الإطار القانوني للتحكيم الإلكتروني.

capt

الاسم واللقب : سهام صديق

الدرجة العلمية : السنة الثانية دكتوراه، تخصص: قانون عام

عنوان أطروحة الدكتوراه محل الإعداد : دور سلطات الضبط الإداري في الحفاظ على النظام العام الاقتصادي – دراسة مقارنة-.

عنوان المقالة : الإطار القانوني للتحكيم الإلكتروني.

 

 

 

الملخص :

لقد أصبح للتحكيم الإلكتروني أهمية بالغة في حل النزاعات وخاصة تلك الناجمة عن الأعمال الإلكترونية ، ويوفر هذا الأسلوب العديد من المزايا التي لا يوفرها أي نظام قانوني لحل النزاعات، ومن بينها السرعة والفاعلية وقلة التكاليف .

فبالإضافة إلى كونه أكثر إلزاما من التحكيم التقليدي من خلال اعتماده على أليات خاصة تمكنه من تنفيذ الحكم الصادر دونما الحاجة إلى اللجوء القضاء الوطني للدولة المراد التنفيذ فيها.

Résumé :

L’arbitrage électronique a acquérir une grande importance dans le règlement des litiges , spécialement inhérents aux activités électroniques.

Ce procédé offre de nombreux avantages dans la rapidité et l’efficacité et au moindre cout  .En plus, il est plus applicable que l’arbitrage traditionnel du fait qu’il se base sur des mécanismes lui permettant d’exécuter le jugement prononcé sans revenir au système judiciaire de l’Etat ou doit s’exécuter le jugement.

مقدمة:

تعتبر شبكة الانترنت من أبرز مقومات ثورة المعلوماتية ، فلقد استغلت الإمكانات الهائلة لهذه الشبكة في مجالات مختلفة ، ومن بينها إبرام المعاملات القانونية، مما أدّى إلى ظهور ما أصبح يعرف ب ” التجارة الإلكترونية”، والتي تقوم على السرعة في إبرام العقود وتنفيذها، وهو ما لا يتماشى مع بطء وتعقيد إجراءات القضاء العادي، وكذلك عدم مواكبة التحكيم العادي للسرعة المطلوبة في إنجاز المعاملات الإلكترونية.

وفي هذا الصدد ظهر “التحكيم الإلكتروني ” كأسلوب عصري لحسم المنازعات التي تنشأ نتيجة استخدام الانترنت في التعاملات – وبشكل خاص الإلكترونية – ، وذلك نظرا لاستيعابه الخصائص التي تتميز بها بيئة التجارة الإلكترونية.

فعلى كون من أن التحكيم الإلكتروني ذو فاعلية وأهمية كبيرة لحل النزاعات الإلكترونية ، إلا أنه وكأي نظام حديث تعترضه عقبات قانونية تتعلق أساسا حول مدى انطباق الشروط الواجب توافرها في التحكيم التقليدي على التحكيم الإلكتروني؟ ومامدى قدرة القواعد القانونية القائمة حاليا على استيعاب طرق الاتصال الإلكترونية ؟ وماهي الكيفية التي يتم التنفيذ بها حكم التحكيم الإلكتروني ؟

للإجابة على هذه الإشكالية سيتم التطرق في هذه الدراسة إلى : ماهية التحكيم الإلكتروني (المبحث الأول)، ثم إجراءات التحكيم الإلكتروني ( المبحث الثاني).

المبحث الأول : ماهية التحكيم الإلكتروني

إن حداثة مصطلح التحكيم الإلكتروني يتطلب تحديد مفهومه، على اعتباره أحد إرهاصات ثورة التكنولوجيا ، وما ترتب عنها من تغيير سلوك المتعاملين عبر الفضاء الإلكتروني .

كما يوفر التحكيم الإلكتروني لأطرافه العديد من المزايا التي تتماشى مع طبيعة الوسط الذي تجري فيه ، غير أنه وكأي نظام حديث تؤخذ عليه بعض المآخذ، هذا من جهة . ومن جهة أخرى ، ففد تجعل بعض الاعتبارات القانونية والتجارية الأطراف يلجِؤون إلى وسائل أخرى لحل النزاعات إلكترونيا ، ممّا يتطلب تمييزه عما يختلط به من النظم المشابهة.

وهو ما تثار إشكالية حول ما المقصود بالتحكيم الإلكتروني ؟ ومامدى فاعليته ؟ وكيف يتم تمييزه عما يشابهه عن النظم القانونية ؟.

للإجابة على ذلك سيتم التطرق في هذا المبحث إلى مفهوم التحكيم الإلكتروني ( المطلب الأول ) ، ثم مدى فاعليته وتمييزه عمّا يختلط به (المطلب الثاني).


المطلب الأول : مفهوم
التحكيم الإلكتروني

تقتضي دراسة مفهوم التحكيم الإلكتروني استعراض تعريفه ودراسة التطور التاريخي الذي مرّ به للوقوف على تطور معناه ، وهو ما سيتم تناوله هذا المطلب من خلال التطرق إلى تعريفه (الفرع الأول )، و
كذا تطوره التاريخي ( الفرع الثاني ).


الفرع الأول : تعريف التحكيم
الإلكتروني

لقد تعددت التسميات التي تم إطلاقها اصطلاحا على التحكيم الإلكتروني رغم وحدة المعنى ، ومن بينها :

(Cyber-Arbitration)( cyberation)  (Electronic – arbitration )(virtual arbitration) arbitration-cyberspace)( Arbitration using Online)( Online Arbitration) . )

أما من الناحية الفقهية ، فقد انقسم الفقه إلى اتجاهين بخصوص تعريفه: اتجاه موسع، واتجاه مضيق.

فبالنسبة للاتجاه الموسع، يرى أصحابه أن التحكيم الإلكتروني لا يختلف عن التحكيم التقليدي إلا من حيث الوسيلة التي تتم بواسطتها إجراءات التحكيم، وفقا لهذا الاتجاه يمكن تعريف التحكيم الإلكتروني على أنه : ” ذلك التحكيم الذي تتم إجراءاته عبر شبكة الاتصالات الدولية بطريقة سمعية بصرية ، ودون الحاجة إلى التواجد المادي لأطراف النزاع والمحكمين في مكان معين” .

