إشكالية إعادة التوازن الاقتصادي لعقود الاستثمار بسبب تغير الظروف


إشكالية إعادة التوازن الاقتصادي لعقود الاستثمار
بسبب تغير الظروف


فيصـل بجــــي

دكتور في القانون الخاص

أستاذ زائر بكلية الحقوق سلا


مقدمــــة

يطالب المستثمرون الأجانب في سبيل تحقيق أهداف العقد بالحماية القانونية، وبالتالي يجب أن تحظى عملية الاستثمار بمحيط ملائم يمكّن المستثمر من تحقيق الربح المنتظر من رأسماله، ويمكّن في نفس الآن الدول المضيفة من تحقيق نموّها الاقتصادي، عبر توفير إطار قانوني للمستثمرين الأجانب، خاضع لقواعد المعاملة والحماية، مع التأكيد على أنه يجب الاعتراف بأن التوازن بين مصالح المستثمر والدولة المضيفة ليس بالأمر الهين، كما يبدو ذلك من خلال تنامي المنازعات بين الدول المضيفة والمستثمرين الأجانب، التي تعد من أهم المسائل المطروحة حاليًا في مجال اتفاقيات الاستثمار.

إن تنفيذ عقود الاستثمار، وخاصة بالنسبة للعقود التجارية الدولية، المتميزة عن العقود الداخلية الأخرى بطول مدة تنفيذها، هي المدة التي يرجع تحديدها إلى إرادة الأطراف ورغبتهم في تحقيق نوع من الاستقرار في معاملاتهم التجارية الدولية، إلى جانب ضخامة مبالغها المالية ومواردها البشرية وقدراتها الاقتصادية والتجارية الهائلة.

فالظروف المحيطة بإبرام عقد يمتد تنفيذه لسنوات طويلة، لا يمكن أن يبقى على حاله طوال هذه المدة، فإذا طرأ أي تغير في الظروف المصاحبة لتنفيذ العقد، فإن ذلك سيؤثر على التزامات الطرفين المتعاقدين، بحيث يجعل تنفيذ الإلتزامات إما مرهقا للمدين، مما يهدده بخسارة فادحة إن واصل التنفيذ على شكله القائم، وإما مستحيلا في التنفيذ لسبب أجنبي خارج عن إرادة المتعاقدين، كما أن عدم التنفيذ في مثل هذه الأحوال يعد خرقا لمبدأ استمرار واستقرار المعاملات التجارية، ومبدأ الحفاظ على العقد والحصول على الأهداف المرجوة التي ارتضاها الأطراف من تنفيذ مثل هذه العقود.

تلعب إرادة الأطراف دورا محوريا في الحد من آثار تغيرات الظروف، مما ينتج عنها بعث الثقة والاطمئنان لدى المتعاملين في مجال الاستثمار، هذه التغيرات في الظروف التي قد تؤثر على تنفيذ العقود، منها ما يكون طبيعيا، كالزلازل والبراكين والفيضانات، ومنها ما يكون فعلا إنسانيا، كالحروب والثورات، ومنها ما يكون إجراءا إداريا، كصدور قرارات برفع أسعار المواد الأولية أو المواد المصنعة أو المنتجة، وقد يكون إجراءا قانونيا أو تشريعيا، بمنع الاستيراد أو التصدير أو تداول رؤوس الأموال، وقد تكون نتيجة لتقدم علمي وتكنولوجي، كانتشار الإشعاع الذري أو الغازات السامة أو تلوث البيئة، ما ينتج عن ذلك عرقلة الأطراف في تنفيذ التزاماتهم التعاقدية، إلى جانب عرقلة عجلة النمو والازدهار الاقتصادي والاجتماعي، مما يستوجب معه التدخل لإعادة النظر في مثل هذه العقود أو الالتزامات، خاصة إذا أبدى الأطراف رغبتهم في استمرار العلاقة التعاقدية.

هكذا فالنزاعات المتعلقة بالاستثمار، خصوصا بين الدولة والمستثمرين الأجانب، تكون دائما مرشحة للارتفاع بسبب ما يمكن أن ينتج عن التغيير في شروط التعاقد، فكيف يمكن إعادة النظر في هذه الشروط لإعادة التوازن الاقتصادي إلى العقد بسبب ما يمكن أن يلحقه من تغيير بسبب الظروف الخارجة عن الإرادة ؟

