الإشهارات التجارية ومدى تأثيرها على ارادة المستهلك

 

مقدمة:

مما لا شك فيه أن التحولات الاقتصادية الناتجة عن الثورة الصناعية والتطور التكنولوجي كان لها آثار بالغة على القاعدة القانونية وطبيعة المعاملات ووسائل المبادلات ومن ثم على فكرة العقد ومفهومه وشروط إبرامه، هذا الاخير الذي اصبح عاجزا عن مواكبة المستجدات والتطورات التي يعرفها العالم، فعنصر التفاوض الذي كان يميز نمط التعاقد التقليدي في ظل بساطة الظروف الاقتصادية المحيطة به-التي نشأت في ظل مبدأ سلطان الارادة –لم يعد كذلك في الوقت المعاصر بسبب التفوق الاقتصادي والفني للصناع والمنتجين وعموم التجار المحترفين على حساب المستهلكين .وقد أدت كل هذه العناصر الى اختلال التوازن العقدي وهذا الوضع كان وراءه ابتداع آليات جديدة وحديثة لتنظيم عملية التعاقد تنال نسبيا من سلامة الاسس التي يقوم عليها مبدأ سلطان الارادة وفقا لمفهومه التقليدي وبالتالي إيجاد تقنيات حديثة لضمان سلامة الرضا.

وهكذا عمل المشرع المغربي من خلال بعض القوانين الحديثة على سن مجموعة من القواعد القانونية الرامية الى حماية المستهلك ولمواجهة التحولات الاقتصادية والتطورات العلمية،بعدما تبين عدم كفاية القواعد العامة للتعاقد في توفير رضا حر ومستنير حيث اهتم القانون أولا بتوفير سلامة الرضا(خلوه من أي عيب ووضوحه) إذ أعطى اهمية خاصة للمرحلة السابقة على التعاقد ما دامت إرادة المتعاقد ترتبط ارتباطا وثيقا بهذه المرحلة، فعلى خلاف النظرية العامة التي لم تولي أي اهتمام لهذه المرحلة،حيث كانت الحماية التعاقدية لاحقة لنشوء العقد فإن قانون الاستهلاك وقانون حرية الاسعار والمنافسة  تبَنوا منهجا وقائيا وجماعيا أكثر ملائمة لظاهرة الاستهلاك الجماعي بدل الحلول الفردية والعلاجية التي يسطرها القانون المدني،محاولا من خلال ذلك خلق إرادة مفكرة وواعية عن طريق تمكينها من الميكانيزمات القانونية الضرورية، وذلك بالتنصيص صراحة على الالتزام  بالاعلام  قبل التعاقدي ووضع ضوابط خاصة بالاشهار بحيث منع الاشهار الكاذب والمضلل وأجاز الاشهار المقارن، من أجل توفير أكبر قدر ممكن من الحماية حتى يستطيع المستهلك توجيه وتحديد اختياراته من بين السلع المتنافسة الموجودة في السوق، وما يهمنا في هذا الموضوع هو الاشهار الذي أضحى يغزو كل المجالات باعتباره فنا من الفنون التي تؤثر على نفسية المستهلك وتدفعه الى التعاقد من جهة ومن جهة أخرى يعتبر وسيلة من الوسائل التي تعمل على تبصير ارادة المستهلك اذا كان الاشهار صادقا ، ومن هنا يمكن طرح الاشكالية التالية،فالى أي حد استطاع المشرع حماية المستهلك  من الاشهارات الخادعة أو المضللة؟وهذه الاشكالية تثور حولها عدة تساؤلات فرعية ولعل  أهمها:ما المقصود بالاشهار؟وما هي عناصره؟وأين تتجلى أدواره؟ وما هي المسؤولية المثارة في حالة الاخلال بضوابطه؟ وهذا ما سنحاول الاجابة عليه في هذا الموضوع من خلال تقسيمه الى مبحثين بحيث سنتناول في المبحث الاول ماهية الاشهار ودوره في حماية المستهلك فيما سنخصص المبحث الثاني للمسؤولية المترتبة عن الاخلال بضوابط الاشهار.

المبحث الاول:ماهية الاشهار ودوره في حماية المستهلك

لقد انتشرت هذه التقنية في الاوساط الاقتصادية بأوروبا تحديدا منذ القرن التاسع عشر،الذي شهد تطورا صناعيا وازدهارا في الانتاج، فأصبح السوق الذي يضم فئة غير محدودة من المستهلكين من أهم العناصر التي تحدد مفهوم الاشهار،والذي يمكن تقسيمه الى أنواع[1] منها الاشهار القومي والاشهار المشترك ثم الاشهار الخاص وهذا الاخير هو الذي يهمنا لكونه يمارس من قبل المهني العادي من أجل عرض منتوجاته أو خدماته في السوق،فما المقصود بالاشهار وما هي عناصره وهذا ما سنحاول ابرازه في هذا المبحث بحيث سنتناول مفهوم الاشهار وعناصره في ( المطلب الاول)،فيما سنخصص (المطلب الثاني) للضوابط القانونية للاشهار.

المطلب الاول: مفهوم الاشهار

لقد تعددت التعريفات التي صيغت حول مصطلح الاشهار،ويعود السبب في ذلك الى الاهمية التي يحتلها في السوق الاقتصادية خاصة في الاونة الاخيرة،من أجل ترويج السلع والمنتوجات على نطاق واسع،وهذا ما يستدعي منا الوقوف على مفهوم الاشهار من الناحية الاصطلاحية قبل تناوله من الجانب القانوني (الفقرة الاولى)،ثم الانتقال الى عناصره في (الفقرة الثانية).

الفقرة الاولى : التعريف الاصطلاحي للاشهار

لقد تعددت التعريفات  بشأن مصطلح الاشهار(LA PUBLICITE)،  بحيث نجد البعض يعرفه بأنه وسيلة شخصية وفن وتقنية لتقديم فكرة أو سلعة أو خدمة قصد جلب اهتمام المستهلك والايحاء له بوجود حاجة اليها وتلقينه كيفية اشباع هذه الحاجة،ثم اعادة تذكيره بالمنتج.