فمن خلال هذا التعريف تثار إشكالية حول ما إذا كان يشترط أن يتم التحكيم بكامله عبر وسائل إلكترونية لاعتباره إلكترونيا أم أن استعمال وسائل إلكترونية في أية مرحلة من مراحله يكفي لإضفاء هذه الصفة؟

لم يتفق أصحاب هذا الاتجاه على إجابة واحدة على هذه الإشكالية، بل انقسموا إلى رأيين :

إذ يرى أصحاب الرأي الأول أن التحكيم الإلكتروني يعد إلكترونيا سواء تم بأكمله عبر وسائل إلكترونية ،أو اقتصر استعمال هذه الأخيرة على بعض مراحله فقط ، في حين تتم المراحل الأخرى بالطرق التقليدية كأن يتم انعقاد جلسات التحكيم بالحضور المادي لأطراف النزاع في مكان محدد.

أما بالنسبة لأصحاب الرأي الثاني- على عكس أصحاب الرأي الأول- يُعتبر التحكيم إلكترونيا إذا تم بأكمله عبر الوسائل الإلكترونية ، فينبغي أن يبدأ باتفاق تحكيم إلكتروني، ويمر بإجراءات تحكيم تتم باستعمال وسائل الاتصال الحديثة ، وينتهي بإصدار حكم إلكتروني فيه.

أما بالنسبة للاتجاه المضيق ، فيرى أصحابه أنه لا يمكن وصف التحكيم إلكترونيا لمجرد استخدام الانترنت في إجراءاته، بل لابد أن تتم المعاملات محل التحكيم بطريقة إلكترونية حتى نكون بصدد تحكيم إلكتروني.

ونحن نؤيد التعريف المضيق للتحكيم الإلكتروني ،وذلك نظرا للعقبات العديدة التي تعترضه خصوصا عند تنفيذ الأحكام الصادرة عنه.

وبناءا على ما سبق يمكن تعريف التحكيم الإلكتروني على النحو الأتي : ” كل تحكيم يتم عبر الانترنت أو أية وسيلة إلكترونية أخرى لفض منازعات إلكترونية ، بحيث يتم عرض النزاع والسير في إجراءاته وإصدار القرار وتبليغه بطريقة إلكترونية”.


الفرع الثاني
:التطور التاريخي للتحكيم الإلكتروني

لقد ظهرت فكرة حل النزاعات إلكترونيا عن طريق الانترنت مع بداية فترة التسعينات من القرن 20م ، حيث أصبح حل النزاعات الناشئة عن التصرفات القانونية المبرمة إلكترونيا يتم بذات الطريقة التي تبرم بها هذه الأخيرة .

وباعتبار أن التحكيم من أكثر الوسائل مواءمة لحل النزاعات إلكترونيا، لقد بدأ الأخذ به ضمن مشروع عرف باسم “شبكة القضاء” أسسه David STADOLSKY »  «  في سنة 1994، فبموجب هذا المشروع تم إعداد قائمة إلكترونية تضم أربعين قاضيا ، وكان الهدف من إنشاء هذه الشبكة هو مكافحة عمليات القرصنة وجرائم التشهير وغيرها من الجرائم الإلكترونية . في حين ، تم إطلاق مشروع “محكمة التحكيم الافتراضية ” في سنة 1996، ولقد تصدت هذه المحكمة لقضية واحدة فقط ، إلا أنها لم تصدر حكمها فيها لكون أن أطراف النزاع قد اتفقوا على إيجاد تسوية ودية لنزاعهم.

وفي الأخير، لا توجد إحصائيات شاملة ودقيقة حول عدد جميع القضايا المعروضة على التحكيم الإلكتروني بسبب اعتبارات الخصوصية والثقة التي تسعى الهيئات التحكيمية على توافرها ، وإن كانت قد ذكرت المنظمة العالمية لحقوق الملكية الفكرية أنه تم عرض 3700 قضية على مركزها للتحكيم الإلكتروني ، كما أعلن منتدى التحكيم الإلكتروني عن الفصل في 2400 قضية .


المطلب الثاني : مدى فاعلية التحكيم الإلكتروني وتمييزه عمّا يشابهه

إذا كانت الطرق البديلة لحل النزاعات توفر العديد من المزايا مقارنة بالقضاء ، فإن حسم المنازعات بهذه الطرق عن طريق الإنترنت يوفر مزايا أكثر من تلك المتوفرة بطريقة تقليدية.

ويعتبر التحكيم الإلكتروني من أبرز الطرق البديلة الإلكترونية ، ولذلك يتطلب تمييزه عن غيره من هذه الطرق التطرق أوجه تشابهه واختلافه عنها .

وهو ما سيتم التطرق إليه في هذا المطلب من خلال دراسة مدى فاعلية التحكيم الإلكتروني ( الفرع الأول ) ، ثم تمييزه عما يشابهه ( الفرع الثاني).


الفرع الأول : مدى فاعلية

التحكيم الإلكتروني

إن دراسة مدى فاعلية التحكيم الإلكتروني تتم من خلال البحث عن المزايا التي يوفرها ، وفي مقابل ذلك السلبيات التي تعترضه ، وهو ما سيتم تبيانه على النحو الآتي :

أولا: مزايا التحكيم الإلكتروني

يوفر التحكيم الإلكتروني العديد من المزايا نذكر أهمها :

  1. توفير النفقات :

    يعتبر التحكيم الإلكتروني أحد وسائل تسوية الخلافات عبر شبكة الانترنت، وأهم ما يميزه عن التحكيم التقليدي هو توفير التكلفة التي يتحملها الأطراف في حال تسوية خلافاتهم ، وهذا راجع لكونهم لا يلتقون ماديا –بمعنى أنهم لا ينتقلون من مكان إلى أخر من أجل الاتفاق على التحكيم أو حضور الجلسات-، وإنما يتم ذلك إلكترونيا ، وهو ما يؤدي بالنتيجة إلى توفير كثير من الأموال.


  2. توفير الوقت :

    لا يعتبر التحكيم الإلكتروني موفرا للتكلفة فقط ، وإنما يوفر الوقت أيضا ، فنجد أن معظم المواقع الإلكترونية تعمل على مدار اليوم (24 سا/سا) دون وجود عطلات أو إجازات ، وبالتالي فبإمكان هيئة التحكيم والأطراف مباشرة إجراءات التحكيم من خلال حواسبهم الخاصة بهم ، وهو الأمر الذي يؤدي إلى تسوية النزاع في أقرب وقت ممكن.

