموطن إقامة الطرفين :

فلهذا البيان أهمية قصوى في تحديد الاختصاص المكاني، فضلا عن أنه يحدد آجال التبليغ. إذ تختلف الآجال بحسب وجود موطن المبلغ إليه في المغرب أو في الخارج؛ إلى جانب ذلك يساعد البيان المذكور الطرف المدعى عليه على معرفة خصمه الذي رفع الدعوى ضده، وغير خاف أن لمعرفة الخصم في النزاع أهمية بالغة، إذ تجعل المدعى عليه مستعدا للرد على ادعاءات المدعي بالوقائع والقانون على حد سواء.

موضوع الطلب:

وهذه الشكلية في أهميتها لا تقل عن البيان السابق، إذ بمقتضاها يتوصل الطرف المبلـغ ـ المدعى عليه ـ إلى طبيعة النزاع الذي أصبح طرفا فيه، هل هو مدني أم جنائي، وإذا كان مدنيا هل هو متصل بالعلاقات المالية للأسرة، وكل هذا ذو أهمية خاصة يساهم في تأهب واستعداد المدعى عليه لإعداد الدفاع عن نفسه. وزيادة على ما ذكر فإنه في قضايا حوادث الشغل والأمراض المهنية ينص الفصل 274 من ق .م.م على ما يلي:" يستدعى الأطراف للجلسة طبقا للشروط المشار إليها في الفصول 37-38-39 قبل التاريخ المحدد لحضورهم بثمانية أيام على الأقل ويجب أن يتضمن الاستدعاء بالإضافة إلى التاريخ بيان المكان والساعة التي ستعرض فيها القضية، واسم الطالب ومهنته، وموطنه، وموضوع الطلب، وبيان اسم وعنوان المصاب أو ذوي حقوقه واسم المشغل والمؤمن وكذا تاريخ ومكان الحادثة، أو تاريخ ومكان التصريح بالمرض المهني.

أما بخصوص الاستدعاء من أجل إجراء خبرة طبية، فإن التعديل الجديد فـي الفصل   63 من ق.م.م لم يعد يشترط توجيه الاستدعاء بالبريد المضمون مع الإشعار بالتوصل خلافا لما ينص عليه الفصل 37 من نفس القانون.

التنصيص على المحكمة التي يجب أن تبـت في النزاع(نوعيا و محليا):

وتكمن خصوصية هذا النزاع في الحيلولة دون معاناة المتقاضين مع مشاكل الاختصاص، فبيان المحكمة المختصة يجعل من السهل على الطرف المبلغ اللجوء إلى المحكمة التي عليه أن يمثل أمامها دفاعا عن حقوقه ومصالحه دون مشقة أو عناء. وقد حدد الفصل28 من ق.م.م الاختصاص المحلي في الدعاوى الاجتماعية في الفقرة الثالتة كما يلي:" في دعاوى حوادث الشغل أمام المحكمة التي وقعت الحادثة في دائرة نفوذها، غير أنه إذا وقعت الحادثة في دائرة نفوذ محكمة ليست هي محل إقامة الضحية جاز لهذا الأخير أو لذوي حقوقه رفع القضية أمام محكمة محل إقامتهم. أما في دعاوى الأمراض المهنية فتنص الفقرة الرابعة من نفس الفصل على أن الاختصاص المحلي يكون أمام محل إقامة العامل أو ذوي حقوقه".

أما من حيث الاختصاص النوعي فإن المحكمة المؤهلة للنظر في قضايا حوادث الشغل والأمراض المهنية طبقا للفصل 18 وما بعده من ق.م.م هي المحكمة الابتدائية.

4) يوم وساعة الحضور

5) التنبيه إلى ضرورة اختيار موطن في مقر المحكمة عند الاقتضاء:

 وهذه شكلية ترمي إلى الحد من مزاعم بعض الأفراد وادعاءاتهم بعدم توصلهم بالتبليغ لعدم توفرهم على موطن  أو محل إقامة يراسلون ويبلغون فيه، فمتى تم تنبيه المبلغ باختيار موطن ـ وغالبا ما يكون لدى محام ـ أصبح يسيرا استدعاؤه والاتصال به كلما اقتضى الأمر ذلك. ولا تكفي البيانات السابق ذكرها لاعتبار تبليغ الاستدعاء صحيحا وإنما لا بد من أخد مقتضيات الفصل 39 من قانون المسطرة المدنية بعين الاعتبار إذ ينص هذا الفصل على أنه :

"ترفق بالاستدعاء شهادة يبين فيها من سلم له الاستدعاء وفي أي تاريخ ويجب أن توقع هذه الشهادة من الطرف أو من الشخص الذي تسلمها في موطنه، وإذا عجز من تسلم الاستدعاء عن التوقيع أو رفضه، أشار إلى ذلك العون أو السلطة المكلفة بالتبليغ، ويوقع العون أو السلطة على هذه الشهادة في جميع الأحوال ويرسلها إلى كتابة ضبط المحكمة. و إذا تعذر على عون كتابة الضبط والسلطة الإدارية تسليم الاستدعاء لعدم العثور على الطرف أو على أي شخص في موطنه أو محل إقامته أشار إلى ذلك في الشهادة التي ترجع إلى كتابة ضبط المحكمة المعنية بالأمر…".

في حقيقة الأمر تعد هذه البيانات مكملة للتي سبق ذكرها، لكن مع ذلك تثير بعض الإشكاليات منها أن المشرع حين أوجب على العون المكلف بالتبليغ الإشارة إلى عجز من تسلم الاستدعاء عن التوقيع أو رفضه، فيه نوع من القصور، فإذا كانت الإشارة إلى رفض المتسلم للاستدعاء بالشهادة المرفقة بالاستدعاء أمرا مقبولا، لأن ذلك يعكس الموقف الرافض لمن تسلمه، فإنه في اعتقادنا كان على المشرع أن يسمح في حالة العجز عن التوقيع، بالتوقيع بالبصمة وألا تعاد الشهادة إلى كتابة الضبط، والسند في ذلك هو التقليل من حدة طول الإجراءات التي عادة ما تعتري تطبيق قواعد المسطرة. يقضي الفصل أعلاه بإرسال العون للشهادة المذكورة بعد توقيعه عليها إلى المحكمة ـ كتابة الضبط بها ـ وحسب ما لدنيا من اعتقاد، ينبغي أن يستعمل المشرع لفظ " يودع " بدل " يرسل " لأن العادة جرت على أن يكون الأعوان المكلفون بالتبليغ تابعين لذات المحكمة. بل ويكونون موظفين بها كما هو الحال بخصوص كتاب الضبط فكيف يستساغ أن يرسل العون الشهادة مع إمكانية إيداعها بكاتبة الضبط التي يعمل في إطارها أضمن لسلامة وسير المسطرة، فضلا عن أن الإيداع يساعد على السرعة في الإجراءات ويحول دون البطء فيها.