إن أطراف العقود التجارية الكبرى أو الاستثمارية، كثيرا ما يحبذون اللجوء إلى التحكيم أو الوساطة، لتكون بديلا عن القضاء في حل وتسوية النزاعات التي قد تنشأ بينهم، غير أنه قد تحصل أحيانا بعض الوقائع التي تؤدي إلى اختلال في التوازن التعاقدي، الشيء الذي قد يعرض العقد للانهيار التام وإلغائه من قبل الطرفين فيما لو حدثت قوة قاهرة أو حادث فجائي أو ظروف طارئة، كما قد يتعرض العقد إلى خلل في توازنه ولكن لا يستدعي إلغاءه، وإنما إعادة النظر فيه والتفاوض مجددا في شروطه، وهذا ما سنحاول البحث فيه من خلال المحورين التاليين:


المحور الأول: القوة القاهرة وتغيير شروط عقد الاستثمار

يعد مبدأ عدالة العقد من أهم المبادئ التي تحكم تشكيله، إذ يجب أن يحقق التوازن التعاقدي لطرفيه، خصوصا في مجال هام كالاستثمار، فلا يغتني طرف على حساب الآخر، وقد تطورت شروط العقود بما يقلل من المخاطر التي يتعرض لها المستثمر، إذ يجب التأكيد على أن التوازن التعاقدي يؤدي إلى مشروع أفضل، سواء من ناحية التكلفة أو الجودة، أو الفترة الزمنية التي يتم فيها تنفيذ مشروع الاستثمار، ولعل مرد ذلك لمجموعة من الاعتبارات، منها:

  • انخفاض الجودة يزيد من تكاليف الصيانة ويقلل العمر الافتراضي للمشروع؛
  • توازن العقد يؤدي إلى إنجاز المشروع في الوقت المحدد، أو بأقل قدر من التأخير؛
  • قدر أقل من المشاكل والنزاعات.

بالمقابل، هناك من يرفض فكرة التوازن التعاقدي في العقد الإداري، على اعتبار أن عدم التوازن يحقق المصلحة العامة، والحقيقة أنه قد آن الأوان لمراجعة تلك المواريث في ظل التطورات العالمية، خاصة بعد أن تبين بأن هذه التوجهات تؤدي في الواقع الفعلي إلى الإضرار بالمرفق العام، وهو عكس ما تبتغيه مختلف التشريعات.

من هنا تظهر أهمية مبدأ سلطان الإرادة، وضرورة إقرار توازن العقد، ووفقا لهذا المبدأ فإن الإرادة الحرة بطبيعتها، لا يمكن أن تتجه إلا لما فيه المصلحة، وبذلك فإن جل الالتزامات الناشئة بين المتعاقدين على وجه صحيح، تقوم مقام القانون بالنسبة لمنشئيها، لأنها تكون معبرة عن اتحاد إرادتي المتعاقدين، وبالتالي فمادامت الإرادة حرة، فإن الالتزامات بدورها ستكون أكثر عدالة، ولا يمكن للقاضي تعديلها أو إلغاءها إلا بإرادة المتعاقدين أو في الحالات التي ينص عليها القانون.

وإذا كان تحقيق الربح أو حصول الخسارة، من الآثار الناجمة عن تنفيذ مثل هذه العقود، فإن تحقيق الربح الكبير مقابل الخسارة الفادحة لا يمكن أن يكون هو النتيجة الطبيعية والمقبولة لأي عقد، فالعدالة العقدية ترفض أي اختلال في التوازن العقدي عندما يتجاوز الحد المقبول أو المعقول في التعامل.


في هذا الإطار، تشكل القوة القاهرة سببا من أسباب إنهاء العقد، إذ تعتبر إلى جانب الحادث الفجائي، مسوغا قانونيا يؤدي إلى انهيار القوة الملزمة للعقد متى توافرت شروط ذلك.

في هذا الصدد نظم المشرع المغربي القوة القاهرة والحادث الفجائي، في الفرع الثاني من الباب الثالث من القسم الرابع من الكتاب الأول من قانون الالتزامات والعقود، الذي خصص للالتزامات بوجه عام، ما يتصل منها بتلك التي تجد مصدرها في العقد مباشرة، أو تلك التي تجد مصدرها في غيره من مصادر الالتزام الأخرى، كالمسؤولية التقصيرية أو الإثراء بلا سبب، ولهذا فالمشرع المغربي قد عرفها في الفصل 269 من قانون الالتزامات والعقود وتحت عنوان القوة القاهرة والحادث الفجائي، بأنها ”كل أمر لا يستطيع الإنسان أن يتوقعه كالظواهر الطبيعية (الفيضانات والجفاف، والعواصف والحرائق والجراد) وغارات العدو وفعل السلطة، ويكون من شأنه أن يجعل تنفيذ الالتزام مستحيلا”.