    ج- توافر الخبرة في المعاملات الإلكترونية :

    تعتبر مؤهلات أعضاء هيئة التحكيم الإلكتروني من الناحيتين القانوني والتكنولوجية في التعامل مع المنازعات، واستخدام التقنيات الحديثة في جميع المراحل التحكيمية من بواعث ثقة الأطراف في نظام التحكيم الإلكتروني.

    د-
    تجاوز مشكلة الاختصاص القضائي وتنازع القوانين :

    تعد شبكة الانترنت فضاء إلكترونيا مفتوحا عالميا ذا إقليم خاص به لا يتعلق بالحدود الجغرافية للدول، مما يصعب توطين العلاقات القانونية التي تجري في إطارها ضمن اختصاص مكاني محدد الجهات ، وبالتالي تم تجاوز مشكلة الاختصاص القضائي وتنازع القوانين ، وذلك من خلال الاتفاق بين الأطراف على القانون الواجب التطبيق أو الإحالة على لائحة مركز تحكيم معين.

    ثانيا : السلبيات

    يواجه التحكيم الإلكتروني العديد من الانتقادات إلى حد دفع بالبعض إلى التشكيك في مدى جدواه ، ومن أهم هذه الانتقادات ما يلي :

  3. الخشية من عدم سرية التحكيم :

    يعد الحفاظ على سرية النزاع من أبرز الدوافع الجوهرية للجوء إلى التحكيم دون القضاء ، خاصة في النزاعات التجارية التي يؤثر الأطراف فيها كتمان السر التجاري .فالظاهر أن الطريقة التي يتم بها التحكيم التقليدي توفر للأطراف هذه الميزة، وبمقابل ذلك لا يوفر التحكيم الإلكتروني السرية المطلوبة بذات النسبة ، باعتباره يتم في بيئة تشكل تهديدا لسرية التحكيم.

  4. عدم
    ملاءمة التشريعات الداخلية للتحكيم الإلكتروني :

    لقد استقرت الأنظمة القانونية على اشتراطها شكليات جوهرية في إبرام اتفاقية التحكيم ، وكذلك في حالة إصدار أحكام التحكيم وتنفيذها.لذلك قد يتعذر استيفاء التحكيم الإلكتروني لهذه الأطر القانونية ، مما يجعله غير مجديا بالنظر لعدم استيفائه للشروط القانونية المطلوبة ، وهو ما يؤدي بالنتيجة إلى عدم تنفيذ حكم التحكيم .

    ج– استبعاد التحكيم الإلكتروني فكرة تطبيق القوانين المتعلقة بالنظام العام :

    إن استبعاد التحكيم الإلكتروني تطبيق مبدأ ” احترام القواعد المتعلقة بالنظام العام ” يؤدي بالمساس جوهريا بالمصالح الأساسية للدول سواء تعلق الأمر بالمصالح الاقتصادية والسياسية والاجتماعية ، وهو ما يؤدي إلى ظهور تعقيدات جديّة أثناء تنفيذ حكم التحكيم قد تحول دون ذلك على أرض الواقع.

    د- الفجوة الرقمية :

    تعتبر الفجوة الرقمية بين الدول الناشئة في استخدام التكنولوجيا والدول المتقدمة من أهم السلبيات التي يواجهها التحكيم الإلكتروني ،إذ لا يحصل الأطراف على نفس حزمة التردد العالية التي تلزم لفعالية استخدام الانترنت لهذه الأنواع من الخدمات، وهو ما يؤثر على حق المواجهة والاستماع والاستجابة لعروض الطرف الأخر، وعلى نزاهة الأدلة المقدمة ، بالتالي يمس بمبدأ توفير محاكمة عادلة لجميع الأطراف.


    الفرع الثاني : تمييز التحكيم الإلكتروني عمّا يشابهه

    يعتبر التحكيم الإلكتروني من إحدى أساليب حل النزاع وديا عبر شبكة الإنترنت ، وهو الأمر الذي يثير لبسا في تمييزه عن بعض الأنظمة المشابهة له ، ومن بينها الوساطة الإلكترونية و التفاوض الإلكتروني .

    لذلك سيتم التطرق إلى تميزه عن الوساطة الإلكترونية (أولا)، ثم تمييزه عن التفاوض الإلكتروني (ثانيا).

    -أولا: تمييز التحكيم الإلكتروني عن الوساطة الإلكترونية:

    – هي طريقة تقوم على تدخل طرف أخر محايد بين أطراف النزاع يسمى الوسيط ، وذلك بهدف تقريب وجهات النظر بصورة محايدة ونزيهة ، ووفقا لطبيعة النزاع القائم بينهم للوصول إلى تسوية هذا الأخير وديا ومرضيا لجميع الأطراف ، وذلك بإتباع إجراءات إلكترونية .

    وتختلف الوساطة الإلكترونية عن التحكيم الإلكتروني من حيث :

  • أن اللجوء إلى الوساطة الإلكترونية يتم غالبا بين أطراف تربطهم علاقات تجارية وطيدة يحرصون على استمرارها ، بخلاف التحكيم الإلكتروني فيلجأ الأطراف إليه لإصدار حكم ملزم لهم دون الاكتراث باستمرارية العلاقات التجارية فيما بينهم.
  • إن التسوية التي يتوصل إليها الوسيط تكون برضا وتوافق أطراف النزاع ، في حين أن الحكم الصادر عن هيئة التحكيم يكون لصالح أحد الأطراف دون الأخر أو ضدهم معا.
  • بالإمكان التخلي عن الوساطة في أية مرحلة من مراحلها ، وهو ما خلاف التحكيم الذي لا يمكن التخلي عنه إلا باتفاق جميع أطراف النزاع على ذلك. يمكن تعريف التفاوض على أنه : ” حدوث اتصال مباشر أو غير مباشر بين شخصين أو أكثر بمقتضى اتفاق بينهم يتم خلاله تبادل العروض و المقترحات وبذل المساعي المشتركة ، بهدف التوصل إلى اتفاق بشأن عقد معين تمهيدا لإبرامه”.
  • ثانيا : تمييز التحكيم الإلكتروني
    عن الوساطة الإلكترونية

    إن التعقيد في المعاملات التجارية والاستهلاكية انعكس على عملية التفاوض ، إذ أصبحت هذه الأخيرة بالغة التعقيد تقوم على أسس ومبادئ علمية ،ولم تعد من وسائل الجدال ،بل أصبحت علما قائما بذاته له أصوله وقواعده ومبرراته.