 

 المطلب الثاني  : طرق التبليغ

 

 فقد نظمها المشرع في الفصول 37 و38 و39، من قانون المسطرة المدنية، فنص في الفصل 37 المعدل بتاريخ 03 فبراير 2004 على أنه : " يوجه الاستدعاء بواسطة أحد أعوان كتابة الضبط، أو أحد الأعوان القضائيين عن طريق البريد برسالة مضمونة مع الإشعار بالتوصل أو بالطريقة الإدارية وإذ كان المرسل إليه يسكن خارج المغرب يوجه الاستدعاء بواسطة السلم الإداري على الطريقة الديبلوماسية عدا إذا كانت مقتضيات الإتفاقية الدولية تقضي بغير ذلك".

ونص الفصل 38 على أنه:

" يسلم الاستدعاء تسليما صحيحا إلى الشخص نفسه أو في موطنه إلى أقاربه أو خدمه أو لكل شخص آخر يسكن معه، يعتبر الإقامة موطنا بالنسبة لمن لا موطن له بالمغرب، يجب أن يسلم الاستدعاء في غلاف مختوم لا يحمل إلا الاسم الشخصي والعائلي وعنوان وسكنى الطرف وتاريخ التبليغ متبوعا بتوقيع العون وطابع المحكمة " .

أما الفصل 39 فقد جاء في بعض فقراته:

" إذا تعذر على عون كتابة الضبط أو السلطة الإدارية تسليم الاستدعاء لعدم العثور على الطرف أو على أي شخص في موطنه أو محل إقامته أشار إلى ذلك في الشهادة التي ترجع إلى كتابة ضبط المحكمة المعنية بالأمر توجه حينئذ كتابة الضبط الاستدعاء بالبريد المضمون مع الإشعار بالتوصل.

…….يعتبر الاستدعاء مسلما تسليما صحيحا في اليوم العاشر الموالي للرفض الصادر من الطرف والشخص الذي له الصفة في تسلم الاستدعاء…."

من خلال هذه المقتضيات، يمكن استخراج الطرق التي يتم بها التبليغ واستنتاج أهم الإشكاليات التي تثيرها على صعيد الواقع العملي، وهذا ما سنعرض له على الشكل التالي:

 

1 ـ التبليغ عن طريق أعوان كتابة الضبط:

يعتبر التبليغ بواسطة أحد أعوان كتابة الضبط الوسيلة الأولى التي ركز عليها الفصل 37 المذكور، ويعد ذلك بديهيا إذا علمنا أن هؤلاء الأعوان تابعون لكتابة الضبط بالمحكمة المعروضة عليها القضية في الغالب، فضلا عن أنهم ينتمون إلى قسم التبليغات وهذا ما يؤهلهم أكثر لمباشرة هذه المهمة المحفوفة بالمشاكل والصعوبات.

على أنه يتعين الإشارة إلى أن هذه الطريقة تثير كثيرا من المشاكل أهمها البطء وعدم كفاءة الأعوان المكلفين بالتبليغ، إذ لا يقومون في الغالب الأعم بملء شواهد التسليم بالطريقة القانونيةاللازمة، الأمر الذي يجعل كثيرا من التبليغات تتعرض للبطلان.

 

2 ـ التبليغ عن طريق الأعوان القضائيين ( المفوضين القضائيين حاليا):

لم يشر الفصل 37 إلى التبليغ عن طريق الأعوان القضائيين والسبب في ذلك هو أن هؤلاء لم يحدثهم المشرع كمؤسسة تساعد كتابات الضبط بالمحاكم وتخفف عنهم عبء التبليغات إلا في سنة 1980 بمقتضى القانون رقم 80/41 الصادر بشأنه ظهير 25 دجنبر 1980، وفي سنة 1986( 12 دجنبر) صدر المرسوم التطبيقي لهذا القانون، وذلك قبل صدور الظهير المؤرخ ب 10/09/1993 المعدل والمتمم للقانون المذكور.

ولقد تضمن هذا القانون 22 فصلا موزعة على تسعة أبواب إلى جانب المقتضيات العامة، أما عن اختصاص هيئة الأعوان القضائيين فوارد في الفصل الثاني من القانون السابق ذكره، ويتمثل في القيام بعمليات التبليغ اللازمة للتحقيق في القضايا ووضع الإجراءات اللازمة لتنفيذ الأوامر والأحكام والقرارات القضائية، غير أن المشرع عمد في سنة 1993 إلى إحداث ما يعرف بنظام

الكتاب المحلفين ليساعدوا الأعوان القضائيين في مهامهم سيما مهمة التبليغ والتنفيذ ويعد هذا في حقيقة الأمر موقفا شاذا يخالف فيه المشرع المغربي التشريعات المقارنة الأخرى التي تنيط بالأعوان القضائيين شخصيا القيام بالتبليغات والتنفيدات، وتجدر الإشارة إلى أن المشرع عدل الفصل 37 المذكور أعلاه بمقتضى القانون رقم 03-27 الصادر بتنفيذه الظهير الشريف المؤرخ في 03 فبراير 2004 ليفتح الباب أمام الأعوان القضائيين ليقوموا بمهمة التبليغ.

غير أن تدخلا تشريعيا جديدا مس نفس الفصل بإحلال المفوضين القضائيين محل الأعوان القضائيين بموجب القانون 03- 81 المنظم لمهنة المفوضين القضائيين والصادر الأمر بتنفيذه بالظهير الشريف رقم 23- 06-01 بتاريخ 14 فبراير 2006.

 

3) التبليغ عن طريق البريد المضمون مع الإشعار بالتوصل:

تعد هذه الطريقة الوسيلة الثانية التي نص المشرع على سلوكها في حالة عدم الاستدعاء بواسطة الأعوان المكلفين بالتبليغ، بل إنما تعد الوسيلة الأنجع في التبليغ إذا ما رجعنا إلى الفقرتين الثانية والثالثة من الفصل 39 فقد جاء فيهما ما يلي:

"إذا تعذر على عون كتابة الضبط أو السلطة الإدارية تسليم الاستدعاء لعدم العثور على الطرف أوعلى أي شخص في موطنه أو محل إقامته أشار إلى ذلك في الشهادة  التي ترجع إلى كتابة ضبط المحكمة المعنية بالأمر. توجه حينئذ كتابة الضبط الاستدعاء بالبريد المضمون مع الإشعار بالتوصل".