ويعرف كراوفرود ”  CRAW FORD” الاشهار بأنه فن حث الافراد على السلوك الاستهلاكي بطريقة معينة،ومن خلال هذه التعاريف يتضح بأن الهدف الاساسي من الاشهار هو دفع المستهلك للقيام بشراء السلع والخدمات المعلن عنها وذلك بالاعتماد على أسلوب الاغراء   أي مخاطبة المشاعر،وغرائز المستهلك من أجل التأثير فيه،ومن بين أجود التعريفات الاصطلاحية العربية للاشهار نجد ” الاشهار هو ذلك النشاط الذي يؤدي الى خلق حالة من الرضا النفسي نحو ما يعلن عنه من سلع أو خدمات  أو أفكار أو منشآت بغرض الترويج لتلك السلع أو المنتجات أو الافكار بين الجمهور لكي يقدم على الشراء أو يقنع بالافكار”.

” وبالرجوع الى القاموس الفرنسي ” LE PETIT Robert”  نجده يعرف الاشهار بأنه الفن الذي يستخدم لممارسة التأثير النفسي على العموم لتحقيق أهداف تجارية،وهناك تعريف آخر نجده في القاموس ” LAROUSSE”[2] يعتبر الاشهار عبارة عن مجموعة من الوسائل كيفما كان نوعها،للتعريف بمقاولة صناعية أو تجارية،أو حرفية من أجل التباهي بمنتوج أو خدمة معينة .

وعلى الرغم من تعدد التعاريف التي أعطيت للاشهار،فانه من الصعب جدا وضع تعريف جامع ومانع له بسبب تعدد صوره وأشكاله التي تختلف من حين لاخر،وبالنظر لحجم السلع والخدمات التي تكون موضوعا للدعاية التجارية،وما ينبغي الاشارة اليه هو أن الاشهار في المعاملات الاقتصادية يستعمل كوسيلة للتنافس،على غرار استعماله في القضايا ذات الطابع الاجتماعي بحيث يكون الهدف هو التوعية والارشاد أو التبصير.

الفقرة الثانية : مفهوم الاشهار من الجانب القانوني

بعد قيامنا بوضع تعريف اصطلاحي مبسط لمصطلح الاشهار في الفقرة الاولى،سنحاول تناوله من الجانب القانوني في هذه الفقرة حتى تتضح الرؤيا ويرفع اللبس الذي قد يحوم حول المصطلح.

أولا : التعريف التشريعي للإشهار

على الرغم من أن مسألة وضع التعاريف ليست من اختصاص المشرع،وانما تعود الى الفقه والقضاء فان المشرع الاستهلاكي وضع الكثير من التعريفات ضمن القانون 31.08 من أجل تفادي التضارب الفقهي أو القضائي  الذي قد يلف مصطلحا معينا،وبالرجوع الى مقتضيات القانون 31.08 المتعلق  بتحديد تدابير لحماية المستهلك وبالضبط في المادة 21 منه نجده يعرف الاشهار بشكل غير مباشر،بحيث يمنع كل اشهار يتضمن باي شكل من الاشكال ادعاءا أو بيانا أو عرضا كاذبا،كما يمنع كل اشهار من شأنه أن يوقع في الغلط باي وجه من الوجوه،اذا كان ذلك يتعلق بواحد أو أكثر من العناصر التالية:حقيقة وجود السلع أو المنتوجات أو الخدمات محل الاشهار وطبيعتها وتركيبتها ومميزاتها الاساسية ومحتواها من العناصر المفيدة…   .

وما يمكن ملاحظته في هذه المادة هو التقييد الوارد في المادتين 2 و67 من القانون 77.03  المتعلق بالاتصال السمعي البصري،بحيث تمت الاشارة في بداية المادة على أنه يتعين احترام المادتين السالفتين،وبالرجوع الى المادة 2 من القانون 77.03 نجدها تعرف الاشهار على أنه “كل شكل من أشكال الخطابات المذاعة أو المتلفزة،ولاسيما بواسطة صور أو رسوم أو أشكال من الخطابات المكتوبة أو الصوتية والتي يتم بثها بمقابل مالي أو بغيره،الموجهة لاخبار الجمهور أو لاجتذاب اهتمامه اما بهدف الترويج للتزويد بسلع أو خدمات،بما فيها تلك المقدمة بتسمية فئتها في اطار نشاط تجاري أو صناعي أو تقليدي أو فلاحي أو مهنة حرة واما القيام بالترويج التجاري لمقاولة عامة أو خاصة.

ثانيا : التعريف القضائي  للاشهار

يحتل الاشهار مكانة بارزة في حياتنا اليومية على اعتبار أنه هو الذي يخلق السوق ويعمل على توسيعه،والإشهار حسب احدى القرارات الصادرة عن محكمة النقض الفرنسية [3] هو ” كل الطرق التي يتم بها اخبار الزبون ومساعدته على تكوين فكرة أو ابداء رأي حول ما يمكن انتظاره من الاستعمال الذي يجري على المنتجات أو السلع أو الخدمات تعد بمثابة اشهار، وفي قرار آخر[4]  الاشهار هو “كل الوسائل التي تمكن المستهلك من الالمام بخصائص السلع أو الخدمات المعروضة عليه ،والإشهار حسب مفهوم القضاء الفرنسي يتسع ليشمل كل صور الرسالة الاشهارية سواء كانت مكتوبة أو مسموعة .

ثالثا : التعريف الفقهي للإشهار

لقد تعددت التعاريف الفقهية للاشهار،فهناك من عرفه  بأنه كل رسالة موجهة للجمهور من أجل تهييج الطلب على المنتجات والخدمات[5] ،وهناك من اعتبر بأن الاشهار وسيلة تهدف الى التأثير نفسيا على الجمهور تحقيقا لغايات تجارية،فهو يفترض لقيامه نوعا من التكرار والالحاح وتسليط الفكرة على المتلقي،لاستخدام كل ما من شأنه الهاب الخيال واجتذاب العين واطراء الاذن،في نفس الوقت الذي يتم فيه اظهار محاسن المنتوج أو الخدمة بقصد حث المستهلك وتحريضه على الاستهلاك تحقيقا لهدف تنشيط الطلب على المنتجات والخدمات والوفاء بهذا الهدف يفرض نوعا من السعي الدؤوب والنشيط[6].

 

المطلب الثاني : عناصر الاشهار

انطلاقا مما سبق يتضح جليا بان الهدف الاسمى من الاشهار هو احداث تأثير نفسي على المستهلكين قد  يدفعهم الى التعاقد هذا من جهة، ومن جهة أخرى يعمل الاشهار على التعريف بالمنتوجات و السلع و الخدمات لمقاولة أو مشروع صناعي عن طريق مدحها وذكر محاسنها  من أجل ترويجها على نطاق واسع،وهذا ما يتطلب توفر عنصرين أساسيين هما: العنصر المادي والعنصر المعنوي.