    وتزداد أهمية عملية التفاوض في عقود التجارة الإلكترونية في ظل عجز الطرق التقليدية عن إيجاد حلول تتلاءم وظروف التجارة الإلكترونية ، ويعتبر التفاوض من أبسط الوسائل البديلة لحل النزاعات إلكترونيا ،إذ يهدف إلى توفير مساحة يلتقي فيها الأطراف للوصول إلى اتفاق ،فهو يلعب دورا وقائيا من حيث الحد من أسباب النزاع في المستقبل ووسيلة فعالة لإعادة التوازن العقدي في حالة تغير الظروف.

     

     


    المبحث الثاني: إجراءات التحكيم الإلكتروني

    تزداد أهمية التحكيم الإلكتروني في كونه وسيلة لحل النزاعات ، لذلك لا بد في أن يراعي من الناحية الإجرائية جميع التفاصيل المتطلبة في المعاهدات والاتفاقيات الدولية المبرمة في مجال التحكيم ، وكذا القوانين الوطنية .

    لذلك تبرز ضرورة الأخذ بعين الاعتبار متطلبات الشروط الواجب توافرها للجوء إليه ، وإحترام قواعد سير الخصومة.

    وهو ما سيتم دراسته في هذا المبحث من خلال التطرق إلى شروط اللجوء إلى التحكيم الإلكتروني (المطلب الأول) ، ثم قواعد سير خصومة التحكيم ( المطلب الثاني ).


    المطلب الأول : شروط اللجوء إلى التحكيم الإلكتروني

    تتطلب دراسة شروط اللجوء إلى التحكيم الإلكتروني التطرق إلى نطاقه (الفرع الأول)، و كيفية إبرام اتفاقية التحكيم الإلكتروني (الفرع الثاني).

     


    الفرع الأول : نطاق التحكيم الإلكتروني

    يشمل تحديد نطاق التحكيم الإلكتروني كل من مجاله المكاني (أولا)، ثم الزماني (ثانيا).

    • أولا :النطاق المكاني :

    لقد تركت الأنظمة القانونية المختلفة لأطراف النزاع الحرية الكاملة في اختيار مكان التحكيم، وفي حالة عدم وجود اتفاق بين الأطراف يدل على مكان التحكيم بطريق مباشر أو غير ، تولت هيئة التحكيم تعيينه على أن تراعي في ذلك ظروف الدعوى وملاءمة المكان لأطراف النزاع.


    أما فيما يخص التحكيم الإلكتروني فتظهر صعوبة في توطين مثل هذا النوع من التحكيم ،و لقد حاول الفقه طرح العديد من الحلول لتحديد مكانه ، من بينها:

    * فلقد ذهب البعض إلى أن تحديد مكان التحكيم الإلكتروني يتم بالرجوع إلى المكان الذي يوجد فيه المحكم ، وهو ما يعني تطبيق قانون مكان المحكم ، إلا أن هذا الحل يستحيل تطبيقه ، ولقد أثيرت إشكالية في هذا الخصوص حول ما إذا كان يجب الاعتداد بمكان وجود المحكم في بداية إجراءات التحكيم أم الأخذ بقانون موطنه أم محل إقامته ؟

    كما أنه تتعقد الأمور أكثر عندما نكون بصدد هيئة تحكيم جماعية وليس محكم وحيد.

    *بينما ذهب رأي أخر إلى أن تحديد مكان التحكيم يكون بالرجوع إلى مكان مقدم الخدمة ، فهذا الحل يرتكز على التوطين الجغرافي لمقدم الخدمة ، ونجد أن هذا الحل يصعب تطبيقه في جميع الحالات خصوصا إذا تعدد مقدموا الخدمة ، وكان كل واحد منهم يقيم في دولة مختلفة.

    * ولقد تبنى البعض رأي ثالث متمثل في نظرية ” التحكيم غير التوطيني “، وهو ما يعني عدم إسناد هذا النوع من التحكيم إلى قانون مكان التحكيم، غير أنه يصعب قبول هذا الرأي من المحاكم الوطنية، كما أنه لا يتوافق مع أحكام اتفاقية نيويورك لسنة 1958.

    * في حين، يرى أصحاب الرأي الأخير أنه تم تخصيص محاكم تحكيم افتراضية لا يلزم الأطراف بالحضور أمامها ، بل يكفي تبادل الطلبات والمستندات إلكترونيا، ويجري التداول في القضية وإصدار الحكم وتبليغه للأطراف عبر شبكة الانترنت.

    ومن ثم إن تحديد مكان هذا النوع من التحكيم ليس ذو أهمية كبيرة لكون أن جميع جوانبه تتم في عالم افتراضي يعلو مجتمع الدول ، له قواعده الخاصة ولا تحده الحدود الجغرافية ، ولا يلزمه لتمام عمله تأشيرة مرور.

    • ثانيا :النطاق الزماني:

    تبدأ إجراءات التحكيم الإلكتروني مند اللحظة التي يتم فيها تعيين هيئة التحكيم المختصة بالنظر في النزاع ، حيث تقوم هذه الأخيرة بمباشرة مهامها من خلال الاتصال بالأطراف لطلب معلومات إضافية تتعلق بموضوع النزاع .ووفقا لبرنامج تحكيم المحكمة الافتراضية –على سبيل المثال- تفصل هيئة التحكيم خلال 72ساعة تبدأ من تاريخ تلقي المركز لإدعاءات المدعي وجواب المدعى عليه ، ويجوز لهيئة التحكيم تمديد هذه المدة في حالة وجود عطل في الشبكة أو بناءً على طلب الأطراف.


    الفرع الثاني : إبرام اتفاقية التحكيم الإلكتروني


    لقد تطرق المشرع الجزائري إلى مرجعية التحكيم الإلكتروني من خلال نص المادة 1040 من قانون الإجراءات المدنية والإدارية المنظمة لمرجعية التحكيم الدولي ، والتي يقتضي شرحها التطرق إلى الجانبين الشكلي والموضوعي لاتفاقية التحكيم ، وذلك على النحو الأتي :

  • فمن الجانب الشكلي :
  • نجد أن اتفاقية التحكيم تسري على النزاعات القائمة والمستقبلية ، إذ لم يميز المشرع من الجانب الشكلي بين شرط و اتفاق التحكيم ، وإنما اكتفى بالنص على ” اتفاقية التحكيم ” بصفة عامة.
  • كما أنه بالإمكان أن تبرم اتفاقية التحكيم بأية وسيلة اتصال تجيز

    الإثبات كتابة ، فتبني المشرع هذا الموقف يكون راجع إلى التطور الهائل في مجال الاتصال، والذي يعتبر التحكيم الإلكتروني أحد مظاهره.