والدليل على نجاعة التبليغ بالبريد المضمون مع الإشعار بالتوصل أن المشرع اعتبر الاستدعاء الذي رفض الطرف أو الشخص الذي له الصفة في تسلمه، مسلما تسليما صحيحا ابتداءا من اليوم العاشر الموالي للرفض ومع ذلك لا مناص من تسجيل ملاحظة مفادها أن إشكالات هذا النوع من التبليغ لا تقل عما سبق ذكره، إذ في كثير من الأحيان يتم إرجاع الطي بملاحظة غير مطلوب أو بملاحظة تعني الرفض، هذا إلى جانب أنه يمكن العديد من الأشخاص المعنيين بالتبليغ من التملص والتحلل من آثاره بدعوى أن الظرف الذي تم التوصل به كان فارغا.

وترجع الصعوبة بالنسبة لعبارة أو ملاحظة غير مطلوب إلى تكييفها، فهل يقصد بها رفض التسلم أم مجرد ملاحظة لا تفيد الرفض المذكور، وغني عن البيان أن اعتبارها رفضا للتسلم سيؤدي إلى نتائج قد تضر بمصالح المتقاضي-المبلغ إليه- إذ سيكون التبليغ صحيحا في حقه بعد مرور عشرة أيام من رفض التسلم. وقد سار المجلس الأعلى ممثلا في الغرفة المدنية باعتبار عبارة غير مطلوب بمثابة رفض (قرار 7-12-1965) وذلك قبل أن يعدل عن موقفه، حيث لم يعتبر عدم المطالبة بالرسالة المضمونة رفضا (قرار 27-03-1974). وفي اعتقادنا لا يمكن تكييف العبارات المذكورة بمثابة رفض بالنظر إلى خطورة نتائج ذلك على حقوق المتقاضين.

 

4) التبليغ بواسطة القيم:

يتم تعيين القيم لتبليغ الاستدعاء في الأحوال التي يكون فيها موطن أو محل إقامة الطرف غير معروف، ويعين القيم من بين أعوان كتابة الضبط وإن كان في نظرنا أنه يجوز تعيين هذا الأخير من بين الأعوان القضائيين ما دام هؤلاء مختصون بالتبليغ لذلك. وتكمن مهمة القيم في البحث عن الطرق، وتقديم المعلومات والمستندات المفيدة للدفاع عنه ويساعد القيم في مهمته النيابة العامة والسلطات الإدارية.

وفي حالة ما إذا عرف موطن أو محل إقامة الطرف الذي لم يكن موطنه معروفا، يخبر القيم القاضي بذلك، ويخطر إضافة إلى ذلك المعني بحالة المسطرة والمراحل التي بلغتها، وذلك في سبيل رفع النيابة التي كان يقوم بها القيم لفائدة الطرف ذي الموطن المجهول. ولتعيين القيم وقيامه بالتبليغ أهمية قصوى بالنسبة لسريان آجال الاستئناف أو النقض بالنسبة للأحكام والقرارات المبلغة إلى هذا الأخير، إذ لا تسري إلا بعد تعليقها في لوحة معدة لهذا الغرض بالمحكمة.

 

5) التبليغ بالطريقة الإدارية:

لا شك أن للسلطات الإدارية دورا مهما في القيام بالتبليغ، ذلك أن التبليغ بالقرى والبوادي والمناطق النائية يرتكز بالأساس على أعوان السلطة (المقدم، الشيخ)، بل إن لهؤلاء أهمية كبرى حتى في التبليغ في المجال الحضري.

غير أن هذا الدور سرعان ما يرتب العديد من الإشكالات خاصة بالنسبة لشهادات التسليم التي لا تملأ بالطريقة والدقة اللتين يتطلبهما القانون، إذ غالبا ما تكون التبليغات التي يقوم بها أعوان السلطة محل طعون وشكوك. وترجع هذه الإشكالات إلى عدة أسباب منها غلبة الأمية على الشيخ والمقدمين وكثرة المهام التي يقومون بها إلى جانب التبليغ وعدم الإلمام بالقواعد القانونية المنظمة للتبليغات، وعدم الإحاطة والتنبؤ بالنتائج السلبية التي تترتب على التبليغ الذي لم تحترم فيه الشكليات القانونية المتطلبة، ومن هذه الأسباب كذلك عدم التنسيق بين السلطات القضائية والسلطات الإدارية فضلا عن اختلاف التقطيع القضائي حيث تكون بعض المناطق تابعة إداريا لملحقة إدارية أو قيادة معينة في الوقت الذي تكون فيه تابعة قضائيا لمحكمة لا تدخل في دائرتها القضائية هذه المنطقة، فتبعث التبليغات في غالب الأحيان إلى ملحقات إدارية أو قيادات لا يوجد فيها موطن أو محل إقامة المبلغ إليه.

6) التبليغ بالطريقة الدبلوماسية:

يعد التبليغ بالطريقة الدبلوماسية من الطرق الهامة التي تساعد على إيصال الإستدعاءات إلى المعنيين بالأمر المقيمين خارج تراب المملكة، ويساهم هذا النوع من التبليغ في تمكين المغاربة المقيمين بالخارج بوجه خاص من الإحاطة بالإجراءات والدعاوى والأحكام التي تهمهم والتي تباشر في وطنهم.

وتعد السلطات الدبلوماسية (وزارة الشؤون  الخارجية و التعاون من خلال السفارات والقنصليات) الجهات الرئيسية في القيام بهذا النوع من التبليغات، ومع أهمية هذه الطريقة فإن لها العديد من السلبيات منها البطء وطول الإجراءات وتعقيد المساطر. بالنظر أولا إلى الآجال الطويلة والإضافية التي يضعها المشرع استثناءا لمن يوجد موطنه خارج المغرب (الفصل 41 والفصل136 من ق.م.م)، وبالنظر ثانيا إلى تعقيد المسطرة وصعوبة سلوكها، إذ غالبا ما يتطلب التبليغ بالطريقة الدبلوماسية شهورا عديدة، خاصة وأن المبلغ إليه قد يعمد كل مرة إلى تغيير عنوانه أو موطنه تحاشيا لكل ما قد يصدر ضده من أحكام أو ما قد يتخذ ضده من إجراءات.