أما بخصوص بعض التشريعات المقارنة، فقد عرفت القوة القاهرة بنص قانوني خاص، بينما أخرى كالتشريع اليمني والمصري لم يفعلا ذلك، واكتفيا بتبيان آثارها في المادة 441 من القانون المدني اليمني رقم 14 لسنة 2002، والمادة 215 من القانون المدني المصري، وكذلك فعل القانون المدني الفرنسي في مادتيه 1147 و 1148.

كما أن هناك تنوعا في العبارات المستخدمة للتعبير عن مفاهيم القوة القاهرة، سواء في تحديد مفهومها أو في التعاطي مع آثارها، إذ أن مفهومها في القوانين اللاتينية التي أخذت بها، تختلف عن فكرة استحالة التنفيذ التي عرفها القانون الألماني.


يلاحظ كذلك عدم اهتمام القانون المقارن، بالاستحالة المؤقتة للقوة القاهرة وأثرها على الالتزام العقدي، كالقانون اليمني والقانون المصري، بينما تناول القانون المغربي تنظيم هذه الاستحالة المؤقتة أو الجزئية من خلال الفصل 336 من قانون الالتزامات والعقود.


من الجدير بالذكر، أن التعريف الذي جاء به المشرع المغربي في الفصل 269 من قانون الالتزامات والعقود، لا يختلف كثيرا عن تعريف الفقيه الروماني Ulpun الذي يرى بأن القوة القاهرة ”كل ما لم يكن في وسع الآدمي أن يتوقعه، وإذا أمكن توقعه فإنه لا يمكن مقاومته”.


يمكن القول انطلاقا من ذلك، بأن القوة القاهرة تشكل حدثا أو مجموعة أحداث غير متوقعة وغير قابلة للمقاومة، وهي تحدث بفعل مستقل عمن يتذرع به، ولم يكن باستطاعته توقعه أو الوقاية منه، ويترتب عن وقوعها انقضاء التزامه، لاستحالة تنفيذه دون أن يتحمل تبعة ذلك.


غير أنه قد يقع العكس في حالة حدوث قوة قاهرة في عقد استثمار دولي، فالأطراف يعتمدون هذا العقد بكل ما يترتب عليه من أرباح، السبب الذي يجعلهم يفضلون الحفاظ على الرابطة العقدية بينهم، بصرف النظر عن هذا الحدث، خلافا للقواعد العامة التي استقرت عليها معظم الأنظمة القانونية، والتي تلغي العقد عند وقوع حدث يشكل قوة قاهرة.

يعمد أطراف عقود الاستثمار في معظم الأحيان اعتبارا لذلك، إلى وضع شرط في عقودهم، وهو شرط القوة القاهرة، غير أنه بالرغم من ذلك فإن إدراج هذا الشرط لا يمنع من نشوب بعض النزاعات بينهم، ولهذا السبب يكون الهدف من إدراج شرط القوة القاهرة، تحديد المقصود بها وتضمينها بيانا يحدد ويجمع الأحداث التي تندرج ضمنها بالنسبة لمثل هذه العقود، وبما أن مثل هذه الأحداث تكون مرتبطة بالحياة الاقتصادية والاجتماعية، أو قد تتصل بطبيعة نشاط الاستثمار، فإن تحديد تلك الأحداث التي تندرج تحت إطار القوة القاهرة، يساعد في تحديد الآثار التي تترتب عنها، مما يحدد النظام القانوني الذي تخضع له، ويكون غالبا القانون الواجب التطبيق على العقد، فالنزاع الذي يثور بين أطراف عقد الاستثمار بسبب حدوث قوة قاهرة، قد يتعلق بتنفيذ مجانب لما اتفق عليه الأطراف أنفسهم، وقد يتعلق بتحديد درجة الضرر التي لحقت بالطرف الآخر، وما إذا كان هذا الضرر يشكل سببا لوقف تنفيذه، كما يمكن أن يتعلق النزاع بكيفية التعويض وتقديره.

بالنظر لما تمثله عقود الاستثمار من أهمية اقتصادية كبرى، ليست فقط بالنسبة لأطراف العقد، وإنما كذلك بالنسبة لبلدهم الأم، إضافة إلى ذلك فأهمية عقود التجارة الدولية أو عقود الاستثمار، قد تتعدى في كثير من الحالات مصالح الأطراف واقتصاديات دولهم إلى اقتصاديات الدول المجاورة لها، ولذلك فإن كثيرا من الدول تقوم بمراعاة عقود استخراج وتكرير البترول وعقود إنشاء الطرق السيارة والسكك الحديدية والاتصالات الحديثة، عند وضعها لخططها الاقتصادية، وبالتالي تتأثر اقتصاديات هذه الدول كثيرا بتنفيذ مثل تلك العقود من عدمه.