الفقرة الاولى : العنصر المادي للاشهار  

1- عنصر الاتصال: فالاشهار له وقت معين ،كما أنه يتطلب استخدام وسيلة من وسائل التعبير يتم اختيارها من بين الأدوات المتاحة امام المقاولة[7].

ففيما يتعلق بوقت الاشهار فانه يكون قبل ابرام العقد لان الهدف منه هو تسهيل حصول الاتفاق حول العقد وذلك بجلب المستهلك للالتزام بشروطه،وبخصوص وسائل الاشهار فهي عديدة حيث يمكن أن تتصورها مكتوبة أو مسموعة أو مرئية سواء اتخذت كأداة لافتة أو  صحيفة أو منشور أو مطبوع أو كانت عن طريق الراديو أو الانترنت أو السينما

2- عنصر الرسالة الاشهارية : ان مضمون الرسالة الاشهارية يجب أن يكن حقيقيا مبنيا على الصدق والأمانة وخاليا من أي اشارة أو عبارة من شأنها الاضرار أو المس بكرامة الغير وغالبا ما يتم ذلك من خلال الصور أو الاعتماد على الصوت والرسالة الاشهارية شبيهة بأي رسالة عادية،بحيث تعتبر ترجمة شكلية لمعلومة أو رأي حول شئ معين.

3- أطراف الإشهار: يضم الاشهار ثلاثة أطراف المعلن ،وكالات الاشهار،الجمهور(المستهلكين).

+ المعلن : هو كل شخص طبيعي أو معنوي يقرر اللجوء للاشهار من أجل التعريف بمنتوجه أو خدماته،أو من أجل تثبيت صورة مقاولته أو علامته،أو بغية الحفاظ على زبناءه،فهو الذي يستفيد من الاشهار.

+ وكالات الاشهار : هي مقاولة تتألف من مختصين في مجال الاعلانات التجارية،تتولى وضع تصور لرسالة اشهارية تتماشى مع ما يطلبه المعلن.

+ المستهلكين : مجموع الاشخاص الذين يوجه لهم الاشهار فهذا الاخير يجب ألا يكون موجها الى شخص واحد بذاته،بحيث أن الرسالة الاشهارية يفترض فيها ألا  تكون خاصة.

الفقرة الثانية : العنصر المعنوي للاشهار

الغاية الاساسية من الاشهار هي ترويج السلع والخدمات والمنتجات بشكل سريع وبالتالي تحقيق الربح،انطلاقا من الوسائل المعتمدة والتي تستهدف نفسية المستهلك التي  تتعدد حاجياته ورغباته،ليندفع الى التعاقد دون شعور أو احساس بما تعاقد حوله معتقدا بأن المعلومات التي قدمت له صادقة وخالية من الضبابية والالتباس،لانه في الواقع لا يمكن أن يكون هناك اشهار بدون وجود اغراء في الرسالة الاشهارية،ويقصد بالغراء في الاشهار تقديمه في أساليب اقناعية تجعل المنتوج أو الخدمة المعلن عنهما تجذب المستهلك وبالتالي يفضلها عن غيرها،وفي هذا السياق على الاشهار أن ينصب على ايقاظ الغرائز والعواطف والدوافع الفطرية والعقد النفسية لدى المستهلك،وفي سبيل ذلك يصعب أن يكون الاشهار صادقا بالمعنى الدقيق لكلمة الصدق.

المبحث الثاني :  الضوابط القانونية للاشهار والمسؤولية المترتبة عن الاخلال بها

يخضع الاشهار في المغرب لتنظيم خاص منذ صدور قانون زجر الغش في البضائع بتاريخ 05/10/1984 الا أنه مع صدور القانون 31.08 المتعلق بتحديد تدابير لحماية المستهلك أصبح هذا التنظيم دقيقا ومفصلا بحيث تم منع الاشهار الكاذب والمضلل وسمح بالاشهار المقارن،فأين تكمن ضوابط الاشهار؟وما هي المسؤولية المثارة في حالة الاخلال بهذه الضوابط؟وهذا ما سنحاول الاجابة عنه في هذا المبحث عن طريق تقسيمه الى مطلبين بحيث سنتناول في المطلب الاول ضوابط الاشهار،فيما سنخصص المطلب الثاني للمسؤولية المترتبة عن الاخلال بهذه الضوابط.

المطلب الاول : الضوابط القانونية للاشهار [8]

ان وضع النصوص القانونية لتنظيم بعض الممارسات التجارية التي تصدر عن المهني ومن بينها الاشهار،بغية تحقيق التوازن في العلاقات الاستهلاكية،يعد في واقع الامر بمثابة المظهر الحقيقي لحماية المستهلك،ومن هذا المنطلق يجب الالتزام بإصدار اعلان حقيقي ومشروع،غير مخالف للمبادئ التي تقوم عليها فكرة النظام العام،كما أنه يجب التواصل مع المستهلك بلغة يفهمها كاللغة العربية باعتبارها اللغة الرسمية للبلاد ولكونها تشكل رمزا من رموز السيادة الوطنية وهذا ما أكده دستور المملكة المغربية، وذلك من أجل توفير الاعلام بشكل مضبوط[9]،وبعد تعريفنا للإشهار والوقوف على عناصره في المبحث الاول ارتأينا التمييز ما بين الاشهار المضلل والكاذب ومنعه، لرفع اللبس الذي قد يجوب ذهن القارئ (الفقرة الاولى)،ثم اعطاء نظرة مبسطة عن الاشهار المقارن وجوازه(الفقرة الثانية) .

الفقرة الاولى : منع الاشهار الكاذب والمضلل والتمييز فيما بينهما

من أهم الخاصيات التي يجب أن يتميز بها الاشهار هو الصدق والنزاهة  بحيث يجب أن يكون المعلن صادقا وأمينا فيما يصف به منتجاته وخدماته[10]،وعلى هذا الاساس منع المشرع المغربي كنظيره الفرنسي الاشهار الكاذب والمضلل [11]والذي يوقع المستهلك في غلط لولاه لما تعاقد.