لقد سكت المشرع المغربي عن الآثار المترتبة عن التبليغ أو عدمه مما جعل الجهاز القضائي يتصدى لإيجاد الحلول وترتيب الآثار عن التبليغ المعيب والناقص في شكلياته سواء تعلق الأمر بالاستدعاء وطيات التبليغ، أو الموطن أو محل الإقامة حيث تولى المجلس الأعلى وبعض محاكم الاستئناف إصدار مجموعة من القرارات والاجتهادات في إطار الاختصاص والرقابة القانونية تنصب كلها على إلغاء الكثير من الأحكام المبنية على التبليغ المعيب أو الناقص.

 كما أن العديد من القطاعات الوزارية بتعاون مع وزارة العدل تدخلت من خلال عدة مناشير لتلافي النتائج السلبية التي تلحق الضرر بمصالحها نتيجة التبليغات التي لا تحترم البيانات والآجال المسطرة في ق.م.م وبعض القوانين الخاصة، وسوف نذكر قرارات المجلس الأعلى ومحاكم الاستئناف وكذا منشورات بعض الوزارات التي طالبت ونصت على إلغاء العديد من إجراءات التبليغ لأنها لم تكن وفق البيانات القانونية المطلوبة.

ـ قرارات المجلس الأعلى: القرار المدني الصادر بتاريخ 24 أكتوبر 1968، بخصوص عدم استدعاء الخصم " استدعاء الخصم شرط أساسي لإصدار الحكم عليه كي يسمع ما عنده إليه وإلا كان الحكم باطلا ".

 

قرارات قضاء المجلس الأعلى:

1 ـ قرار صادر عن المجلس الأعلى بتاريخ 18- 6- 91 تحت عدد 816 منشور بمجلة المعيار عدد 18 و19 ص 174 وما يليها:

ـ عدم استدعاء الطاعن أو من يمثله للجلسة التي أدرجت فيها القضية للمداولة يجعل القرار الصادر باطلا لخرقه لقواعد المسطرة المضرة بالطاعن ولمساسه بحقوق الدفاع.

2 ـ قرار صادر عن المجلس الأعلى بتاريخ 4- 4- 88 تحت عدد 904 منشور بمجموعة قرارات المجلس الأعلى المادة المدنية الجزء الثاني ص 479.

ـ إن الإشعار البريدي بالتوصل يعد محررا رسميا فهو حجة بالوقائع التي يشهد الموظف العمومي بحصولها إلى أن يطعن فيه بالزور ولهذا تكون المحكمة على صواب لما اعتمدته كحجة على تواصل الطالب بالإنذار واعتبرت أن مجرد إنكار التوقيع غير كاف للقول بعدم التوصل.

3 ـ قرار صادر عن المجلس الأعلى بتاريخ 9- 4- 82 تحت عدد 105 في الملف المدني عدد 87368 منشور بمجلة قضاء المجلس الأعلى عدد 31 ص 148 وما يليها.

ـ يثبت التبليغ في حالة الإنكار بشهادة التبليغ التي تبين لمن وقع له تسليم التنبيه أو رفض تسلمه أو بشهادة التسليم البريدية وأن عدم سحب التنبيه من طرف إدارة البريد لا يقوم مقام رفض التسليم.

اجتهاد محكمة الاستئناف بالدار البيضاء – قرار 683/3 بتاريخ 10- 9 – 1985 مجلة المحاكم المغربية، عدد 46 وقد جاء بالقرار المذكور ما يلي: غلاف بالتبليغ: الإشارة إلى كل البيانات اللازمة بما فيها تاريخ التبليغ وتوقيع العون، لا تقوم شهادة التبليغ الصادرة من مصلحة التبليغ مقام غلاف التبليغ.

ـ تاريخ التبليغ: عدم الإشارة إليه في غلاف التبليغ يرتب بطلان التبليغ ولو لم يثره الطرف المعني هذا مع العلم أن غلاف التبليغ يعتبر طيا قضائيا ويجب أن يحتوي جميع الوثائق المراد تبليغها للمعني بالأمر، أما شهادة التسليم فيمكن القول أنها وثيقة إدارية قانونية دورها إثبات واقعة التبليغ، ويجب أن يحتفظ بها بملف التبليغ سواء لدى العون القضائي أو بالإدارة القضائية، وعلى ضوئها تسلم الشواهد الإدارية عند المنازعة في التبليغ من عدمه.

تاريخ التبليغ وتوقيع العون على طي التبليغ: من الاجتهادات الصادرة في الموضوع الطيات القضائية قرار محكمة الاستئناف بالدار البيضاء ـ الغرفة المدنية الثانية: رقم 683/3 بتاريخ 10- 9- 1985 ملف مدني عدد 412/85 مجلة المحاكم المغربية، عدد 46 نونبر ودجنبر 1986…… فإن كان من حق الإدارة أن تتوفر على شهادة التسليم التي تتضمن بيانات إلزامية كما هي محددة في الفصل 39 من ق.م.م فإنه بالمقابل يحق للطرف المبلغ إليه أن يتوفر على وثيقة تسمح له بالقيام بإجراء الطعن، وهذه الوثيقة هي غلاف التبليغ المنصوص عليه في المادة 38 من ق.م.م والذي يجب أن يتضمن الاسم الكامل للطرف المعني وعنوانه وتاريخ تبليغه وتوقيع العون.

   ـ إن عدم الإشارة إلى تاريخ التبليغ على الغلاف يكون إخلالا شكليا مضرا بمصالح المحكوم عليه ولا يمكن سد هذا الإخلال بالشهادة الإدارية التي تسلم من مصلحة التبليغ ولو تضمنت هذه الشهادة البيانات بما فيها تاريخ التبليغ، لأن تاريخ التبليغ مسألة جوهرية يجب أن تبرز على غلاف التبليغ.

   ـ إن غلاف التبليغ الذي لا يحمل تاريخ التبليغ وغير موقع من طرف العون المبلغ يترتب عليه التصريح ببطلان التبليغ ولو لم يطلبه الطرف المعني، وبالتالي يعتبر الطعن قد تم داخل الأجل القانوني.

 

   ـ شهادة التسليم: قرار عدد 301 المؤرخ في 15 يناير 1997، الملف المدني عدد 1067/1996.