  • ترد اتفاقية التحكيم كتابة ، إذ تعتبر هذه الأخيرة شرط للانعقاد ،بدليل أن الجزاء المترتب على تخلفها يتمثل في البطلان ، ويشمل هذا البطلان اتفاقية التحكيم وليس العقد الأصلي المنظم للعلاقات التجارية بين الأطراف.

    ورجوعا إلى معنى الكتابة بصفة عامة فهي عبارة عن رموز تعبر عن القول والفعل ، وهو ما لا يتعارض مع معناها القانوني فهي عبرة رموز تعبر عن فكرة معينة .

    ولقد أصبح يشمل معناها بالإضافة إلى الكتابة الورقية ، الكتابة على أية دعامة مما أنتجته الوسائل الحديثة مادامت تسمح بحفظها وقراءاتها ، حتى لو كانت الكتابة غير ملموسة عند وقوعها على الدعامة ما دام بالإمكان قراءاتها بعد ذلك باستعمال الأجهزة الخاصة .

    وهو ما نص قانون الأونسترال النموذجي الصادر عن لجنة الأمم المتحدة للقانون التجاري الدولي لسنة 1996 بشأن التجارة الإلكترونية ، في المادة 6/01 على أنه : ” عندما يشترط أن تكون المعلومات مكتوبة تستوفي رسالة البيانات ذلك الشرط إذا تيسر الإطلاع على البيانات الواردة فيها على نحو يتيح استخدامها بالرجوع إليها لاحقا “.

  • من الجانب الموضوعي :

    تنصرف الشروط الموضوعية لاتفاقية التحكيم إلى الشروط الموضوعية التي يتطلبها القانون من رضا ، وتوجه هذه الإرادة إلى التحكيم الإلكتروني .إذ لابد أن تكون هذه الإرادة خالية من العيوب كالغلط والإكراه والتدليس والاستغلال ، ويكون النظر في توفر هذه العيوب من عدمه مرده القانون الذي يحكم اتفاقية التحكيم الإلكتروني.

     


    المطلب الثاني : قواعد سير خصومة التحكيم الإلكتروني

    تختلف قواعد سير خصومة التحكيم الإلكتروني عن التحكيم التقليدي من حيث استخدام الدعائم الورقية والحضور الشخصي للأطراف وصولا إلى صدور حكم التحكيم ، وهو ما سيتم تبيانه في هذا المطلب من خلال دراسة إجراءات سير خصومة التحكيم الإلكتروني ( الفرع الأول) ، ثم صدور حكم التحكيم الإلكتروني ( الفرع الثاني ).

 


الفرع الأول : إجراءات سير خصومة التحكيم الإلكتروني

يختلف التحكيم الإلكتروني في إجراءاته عن التحكيم العادي من عدة نواح، أبرزها طريقة تبادل المستندات عبر البريد الإلكتروني أو استجواب هيئة التحكيم للشهود أو سماع الخصوم.

فعلى الرغم من دأب مراكز التحكيم الإلكتروني على وضع سلسلة من الإجراءات لضمان نجاح عملية التحكيم ، إلا أنه أثيرت العديد من الأسئلة حول ما مدى تحقيق هذه الإجراءات لأبسط قواعد العدالة ، والمتمثلة في مبدأ المواجهة وحق الدفاع ؟

  • أولا :عرض النزاع ورسوم التسجيل

    أ- طريقة رفع النزاع :

    لا يحتاج رفع النزاع لمركز التحكيم الإلكتروني إلى مهارة معقدة في صياغة و كتابة طلب التحكيم ، إذ تنظم لوائح هيئات التحكيم الإلكتروني كيفية رفع النزاع من خلال إعداد نمودج يحتوي على فراغات يملؤها المحتكمون عند رفع النزاع.

    ب- رسوم التحكيم الإلكتروني :

تختلف رسوم التحكيم الإلكتروني حسب طبيعة ونطاق النزاع المعروض على هيئة التحكيم ، كما تتفاوت الرسوم من مركز تحكيم إلكتروني إلى أخر.

وتشمل رسوم التحكيم كل من رسوم التسجيل و الرسوم الإدارية ورسوم المحكمين.

ثانيا :
إجراءات سير خصومة التحكيم الإلكتروني :

بعد عرض النزاع من طرف أحد الأطراف وإعلام الخصم بذلك إما مباشرة أو عن طريق المركز ، تمنح له مدة معينة للرد على طلب التحكيم تبدأ من تاريخ استلام هذا الطلب .

فبعد اتفاق الأطراف على اللجوء إلى التحكيم يتم اختيار هيئة التحكيم ، ويمنح للمدعي مهلة لتقديم بياناته إذا لم يقدمها أثناء طلب التحكيم ، بالإضافة إلى ذلك بإمكان الأطراف تقديم بيانات إضافية كتابة .كما يمكن فتح باب المرافعة لتمكين كل طرف من شرح موضوع الدعوى وتوضيح أدلته

شفاهة .

وتجدر الإشارة إلى ضرورة الاعتماد على توقيت عالمي موحد كتوقيت غرينتش أو توقيت مكة المكرمة لتحديد مواعيد السير في الإجراءات، وذلك لوجود اختلاف في التوقيت يصل إلى سبع ساعات كاملة بين بعض الدول.

و في الأخير ، من خلال عرض المراحل المختلفة لسير الخصومة في التحكيم الإلكتروني ،يتضح أنها تثير العديد من الإشكاليات نذكر أبرزها :

  • إن تبادل الحجج بين الأطراف شفاهة واستجواب الشهود في العالم الافتراضي قد يثير التساؤل حول ما مشروعية هذا الإجراء؟

    ولقد اختلف الفقه في إيجاد إجابة على هذا التساؤل ، حيث قد اعتبر البعض أن الوسائل الفنية المتاحة في هذا المجال يمكن أن تكون الأكثر استعمالا في تقديم الأدلة للمرافعة والجلسات ،إذ أصبح استعمال المؤتمرات الافتراضية التي تسمح لكل شخص أن يقرأ ويرسل في آن واحد رسائل بالمشاركة مع أشخاص آخرين.