وفق هذا المعطى، فإن التغيرات المستمرة التي تحدثها الظروف على تنفيذ العقد، والطرق المستخدمة في معالجة مثل هذه التغيرات في الظروف، قد دفعت إلى إحداث مفاهيم فرضها واقع عقود التجارة الدولية والاستثمار، ما أدى إلى عدم فعالية القواعد والنظم القانونية لدى التشريعات في حل مشاكل تغير الظروف في واقع هذه العقود.

ما يمكن تسجيله من ملاحظات هنا، أن نظرية الظروف الطارئة لم تعد أحكامها تساير التغيرات المستمرة في الظروف، فإعطاء القاضي سلطة تعديل العقد في الحدود المنصوص عليها في القانون، لا يتماشى مع واقع عقود الاستثمار أو التجارة الدولية، التي تتضمن في أغلبها شروط اللجوء إلى التحكيم في حالة حدوث تغيرات في القوة القاهرة، فشروطها التقليدية لم تعد تساير الظروف المتغيرة والحديثة، وبالتالي فإن واقع هذه العقود قد خلق حلولا لمواجهة تلك التغيرات في الظروف، كإعطاء حرية أكبر للأطراف في تحديد مفاهيم الظروف المتغيرة وتنظيم شروطها، بحيث أصبح للقوة القاهرة مفهوما حديثا ومتوسعا تمليه إرادة الأطراف، كما أن للأطراف إمكانية صياغة شروط القوة القاهرة بشكل يتلاءم مع طبيعة عقود الاستثمار، حتى تفي بالغرض من إنشائها.

فإذا كانت القواعد العامة تقضي بأن القوة القاهرة من شأنها إنهاء الالتزام وعدم تحميل المدين تبعة عدم تنفيذه، خصوصًا في العقود ذات الالتزامات المتقابلة؛ فإن الأمر يختلف في عقود الاستثمار، حيث إن هناك حرصا على مواجهة الأحداث المستقبلية عند وقوعها، لضمان استمرار العلاقة الاستثمارية بين الأطراف المعنية.

لا شك أن مهمة فض المنازعات المتعلقة بتحقق شرط القوة القاهرة والنتائج المترتبة على ثبوته، هي مهمة فنية في المقام الأول، فالنزاع قد يتعلق بتنفيذ غير مطابق للمواصفات، في ظل القوة القاهرة التي حالت دون التنفيذ الأمثل المتفق عليه في العقد، وقد يتعلق بتحديد درجة الخطر الذي لحق بالمتعاقد الآخر، وما إذا كان مبررًا كافيًا لإيقاف العقد، أو أنه قد وصل إلى درجة يتعين معها إنهاؤه، كما قد يدور النزاع حول إقرار مبدأ التعويض، إن كان له محلا طبقًا لشروط العقد ومداه.

إلى جانب التزام المدين بإشعار الدائن بوقوع الظرف وآثاره على الالتزام، والتزام الدائن بتقليل الضرر الواقع عليه، وعدم الزيادة في مسؤولية المدين، مع التزام الطرفان بواجب مبدأ الحفاظ على العقد، والعمل على إدراج شرط إعادة مراجعته بنص صريح فيه، كوسيلة أو مخرج يمكن الأطراف من تصحيح اختلال التوازن العقدي الذي سببته تغيرات أو تقلبات الظروف، مما يترتب على ذلك تعزيز الثقة والاطمئنان بين المتعاملين في مجال الاستثمار.

لكن كل هذه الحلول قد تفشل في فض النزاع القائم بين أطراف العقد، كما أن القضاء يواجه مجموعة من الإشكالات، كمسألة تنازع القوانين والاختلاف حول القانون الواجب التطبيق في حالة تعدد جنسيات أطراف النزاع، الأمر الذي يتطلب مجهودا يستهلك وقتا طويلا قد لا يواكب السرعة التي يتطلبها حل هذا النوع من المنازعات، وهو ما يفتح المجال أمام الحلول البديلة عن التقاضي الرسمي وخاصة الوساطة والتحكيم.

بالرجوع إلى الفصل 269 من قانون الالتزامات والعقود المغربي السالف الذكر، الذي يقضي بأن القوة القاهرة كل أمر لا يستطيع الإنسان أن يتوقعه، ما يجعل تنفيذ الالتزام مستحيلا، وبالتمعن في هذه المقتضيات، يتضح أنه بالتوجه للقضاء سيجد الأطراف أنفسهم أمام نتيجتين متباينتين، إحداهما ستصب في مصلحة الطرف الأول، فيما الثانية ستكون ضد مصلحته، وهذا الأخير سيكون في وضع سلبي بسبب الحكم القضائي الذي قد يكون سببا في إيقاف العقد، وربما سيقضي على الصفقة الاستثمارية برمتها.