" الشهادة المعتبرة قانونا لإثبات التبليغات القضائية هي شهادة التسليم المنصوص عليها في ف 39 من ق.م.م والمحكمة عند ما أصدرت قرارها بعدم قبول الاستئناف شكلا، واستنادا إلى شهادة تبليغ مسلمة من طرف رئيس كتابة الضبط تفيد أن التبليغ قد بلغ للمستأنف، دون أن ترجع لملف التبليغ وتبحث عما إذا كان يتوفر على شهادة التسليم التي هي وحدها المثبتة لتبليغ المدعى عليه أم لا، تكون قد خرقت مقتضيات ف 39 من ق.م.م وعرضت بذلك قرارها للنقض والإبطال ".

 

ويمكن للقاضي قبل البت في موضوع النزاع المعروض عليه؛ أن يأمر بناء على طلب الأطراف أو أحدهم أو تلقائيا بإجراء من إجراءات التحقيق التي تساعد على الوصول إلى الحقيقة للفصل في هذا النزاع؛ وتتمثل هذه الإجراءات في الأمر بإجراء خبرة أو وقوع على عين المكان؛ أو بحث أو تحقيق الخطوط أو أي إجراء آخر من إجراءات التحقيق.

 

المبحث الثاني  : المناقشة والمداولة

 

المطلب الأول: المناقشة

 

 بعد تقييد المقال، يقوم رئيس المحكمة بتعيين القاضي المقرر أو القاضي المكلف بالقضية بحسب الأحوال، هذا الأخير الذي يتتبع أطوار الدعوى ابتداءا  من الاستدعاء لأول جلسة إلى حين صيرورة القضية جاهزة و قابلة للحكم فيها.

و انطلاقا من أول جلسة يفتح باب مناقشة الملف، إذ يتقدم كل طرف بما يعزز طلباته، فالمدعي يعمد في الغالب إلى تقديم طلبات إضافية أو عارضة تبرز حجية الطلب الأصلي أو المقال الافتتاحي و تمسك صاحبه به، و يقوم المدعى عليه من جهته بتقديم طلبات مقابلة أو مضادة و دفوع ترمي إلى تفنيذ مزاعم و ادعاءات خصمه.

غير أن تبادل المذكرات في حالة ما إذا كانت المسطرة كتابية، أو القيام بالمرافعات في حالة المسطرة الشفوية، لا يقتصر في الغالب الأعم على الطرفين الأصليين في الدعوى(المدعي و المدعى عليه)، و إنما يسمح لأطراف أخرى بالانضمام إلى الدعوى إما إلى جانب المدعي أو إلى جانب المدعى عليه حفاظا على مصالحهم و حماية لحقوقهم. و هذا ما يعرف بالتدخل الإرادي، و قد نص عليه الفصل 111 من قانون المسطرة المدنية إذ جاء فيه أنه:

"يقبل التدخل الإرادي ممن لهم مصلحة في النزاع المطروح".

بل يمكن إدخال الغير في الدعوى بصورة إلزامية و اضطرارية، و لو رفض ذلك، و قد نصت على هذا النوع من التدخل-التدخل الإلزامي- الفصول من 103 إلى 108 من القانون المذكور.

و مما جاء فيه في الفصل 103 أنه:

"إذا طلب أحد الأطراف إدخال شخص في الدعوى بصفته ضامنا أو لأي سبب آخر استدعي ذلك الشخص طبقا للشروط المحددة في الفصول 37، 38 ،39….".

و يعد الإدخال أو التدخل الإلزامي إجراءا من الإجراءات التي تباشر في مرحلة المناقشة و قبل إقفال القضية ووضعها في المداولة. وهذا ما تنص عليه الفقرة الأخيرة من الفصل 103:

"يمكن إدخال شخص في الدعوى إلى حين وضع القضية في المداولة، غير أنه يمكن للمدعي طلب تطبيق مقتضيات الفصل 106 إذا كان الطلب الأصلي جاهزا وقت إدخال الغير".

و حسب الفصل 106 المذكور: "إذا كانت الطلبات الأصلية، و طلبات الضمان جاهزة في وقت واحد حكم القاضي في الجميع بحكم واحد، و يمكن للمطالب الأصلي إذا كان طلبه جاهزا وحده دون طلب الضمان أن يطلب البت في طلبه منفصلا عن الطلب العارض على أن يحكم بعد ذلك عند الإقتضاء في طلب الضمان".

و من أهم الإجراءات التي تشملها مرحلة مناقشة القضية إجراءات التحقيق و هي في قانون المسطرة المدنية الخبرة، و معاينة الأماكن، و الأبحاث، و اليمين و تحقيق الخطوط و الزور الفرعي.

1-الخبرة كإجراء تقني:

         تعتبر الخبرة إحدى أهم إجراءات التحقيق؛ تكلف بها المحكمة شخصا يسمى الخبير؛ يتوفر على مؤهلات عملية؛ وكفاءات تقنية خاصة؛ تمكنه من معاينة الوقائع موضوع النزاع؛ وتحديد وبيان النقط المبهمة فيها وتوضيحها؛ وذلك للاستعانة برأيه في هذه المسائل التي يحتاج حلها إلى دراية تقنية وفنية خاصة؛ يصعب على القاضي الإلمام والإحاطة بها لبعد علاقتها بتكوينه العام الذي تلقاه.

         والحكم القاضي بإجراء خبرة يسمى حكما تمهيديا؛ يحدد فيه القاضي النقط موضوع الخبرة؛ على أساس أن تكون هذه النقط تقنية؛ لا علاقة لها مطلقا بالقانون؛ كما يحدد الأجل الذي يجب فيه على الخبير إيداع الخبرة في كتابة الضبط.

         وإذا تعذر على الخبير القيام بالمهمة المسندة إليه؛ أو امتنع عن القيام بها؛ يستبدل بخبير آخر بمقتضى أمر قضائي مع ضرورة إشعار الأطراف بهذا التغيير.

         كما يمكن للطرف الذي يتوفر على وسائل لتجريح الخبير المعين أن يتقدم بهذا التجريح؛ داخل أجل خمسة أيام؛ من تبليغه بتعيين الخبير مبينا أسباب التجريح.

         يستدعي الخبير الأطراف برسالة مضمونة مع الإشعار بالتوصل يخبرهم فيها بيوم وساعة إجراء الخبرة.

         يحرر الخبير تقريرا يجب أن يتضمن البيانات المتعلقة بتاريخ توصل الأطراف باستدعاء لحضور عمليات الخبرة. وحضور هؤلاء الأطراف أو تغيبهم؛ وتصريحات الأطراف وملاحظاتهم؛ ونتيجة محاولة الصلح؛ والإجابة عن جميع النقط المحددة له في الحكم التمهيدي.