    إلا أن البعض الأخر يرى أن مناقشة الشهود والخبراء وإن كان من الممكن أن يتم في ظل التقدم التكنولوجي بطريقة إلكترونية ، إلا أن مناقشتهم بالطريقة التقليدية (وجها لوجه) هي الأكثر قوة ووضوحا في استجلاء وجه الحقيقة بالنظر لإمكانية مشاهدة تعبيرات الشاهد ودرجة توتره ، مما يساعد في تقدير صحة الشهادة المقدمة.

    وبين هذا الرأي وذاك، يقترح البعض أن يكون التلاقي بين أطراف النزاع وهيئة التحكيم على الأقل في بداية الإجراءات التحكيمية ، وذلك لخلق الثقة الضرورية لمثل هذا النوع من التحكيم .

  • إن الإشكالية المتعلقة بتحديد القانون الواجب التطبيق لا تثار في حالة عرض النزاع على مراكز التحكيم الإلكتروني واتفاق الأطراف على إتباع الإجراءات المنصوص عليها في لوائحها ، لكون أن هذه المراكز تنظم إجراءات عرض النزاع بدقة متناهية في لوائحها.

    ولكن البعض يرى أن الصعوبة قد تثار في حالة إخضاع الأطراف نزاعهم للائحة تحكيم لا تنظم الإجراءات الإلكترونية كلائحة غرفة التجارة الدولية بباريس -على سبيل المثال-. وإن كان من الناحية العملية يصعب حدوث هذه الفرضية ، ولكن إذا افترضنا جدلا بإمكانية وقوع ذلك ، فيقوم المركز بإخطار الأطراف بعدم توافق اللائحة مع التحكيم الإلكتروني ، فإذا لم يتفق الأطراف على تحديد القانون الواجب التطبيق ، تقوم هيئة التحكيم بتحديد هذا القانون وفقا لقانون البلد الذي جرى فيه التحكيم (مركز إجراء تحكيم).


    الفرع الثاني : صدور حكم التحكيم الإلكتروني

    يعتبر حكم التحكيم الإلكتروني من أبرز المسائل التي تضع مشروعية التحكيم الإلكتروني على المحك ، على اعتبار أنه يمثل ثمرة اتفاق وإجراءات عملية التحكيم بمجملها بالنسبة لأطراف التحكيم من جهة ، وسيادة الدولة من جهة أخرى.

    ويمكن تعريف حكم التحكيم وفقا لما ذهب إليه الفقيه Emmanuel GAILLARD على أنه :

«  L’acte des arbitres qui tranche de manière définitive ,en tout ou en partie le litige qui leur a été soumis ,que ce soit sur le fond ,sur la compétence ou sur un motif de procédure qui les conduit à mettre fin à l’instance. »

 

لا شك أن تنفيذ أحكام التحكيم الأجنبية أكثر تعقيدا من تنفيذ أحكام التحكيم الوطنية نظرا لاختلاف القوانين من دولة لأخرى ، كما أنه غني عن الذكر أن معظم النزاعات التي يتم اللجوء لحلها عن

طريق التحكيم الإلكتروني هي من فئة الأحكام التجارية الدولية.

ولقد ترك المشرع الجزائري بموجب قانون الإجراءات المدنية والإدارية للأطراف الحرية في كيفية اختيار صدوره أو تحديد مشتملاته من خلال عدم تطرقه إلى هذه الأمور.

فبالرغم من ذلك فلا يتصور صدور حكم تحكيم دولي لا يتضمن اسم المحكم أو المحكمين وهذا من أجل رقابة استقلاليتهم وحيادهم أو تاريخ أو مكان صدوره ، وإلا كيف سيعرف إن صدر ضمن مهلة التحكيم والمحكمة المختصة بمراجعته؟

لذلك تعتبر هذه البيانات إلزامية يقوم عليها حكم التحكيم ، وأيّا كان الخيار الذي مارسه سلطان الإرادة فلا يمكنه أن ينفك عنها كون غيابها يفقد الحكم فاعليته.

في حين، لقد اعتبر المشرع الجزائري عدم تسبيب حكم التحكيم الدولي سببا من أسباب الطعن بالبطلان ضده ، وذلك طبقا لأحكام المادة 1058من قانون الإجراءات المدنية والإدارية، وبالتالي يعتبر تسبيب حكم التحكيم الدولي وجوبي .

إذا كانت إرادة الخصوم هي الأساس الذي ترتكز عليه أحكام التحكيم، إلا أنها لا تستطيع مع ذلك أن تزود تلك الأحكام بالقوة التنفيذية التي تتيح التنفيذ الجبري للالتزامات الواردة بها، وذلك لتحقيق رقابة على حكم التحكيم من قبل السلطة القضائية في الدولة المراد التنفيذ فيها عن طريق الأمر بالتنفيذ قبل تنفيذه .

لقد نص قانون الإجراءات المدنية والإدارية من المواد 1035 إلى 1038منه على تنفيذ أحكام التحكيم الداخلية، ولقد أحالت المادة 1054 منه إلى المواد أعلاه فيما يخص تنفيذ أحكام التحكيم الدولي.

وبالتالي ، فطبقا للمادة 1035/01من قانون الإجراءات المدنية والإدارية يكون حكم التحكيم الدولي الصادر في الجزائر قابلا للتنفيذ بناء على أمر من رئيس المحكمة التي صدر في دائرة اختصاصها، ويودع أصل الحكم في أمانة ضبط المحكمة من طرف الطرف الذي يهمه التعجيل. أما إذا كان مقر محكمة التحكيم موجودا خارج الإقليم الوطني ، فطبقا لأحكام المادة1051/02 من قانون الإجراءات المدنية والإدارية يكون التنفيذ بناء على أمر من رئيس محكمة مكان التنفيذ .

ويخضع الاعتراف بأحكام التحكيم الدولية في الجزائر إلى مجموعة من الشروط ، وهي كالأتي :

  • إذا أثبت من تمسك بها أنها موجودة كأن يقدم أصل مرفق باتفاقية التحكيم

    ، أو بنسخ عنها تستوفي شروط صحتها .

  • أن يتم إيداعها من طرف المعني بالتعجيل لدى أمانة الضبط المختصة.
  • يجب أن يكون هذا الاعتراف غير مخالف للنظام العام الدولي.