هكذا يواجه القضاء حالة القوة القاهرة بإسقاط الالتزام نهائيا أو جزئيا، فالمنازعات المتعلقة بحالة القوة القاهرة، يغلب عليها الطابع الفني، ومن ثم فإن الفصل فيها يحتاج إلى آلية خاصة يتوافر للقائمين عليها الخبرة والدراية العلمية الكافيتين، وهنا تبرز أهمية الوسائل البديلة لفض المنازعات كالوساطة، لأن الأطراف لا يودون في الغالب إنهاء رابطتهم العقدية، بسبب هذا الحدث الذي أوجد حالة من القوة القاهرة، فقد يجدون أنه من المناسب أو من الأحسن، أن يعيدوا النظر في هذه الرابطة لتصبح أكثر توافقًا مع الظروف المستجدة، ولينطلق تعاونهم من جديد على أساسها.

لخلق نوع من الثقة والحماية للمستثمريـــن، قامت مجموعة من الدول بسن تشريعات خاصة بالتحكيـم والوساطة – من بين هذه الدول المغرب كما في القانــون رقم 08.05 المتعلق بالتحكيـــم والوساطــــة الاتفاقيــة – والتي تهدف إلى فض نزاعات الاستثمار، وهي النزاعات التي ترتبط غالبا بالتحكيم، وقد يكون السبب في ذلك كون المستثمر شخصا أجنبيا في معظم الأحيان، وقد لا يكون على إلمام كاف بقوانين البلد الذي يجري فيه استثماره، بالإضافة إلى تخوفه من أن تفرض الدولة المضيفة سلطتها التشريعية على الأسلوب الذي يتم به تسوية هذا النوع من المنازعات.

لذلك فإن اللجوء إلى إعادة التفاوض لتغيير شروط عقود الاستثمار في ظل القوة القاهرة، يعد أفضل من اللجوء إلى القضاء والحصول على حكم قسري من وجهة نظر أحد الطرفين، ذلك أن التفاوض وخاصة في ظل الوساطة يقوم على أساس تسوية النزاع بصفة ودية، وبذلك يحافظ على العلاقات الجيدة بين الطرفين، مما يتيح الفرصة للتعامل المستقبلي بينهما من خلال استمرار العقد أو إبرام عقود جديدة.

المحور الثاني: الظروف الطارئــة وتغيير شروط عقد الاستثمار

يعتبر العصر الحديث عصر الظروف المتغيرة، لكن لا يجب تجاهل مبدأ العقد شريعة المتعاقدين ومبدأ القوة الملزمة للعقد، مما يستوجب إضفاء نوع من الإلزامية على هذا الأخير، إلا أنه بالرغم من حسن وزن المتعاقد للأمور وسلامة تقديره، واتخاذه الحيطة الواجبة، قد تصادفه عند التنفيذ ظروفا استثنائية وأمورا لم تكن في الحسبان، وصعوبات لم يكن يتوقعها، ولا يستطيع دفعها بعد وقوعها، مما ينشأ عن ذلك زيادة في أعبائه المالية، زيادة قد يختل معها التوازن المالي للعقد، ويصاب المتعاقد بخسارة محققة وفادحة ترهقه، بخلاف لو كان أثر الظرف الطارئ (L’imprévision) على غير تلك الدرجة الجسيمة من الإرهاق، فإنه لا يمكن التغاضي عن القوة الملزمة للعقد على أساس نظرية الظروف الطارئة.

وإذا كان الظرف الطارئ يقترب من القوة القاهرة باعتباره وضعا جديدا لا دخل لإرادة طرفي العقد في إنشائه، وإنما يكون مصدره أجنبيا عنهما، ولا يختص مطلقا بتصرفاتهما أو سلوكهما المرافق لتنفيذ التزاماتهما، غير أنه يلزم التأكيد في هذا الإطار، على أن هناك فرقا بين القوة القاهرة والظرف الطارئ الذي يعد ذلك الحادث الذي لا يجعل تنفيذ العقد مستحيلا كما هو الحال في القوة القاهرة، إلا أن تنفيذه بالشروط التي جاءت بها مقتضيات العقد، تحمل المدين أعباء مالية وخسارة جسيمة وربما باهظة النتائج، إذ ينتج عنه تغيير جذري في وضع المتعاقد بفعل الظروف المحيطة بتنفيذ العقد، سواء كانت اقتصادية أو اجتماعية أو سياسية، ينتج عنها أثر مباشر على التوازن الاقتصادي للعقد.