والاشهار الكاذب معناه ادعاء أو زعم مخالف للحقيقة الهدف منه هو تضليل المستهلك عن طريق تزييف الحقيقة أو اصدار تأكيدات غير صحيحة،أو غير مطابقة للحقيقة أو ناقصة أو لا يمكن الوفاء بها عمليا،والكذب الاصل فيه أنه عمل عمدي يهدف الى الغش،ومن الوجهة القانونية فالكذب هو عبارة عن  تأكيدات غير حقيقية تهدف الى الخداع،كقيام شركة عقارية بالاشهار عن بيع قطعة أرضية تبلغ مساحتها 300 متر مربع الا أن مساحتها الحقيقية لا تتجاوز 230 متر مربع،أو اللافتات الاشهارية التي تحمل صور لدجاج بلدي وبجانبه البيض الذي يبيضه  كدلالة على أن البيض المراد ترويجه يعود الى الدجاج البلدي الا أن الحقيقة ليست كذلك.

أما فيما يخص الاشهار المضلل هو ذلك الاعلان الذي يكون من شأنه خداع المستهلك أو يمكن أن يؤدي لذلك،فالإعلان المضلل لا يذكر بيانات كاذبة ولكنه يصاغ في عبارات تؤدي الى خداع المستهلكين وهذا ما يميزه عن الاشهار الكاذب،ونفس الشئ يمكن ملاحظته في القانون 31.08 بحيث نجد المشرع المغربي بدوره يميز ما بين الاشهار الكاذب والاشهار المضلل،ففيما يتعلق بالاشهار الكاذب جاء في الفقرة الاولى من المادة 21 من القانون 31.08 ” دون المساس بمقتضيات المادتين 2 و 67 من القانون 77.03 يمنع كل اشهار يتضمن باي شكل من الاشكال ادعاءا أو بيانا أو عرضا كاذبا،أما عن الاشهار المضلل فقد جاء في الفقرة الثانية من نفس المادة ” يمنع كل اشهار من شأنه أن يوقع في الغلط بأي وجه من الوجوه اذا كان ذلك يتعلق بواحد أو أكثر من العناصر التالية    – حقيقة وجود السلع أو المنتوجات أو الخدمات محل الاشهار وطبيعتها وتركيبتها ومميزاتها الاساسية.

وما ينبغي الاشارة اليه هو أن الاشهار الكاذب والمضلل قبل صدور القانون 31.08 كان منظما بمقتضى الفصل 10 من القانون 13.84 المتعلق بزجر الغش في البضائع الصادر بتاريخ 05-10-1984،وبصدور القانون 31.08 ألغي الفصل 10 بمقتضى المادة 196.

وحتى نكون أمام اشهار كاذب أو مضلل فإنه ينبغي أن يطال الخداع بعض العناصر منها ما يلي:

+ وجود السلعة أو الخدمة : قد ينصب الاشهار الخادع على سلع أو منتوجات وهمية لا توجد على أرض الواقع.

+ أن ينصب الخداع على طبيعة ومميزات المنتوج أو الخدمة : ويقصد بالطبيعة والمميزات مجموع العناصر التي تمثل جوهر وحقيقة وذاتية المنتوج أو الخدمة والتي تشكل الدافع وراء اقتناءها من طرف المستهلك.

+ أن ينصب الخداع على تركيب أو محتوى المنتوج أو الخدمة من العناصر المفيدة.

يقصد بتركيب البضاعة ذلك المزيج من عناصر مختلفة بنسب محددة حيث أن جل البضائع والمنتوجات تحدد مكوناتها بشكل مسبق وبنسب مدققة تفاديا للتلاعب[12].

أما عن محتوى البضاعة  من العناصر المفيدة،فهو يقترب الى التركيبة بشكل كبير،الا أنه يتميز عنه في كون هذه العناصر تمثل المزايا التي يشتمل عليها المنتوج والتي يشترى لاجلها[13].

+ أن ينصب الخداع على صفة المهني : حيث يقدم المعلن نفسه بصفة مخالفة للواقع.

+ أن ينصب الخداع على ثمن المنتوج أو السلعة : فالاشهار الذي يعلن عن تخفيضات وهمية غير موجودة في الواقع يدخل في خانة الاشهارات الكاذبة والمضللة[14]،وهذا يتنافى مع الاداب العامة ومع الطبيعة القانونية للاشهار الذي من بين أهدافه تبصير ارادة المستهلك واعطاءه فكرة عن السلعة أو الخدمة التي ينوي اقتناءها أو الحصول عليها.

الفقرة الثانية : جواز الاشهار المقارن

عرف الاشهار المقارن على أنه اشهار يهدف الى اقناع المستهلك باقتناء سلعة أو خدمة دون سواها من ما هو معروض في السوق وذلك بالقيام بمقارنة صريحة،اي بانتقاد سلع وخدمات المهني المنافس[15]،وبالرجوع الى المادة 22 من القانون 31.08 نجدها تعرف الاشهار المقارن بأنه كل اشهار يقارن بين خصائص أو أسعار أو تعريفات السلع أو المنتوجات أو الخدمات اما بالاشارة الى علامة الصنع أو التجارة …،ومن خلال التعريف المشار اليه يتضح بان للاشهار المقارن مجموعة من الاهداف والتي من بينها أن يساهم في خلق المنافسة وتنميتها،بحيث أن الخوف من القيام بمقارنة علنية يدفع المهني للعمل أكثر من أجل أن يتفوق على منافسيه،ان على مستوى الجودة أو على مستوى الاثمان،كما أن الاشهار المقارن عندما يكون حقيقيا،فإنه يكون قادرا على نقل المعلومات بشكل أفضل من الاشهار العادي،ولكن هذا لا يعني أن الاشهار المقارن لا يخلو من سلبيات عديدة قد تضر بالمستهلك كما قد تضر في الان نفسه بالمهني المنافس،وهو ما استدعى من المشرع احاطته بتنظيم خاص يفصله،وهو ما حدث بالفعل في ظل مقتضيات القانون 31.08 والذي نظم الاشهار المقارن في المادة 22 التي اعتبرت أن الاشهار المقارن هو : “كل اشهار يقارن بين خصائص أو أسعار أو تعريفات السلع أو المنتوجات أو الخدمات اما بالاشارة الى علامة الصنع أو التجارة…. .