نظرا لخصوصية التحكيم الإلكتروني وما ترتب عنها من صعوبة تنفيذ أحكامه بطرق تقليدية من الناحيتين التقنية والقانونية ، لذلك ظهر ما أصبح يعرف ب” نظام آلية تنفيذ ذاتي خاص لأحكامه “، ولقد أعد هذا النظام “مؤسسة الإيكان” والمرتبط مباشرة بمراكز التحكيم ، حيث بموجبه يمكن للمعتدى على حقوقهم من استخدامه ضد حائزي عناوين المواقع الإلكترونية غير المشروعة ، وهذا في صورة بوليسية تدعى (البوليصة الموحدة) ، فهذه الأخيرة تلزم جميع مسجلي المواقع الإلكترونية المعتمدين من قبل الإيكان من الرجوع إلى نظام التحكيم الإجباري في البوليصة الموحدة . فتكمن أهمية هذا النوع من المنازعات في أن تنفيذ أحكام التحكيم الصادرة عن مراكز التحكيم الإلكتروني لا يكون مرهونا بإرادة المحكوم عليه ، وإنما الذي يتولى التنفيذ هو مسجل عنوان الموقع الإلكتروني محل القرار ، إذ يمتلك هذا الأخير الوسائل التقنية لشطب عنوان الموقع الإلكتروني على الشبكة أو نقل ملكيته إليه.

وعليه ، فإذا كان تنفيذ الأحكام التحكيمية المتعلقة بالمواقع الإلكترونية يتم جبرا ، فإن هناك بعض الأحكام تنفذ طوعا تحت وطأة الضغوط الإعلامية والتجارية ، وهو ما يجعلنا نتطرق إلى أهم الآليات المبتدعة في عالم التجارة الإلكترونية لضمان تنفيذ أحكام التحكيم الإلكترونية نذكر منها ما يلي :

– الضغوط الإعلامية والتجارية :

في حالة صدور قرار بالتراجع عن إعلانات معينة أو بيانات موجودة على موقع الطرف الخاسر ، فإنه باستطاعة الطرف الرابح أن يمارس ضغوطا تجارية على نظيره الخاسر يمنعه من الإعلان على مواقع معينة في الانترنت أو وضع اسم شبكة الطرف الخاسر الممتنع عن التنفيذ في اللائحة السوداء للتجار والشركات غير الموثوق بهم ، الأمر الذي يحطم سمعتهم التجارية.

  • ربط مراكز التحكيم بمصدري بطاقات الإئتمان :

ويكون ذلك عن طريق إبرام مراكز التحكيم الإلكترونية عقدا مع أحد مصدري بطاقات الائتمان كشركة (فيزا) أو)شركة ماستر كارد (، حيث يتضمن هذا العقد شرطا يخول مصدر بطاقة الائتمان وإلزامه برد الثمن إلى حساب المشتري المستهلك إذا تلقى قرارا تحكيميا من المركز المتفق عليه.

الخاتمة :

لقد أصبح التحكيم الإلكتروني حقيقة واقعة المعالم ، حيث عرف تطورا متسارعا بالنظر لاستجابته لمتطلبات العالم الرقمي ، وللحفاظ على مكانته كأحد أهم الوسائل البديلة لحسم المنازعات الإلكترونية ، فلا بد من اللجوء إليه فقط في المنازعات المنسجمة مع طبيعته وإمكانياته في تنفيذ القرارات الصادرة عنه ، وذلك بهدف تجنب تمييعه والمساس بثقة الأطراف به.

فمن خلال هذه الدراسة نصل إلى عدة نتائج وتوصيات تتمثل فيما يلي :

* لقد حرصت التشريعات الوطنية على مواكبة التقدم الذي أحدثته ثورة الاتصالات ، وانعكاساتها على طبيعة التعاقد والوسائل المستخدمة فيه ، ومن بينها على سبيل المثال: التشريع الجزائري من خلال صدور قانون الإجراءات المدنية و الإدارية الذي أجاز للأطراف إبرام اتفاقية تحكيم بشتى وسائل الكتابة الممكن إثباتها.

*لا يختلف اتفاق التحكيم الإلكتروني كثيرا عن اتفاق التحكيم التقليدي من حيث توفر الشروط الموضوعية ، بقدر ما يختلف عنه من جانب توفر الشروط الشكلية والمتمثلة في اقتضاء الكتابة والتوقيع حيث يأخذان شكلا إلكترونيا.

* يبقى التأكد من أهلية الأطراف للتعاقد إلكترونيا من أهم المعوقات التي يواجهها التحكيم الإلكتروني ، على من وجود الكثير من الحلول للتأكد من ذلك ،فنجد على سبيل المثال : اعتماد هيئات التحكيم الإلكتروني تصديق شخص أو جهة موثوقة عن طريق إصدار شهادة تثبت هوية الأطراف وأهليتهم الكاملة .

*إن تعديل اتفاقية نيويورك الخاصة بالتنفيذ والاعتراف بالأحكام التحكيمية الأجنبية لم يحظ بتأييد عدد كبير من الدول ،وذلك حرصا على استقرارها على اعتبارها من أقدم الاتفاقيات المبرمة في مجال التحكيم الدولي هذا من جهة ، ومن جهة أخرى لقد انضمت إليها الكثير من الدول من خلال المصادقة على أحكامها ، وبالتالي تعتبر من أهم المصادر الدولية في هذا المجال.

أما فيما يخص التوصيات ، نذكر منها :

  • ضرورة عقد الندوات والجلسات القانونية للتعريف بدور وأهمية التحكيم الإلكتروني على المستوى الأكاديمي والحكومي .
  • ضرورة اعتراف القوانين الوطنية بصحة انعقاد جلسات التحكيم الإلكتروني ، واعتماد ما يقدم فيها من بيانات وما يثار فيها من دفوع ، بالإضافة إلى مداولات الهيئة التي يصدر عنها القرار.
  • كما لابد من إيجاد حل قانوني يجيز اللجوء إلى التحكيم الإلكتروني ، إذا كان هذا الطريق أصلح للمستهلك.
  • كما يجب العمل عل توفير الأمن القانوني المعلوماتي للمعاملات التي تتم عبر الانترنت والارتقاء به وتطويره ، ويتعين استخدام تقنيات حديثة ومتطورة للحفاظ على الوجود المادي للمحررات الإلكترونية والتوقيع الإلكتروني.
  • وفي الأخير، يجب تنمية وتطوير الموارد البشرية في مجال التحكيم الإلكتروني من خلال عقد تربصات تكوينية لاكتساب المهارات وتطويرها.