2-معاينة الأماكن:

         يقصد بها انتقال القاضي أو المحكمة إلى المحل موضوع النزاع لمعاينته لتمكين القاضي من المعرفة الشخصية لواقعة النزاع.

         وقانون المسطرة المدنية اقتصر على تنظيم نوع واحد من المعاينة وهو معاينة الأماكن.

         وإذا كان موضوع المعاينة يستلزم معلومات لا يتوفر عليها القاضي يمكنه تعيين خبير لمصاحبته أثناء المعاينة وإعطاء رأيه؛ وتأمر المحكمة بالمعاينة إما تلقائيا؛ أو بناء على طلب الأطراف؛ وفي هذه الحالة تكون غير ملزمة بالأمر بالمعاينة إذا اعتبرت أنها تتوفر على العناصر الكافية للبت في النزاع المعروض عليها.

         وتأمر المحكمة بالمعاينة بمقتضى حكم تمهيدي تحدد فيه تاريخ وساعة إجراء المعاينة يبلغ للأطراف ويتم استدعاؤهم لحضور هذه المعاينة.

         ويتم إجراء المعاينة إما من طرف جميع أعضاء الهيئة الحاكمة أو من طرف القاضي المكلف بالقضية؛ إلا أنه في كلتا الحالتين يستلزم القيام بالمعاينة صحبة كاتب الضبط.

         يحرر محضر الانتقال على عين المكان؛ ويوقع حسب الأحوال من طرف رئيس الهيئة؛ وكاتب الضبط أو من طرف القاضي المقرر أو المكلف بالقضية؛ وكاتب الضبط ويوضع هذا المحضر رهن إشارة الأطراف في كتابة الضبط ويجب أن يتضمن هذا المحضر كل ما عاينه القاضي وما قام به من عمليات مع الإشارة فيه إلى أقوال الأطراف وملاحظاتهم.

 

3- الأبحاث:

         يمكن للمحكمة أن تأمر إما تلقائيا؛ أو بناء على طلب الأطراف بإجراء بحث بشأن موضوع النزاع المعروض عليها؛ وقد حدد الفصل 71 من ق.م.م. الشروط الواجب توافرها للأمر بإجراء البحث وهي:

– أن تكون الوقائع المراد إثباتها مفيدة في تحقيق الدعوى.

– أن يسمح القانون بإثبات هذه الوقائع بشهادة الشهود؛ كإثبات وقائع مادية؛ أو تصرفات قانونية قيمتها 250 درهما؛ في جميع المواد التجارية باستثناء الحالات التي ينص القانون فيها على خلاف ذلك.

         ويأمر بالبحث بمقتضى حكم تمهيدي؛ يبين فيه الوقائع التي سيجرى البحث بشأنها؛ وكذلك يوم وساعة إجراء البحث؛ ويشير فيه إلى استدعاء الأطراف للحضور وتقديم شهودهم.

         ويستمع إلى الشهود على انفراد سواء بمحضر الأطراف أو في غيابهم؛ ويصرح كل شاهد قبل سماع شهادته؛ باسمه العائلي والشخصي وحرفته وسنه وموطنه؛ وإذا كانت تربطه علاقة قرابة؛ أو مصاهرة؛ مع أحد الأطراف؛ وإذا كان خادما أو عاملا عنده.

         ويقسم الشاهد تحت طائلة البطلان؛ على قول الحقيقة؛ لولا تقبل شهادة الأشخاص الذين نص القانون؛ أو أمر قضائي؛ بأنهم عديمو الأهلية لتأدية الشهادة في كل الإجراءات وأمام القضاء.

         ويحرر كاتب الضبط في المحضر شهادة الشهود؛ ويسجل تصريحاتهم؛ حسب سماعه لها ويوقع هذا المحضر القاضي؛ وكاتب الضبط؛ وكل شاهد على مضمن شهادته؛ ويمكن للأطراف ومحاميهم الاطلاع على هذا المحضر.

 

4-اليمين:

         إجراء من إجراءات التحقيق التي تنظمها الفصول من 85 إلى 88 من ق.م.م وهي نوعان: يمين حاسمة و  يمين متممة.

 

أ‌-     اليمين الحاسمة:

         هي اليمين التي يوجهها الخصم إلى خصمه لإثبات الادعاء موضوع النزاع؛ وذلك لحسم هذا النزاع نهائيا. 

         واليمين الحاسمة لا يمكن للقاضي أن يوجهها من تلقاء نفسه؛ بل يتعين تقديم طلب توجيهها من طرف أحد الخصوم؛ وموضوع اليمين يتعلق بالوقائع القانونية؛ ويشترط أن تكون هذه الوقائع متعلقة بالدعوى ومحل نزاع؛ وأن يجيز القانون قبولها؛ وأن يجوز التصرف فيها. 

         وصيغة اليمين ومضمونها يحددها الخصم الذي يطلب تقديم هذه اليمين؛ ويجب أن تسبق صيغة اليمين العبارة الآتية: "أقسم بالله العظيم" ويمكن طلب توجيه اليمين في سائر أطوار المسطرة؛ ولو لأول مرة أما محكمة الاستئناف.

         ويحدد القاضي يوم وساعة أداء اليمين؛ وتؤدى اليمين في الجلسة؛ غير أنه يمكن للقاضي بمساعدة كاتب الضبط؛ أن ينتقل إلى مكان تواجد الخصم الذي وجهت إليه اليمين الحاسمة؛ إذا ما علق هذا الخصم مانع مشروع يمنعه من الحضور بالجلسة.

         وإذا كان الطرف الذي وجهت إليه اليمين أو ردت؛ يسكن في مكان بعيد أمكن للمحكمة أو تأمر بأن نؤدي اليمين أمام المحكمة الابتدائية لمحل موطنه، على أن تسجل له تأديته لهذه اليمين.

         ويحرر كاتب الضبط محضر أداء اليمين؛ ويشير فيه إلى حضور الأطراف؛ أو تغيبهم؛ وأداء اليمين أو ردها؛ أو النكول عن أدائها؛ ويوقع المحضر من طرف القاضي المختص؛ وكاتب الضبط.

ب‌-اليمين المتممة:

         هي اليمين التي يوجهها القاضي من تلقاء نفسه؛ لأحد أطراف النزاع؛ ليكمل بها اقتناعه؛ إذا كانت الحجة الدليل الذي قدمه الخصم الموجهة له اليمين غير كاف لإثبات ادعائه.