وما يلاحظ على هذه المادة هو أنها تضمنت مجموعة من الشروط التي يتوجب على المعلن أن يحترمها قبل أن يقوم باعلان مقارن،ومن بينها أن يكون الاشهار المقارن صادقا وألا يكون الهدف منه ايقاع المستهلك في غلط يدفعه للتعاقد،على اعتبار أن التضليل الذي قد يطرأ في ذهن المتلقي هو الذي من شأنه ان يدفعه الى التعاقد،وما يمكن ملاحظته هو أن المشرع المغربي سارعلى نفس النهج الذي نهجه المشرع الفرنسي في المادة L 121-8  .[16]

 

 

المطلب الثاني : المسؤولية المترتبة عن الاخلال بضوابط الاشهار

إن استعانة المعلن أحيانا بأساليب غير مشروعة لترويج سلعه و خدماته، قد يدفع بالمستهلك إلى اقتناءها، و عندما يكتشف هذا الأخير أن ما اقتناه لا يتلاءم مع رغباته  أو أن ما تلقاه كان ذا قيمة أقل بكثير من الثمن الذي دفعه جراء حصوله على سلعة أو خدمة معينة،  تبرز معه ضرورة حماية المتضررين من الإشهارات التجارية، التي من شأنها أن توهم المستهلك بأنها تشبع له حاجاته و في حدود إمكاناته المالية، وذلك بفتح المجال أمام المستهلك بأن يسلك الطريق القضائي لدفع الضرر الذي لحقه،لذلك كان من الضروري اثارة مسؤولية المعلن في حال اخلاله بالقواعد المنظمة للاعلان التجاري،وهذه المسؤولية قد تكون مدنية وقد تكون جنائية.

الفقرة الاولى: المسؤولية المدنية

لا تترتب المسؤولية الا اذا كانت ارادة المستهلك أو متلقي الرسالة الاشهارية معيبة بعيب من عيوب الارادة التي حددها المشرع المغربي في ق.ل.ع وبالضبط في الفصول من 39 الى 56 والمتمثلة في الخطأ والتدليس والغبن والاكراه اضافة الى حالة المرض والحالات الاخرى المشابهة لها.ولكن الارتكاز على هذه القواعد[17] يتطلب وجود عقد يجمع ما بين المهني والمستهلك.

وسنحاول اعطاء نظرة  مبسطة عن عيوب الارادة  ودورها في حماية المستهلك[18].

1- الاكراه:  إجبار يباشر من غير أن يسمح به القانون يحمل بواسطته شخص شخصا آخر على أن يعمل عملا بدون رضاه (الفصل 46 من ق.ل.ع)، فهو عيب يمس الإرادة في عنصر الحرية و الاختيار، وحسب الفصل 47 نكون أمام عيب الإكراه بتوافر عنصريه، المادي و المتمثل في استعمال وسيلة للإكراه، يهدد بها الشخص، بخطر جسيم يقع عليه أو على غيره، بحيث تولد هذه الوسيلة الرهبة في نفسه، أما العنصر النفسي هو ذلك الضغط النفسي الذي يمارس على الشخص بقصد الوصول إلى غرض غير مشروع، و من خلال هذا التعريف يتضح لنا أن عيب الإكراه لا علاقة له بالضرر الذي قد يلحق المستهلك من جراء تنفيذه للإشهار التجاري، ذلك لأن الإشهار يعد وسيلة للترغيب بشراء ما أعلن عنه من سلع و خدمات، وليس وسيلة تهديد و ترهيب.

2-  الغلط :  هو توهم يصور للشخص الواقع على غير حقيقته فيكون هو الدافع إلى التعاقد،بحيث لولا هذا الاعتقاد المغلوط لما أقدم على ابرام العقد ، وقد  نصت عليه الفصول من 40-45 من ق.ل.ع ، و من خلال هذا التعريف يتضح لنا أن المستهلك قد يقع في غلط يعود الى الاشهار الذي قدمه المعلن، فإشهار هذا الأخيرقد يكون صحيحا و صادقا وقد لا يكون كذلك،  و من ثم عيب الغلط لا علاقة له بالضرر الذي قد يلحق المستهلك من جراء تنفيذه للإشهار التجاري،والغلط الذي يمكن أن يقع فيه متلقي الاشهار قد يتعلق بمادة الشئ أو نوعه أو لصفة جوهرية فيه،أو الغلط في شخص المتعاقد،وما ينبغي الاشارة اليه في هذا الصدد هو مسألة الاثبات بحيث أن المتلقي ملزم باثبات الضرر الذي لحقه نتيجة تعاقده.

+ الغلط الذي وقع فيه المستهلك يجب أن يكون هو الدافع للتعاقد،بحيث لولا الاعتقاد الخاطئ للامور لما أقبل على التعاقد[19].

+ يجب أن ينصب الغلط على صفة جوهرية في الشئ .

3- التدليس: هو عبارة عن استعمال لأساليب احتيالية تدفع الشخص الى التعاقد،وبالرجوع الى مقتضيات الفصل 52 من ق.ل.ع يتضح بأنه يتعين توفر شرطين أساسين ألا وهما الشرط المادي المتمثل في استعمال المدلس لوسائل احتيالية بغية ايقاع المتعاقد في الغلط وتضليله كي يدفعه الى التعاقد،ولكن لا يعتبر تدليسا مدح المنتوجات المراد ترويجها عن طريق ذكر محاسنها،أو كأن يصف المعلن المنتوج المراد ترويجه بانه فعال ولا أحد يضاهيه أو أنه الاول في السوق.

أما بخصوص الشرط المعنوي فانه يتمثل في الهدف المبتغى من وراء استعمال الاساليب الاحتيالية والتي ترمي في كنهها الى تضليل المتلقي أو تكوين فكرة خاطئة لديه ولولاه لما تعاقد،ولكي تتحقق امكانية المطالبة بابطال العقد فانه يجب أن تكون تلك الوسائل الاحتيالية التي استعملها المعلن في اعلاناته مؤثرة بحيث لولاها لما تم ابرام العقد.

والى جانب المسؤولية المدنية التي يمكن للمستهلك أن يسلك طريقها،تثار المسؤولية الجنائية،وهذا ما سنحاول تناوله في الفقرة الثانية.

الفقرة الثانية : المسؤولية الجنائية

لقد تفاقمت ظاهرة الغش التجاري نتيجة سياسة الانفتاح الاقتصادي وحرية المعاملات التجارية والصناعية، مع ظهور طبقة تسعى فقط إلى تحقيق الربح غير المشروع، وبأية وسيلة  كيفما كانت إضرارا بمصلحة المستهلك.

وقد ازدادت خطورة هذه الظاهرة الإجرامية بظهور تقنيات ووسائل تكنولوجية معقدة تستعصي على المراقبين ضبطها، الأمر الذي جعل مصلحة المستهلك تحظى بالأولوية من قبل جميع التشريعات الحديثة ومن بينها التشريع المغربي الذي يضم ترسانة قانونية زجرية لا بأس بها لمواجهة عدد من الأفعال التي تمس هذه المصلحة.