ومن أهم العقود التي تؤثر فيها هذه الظروف، عقود الاستثمار بشكل عام، كونها قد تكون عقوداً إدارية ناتجة عن اتفاق الإدارة مع متعاقد يخضع للقانون الخاص، من أجل خدمة المرفق العام، فضلاً عن كونها من العقود المتراخية، والتي تمتد عبر الزمن، مما يجعلها عرضة لحالات الظروف الطارئة التي قد تحدث أثناء سريان العقد، والتي لا تحول دون الاستمرار في تنفيذها، ولكنها تعرض المتعاقد لخسارة فادحة ومحققة ترهق كاهله.

كنتيجة لذلك، فإن تشريعات الدول الآن، تسعى لوضع معالجات وحلول لتغير هذه الظروف، غير أن تلك القوانين أو التشريعات تتباين في طرق معالجتها لهذه الظروف، التي تجعل من تنفيذ التزامات أحد طرفي العقد – وهو المدين – مرهقا بشكل يهدده بخسارة فادحة تتجاوز الحد المألوف، كما تنص على ذلك العديد من التشريعات في مجال القانون المدني، كالتشريع اليمني في مادته 211، والتشريع العراقي في مادته 146، والتشريع المصري في مادته 147، والتشريع السوري في مادته 148، والتشريع الليبي في مادته 147، والكويتي في مادته 146، وغيرها، والتي تتبنى نظرية الظروف الطارئة بنص قانوني خاص، إذ تأخذ بمبدأ تعديل العقد من طرف القاضي، ورد الالتزام المرهق إلى الحد المعقول، والموازنة بين مصلحة الطرفين طبقا لمبدأ العدالة، إذا أصبح التزام أحد الطرفين أكثر إرهاقا.

أما قانون الالتزامات البولوني الذي يعد أول قانون حديث ينظم نصا عاما في نظرية الظروف الطارئة، فقد نص في المادة 269 منه على أنه: ”إذا وجدت حوادث استثنائية، كحرب أو وباء أو هلك المحصول هلاكا كليا، أو غير ذلك من النوازل الطبيعية، فأصبح تنفيذ الالتزام محاطا بصعوبات شديدة، أو صار يهدد أحد المتعاقدين بخسارة فادحة لم يكن المتعاقدان يستطيعان توقعها وقت إبرام العقد، جاز للمحكمة إذا رأت ضرورة لذلك، تطبيقا لمبادئ حسن النية، وبعد الموازنة بين مصلحة الطرفين، أن تعين طريقة تنفيذ الالتزام أو أن تحدد مقداره، بل وأن تقضي بفسخ العقد”، وقد أعقبه القانون المدني الإيطالي، فنص على ذات النظرية في المادة 1467 منه.

أما ألمانيا وسويسرا، فبالرغم من أن تشريعاتها لم تأخذ بهذه النظرية، إلا أنها قبلت تطبيقها عن طريق الاجتهاد القضائي، إذ كانت هذه النظرية معروفة في القوانين الجرمانية منذ القرون الوسطى، وكانت تطبق وفقا لمبدأ العدالة المؤسس على قاعدة تغير الظروف.

بالبحث في التشريع المغربي نجد أنه لم يقرر أي نص قانوني خاص بهذه النظرية، على عكس ما فعلته باقي الأنظمة، سالكا في ذلك نهج التشريع الفرنسي.

لكن بالرغم من اندثار نظرية الظروف الطارئة في القانون الخاص، فقد ازدهرت في القانون العام، عندما ظهرت في القانون الدولي العام كشرط ضمني مفروض في المعاهدات الدولية، إذ تنقضي بتغير الظروف، ثم انتقلت من القانون الدولي العام إلى القانون الإداري، وقد كانت الحرب العالمية الأولى مناسبة أتاحت لمجلس الدولة الفرنسي الأخذ بها في قضية معروفة بقضية الغاز.

كما أن مجلس الدولة الفرنسي آنذاك لم يأخذ بنظرية الظروف الطارئة على أساس مبدأ العدالة، التي يبني مؤيدوها من فقهاء القانون المدني قواعدها عليه، وإنما بناها على أساس قانون استمرارية المرافق العامة (La loi de continuité des services publics  )، الذي يقضي باستمرار هذه المرافق في أداء مهامها بانتظام، فإذا طرأت ظروفا طارئة من شأنها أن تخل باستمرارها وتعيقها عن أداء مهامها، فالإدارة ملزمة بمساعدة المتعاقد معها وإسعافه.

بهذا تقوم نظرية الظروف الطارئة على أساس أن الالتزام لا ينقضي، لأن الحادث الطارئ ليس قوة قاهرة، ولا يبقى هذا الالتزام كما هو مرهقا، ولكن يرد القاضي الالتزام إلى الحد المعقول حتى يطيق المدين تنفيذه، بحيث يطيقه بمشقة ولكن من غير إرهاق، وهذا بالرغم من تشبث الدائن بالقوة الملزمة للعقد، وتمسكه بمطالبة المدين بالوفاء بالتزاماته كاملة، متجاهلا ما تغير من ظروف وما لحق بالمدين من خسارة فيما لو أكره على التنفيذ.

يتخذ تعديل العقد في حالات الظروف الطارئة صورا متعددة، فقد يحصل عن طريق وقف تنفيذ العقد مؤقتا، أو منح المتعاقد المرهق مهلة للتنفيذ، أو تعديل مقدار الالتزام الذي اعتراه الخلل، أو رد الالتزام المرهق إلى الحد المعقول.

يلاحظ من ذلك، أنه بتطبيق نظرية الظروف الطارئة على مستوى القضاء، فإن أطراف عقد الاستثمار قد يجدون أنفسهم مرغمين على القبول بقرار المحاكم، الذي سيقضي برد الالتزام إلى الحد المعقول، حتى يطيق المستثمر تنفيذه في غير إرهاق، لكن بالمقابل قد لا يقبل تشبث الدائن بالقوة الملزمة للعقد، وتمسكه بمطالبة المدين بالوفاء بالتزاماته كاملة، مما يوحي بأن القضاء هنا لم يكن عادلا بالرغم من سعيه للعدالة، مما يكرس ما يطلق عليه بتراجع اليقين في عدالة القوانين.

لكن الأمر سيختلف فيما لو عمل المتنازعان على صناعة حكمهما بنفسهما، وهو ما يفتح المجال أمام الوساطة التجارية، التي تهدف إلى تنظيم العلاقات التجارية، وحل خلافاتها بعيدا عن القضاء، لا تظهر أهميتها فقط في الحفاظ على الروابط العقدية، وإعادة التوازن التعاقدي في حالة القوة القاهرة، باعتبار أن عدالة الوساطة هي عدالة تعاقدية؛ وإنما تظهر أهميتها كذلك في حالة مراجعة العقد إذا ما حدثت ظروف طارئة غيرت من الظروف الاقتصادية أو الاجتماعية أو السياسية في البلد المضيف، مما يجعلها الآلية المثالية لمراجعة شروط العقد باعتبارها قائمة على مبدأ العدالة التفاوضية أيضا، إذ درج العرف في المعاملات التجارية الدولية إلى وضع شروط في عقود الاستثمار، بحيث تسمح بإعادة النظر في مقومات العقد والتفاوض فيها، عند ظهور مؤشرات تحدث خللا في الالتزامات المتبادلة بين الطرفين.

غير أن ما يجب مراعاته، هو إعادة التوازن الاقتصادي للعقد على ضوء الظروف الجديدة الحاصلة، إذ لا يجب العمل فقط على إعادة التفاوض أو مراجعة العقد.


خاتمة

يتضح من خلال ما سبق مناقشته، أن العقد الدولي في مجال الاستثمار قد يتعرض تبعا لخصوصياته، إلى مخاطر وصعوبات تجعل أحيانا تنفيذه مستحيلا بصورة نهائية، أو أن تكون استحالة التنفيذ حادثا مؤقتا، وفي كلتا الحالتين يصبح عدم التنفيذ ضارا بحقوق الدائن، مما يؤدي إلى الإخلال بقاعدة التوازن العقدي بين طرفيه.

كما يجدر التأكيد على أن المنازعات المتعلقة بإعادة التفاوض، لا تتعلق بتفسير شروط التعاقد، ولكن تقوم على تعديلها، كما يظهر بشكل جلي بأن الوسائل البديلة لفض المنازعات وخاصة الوساطة، تكون الأمثل لحل النزاعات المتعلقة بإعادة النظر في شروط التعاقد، لأنها تسعى لتقريب وجهات النظر بين الأطراف، إذ أنها تقوم أساسا على البحث عن النقاط المشتركة بين وجهات نظر أطراف النزاع، حتى يتمكنوا بمعية الوسيط من إيجاد حلول مناسبة للحالة التي أوجدتها تلك الظروف الجديدة، هذا دون إغفال جانب ترك الظروف الطارئة للاتفاقيات الخاصة حتى تساير متطلبات واقع عقود التجارة الدولية والاستثمار، مما يسمح بتعديل العقد بشكل يضمن العدالة في تكافؤ الالتزامات، وخفض الإرهاق الفادح إلى الحد المعقول، بما يتماشى مع الأهداف التي وجدت من أجلها نظرية الظروف الطارئة.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

لائحة المراجع المعتمدة

أولا: باللغة العربية

1 – المؤلفات:

– سامي منصور، “عنصر الثبات وعامل التغير في العقد المدني (في القانون اللبناني والفرنسي والمقارن)”، دار الفكر اللبناني، الطبعة الأولى، لبنان، 1987.

– سليمان مرقس، “الوافي في شرح القانون المدني، الالتزامات، نظرية العقد والإرادة المنفردة”، الجزء الثاني، الطبعة الرابعة، دار الكتب القانونية، شتات، مصر، (دون سنة الطبعة).

– عبد السلام الترمانيني، “نظرية الظروف الطارئة، دراسة تاريخية ومقارنة في الشريعة الإسلامية والشرائع الأوربية وتطبيقات النظرية في تقنينات البلاد العربية”، دار الفكر، 1971.

– عصام الدين القصبي، “خصوصية التحكيم في مجال منازعات عقود الاستثمار”، دار النهضة العربية، القاهرة، 1993.

– لما أحمد كوجان، “التحكيم في عقود الاستثمار بين الدولة والمستثمر الأجنبي، وفقا لأحكام المركز الدولي لتسوية منازعات الاستثمار في واشنطن”، منشورات زين الحقوقية والأدبية ش.م.م، بيروت، لبنان، 2008.

– محمد الكشبور، “نظام التعاقد ونظرية القوة القاهرة والظروف الطارئة، دراسة مقارنة من وحي حرب الخليج”، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء، 1993.

– محمد عبد الرحيم عنبر، “الوجيز في نظرية الظروف الطارئة”، السلسلة القانونية 3، 1987.

– مصطفى العوجي، “العقد والمسؤولية المدنية، الجزء الأول (العقد)”، مؤسسة بحسون للنشر والتوزيع، بيروت – لبنان، الطبعة الثالثة، 2003.

– منذر الفضل، “النظرية العامة للالتزامات، دراسة مقارنة بين الفقه الإسلامي والقوانين المدنية الوضعية، مصادر الالتزام”، مكتبة الثقافة للنشر والتوزيع، الجزء الأول، عمان، 1996.

– ناجي عبد المؤمن، “عقود التجارة الدولية طويلة الأمد، حدود مبدأ القوة الملزمة للعقد”، مطبعة عين شمس، الإسكندرية، 1994.

 

2 – الأطروحات والرسائل:

أ- الأطروحات:

– أسامة عبد الرحمن، “نظرية العذر وأثارها على الالتزام التعاقدي، دراسة تأصيلية وتحليلية للنظرية في القانون المقارن”، أطروحة لنيل الدكتوراه في القانون الخاص، جامعة الحسن الثاني، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية الدار البيضاء، (السنة الجامعية غير مذكورة).

– وحيد مصلح عبده السندي، “أثر تغير الظروف في عقود التجارة الدولية – دراسة مقارنة”، أطروحة دكتوراه، جامعة محمد الأول، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية وجدة، السنة الجامعية 2007-2008، (الملخص).

ب- الرسائل:

– بدر بن إبراهيم بن محمد القاسم، “أثر الظروف الطارئة في عقد الأشغال العـامة، دراسة مقارنة”، رسالة ماجستير، المملكة العربية السعودية، جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، المعهد العالي للقضاء، السنة 1423 – 1424 ه، (الملخص).

3 – المقالات:

– برونو لوران، “أثر التحكيم الدولي على استثمارات وتدفقات رؤوس الأموال الأجنبية”، المجلة اللبنانية للتحكيم، العددان 5 و6 ، سنة 1998.

– حمزة بن خدة، “نظرية الظروف الطارئة بين الشريعة الإسلامية والقانون المدني الجزائري“، مجلة العلوم الإنسانية، السنة السادسة، العدد 39 ، خريف 2008.

– خالد خزان، “حماية رضا المستهلك”، الموقع الإلكتروني
http://www.startimes.com
بتاريخ 21/07/2014.

– عمر مشهور حديثة الجازي، “التحكيم في منازعات عقود الاستثمار”، المجلة اللبنانية للتحكيم، العدد 23، 2002.

– محمد محبوبي، الطاكي روشام، “الإعفاءات القانونية والاتفاقية لمسؤولية الناقل الجوي”، الموقع الإلكتروني لوزارة العدل والحريات http://www.justice.gov.ma
بتاريخ 10/07/2014.

4 – البيبليوغرافيا الإلكترونية:

– الموقع الإلكتروني للأونكتاد: http://www.unctad.org

ثانيا: باللغة الفرنسية

Fontaine M,  «  La clause de hardship » , D. P. C. I 1976 , T.2 , n° 1.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

التخطي إلى شريط الأدوات