         واليمين المتممة هي وسيلة لتكملة الدليل الناقص؛ للقاضي وحده حق توجيهها.

ويشترط لتوجيه اليمين المتممة:

– أن يكون هناك بداية حجة.

– ألا تكون في الدعوى حجة كاملة.

وتخضع اليمين المتممة لنفس إجراءات اليمين الحاسمة من حيث طريقة أداءها.

5- تحقيق الخطوط والزور الفرعي (م.89 إلى م. 102 من ق م م):

أ‌-     تحقيق الخطوط:

 إجراء من إجراءات التحقيق؛ نظمه القانون لإثبات صحة المحررات العرفية التي يتم إنكارها من طرف الخصم.

         يشترط لإقامة دعوى تحقيق الخطوط الفرعية؛ أن يتم إنكار ورقة عرفية؛ وأن يكون الإنكار صريحا؛ وأن يتوقف على هذه الورقة الفصل في النزاع.

   ودعوى تحقيق الخطوط خاصة بالأوراق العرفية؛ ولا تتعلق بالأوراق الرسمية.

         والمستندات التي يمكن قبولها للمقارنة هي بصفة خاصة:

– التوقيعات على سندات رسمية؛

– الكتابة أو التوقيعات التي سبق الإقرار بها؛

– القسم من السند الذي لم ينكر من المستند موضوع التحقيق.

ب- الزور الفرعي:

         الزور هو تغيير الحقيقة في محرر.

         ودعوى الزور الفرعي هي دعوى عارضة أثناء سريان دعوى أصلية؛ عندما يدلي أحد الخصوم بمحرر عرفي أو رسمي لإثبات ادعاءاته فيقوم الخصم الآخر بالطعن فيه بالزور.

         وإذا رفعت أمام المحكمة الزجرية دعوى أصلية بالزور مستقلة عن دعوى الزور الفرعي؛ فإن المحكمة المدنية توقف البت في القضية إلى أن يصدر حكم نهائي من المحكمة الزجرية.

الفرق بين دعوى الزور وتحقيق الخطوط:

         إن كان الهدف من إقامة دعوى الزور؛ وتحقيق الخطوط هو إثبات صحة أو عدم صحة السند المدلي به؛ فإن هناك بعض الاختلاف في الإجراءات المتعلقة بهما.

–       إن تحقيق الخطوط يتعلق بالمحررات العرفية؛ دون الرسمية؛ بخلاف دعوى الزورالتي ترد على المحررات العرفية؛ والرسمية.

–       عبء الإثبات عند انكار الخط أو التوقيع الوارد على الورقة العرفية لا يقع على المنكر؛ وإنما على المتمسك بهذه الورقة أن يثبت أنها صادرة عن خصمه المنكر؛ في حين أن عبء الإثبات في الادعاء بالزور في الورقة العرفية أو الرسمية؛ يقع على عاتق من يدعي عدم صحة هذه الورقة لا على الطرف الذي يتمسك بها.

إذا ثبت من تحقيق الخطوط أن السند المحرر موقع ممن أنكره يمكن الحكم عليه بغرامة مالية من 100 إلى 300 درهم دون المساس بالتعويضات والمصاريف؛ في حين إذا رفض طلب مدعي الزور؛ يحكم عليه بغرامة تتراوح ما بين 500 و 1500 درهم دون المساس بالتعويضات والمتابعات الجنائية.

 

المطلب الثاني: المداولة

 

بعد الإنتهاء من اجراءت التحقيق والمناقشة يصدر القاضي المقرر أمرا  بالتخلي  وفقا للفصل 335 من قانون المسطرة المدنية  تعبيرا عن كون القضية جاهزة للحكم. ويعين في الوقت ذاته تاريخ الجلسة التي تدرج فيها.

و يترتب عن هذا الأمر عدم قبول أي طلب أو مستند يتقدم به أحد الأطراف بعد إصدار الأمر المذكور باستثناء المستنتجات التي ترمي إلى التنازل، على أنه يمكن فتح باب المناقشة من جديد وبقرار معلل إذا طرأت بعد الأمر بالتخلي واقعة جديدة من شأنها أن تؤثر على الحكم، أو إذا تعذرت إثارة واقعة قبل ذلك خارجة عن إرادة الأطراف.

وبإقفال باب المناقشة وإصدار الأمر بالتخلي تحجز القضية للمداولة تمهيدا للنطق بالحكم طبقاً لمقتضيات الفصل 343 من قانون المسطرة المدنية، ويقصد بالمداولة: "الفترة الزمنية المعينة التي تمنحها الهيئة الحاكمة لنفسها للتشاور والتفكير في الحكم المنوي إصداره في شأن منطوق الحكم وأسبابه، بعد إنتهاء المرافعات، وقبل النطق به، أو بشأن حسم المسائل الأولوية التي ينبغي تسويتها قبل النطق بالقرار الفاصل في الدعوى10[1].

و من أهم مميزات المداولة أنها سرية وتتم في غيبة الأطراف، ومن ثم يمنع على القضاة الذين شاركوا  في المداولة أن يفشوا الآراء التي دارت بشأن الملف موضوع المداولة، كما لا يجوز أن يحضر الأطراف والنيابة العامة أثناء المداولة، لأنها تقتصر على قضاة الحكم الذين منحهم القانون تكوين قناعتهم في كل قضية والتعبير عنها في المداولة.

و تتخد المداولة عدة صور تختلف باختلاف نوع القضية.

فقد تتم المداولة في الجلسة مباشرة بعد مراجعة الأوراق، بل و يصدر الحكم على الفور إذا كانت القضية بسيطة..

و قد تحتاج القضية إلى بعض الوقت، للوصول إلى الرأي الغالب و الدي سيصدر به الحكم، إدا كانت من النوع غير البسيط ، بحيت يقتضي الأمر من رئيس الهيئة رفع الجلسة للمداولة لبضع دقائق قبل إصدار الحكم.

أما إذا كانت القضية مستعصية و تستلزم وقتاً طويلاً للمداولة فيها، أجلت المحكمة الحكم   في القضية أسبوعاً أو أكثر، ليتسنى للقضاة مراجعة المستندات بكل تأن و دقة.

وتنطبق هذه الصورة على التأمل، إذ متى كانت القضية بسيطة بت فيها القاضي في الجلسة نفسها، و إذا كانت تحتاج إلى الوقت أجل النطق   بالحكم إلى تاريخ لاحق.