وبالرجوع الى القانون 31.08 في القسم التاسع منه والمتعلق بالعقوبات الزجرية،يتضح لنا بأن المشرع  نص على ثلاث جرائم تخص الاشهار ويتعلق الامر بجريمة الاعلان الكاذب والمضلل،رفض الادلاء بعناصر التبرير أو بالاشهارات  التي تم بثها،اضافة الى الحالة التي يتم فيها مخالفة أحكام الاشهار المقارن [20].
أولا: الركن المادي لجريمة الإعلان الكاذب و المضلل

يتضح من خلال الفصل 10 من ظهير 1984 أن الركن المادي لجريمة الإعلان الكاذب و المضلل يتوقف على شرطين:

الشرط الأول: أن يكون الإشهار مشتملا على ادعاء أو بيان عرض كاذب أو من شأنه أن يوقع في الغلط. مما يتضح معه أن المشرع يعاقب على مجرد الكذب ولو لم يؤثر على رضى المستهلك، أي أن الركن المادي لهذه الجريمة لا يتوقف على حدوث النتيجة، إذ بمجرد صدور الفعل من الجاني تقوم الجريمة، وهي ما يعرف بتقنية التجريم الوقائي الذي يواجه الفعل في بدايته دون انتظار النتائج التي يمكن أن تترتب عليه وهي تقنية تساهم في توفير حماية أكثر للمستهلك[21].

وتضليل المستهلك في الإعلان التجاري يمكن أن يتم بفعل ايجابي من المعلن كما يمكن أن يتحقق بالترك، أي باتخاذ موقف سلبي يمتنع فيه عن ذكر بيان ما يتعلق بالسلعة محل الدعاية، إذا كان لهذا البيان أثر في اتخاذ قرار الشراء،لأن كلمة “…أو من شأنه أن يوقع في الغلط…” المضمنة في الفصل 10 من القانون 13.84 هي كلمة فضفاضة تحتوي حتى على التضليل بفعل سلبي.

ويبقى التساؤل بعد ذلك بصدد معيار تقدير التضليل، وهل هو معيار شخصي ينظر فيه إلى شخص المتلقي في كل حالة على حدة؟ أم هو معيار موضوعي يعتد فيه بشخص المتلقي العادي؟ .

الشرط الثاني: أن يرد الإشهار الكاذب أو الذي من شأنه أن يوقع في الغلط على أحد العناصر المذكورة في المادة 21 من القانون 31.08

لقد حددت المادة 21 هذه العناصر  في وجود السلع والخدمات وطبيعتها وتركيبها وجودتها ومحتواها من العناصر المفيدة ونوعها ومنشئها وكميتها وطريقة وتاريخ صنعها و خصائصها وأثمان وشروط بيعها وشروط نتائج استعمالها وأسباب وأساليب البيع أو التسليم أو تقديم الخدمة ومدى الالتزامات وهوية أو صفة أو أهلية الصناع والباعة والمنعشينن والمعلنين ومقدمي الخدمات أو صفتهم أو مؤهلاتهم.

وهو تعداد وارد على سبيل الحصر على ما أعتقد، الأمر الذي يحد من فعالية المادة السابقة في حماية مستهلكي السلع والخدمات. بالإضافة إلى ذلك فإن حصر الحماية الجنائية على السلع والخدمات يثير إشكالا على مستوى تحديد مفهوم السلع، فهل تشتمل كذلك العقـارات “أراضي زراعية مثلا أو منازل معدة للسكن، أو أراضي صالحة للبناء” وغير ذلك أم أن الامر يقتصر على السلع والخدمات بمفهومها الضيق.

وللتعمق أكثر في العقوبات الزجرية المرتبطة بمثل هذه الجرائم يمكن الرجوع الى القسم التاسع من القانون [22]31.08

ثانيا: الركن المعنوي لجريمة الإعلان الكاذب و المضلل وعقوبتها

 

 

أ- الركن المعنوي لجريمة الاعلان الكاذب والمضلل

إن صياغة الفصل 10 من ظهير 05/10/1984 لم توضح طبيعة الركن المعنوي لجريمة الإعلان الكاذب أو المضلل. ونفس الشيء نجده في مدونة الاستهلاك الفرنسية التي أثارت جدلا واسعا بين الفقهاء الفرنسيين الذين انقسموا إلى اتجاهين، اتجاه يرى بأنها جريمة عمدية مبررين موقفهم بأن العمد هو الأصل وأن الخطأ هو الاستثناء في ارتكاب الجريمة، وأن النص الملغى لسنة 1963 كان يقتضي سوء النية وأن الوضع لم يتغير مع صدور مدونة الاستهلاك الجديدة ، وذهب اتجاه آخر إلى أن هذه الجريمة هي جريمة غير عمدية مبررين موقفهم بأن المشرع حذف عبارة سوء نية المعلن من النص الحالي، فإن كان قد أراد إبقاءها لما قام بحذفها في النص الجديد، والاتجاه الغالب في القضاء الفرنسي ذهب مع هذا الموقف الأخير.

ومن وجهة نظرنا الخاصة نرى بأنه يجب على القضاء المغربي أن يعتبر جريمة الإعلان الكاذب جريمة مادية أي أنها تقوم فقط بصدور الفعل المادي دون الأخذ بعين الاعتبار وجود سوء نية المعلن، لأن استبعاد النية كركن معنوي لقيام الجريمة سوف يجعل المعلن أكثر حذرا وأشد حرصا فيما يصدر عنه من إعلانات تجارية،على اعتبار أن المعلن بوصفه مهنيا متخصصا يتوافر لديه من الوسائل الفنية والتقنية التي تسهل عليه العلم السابق بما تضمه الرسالة الإعلانية، فلا يتصور والأمر كذلك افتراض جهله بما تشمله الإعلانات من بيانات كاذبة بل يفترض علمه بها، فإذا أهمل المعلن في اتخاذ الاحتياطيات التي تكفل له العلم مسبقا بما تشمله إعلاناته يعد مقصرا بما يستوجب مساءلته.

بالإضافة إلى أن الخطأ التقصيري يكون أكثر ضررا من الخطأ العمدي في بعض الأحيان

ومن ناحية أخرى ينبغي النظر إلى الركن المعنوي في الإعلانات الكاذبة والمضللة بمفهوم اجتماعي لا بمفهوم قانوني ضيق حتى تكون هناك حماية حقيقية للمستهلك، ذلك أن الدعاية التجارية بحكم انتشارها وتأثيرها، والدور الذي تلعبه في تسويق السلع والخدمات يفترض أن تكون صادقة . واشتراط سوء نية المعلن كركن معنوي لقيام الجريمة يعني تقييد هذه الحماية أو الحد منها وخاصة مع صعوبة إثبات قصد المعلن وسوء نيته بما يفتح الباب على مصراعيه للتهرب من أحكام القانون.