قائمة المراجع :

  1. باللغة العربية :
  2. المراجع العامة :
  1. أحمد مخلوف، اتفاق التحكيم كأسلوب لتسوية منازعات عقود التجارة الدولية، دار النهضة العربية، مصر،2001.
  2. دليلة جلول، الوساطة القضائية في القضايا المدنية والإدارية، دار الهدى للطباعة للنشر والتوزيع ، الجزائر، 2010.
  3. عادل بوضياف، الوجيز في شرح قانون الإجراءات المدنية والإدارية ،ج02، ط01، إصدار كليك، الجزائر، 2011.
  4. عبد الباسط محمد عبد الواسع الضراسي، النظام القانوني لاتفاق التحكيم،ط02، المكتب الجامعي الحديث، مصر، 2008.
  5. عبد المجيد منير، الأسس العامة للتحكيم الداخلي والخارجي – دراسة مقارنة- ، دار النهضة العربية، مصر،2001.
  6. عصمت عبد الله الشيخ، التحكيم في العقود الإدارية ذات الطابع الدولي، دار النهضة العربية ،مصر،2000.
  7. عمر حسن المومني، التوقيع الإلكتروني وقانون التجارة الإلكترونية، ط01، دار وائل للنشر، الأردن،2003.
  8. شفيق محسن، التحكيم التجاري الدولي، دار النهضة العربية، مصر،1997.
  9. محمد حسام محمود لطفي، الإطار القانوني للمعاملات الإلكترونية، دار النهضة العربية ،مصر، 2002.
  10. محمود علي، محمد علي الهزايمة، المدخل إلى فن المفاوضات ،ط01، دار الحامد، الأردن،2006.
  11. محمود عمر السيد التحيوي، التحكيم في المواد المدنية والتجارية وجوازه في منازعات العقود الإدارية، دار الجامعة الجديدة للنشر، مصر،1999.
  12. مصطفى محمد الجمال، عكاشه محمد عبد العال، التحكيم في العلاقات الخاصة الدولية والذاخلية، ط01، منشورات الحلبي ، لبنان، 1998.
  13. نبيل إسماعيل عمر، التحكيم في المواد المدنية والتجارية والوطنية والدولية، دار الجامعة الجديدة للنشر ،مصر، 2004.
  14. نضال إسماعيل برهم، أحكام عقود التجارة الإلكترونية، دار الثقافة للنشر والتوزيع، الأردن،2005.

     

  15. المراجع الخاصة:
  16. إبراهيم خالد ممدوح، التحكيم الإلكتروني في عقود التجارة الدولية، ط01، دار الفكر الجامعي ،مصر،2008.
  17. صالح المنزلاوي ، القانون الواجب التطبيق على عقود التجارة الإلكترونية، دار الجامعة الجديدة، مصر، 2008.
  18. سامي عبد الباقي أبو صالح، التحكيم التجاري الإلكتروني، دار النهضة العربية، مصر،2004.
  19. محمد أمين الرومي، النظام القانوني للتحكيم الإلكتروني، دار الفكر الجامعي، مصر،2008.
  20. محمد إبراهيم أبو الهيجاء، التحكيم بواسطة الإنترنت، دار العلمية العالمية للنشر والتوزيع،الأردن،2002 .

    ج- المقالات :

  21. أسامة إدريس بيد الله ، التحكيم الإلكتروني – ماهيته و إجراءاته-، محاضرة ملقاة على طلبة كلية الحقوق بجامعة قار يونس ، فلسطين، منشورة على الموقعwww.startimes.com :
  22. ألاء يعقوب النعيمي ، الإطار القانوني لإتفاق التحكيم الإلكتروني،المؤتمر السادس عشر المتعلق بالتحكيم التجاري الدولي ، مجلة الحقوق ، كلية القانون- جامعة الشارقة- ، الإمارات العربية المتحدة ، ع01.
  23. الطراونة مصلح أحمد ، التحكيم الإلكتروني ، مجلة الحقوق، البحرين، 2003، المجلد الثاني ،ع01.
  24. عماد الدين المحمد ، طبيعة وأنماط التحكيم مع التركيز على التحكيم عبر الانترنت، موقع المؤتمر التجاري الدولي :sloonf.vaeuau.ae http//

     

    د- الأطروحات والمذكرات :

  25. خليفي مريم ، الرهانات القانونية للتجارة الإلكترونية ، أطروحة الدكتوراه في القانون الخاص ، كلية الحقوق والعلوم السياسية ، جامعة أبو بكر بلقايد – تلمسان- ، الجزائر، 2010-2011.
  26. رجاء نظام حافظ بني شمسه ، الإطار القانوني للتحكيم الإلكتروني – دراسة مقارنة- ، مذكرة لنيل شهادة الماجستير في القانون الخاص، كلية الدراسات العليا، جامعة النجاح – نابلس- ، فلسطين ، .
  27. سهام صديق، الطرق البديلة لحل النزاعات الإدارية ، مذكرة لنيل شهادة الماجستير في القانون العام، كلية الحقوق والعلوم السياسية ، جامعة أبوبكر بلقايد – تلمسان- ، الجزائر، 2012-2013.

    ه- المصادر :

    1. القانون رقم 08-09 المؤرخ في 18 صفر1429 الموافق ل25 فبراير2008، المتضمن قانون الإجراءات المدنية والإدارية ، ج.ر لسنة2008 ، ع21.

    د- المواقع الإلكترونية :

  28. موقع المحكمة الافتراضية :www.vmag.org
  29. موقع المنظمة العالمية للملكية الفكرية :www.wipo.int

    .2باللغة الفرنسية :

    LES OUVRAGES :

    1-Philippe FOUCHARD , Emmanuel GAILLARD, Berthold GOLDMAN , Traité de l’arbitrage commercial international , Litec ,France ,1996.

    .3باللغة الإنجليزية :

    1. Armany PUKSEL, online international arbitration , Ankara law view ,vol04 ,2007,N01.
    2. Gabrielle KAUFMANN, Tomas SCHUTZ ,online dispute resolution :challenges for contemporary justice ,published by kluwa law international ,2004.


أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

التخطي إلى شريط الأدوات