و الفرق بين المداولة و التأمل، أن الأولى تتم بين ثلاثة قضاة في المحكمة الابتدائية و محكمة الاستئناف و خمسة قضاة في المجلس الاعلى ، بينما يتم التأمل من طرف قاض واحد كلما تعلق الأمر بالقضايا التي تبت فيها المحاكم الابتدائية بقاض منفرد.

و مع أننا أكدنا أن النيابة لا تحضر المداولة، فإن المجلس الأعلى حسب ما أورده البعض يسير في اتجاه السماح لها بحضور سائر المناقشات التي تتم أثناء المداولة، لكن دون أن يصوت ممثل النيابة العامة ،لأن ذلك حق يقتصر على قضاة الحكم فحسب.

وتجدر الاشارة في الأخير إلى أن قانون المسطرة المدنية المغربي يأخد بالرأي الواحد في المداولة ، و هو رأي الأغلبية دون أن يسمح بالإشارة إلى الرأي الآخر في الحكم.

و نعتقد أنه لتأكيد تعزيز استقلال القاضي و نزاهة القضاء ، من الواجب أن يسمح المشرع بالإشارة إلى رأي الأغلبية كرأي يعتمد في المنطوق، و إلى رأي الأقلية للحكم ،حتى يطمئن المتقاضون و تزيد تقتهم بمؤسسة القضاء.

 

 

 

 

 

 

 

خاتمة :

و هكذا نخلص إلى أن الدعوى تمر من بدايتها إلى نهايتها أي الحكم فيها ، بعدة مراحل ومحطات تتنوع فيها الإجراءت المسطرية الواجب اتباعها والتقيد بها سواءٌ من قبل الأطراف أو المحكمة ، وهي إجراءات تهدف في مجموعها تمكين المحكمة من اتخاذ قرارها عن بينة وإقتناع وتسمح للأطراف بالدفاع عن حقوقهم ومصالحهم في أفضل الظروف والشروط الممكنة.

 وتجدر الإشارة إلى أن القواعد الإجرائية المسطرية ، ليست واحدة في جميع الدعاوى والمطالبات القضائية، وأنها تختلف من دعوى لأخرى حسب ما يقرره المشرع، دون أن يكون في ذلك أي تمييز بين الأطراف أو مساس بحق الدفاع؛ هذا دون إغفال بعض الإشكاليات التي تبقى قائمة كمدى تأثير هذه الإجراءات على طرق الطعن ، و كذلك كيفية تنظيم المشرع لطرق التبليغ في ق م م، إذ يمكن الجزم بأنه لم يكن موفقا لغموض النصوص المنظمة لها ، و لكثرة الإشكالات التي تثيرها سواء تعلق الأمر بالتبليغ بالطريقة الديبلوماسية أو بواسطة كتابة الضبط، بل أو بواسطة المفوضين القضائيين كذلك، و كان من الأولى أن يتدخل المشرع لأخذ ما يثيره المهتمون من ملاحظات بخصوص طرق التبليغ بعين الاعتبار و لقطع دابر النقاشات الواهية التي تؤدي إلى ضياع حقوق المتقاضين.

كما يثار الإشكال حول التكييف القانوني لمسطرة تحقيق الخطوط، هل هي دفع أم طلب. في هذا الشأن وقع اختلاف فقهي، فهناك من اعتبره طلبا11 ؛ و نجد البعض الآخر يعتبره دفعا12 ، إذ نجده يتحدث عن إجراءاته و لا يتحدث عن طلبه؛ و بالنسبة للقضاء، نجده لا يتحدث عن دعوى تحقيق الخطوط و إنما يتحدث عن مجموعة من الإجراءات.13

و عليه لا يبقى أمامنا إلا أن ننظم إلى الفقه المنادي بضرورة تعديل ق.م.م من أجل حسم أي خلاف قضائي أو فقهي قد يثور بشأنه، و يحقق بالتالي الحماية و الأمن القضائيين المنشودين.

 

 

 

 

 

11-للمزيد من الاطلاع،انظر:

محمد الادريسي المجدوبي:" إجراء التحقيق"، مطبعة الكاتب العربي-دمشق، ص:94.

12- راجع للمزيد:

عبد العزيز توفيق:" قضاء المجلس الأعلى في المسطرة المدنية إلى غاية 2005"- الطبعة الأولى، 2006.

13- قرار المجلس الأعلى عدد236  بتاريخ 6-5-1979-مجلة المحاكم المغربية عدد: 93-2002-ص:64

 

 

قائمة المراجع:

 

–          أمينة الشايب :"المبادئ القانونية العامة"، الجزء الأول  الطبعة الثانية،2000.

 

–          ادريس العلوي العبدلاوي:" القانون القضائي الخاص: الجزء الثاني الدعوى و الأحكام"، مطبعة النجاح الجديدة، الدارالبيضاء، الطبعة الأولى، 1986.

 

– عبد الكريم الطالب : "الشرح العملي لقانون المسطرة المدنية" ،مطبوعات المعرفة، طبعة أبريل   2009.

 

–       محمد بلفقير: "قانون المسطرة المدنية والعمل القضائي" ، منشورات دراسة قضائية ، العدد 5،2008.

 

–       محمد الحضري  :"المختصر في المسطرة المدنية" .

 

– محمد المجدوبي الإدريسي : "إجراءات التحقيق في الدعوى في قانون المسطرة المدنية المغربي "، الطبعة الأولى ، 1996.

 

عبد العزيز توفيق:" قضاء المجلس الأعلى في المسطرة المدنية إلى غاية 2005"- الطبعة الأولى، 2006.

 

– فتحي والي :"الوسيط في قانون القضاء المدني "دار النهضة العربية، مصر، 1986.

 

– أحمد أبو الوفا:" نظرية الأحكام في قانون المرافعات"، الطبعة الثالثة، 1977.

 

-محمد كهتاني :"التبليغ وأثره على سلامة الإجراءات المسطرية"، www.cacmarrakech.ma/exposes/2006/

 

-ليلى المريني: "المسطرة المدنية أمام المحاكم الابتدائية"، الموقع الإلكتروني لوزارة  العدل  www.justice.gov.ma

 

– مجلة المحكم الغربية، العدد 93 ، مارس/ أبريل 2002.

 

 


1 -أبو الوفا أحمد: "نظرية الأحكام في قانون المرافعات"، الطبعة الثالثة1977 -،ص 76-77.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

التخطي إلى شريط الأدوات