ب – عقوبة جريمة الإعلان الكاذب و المضلل

بعد أن نص المشرع في الفصل  10 من ظهير  1984 المتعلق بزجر الغش في البضائع على تجريم كل إعلان كاذب أو مضلل، فقد عاقب في آخر الفصل العاشر  معلن هذا الإعلان بعقوبات أصلية وعقوبات تكميلية أو تبعية.

ففيما يخص العقوبة الأصلية فقد حددها في الغرامة من  200 إلى 7200 درهم وهي عقوبة في نظرنا غير فعالة لمواجهة الإعلانات الكاذبة والمضللة فهي ضئيلة  مقارنة بالأرباح  التي يحققها المعلن من وراء هذه الإعلانات،وهذا الامر تم تداركه بعد اصدار القانون   31.08 بحيث أن الغرامة قد تصل الى 1.000.000 درهم  اذا تعلق الامر بشخص معنوي،وما يمكن ملاحظته هو أن المشرع حصر هذه العقوبات في الغرامات فقط دون العقوبات السالبة للحرية[23].

أما العقوبة التبعية فقد حددها المشرع في إمكانية صدور أمر من المحكمة في حالة المؤاخذة بنشر على نفقة المحكوم عليه، بيان يعيد الأمور إلى نصابها طبق نفس الكيفيات وفي نفس الأماكن التي تم فيها الإعلان الكاذب.

وهذه العقوبة التبعية هي عقوبة تشهيرية تمس بأحد أهم عناصر المعلن، وهو سمعته ومركزه التجاري، وهو ما ينعكس سلبا على ثقة الجمهور فيه فيمتنع عن التعامل معه، و هو ما يمس جوهر التجارة وأهم عناصر المحل التجاري ألا وهو الاتصال بالعملاء.

كما أن نشر الحكم الصادر بإدانة المعلن يمثل رسالة موجهة إلى جميع المعلنين الآخرين بعدم اللجوء إلى الكذب والتضليل و إلا  تعرضوا لنفس المصير.

ولفعالية هذه العقوبة  كان على المشرع المغربي أن يجعل منها عقوبة وجوبية بالنسبة للمحكمة  كما فعل المشرع الفرنسي في المادة 121 من مدونة الاستهلاك 26 يونيو1993

كما يجوز للمحكمة أن تأمر بوقف الإعلان الكاذب والمضلل،حتى قبل صدور الحكم في الدعوى. ولا شك أن هذا الجزاء يحقق وظيفة وقائية في مواجهة الإعلانات الكاذبة، والمضللة، ذلك أنه من الصعوبة إزالة الآثار التي تتركها الإعلانات الكاذبة والمضللة في نفس وذهن المتلقي، وتزداد هذه الآثار جسامة إذا ما لاحظنا بطء إجراءات التقاضي، ومرور زمن طويل عادة ) قبل صدور الحكم في الدعوى يكون الإعلان الكاذب قد حقق أهدافه بشكل كامل بحيث يأتي الحكم القضائي عديم الأثر ( على صدور حكم في القضية

لكن بالرغم من أهمية وقف الإعلان قبل صدور حكم المحكمة، فإنه يجب مراعاة نتائجه باعتباره عقوبة وبالتالي عدم إعماله إلا إذا كان الإعلان ظاهر الكذب واضح التضليل، ذلك أن وقف الإعلان في غير هذه الحالات يحدث ضررا بليغا للمعلن ويمس حرية الإعلانات التجارية نفسها، ويقيد من حق التعبير وشروط المنافسة التجارية المشروعة.

خاتمة:

يمكن القول بأنه من الصعب جدا تحقيق الاهداف التي كانت منتظرة من القانون 31.08،ان لم يكن الفرد على وعي بحقوقه التي كفلها القانون اياه،على اعتبار أن التوعية وحدها هي التي بامكانها أن تدفع بالفرد الى تفعيل أدواره في المجتمع،وبمجرد حصول المستهلك على وعي حقيقي وادراكه لفهم حقائق الانظمة السوسيواقتصادية،سوف يتمكن من تفادي بعض الاضرار التي قد تحدق به لولا علمه بخبايا ما يتعاقد حوله،وبالتالي التأثير سلبا على نفسيته أو سلوكه الاستهلاكي،فالوعي بالحقوق والمطالبة بها هو الذي من شأنه أن يعيد للنص القانوني وزنه،وفي الآن نفسه قد تستغل المعرفة كآلية لممارسة الضغط على المهنيين للحصول على حقوق أكثر،واثارة انتباه كل الفاعلين الاقتصاديين والسياسيين بشأن القضايا المرتبطة بالاستهلاك  بصفة عامة والمستهلك بصفة خاصة على اعتبار أن المستهلك يشكل أهم حلقة في الدورة الاقتصادية وهذا ما أكده الرئيس الامريكي جون كيندي في احدى خطاباته.

فمختلف الاشهارات تتسم بعدم الموضوعية،ومن مظاهر ذلك أن معظمها يأتي خاليا من بعض المعلومات الهامة عن السلعة أو الخدمة المعلن عنها،أو تأتي بها غير دقيقة أو خاطئة وهو ما يحمل المستهلك مشقة اعادة الاستفسار بشأنها،فضلا عن أن الاشهار يهتم فقط بالجوانب الايجابية للسلعة من فوائد ومزايا بينما الصمت لا يزال يحيط بمكوناتها السلبية أو الضارة،كما يحيط أيضا بالاضرار التي تنجم عن استخدامها،وهذا ما ينعكس سلبا على سلامة المستهلك.

 

 

 

 

 

لائحة المراجع

+  محمد شيلح،سلطان الارادة في ضوء قانون الالتزامات والعقود المغربي:أسسه ومظاهره في

نظرية العقد،رسالة لنيل دبلوم الدراسات العليا في القانون الخاص،جامعة محمد الخامس ،كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية الرباط السنة الجامعية 1982.

+ مهدي منير،المظاهر القانونية لحماية المستهلك،أطروحة لنيل الدكتوراه في القانون الخاص،السنة الجامعية 2004/2005،جامعة محمد الاول،وجدة.

+ أنطوان الناشف:الاعلانات والعلامات التجارية بين القانون والاجتهاد،دراسة تحليلية كاملة،منشورات الحبلى الحقوقية، لبنان .

+ أحمد أبران،حماية رضا المستهلك في ضوء القواعد العامة والخاصة،رسالة لنيل دبلوم الدراسات العليا المعمقة في قانون الاعمال جامعة محمد الاول،كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية،وجدة السنة الجامعية 2000 .

+ امان التيس،التجارة الالكترونية وضوابط حماية المستهلك في المغرب،أطروحة لنيل الدكتوراه في القانون الخاص،سنة 2014 ،جامعة مولاي اسماعيل مكناس.

+ عمر محمد عبد الباقي،الحماية العقدية للمستهلك”دراسة مقارنة بين الشريعة والقانون”،مطبعة القدس الاسكندرية.

+ انظر عباسي بوعبيد،الغش التجاري عن طريق الخداع،رسالة لنيل دبلوم الدراسات العليا في القانون الخاص،جامعة القاضي عياض،مراكش السنة الجامعية 1995-1996 .

+ حليس لخضر،مكانة الارادة في ظل تطور العقد،أطروحة لنيل شهادة الدكتوراه في القانون الخاص،جامعة أبي بكر بلقايد،كلية الحقوق والعلوم السياسية،السنة الجامعية 2015/ 2016 .

 

+ jean Calais Auloy ,Droit de la consomation,edition dalloz,(N°  édition non cité),paris 1980.

+ Gérard Fabre: Concurence,Distribition,Consommation,édition Dalloz,Paris 1983.

+ loi  de consommation Française.

+ ABDERAHIM DAKKAK,la publicité commerciale el la protection du Consommateur,mémoire pour l’obtention Desa en Droit Privée,Université sidi Mohamed Ben abdellah,Faculté des Sciences juridique économique et Sociale,fes année universitaire 2006-2007.

+ Marie-Stéphane Payet:Droit de la concurence et de la  consomation ,thése doctorat,N° D’édition non cité,paris 2001.

 

 

 

 

 انظر مهدي منير،المظاهر القانونية لحماية المستهلك،أطروحة لنيل الدكتوراه في القانون الخاص،السنة الجامعية 2004/2005،جامعة محمد[1]

الاول،وجدة ص 232 وما بعدها.

 [2]  LAROUSSE ,Tome 3,page 350.

[3]  cour de cassation chambre criminelle 12 novembre 1986 ,N° de pouvoir 85-95538,publié sur :

www.legifrance.gouv.fr,rubrique:jurisprudence-judiciaire,mot clé ” publicité”.

 

 امان التيس،التجارة الالكترونية وضوابط حماية المستهلك في المغرب،أطروحة لنيل الدكتوراه في القانون الخاص،سنة 2014 ،جامعة مولاي[4]

اسماعيل مكناس،ص 88.

[5] jean Calais Auloy ,Droit de la consomation,edition dalloz,(N°  édition non cité),paris 1980 page 205.

 أنطوان الناشف:الاعلانات والعلامات التجارية بين القانون والاجتهاد،دراسة تحليلية كاملة،منشورات الحبلى الحقوقية لبنان 1999 ص 21.[6]

 مهدي منير،المظاهر القانونية لحماية المستهلك،أطروحة لنيل الدكتوراه في القانون الخاص،السنة الجامعية 2004/2005،جامعة محمد الاول[7]

وجدة ، ص: 238

 للتوسع أكثر في هذه النقطة،انظر عمر محمد عبد الباقي،الحماية العقدية للمستهلك”دراسة مقارنة بين الشريعة والقانون”[8]

 مهدي منير،م س ص 243 .[9]

 امان التيس،م س ص 101.[10]

 أحمد أبران،حماية رضا المستهلك في ضوء القواعد العامة والخاصة،رسالة لنيل دبلوم الدراسات العليا المعمقة في قانون الاعمال،[11]

جامعة محمد الاول،كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية،وجدة السنة الجامعية 2000 ص 41.

 امان التيس، م س ص 105-106.[12]

 انظر عباسي بوعبيد،الغش التجاري عن طريق الخداع،رسالة لنيل دبلوم الدراسات العليا في القانون الخاص،جامعة القاضي عياض،مراكش[13]

السنة الجامعية 1995-1996 ص 190 وما بعدها.

 [14] Gérard Fabre: Concurence,Distribition,Consommation,édition Dalloz,Paris 1983.

 امان التيس،م س ص 108.[15]

[16] “loi  de consommation Française”  Toute publicite qui met en comparaison des biens ou Services en identifiant implicitement ou explicitement un concurent ou des biens ou services offerts par un concurent n’est licite que si :

1- elle n’est pas trempeuse ou de nature à induire en erreur.

2- elle porte sur des biens ou service répondant aux mêmes besoin ou ayant le même objectif.

3- elle compare objectivement une ou plusieurs caractéristique essentielles,pertinentes vérifiables et représentatives de ses biens ou services,dont le prix peut faire partie.

وللتوسع أكثر بخصوص الاشهار المقارن يمكن الاستعانة بأطروحة امان التيس،م س ،ص 109 وما بعدها..

 حليس لخضر،مكانة الارادة في ظل تطور العقد،أطروحة لنيل شهادة الدكتوراه في القانون الخاص،جامعة أبي بكر بلقايد،كلية الحقوق والعلوم[17]

السياسية،السنة الجامعية 2015/ 2016 ص 75 وما بعدها.

 للتوسع أكثر فيما يتعلق بعيوب الرضى،انظر محمد شيلح،سلطان الارادة في ضوء قانون الالتزامات والعقود المغربي:أسسه ومظاهره في [18]

نظرية العقد،رسالة لنيل دبلوم الدراسات العليا في القانون الخاص،جامعة محمد الخامس ،كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية الرباط السنة الجامعية 1982 ص 146 وما بعدها.

[19] ABDERAHIM DAKKAK,la publicité commerciale el la protection du Consommateur,mémoire pour l’obtention Desa en Droit Privée,Université sidi Mohamed Ben abdellah,Faculté des Sciences juridique economique et Sociale,fes année universitaire 2006-2007,page 99-100.

 انظر المادة 175 من القانون 31.08 المتعلق بتحديد تدابير لحماية المستهلك.[20]

 الفصل 10 من ظهير 1984 المتعلق بزجر الغش في البضائع.[21]

 انظر المواد 173-174-175-176 من القانون 31.08 المتعلق بتحديد تدابير لحماية المستهلك.[22]

 انظر المواد 173-174-175 من القانون 31.08.[23]

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *