الاختصاص النوعي للأقطاب الجزائية:(جرائم الإرهاب و تبييض الأموال نموذجا)

adala

الاختصاص النوعي للأقطاب الجزائية:

(جرائم الإرهاب و تبييض الأموال نموذجا)

الأستاذ.حافظ بن زلاط

باحث في قسم الدكتوراه

كلية الحقوق،جامعة سيدي بلعباس

الجزائر

مقدمة:

    يتحدد الاختصاص النوعي للمحاكم الجزائية على أساس نوع الجريمة ، و يتحدد نوع الجريمة على أساس العقوبة المقررة لها في قانون العقوبات أو القوانين المكملة له، و من تم فإن الاختصاص النوعي يفترض أولا تحديد الواقعة و تطابقها مع نموذج قانوني خاص بجريمة بعينها ثم تحديد نوعها على أساس مقدار العقوبة ().

        ويقصد بالاختصاص النوعي المجال الجرمي الذي يباشر فيه القاضي مهامه، فيحقق كأصل عام في كل جريمة معاقب عليها ضمن قانون العقوبات أو القوانين المكملة له().

        و في الآونة الأخيرة ظهرت عدّة أشكال من الجرائم تعتمد في ارتكابها على وسائل حديثة، و يقوم بارتكابها أشخاص يتمتعون بمستوى عالي من التخطيط في الإجرام الأمر الذي يمكنهم من تجاوز كل وسائل مواجهة الجريمة العادية، و قد أدى انتشار هذه الأنواع من الجرائم الخاصة في المجتمع إلى المساس بالأمن و باستقرار الاقتصاد، لذلك كان لزاما على المشرع التفكير في إيجاد بدائل جديدة لمواجهة هذه الجرائم الخطيرة باستحداث جهات قضائية متخصصة لمعالجتها تعهد بها لفئة معينة من القضاة ذوي الكفاءات المتميزة و التكوين المتخصص.

        وهذا ما فعله المشرع الجزائري من خلال القانون رقم: 04 -14 ()المؤرخ في: 10 نوفمبر2004 الذي أنشأ أقطاب قضائية جزائية متخصصة بأنواع معينة من الجرائم أوردها على سبيل الحصر و سيتم في دراستنا هذه تسليط الضوء على جرائم الإرهاب و تبييض الأموال كنموذج عن هذه الأقطاب.

    و بناءا على ما سبق لنا أن نتساءل عن فيما يتمثل الاختصاص النوعي لهذه الأقطاب للنظر في جرائم الإرهاب و كذا جرائم تبييض الأموال؟.

و للإجابة على هذا التساؤل يعد لزاما الوقوف على تبيان الاختصاص النوعي لهذه الجهات في الجرائم محل الدراسة.

الفرع الأول: جريمة الإرهاب

        لا يوجد حتى يومنا هذا تعريف محدد لجريمة الإرهاب، ولا زالت وجهات النظر تختلف في معالجتها لظاهرة الإرهاب، فعدم الاتفاق على تعريف جامع لمفهوم الإرهاب ساهم في تعقيد المحاولات الوطنية والدولية الرامية إلى معالجة هذه الظاهرة ومكافحتها، ويرجع السبب في عدم الاتفاق على تعريف شامل ومحدد لمفهوم الإرهاب إلى الإشكاليات المتعلقة بتطور ظاهرة الإرهاب ذاتها، وتعقد أشكالها وتعدد أساليب ارتكابها وتداخلها مع غيرها من الظواهر الأخرى، ومن جهة أخرى تكمن صعوبة الاتفاق على تعريف الإرهاب، باعتبار أن الإرهاب لا يعد جريمة بحدّ ذاته على المستوى الدولي، لكنه تسميتة تنطوي تحتها عدد من الجرائم المعروفة تماما().

        وعلى الرغم من ذلك، فإن هناك قسمًا مشتركًا بينها جميعا ألا وهو النظر إلى إلحاق الضرر بالمجتمعات أو الضغط على دولة من الدول أو جماعة من الجماعات لتحقيق هدف مباشر أو غير مباشر().

        كما تم تأسيس العديد من المعاهد الخاصة تابعة لجامعات كبيرة أو لدول في العالم الغربي وغيره كانت رسالتها دراسة الإرهاب ووضع الإستراتيجيات لمكافحته. و هناك الكثير من المؤسسات التي رصدت مبالغ طائلة في موازنتها لإجراء بحوث حول الإرهاب، وأسبابه، ووسائل مقاومته، وذهبت البعض من الدول إلى إنشاء محاكم خاصة تنظر في قضايا الإرهاب.

        وكانت المحاولات الدولية والفقهية قد أخفقت في وضع تعريف شامل ومحدد إلاّ أنه من المناسب التعرض وبشكل مفصل لتعريف مفهوم جريمة الإرهاب على المستوى الفقهي أو القانوني أو في الاتفاقيات الدولية وهذا حتى نرفع اللبس عن الإشكال الذي وجد بصدد تعريف جريمة الإرهاب.

أولاً: التعريف اللغوي لجريمة الإرهاب

        تعود مفردة ” الإرهاب ” في اللغة إلى الجذر الثلاثي ” رهب “، والذي يتألف من الراء، و الهاء، والباء، وهي تدل على أصلين: أحدهما يدل على الخوف، والآخر يدل على الدّقة والخفّة()، ومنها رهِب بالكسر يرهبُ رهبةً ورهبًا بالتحريك: أي خاف وتقول رهبت الشيء رهبةً: أي خِفتهُ()، وقيل الرهبةُ: هي الخوف والفزع والخِشية.

        عرف المعجم الوسيط الإرهابي: ” إن الإرهابي وصف يطلق على الذين يسلكونه لتحقيق أهدافهم السياسية “، كما عرف الإرهاب بأنه: “استخدام العنف للتخويف بصفة خاصّة لتحقيق أهداف سياسية “().

ثانيا: التعريف الوطني لجريمة الإرهاب

    قانون قمع الإرهاب البريطاني: في المادة: 20 من قانون قمع الإرهاب الصادر عام: 1989 عرف الإرهاب بأنه: ” استخدام العنف لتحقيق أغراض سياسية، أي استخدام العنف لغرض إشاعة العنف بين أفراد الشعب أو بين قطاع منهم.” ولم يحدد المشرع البريطاني الجرائم الإرهابية على أساس الباعث عليها، ولم يعرفها ولكنه حدد جرائم الإرهاب في قوائم تم اختيارها باعتبارها الجرائم التي ترتكب في ذلك الوقت من قبل أعضاء المنظمات الإرهابية().

    القانون الفرنسي الجديد: أصدر المشرع الفرنسي القانون المعدل لقانون العقوبات في: 15 نوفمبر 2001 تناول فيه جريمة تمويل الإرهاب المحددة في المادة: 421 /2 منه، التي نصت على أنه: ”تشكل واقعة تمويل مشروع إرهابي عن طريق توفير أو جمع أو إدارة أموال أو موجودات أو أي سلعة أخرى، أو عن طريق تقديم المشورة لبلوغ هذه الغاية، بنية استخدام تلك الأموال أو الموجودات أو السلع، كليا أو جزئيا بهدف ارتكاب أي من الأعمال الإرهابية المنصوص عليها في هذا الفصل، دون اعتبار لارتكاب ذلك العمل فعلا”.

        كذلك ما تضمنته المادة: 421/1 منه تعريفا للإرهاب على أنه: ”تعد جرائم عندما يتعلق بمشروع فردي أو جماعي بقصد الإضرار الجسيم بالنظام العام عن طريق بث الفزع أو الرعب في الجرائم التالية…”، وحدد المشرع هذه الجرام على سبيل الحصر وهي: “جرائم الاعتداء على سلامة الجسم أو حرية الأشخاص المحميين دوليا والشروع في ارتكابها وجرائم القتل العمد والضرب العمدي المفضي إلى عاهة أو موت المجني عليه، وبعض جرائم العنف العمدي التي تقع على الأحداث الذين لم يتجاوزوا الخامسة عشرة، وجرائم الخطف والاغتيال وخطف الرهائن وخطف الأحداث، مع استعمال العنف والتهديد بالاعتداء على الأشخاص أو الأموال، وخطف الطائرات، وجرائم الاعتداء على الآثار، والأموال العامة باستعمال المتفجرات أو المواد الحارقة، والسرقة المشدّدة إذا ارتكبت بأكثر من شخصين فأكثر أو ليلا مع استخدام العنف واغتصاب الأموال، وجرائم استخدام أي وسيلة كانت لإخراج قطار على الخط الحديدي أو لإحداث تصادم، وجرائم الاتفاق الجنائي بين المجرمين، وجرائم تصنيع أو حيازة أسلحة أو مواد حارقة”.

المشرع المصري: لم يرد في مشروع القانون الخاص المصري الجديد لمكافحة الإرهاب لسنة: 2007 أي تعريف لجريمة الإرهاب، بينما عرف المشرع المصري العمل الإرهابي في المادة الثانية من قانون مكافحة الإرهاب رقم: 97 لسنة 1992 على أنه: ”كل استخدام للقوة أو العنف أو التهديد أو الترويع يلجأ إليه الجاني تنفيذا لمشروع إجرامي فردي أو جماعي بهدف الإخلال بالنظام العام أو تعريض سلامة المجتمع وأمنه للخطر إذا كان من شأن ذلك إيذاء الأشخاص أو إلقاء الرعب بينهم أو تعريض حياتهم أو حرياتهم أو أمنهم للخطر أو إلحاق الضرر بالبيئة أو بالاتصالات أو المواصلات أو بالأموال أو بالمباني أو بالأملاك العامة أو الخاصة أو احتلالها أو الاستيلاء عليها أو منع أو عرقلة ممارسة السلطات العامة أو دور العبادة أو معاهد العلم لأعمالها أو تعطيل تطبيق الدستور أو القوانين أو اللوائح”.

المشرع الأمريكي: عرف المشرع الأمريكي الإرهاب على النشاطات العنيفة، التي توجه ضد الدولة من مجموعات منظمة، وترى أنه كل فعل هو منسوب لكل شخص قتل آخر في ظروف مخالفة أو أضره جسديا أو خطفه، أو حاول القيام بذلك، أو شارك، أو حاول المشاركة في هذا الفعل.

    وتبنت وزارة الخارجية الأمريكية تعريفا للإرهاب عام: 1988 ، حيث عرفته بأنه: “العنف الذي يُرتكب بدافع سياسي وعن قصد وتصميم سابق ضد أهداف غير عسكرية من قبل مجموعات وطنية أو عملاء سريين لدولة ما، ويقصد به عادة التأثير على جمهور ما”، وتعرفه وزارة العدل الأمريكية بأنه: “الاستخدام غير المشروع للقوة أو العنف ضد الأشخاص أو الملكية أو الإرهاب أو لإكراه الحكومة أو السكان المدنيين على تعزيز أو تأييد أهداف سياسية أو اجتماعية”، و أصدر الكونغراس الأمريكي قانونا لمكافحة الإرهاب في: 19/04/ 1996 إزاء تزايد العمليات الإرهابية ضد المصالح الأمريكية منذ بداية التسعينيات لكن لم يرد به تعريفا للإرهاب.

        وبعد أحداث 11 سبتمبر 2001، قام المشرع الأمريكي بسنّ قوانين جديدة لمكافحة الإرهاب، مثل قانون مكافحة الإرهاب المعروف باسم Combating Terrorism Act الذي صادقت عليه السلطة التشريعية بعد تفجيرات 11 سبتمبر بأيام، والقانون المعروف باسم USA Patriot الذي صادقت عليه السلطة التشريعية ووقعه الرئيس الأمريكي يوم: 26 أكتوبر 2001.

    الاتفاقية العربية لمكافحة الإرهاب: عرفت في المادة: الأولى الفقرة الثانية، الإرهاب بأنه:”كل فعل من أفعال العنف، أو التهديد به، أيا كانت بواعثه أو أغراضه، يقع تنفيذا لمشروع إجرامي فردي، أو جماعي ويهدف إلى إلقاء الرعب بين الناس، أو ترويعهم بإيذائهم، أو تعريض حياتهم، أو حرياتهم، أو أمنهم للخطر

أو إلحاق الضرر بالبيئة، أو أحد المرافق، أو الأملاك العامة، أو الخاّصة، أو احتلالها أو الاستيلاء عيها أو تعريض أحد الموارد الوطنية للخطر”().

المشرع الأردني: جرم المشرع الأردني الإرهاب في قانون العقوبات رقم: (85 ) لسنة 1951 وكذلك في قانون العقوبات الحالي رقم: 16 لسنة 1960 والذي ورد فيه تعريف الأعمال الإرهابية في المادة: 147 من قانون العقوبات حيث عرفت الأعمال الإرهابية بقولها:”يقصد بالأعمال الإرهابية جميع الأفعال التي ترمي إلى إيجاد حالة ذعر، وتُرتكب بوسائل كالأدوات المتفجرة، والمواد الملتهبة، والمنتجات السامّة أو المحروقة، والعوامل الوبائية أو الجرثومية التي من شأنها أن تحدث خطرًا عامًا”.

القانون العراقي: حيث نصت المادة الأولى من قانون مكافحة الإرهاب العراقي رقم: 13 لسنة 2005 على ما يلي: “كل فعل إجرامي يقوم به فرد أو جماعة منظمة استهدف فردا أو مجموعة أفراد أو جماعات أو مؤسسات رسمية أو غير رسمية أوقع الأضرار بالممتلكات العامة أو الخاصة بغية الإخلال بالوضع الأمني أو الاستقرار للوحدة الوطنية أو إدخال الرعب والخوف والفزع بين الناس أو إثارة الفوضى تحقيقا لغايات إرهابية”().

المشرع الجزائري(): لقد نص المشرع الجزائري على الجرائم الموصوفة بأفعال إرهابية أو تخريبية في قانون العقوبات، وعرف هذه الجريمة في المادة: 87 مكرر على النحو التالي:” يعتبر فعلا إرهابيا أو تخريبيا ، في مفهوم هذا الأمر كل فعل يستهدف أمن الدولة و الوحدة الوطنية و السلامة الترابية و استقرار المؤسسات و سيرها العادي عن طريق أي عمل غرضه ما يأتي :

– بث الرعب في أوساط سكان و خلق جو انعدام الأمن من خلال الاعتداء المعنوي أو الجسدي على الأشخاص أو تعريض حياتهم أو حرياتهم أو أمنهم للخطر أو المس بممتلكاتهم.

– عرقلة حرية المرور أو حرية التنقل في الطرق و التجمهر أو الاعتصام في الساحات العمومية.

– الاعتداء على رموز الأمة و الجمهورية و نبش أو تدنيس القبور.

– الاعتداء على وسائل المواصلات و النقل و الملكيات العمومية و الخاصة و الاستحواذ عليها أو احتلالها دون مسوغ قانوني..

– الاعتداء على المحيط أو إدخال مادة أو تسريبها في الجو أو في باطن الأرض أو إلقاءها عليها أو في المياه بما فيها المياه الإقليمية من شأنها جعل صحة الإنسان أو الحيوان أو البيئة الطبيعية في خطر.

– عرقلة عمل السلطات العمومية او حرية ممارسة العبادة و الحريات العامة و سير المؤسسات المساعدة للمرفق العام.

– عرقلة سير المؤسسات العمومية أو الاعتداء على حياة أعوانها أو ممتلكاتهم أو عرقلة تطبيق القوانين و التنظيمات.”

ثالثًا: التعريف الفقهي لجريمة الإرهاب

    لا بدّ من التأكيد على أن الفقه والقانون حتى الآن لم يتفقا على وضع تعريف ثابت وواضح وجامع للإرهاب لتشابك هذا المفهوم مع مفاهيم وطنية وقومية مشروعة لا تعد إرهابا بالمعنى نفسه،() فبينما كان يقصد به في البداية تلك الأعمال والسياسات الحكومية التي تهدف إلى نشر الرعب بين المواطنين، من أجل إخضاعهم لرغبات الحكومة، فقد أصبح يستخدم الآن لوصف أعمال يقوم بها أفراد أو مجموعات تتسم بالعنف وخلق جو من عدم الأمن لتحقيق هدف سياسي.

    ومن التعريفات القانونية للإرهاب التي لقيت قبولا دوليا تعريف الخبير القانوني في مجال الإرهاب، الأستاذ الدكتور محمود شريف بسيوني الذي عرفه بأنه : ” إستراتجية عنف مجرمة دوليا، تحفزها بواعث عقائدية (إيديولوجية) وتتوخى أحداث عنف مرعب داخل شريحة خاصة من مجتمع معين لتحقيق الوصول إلى السلطة أو للقيام بدعاية لمطلب أو لمظلمة، بغض النظر عمّا إذا كان مقترفوا العنف يعملون من أجل أنفسهم، ونيابة عنها أم نيابة عن دولة من الدول ”().

    ومن خلال ما ذكر أعلاه يمكن أن نعرف الجريمة الإرهابية بأنها: “كل سلوك من شأنه إحداث فزع ورعب في نفوس مجموعة غير محدد من الناس، إذا ارتكب عمدا تحقيقا لهذه الغاية”()، والملاحظ أنه وفقا لهذا المفهوم فإن موضوع الجريمة الإرهابية لا يتحدد بموضوع معين، فهي قد تكون من جرائم الأشخاص أو الأموال، وكما قد تكون من الجرائم المرتكبة ضد الممتلكات أو الإنسان أو بواسطة الحساب الآلي، ما دام من شأنها إحداث الفزع والرعب.

رابعًا: التعريف الدولي لجريمة الإرهاب()

    شكلت الجريمة الإرهابية منذ زمن محورا أساسيا للعديد من الدراسات الأكاديمية و التحليلية، التي تناولتها من مختلف الوجوه الأمنية و الاقتصادية و الاجتماعية و قد زاد هذا الاهتمام في نهاية القرن الماضي بعد أن تطورت هذه الجريمة في أشكالها و أساليب ارتكابها، فظهر الإرهاب النووي و البيولوجي ، و الإرهاب الكيميائي و المعلوماتي كما زاد من خطورتها تعديها للحدود الوطنية، و اختراقها للحاجز الإقليمي إلى الحاجز الدولي حتى أصبحت من الجرائم العابرة للقارات().

    عرفت الاتفاقية الدولية لقمع أعمال الإرهاب النووي لعام: 2005() الإرهاب النووي في المادة 2 من الاتفاقية على أنه:” يرتكب جريمة بمفهوم هذه الاتفاقية كل من يقوم بصورة غير مشروعة وعن عمد:

  1. حيازة مادة مشعة أو صنع أو حيازة جهاز:
  2. بقصد إزهاق الأرواح أو التسبب في أذى بدني جسيم أو بقصد إلحاق ضرر ذي شأن بالممتلكات أو البيئة.
  3. باستخدام أي مادة مشعة أو جهاز مشع بأية طريقة أو استخدام مرفق نووي أو إحداث أضرار به بطريقة تؤدي إلى إطلاق مادة مشعة أو بانطلاقها:
  4. بقصد إزهاق الأرواح أو التسبب في أذى بدني جسيم أو …
  5. بقصد إلحاق ضرر ذي شأن بالممتلكات أو بالبيئة أو …
  6. بقصد إكراه شخص طبيعي أو اعتباري أو منظمة دولية أو دولة على القيام بعمل ما أو الامتناع عن القيام به.”

        وكذلك جاءت الاتفاقية الدولية لقمع تمويل الإرهاب لسنة: 2003 في المادة 02 منها تنص على أنه:

  7. يرتكب جريمة بمفهوم هذه الاتفاقية كل شخص يقوم بأية وسيلة كانت، مباشرة أو غير مباشرة وبشكل غير مشروع وبإرادته، بتقديم أو جمع أموال بنية استخدامها، و هو يعلم أنها ستستخدم كليا أو جزئيا، للقيام:

    أ- بعمل يشكل جريمة في نطاق إحدى المعاهدات الواردة في المرفق وبالتعريف المحدد في هذه المعاهدات.

    ب- بأي عمل آخر يهدف إلى التسبب في موت شخص مدني أو أي شخص آخر، أو إصابته بجروح بدنية جسيمة، عندما يكون هذا الشخص غير مشترك في أعمال عدائية في حالة نشوب نزاع مسلح، عندما يكون غرض هذا العمل، بحكم طبيعته أو في سياقه موجها لترويع السكان، أو لإرغام حكومة و أو منظمة دولية على القيام بأي عمل أو الامتناع عن القيام به”.

        وقد سبق هاتين الاتفاقيتين العديد من المعاهدات الدولية الخاصة بأشكال محددة من الإرهاب منها: اتفاقية طوكيو الخاصة بالجرائم و الأفعال التي ترتكب على متن الطائرة والموقعة بتاريخ: 14/09/1963 واتفاقية لاهاي بشأن مكافحة الاستيلاء الغير المشروع على الطائرات والموقعة بتاريخ: 14/12/1970 واتفاقية مونتريال الخاصة بالأعمال غير مشروعة والموجهة ضد سلامة الطيران المدني الموقعة في: 23/09/1971 و البرتوكول الملحق بها الموقع في مونتريال في: 10/05/1984 واتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار 1982 فيما يتعلق بالقرصنة البحرية واتفاقية مكافحة العمليات الإرهابية بواسطة المتفجرات بتاريخ: 15/12/1997 التي نصت على أنه: ” يرتكب جريمة كل شخص يقوم عمدا وبصورة غير مشروعة على تسليم أو وضع أو تفجير قذيفة قاتلة في مكان عام أو إدارة رسمية، منشآت عامة، وسيلة نقل أو بنية تحتية بقصد التسبب بوفاة أشخاص أو أضرار مادية بالغة الخطورة لإيقاع التخريب وإلحاق خسائر اقتصادية جسيمة، ولارتكاب أو محاولة ارتكاب أو الاشتراك أو التدخل” كما جاء في اتفاقية منع تمويل الإرهاب التي تبنتها الجمعية العامة للأمم المتحدة في: 09/12/1999 ” يشكل جرما قيام شخص بأية وسيلة كانت وبصورة غير مشروعة وقصدا بجمع الأموال بهدف استعمالها مع العلم لارتكاب جرم من جرائم الإرهاب وكل عمل يرمي إلى قتل أو جرح مدني وشخص لا يشترك في أعمال حربية ”.

        كما تناولت اتفاقية منظمة المؤتمر الإسلامي الموقعة في القاهرة سنة 1998 تعريف الإرهاب بأنه: ”كل تصرف أو انتهاك أو عمل يكون باعثة أو القصد منه إعداد فرد أو مجموعة خطة إجرامية تهدف إلى إرهاب الناس أو تهديدهم بالإيذاء أو تعريض حياتهم أو حريتهم أو أمنهم أو حقوقهم أو تعريض البيئة والمرافق العامة والممتلكات الخاصة للمخاطر، أو محاصرة الأشخاص أو تقييد حريتهم أو تعريض المصادر الخاصة والخدمات العامة للخطر أو تهديد الاستقرار الإقليمي أو سلامة السياسة أو سيادة واستقلال الدول”().

    وعرفت الاتفاقية الأوربية لمنع الإرهاب لعام: 1977 الإرهاب بأنه:

  8. أي عمل من أعمال العنف الخطيرة والتي تكون موجهة ضد حياة الأشخاص أو سلامتهم الجسدية أو حرياتهم.
  9. أي عمل عنيف موجه إلى الممتلكات إذا كان من شأنه خلق خطر جماعي.

        أما تعريف لجنة الأمم المتحدة للإرهاب فقد عرفته بأنه: ” أعمال العنف التي تمارس من قبل الدول ضد شعوب بأكملها بهدف السيطرة عليها أو التدخل في شؤونها الداخلية، وإن استخدام القوة المسلحة لنوع من الأعمال الانتقامية أو الدفاع الوقائي الذي تمارسه دولة ضد سلامة وسيادة دولة أخرى ودفع المجموعات الإرهابية إلى إقليم دولة ما بهدف إشاعة الرعب والفزع بين المواطنين وإشغال الأنظمة السياسية وينبغي أن تدخل جميعها في نطاق تعريف الإرهاب نظرا لخطورتها وجسامتها عن أي شكل أخر من أشكال الإرهاب ”.

        ونظرا لخطورة جريمة الإرهاب واستفحالها في المجتمع أدخل المشرع اختصاص الفصل فيها للأقطاب الجزائية المتخصصة وذلك من أجل محاربتها ومكافحتها والقضاء عليها والكشف عن مرتكبيها، فكانت المادة: 329 من قانون الإجراءات الجزائية تعقد اختصاص الأقطاب الجزائية للنظر في جرائم الإرهاب، حيث نصت على: ” يجوز تمديد الاختصاص المحلي للمحكمة إلى دائرة اختصاص محاكم أخرى عن طريق التنظيم في جرائم الإرهاب”، ونصت المادة: 40 مكرر من نفس القانون على: ” تُطبق قواعد هذا القانون المتعلقة بالدعوى العمومية والتحقيق والمحاكمة أمام الجهات القضائية التي تم توسيع اختصاصها المحلي طبقا للمواد: 37 و 40 و329 من هذا القانون، مع مراعاة أحكام المواد: من 40 مكرر 1 إلى 40 مكرر 5 “.

        وفي التشريع المقارن نجد مثلا في دولة الأردن تنظر محكمة أمن الدولة الأردنية وفقا للقانون رقم: 17 لسنة: 1959 بالجرائم الواقعة على أمن الدولة الداخلي والخارجي المنصوص عليها في قانون العقوبات رقم: 16 لسنة: 1960، والجرائم الواقعة خلافًا لأحكام المادة: 12 من قانون المفرقعات رقم: 13 لسنة: 1953، والجرائم الواقعة خلافا لأحكام المادة: 11 من قانون الأسلحة النارية والذخائر رقم: 34 لسنة: 1952.

        وفي فرنسا صدر القانون رقم: 86 لسنة: 1986 نص على مجموعة من القواعد الإجرائية التي من شأنها مكافحة جرائم الإرهاب، ونصت الفقرة الثانية من المادة: 706-17 من قانون الإجراءات الجنائية الفرنسي والمضافة بالقانون رقم: 86 لسنة: 1986 على أنه: “فيما يتعلق بالأحداث يمارس وكيل الجمهورية، وقاضي التحقيق، وقاضي الأحداث، ومحكمة جنايات الأحداث في باريس اختصاصًًا مشتركًا مع ذلك الناتج من تطبيق نصوص الأمر رقم: 45-147 والصادر في: 2 فيفري 1945 والخاص بالأحداث المنحرفين”.

        أما المشرع الإسباني فقد نص في المادة: 11 من قانون مكافحة الإرهاب 9 لسنة: 1984 على أن الاختصاص بالتحقيق والحكم في قضايا الإرهاب يعود إلى قضاء التحقيق المركزي ومحكمة وحيدة هي المحكمة الوطنية أو القومية ومقرها مدريد العاصمة.

    ال (غسل الأموال):

        لقد عنيت الاتفاقيات الدولية، بتشييد بنيان قانوني توجيهي لجريمة غسل الأموال، وقد كانت اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الاتجار غير مشروع للمواد المخدرة والمعروفة باتفاقية فيينا عام: 1988 من أولى هذه الاتفاقيات، فقد حثت الدول على الأخذ بما تبنته من بنيان قانوني لجريمة غسل الأموال، وذلك في إطار قوانينها العقابية والجزائية، حيث شكل ذلك صيغة تشريعية مبتكرة كانت الأولى من نوعها في مجال مكافحة غسل الأموال، وأضافت حلقة جديدة إلى الحلقات العديدة والمتتالية التي سعت الوثائق الدول الأساسية، ومن بعدها المشرع الوطني إلى إحكام الرقابة على جرائم غسل الأموال الناتجة عن الاتجار غير مشروع بالمخدرات، وغيرها من الجرائم التي بينتها الاتفاقيات والوثائق الدولية فيما بعد، وحرمان مرتكبيها من الأفراد وجماعات الجريمة المنظمة من متحصلات أنشطتهم الإجرامية، ووأد الحافز الرئيسي لاستمرارهم في هذه الأنشطة.

            و تعتبر اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الاتجار غير المشروع بالمخدرات المبرمة في فيينا عام:1988 أولى الوثائق الدولية التي نبهت إلى خطورة غسل الأموال ().

        و تعتبر جريمة تبيض الأموال من أخطر الجرائم التي ظهرت في عصرنا الحالي هذه الظاهرة التي بدأت تنمو تدريجيا، ومع تطور عصابات الجريمة المنظمة التي تتخذ من تجارة المخدرات و الفساد و الجرائم الالكترونية و الإرهاب حرفة لها ().

        وقد استجاب المشرع الجنائي في أغلب الدول لما دعت إليه اتفاقية فيينا وغيرها من الاتفاقيات الدولية، وما نادت به التوصيات الأربعون لمجموعة العمل المالي الدولي من إنشاء هيكل قانوني مستقل لجريمة غسل الأموال تتميز به عن غيرها من الجرائم الأصلية التي تكون عوائدها محلا لجريمة غسل الأموال، وأصبح البنيان القانوني الذي طرحته اتفاقية فيينا لجريمة غسل الأموال، بما يشتمل عليه من أحكام تجريمية وجزائية هو (النموذج) الذي أنتجته العديد من التشريعات العقابية الحديثة، والتي تنتمي إلى مختلف النظم القانونية المعاصرة، ونسجت عليه أسس ومبادئ جريمة غسل الأموال.

        وتعتبر جريمة غسل الأموال جريمة تبعية Offence Conequent ذات أركان مستقلة، يقتضى اكتمال بنيانها القانوني وقوع جريمة أخري سابقة عليها من الناحية الزمنية، والجريمة الأصلية أو الجريمة الأولية التي تحصلت منها الأموال غير المشروعة، والتي باتت محلا لجريمة غسل الأموال، أو بعبارة أخرى تلك التي تجرى عليها عملية غسل الأموال بمراحلها المختلفة().

        وهذه الجريمة تعد شرطا أساسيًا لقيام جريمة غسل الأموال، ويطلق عليها الشرط المفترض لقيام جريمة غسل الأموال، وهو الأمر الذي لا يمكن معه تصور جريمة غسل الأموال بدون توافر هذه الجريمة، ولقد اهتمت الوثائق الدولية الأساسية بهذه الجريمة ومنها اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الاتجار غير القانوني للمخدرات، حيث كانت الجريمة الأصلية محل اهتمام كافة تشريعات دول العالم الصادرة في شأن مكافحة غسل الأموال، بل يمكن القول بأن الجريمة الأصلية هي حجر الزاوية في كافة التشريعات المعنية بمكافحة غسل الأموال باعتبار أن مكافحة غسل الأموال المتحصلة من هذه الجرائم هي في حدّ ذاتها مكافحة لتلك الجرائم.

        و يمكن تعريف جريمة غسل الأموال بأنها: ضم الأموال الناتجة عن الاتجار غير المشروع و بصفة خاصة عن المخدرات و تجارة السلاح إلى أموال أخرى نظيفة مستخدمة في استثمارات مشروعة ().

    كذلك تعرف على انها كل عمل يهدف إلى إخفاء طبيعة أو مصدر الأموال الناتجة عن النشاطات الجرمية().

    أولاً: منهج الوثائق الدولية في تحديد الجريمة الأصلية

    لقد اتفقت الوثائق الدولية ذات الصلة بمكافحة غسل الأموال في نظرتها بصدد خطورة الأموال الصادرة عن المشروع أو المصدر الإجرامي، وفي ضرورة اتخاذ أكثر الإجراءات فعالية لتعقب هذه الأموال، وضبطها، وتجميدها أو التحفظ عليها وصولا في نهاية المطاف إلى مصادراتها، إلا أن هذه الوثائق ذاتها قد تفرقت في المنهج الذي اتبعته لتحديد نطاق”الجريمة الأصلية الناتجة عنها الأموال محل التأثير” وجاء اختلافها هذا في اتجاهات أربعة، وسوف نتناول فيما يلي هذه الاتجاهات تفصيلا، ثم نختتم ذلك بمنهج التوصيات الأربعين الصادرة عن مجموعات العمل المالي الدولي في تحديد الجريمة الأصلية، وذلك على النحو التالى:

    1- الاتجاه الأول: تجريم غسل الأموال المتحصلة من جريمة الاتجار غير المشروع بالمخدرات:

    وهو الاتجاه الذي أخذت به كل من اتفاقية فيينا، وبرنامج العمل المالمي الدولي، والإعلان السياسي والقرار الثالث اللذين اعتمدتها الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 1998 م.

    وجدير بالإشارة أن اتفاقية فيينا قد اقتصرت في تجريمها لغسل الأموال على الأموال المستمدة من جرائم الاتجار غير المشروع بالمخدرات دون سواها، وذلك لكون هذه الاتفاقية معنية بهذه الجرائم فقط، وقد فضل واضعوها أن يكون تجريم غسل الأموال المتحصلة من الجرائم الأخرى محلا لاهتمام اتفاقيات أخرى، أو اتفاقيات دولية ذات نطاق أشمل وأوسع، تعنى بتناول أنشطة غسل الأموال المتحصلة من الجريمة بوجه عام، أو أنشطة الجريمة المنظمة بوجه خاص.

    ولقد كانت اتفاقية فيينا واضحة الدلالة في تضييق نطاق الجريمة الأصلية مصدر العائدات غير المشروعة من المخدرات، والتي عينتها على سبيل الحصر، وهي تلك المنصوص عليها تحديدا في الفقرة الفرعية (أ) من المادة الثالثة من الاتفاقية، أو من أي فعل من أفعال الاشتراك في الجرائم. ومن ثم وفي ضوء هذا التحديد يخرج من نطاق التجريم والعقاب وفقا لمنظور اتفاقية فيينا أفعال غسل الأموال المتحصلة من أي نشاط إجرامي آخر، وهو ما أخذه البعض على هذه الاتفاقية في عدم جعلها موجهة لمكافحة غسل الأموال على المستوى الدولي.

    2- الاتجاه الثاني: تجريم غسل الأموال المتحصلة من كل جريمة بوجه عام:

    وهو الاتجاه الذي يطلق عليه الاتجاه المطلق في مكافحة غسل الأموال، والذي أخذت به اتفاقية ستراسبورغ، إذ عمدت إلى توسيع نطاق الجريمة الأصلية، بحيث يضم كافة صور وأشكال الجريمة، أيا كانت طبيعتها، وهو ما يعبر عنه عنوان الاتفاقية، وديباجتها، والأحكام التي اشتملت عليها موادها المختلفة، والتي تشير في مجموعها إلى أن هذه الاتفاقية معنية بتعقب وضبط ومصادرة العائدات المتحصلة من الجريمة بوجه عام، أو المتحصلة من “الجرائم الجنائية” على وجه أكثر تحديدا().

    ولقد أفصحت اتفاقية ستراسبورغ في المادة الأولى عن هذا الاتجاه بوضوح، عندما عرفت الجريمة الأصلية بأنها تعني “أية جريمة جنائية تنتج عنها عائدات قد تصبح محلا لإحدى الجرائم المنصوص عليها في المادة السادسة من هذه الاتفاقية”.

    3- الاتجاه الثالث: الاتجاه المختلط، تجريم غسل الأموال المتحصلة من جريمة الاتجار غير المشروع في المخدرات وكذلك الناتجة من الجرائم الأخرى:

    وقد أخذ بهذا الاتجاه كل من التوصيات الأربعين والتشريع النموذجي اللّذين نعرض لهما فيما يلي:

  • منهج التوصيات الأربعين في تحديد الجريمة الأصلية:

    أصدرت مجموعة العمل المالي الدولي في عام: 2003 تعديلا للتوصيات الأربعين الصادرة عنها خلال عام: 1996، وقد انتهجت هذه التوصيات منهجا جديدا في شأن تحديد الجريمة الأصلية، حيث نصت في التوصية الأولى منها، والتي جاءت تحت عنوان تجريم غسل الأموال على أنه: “على كل دولة أن تجرم غسل الأموال طبقا لاتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة أنشطة المخدرات (اتفاقية فيينا 1988 )، واتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الجريمة المنظمة ( اتفاقية باليرمو2000 )، وخاصة عمليات غسل الأموال المتحصلة من الجرائم المنصوص عليها صراحة وهي:

    -الجريمة المنظمة وابتزاز الأموال، الإرهاب وتمويله، الاتجار في البشر وتهريب المهاجرين، الاستغلال الجنسي، الاتجار في المخدرات والمؤثرات العقلية، تجارة الأسلحة، الاتجار غير مشروع في السلع المسروقة، الفساد والرشوة، النصب، تزييف العملة، قرصنة المنتجات وتزييفها، جرائم البيئة، القتل والتشويه الجسدي، الاختطاف والتقييد واحتجاز الرهائن، السرقة أو النهب، التهريب، الابتزاز، التزوير، القرصنة، المتاجرة الداخلية والتلاعب بالأسواق”.

  • منهج التشريع النموذجي في تحديد الجريمة الأصلية:

    أخذ هذا التشريع الصادر من الأمم المتحدة عام: 1990 م في مادته الأولى ببدائل ثلاث في تحديد الجرائم الأصلية التي تتحصل منها الأموال موضوع جريمة غسل الأموال التي تكون محلا للضبط والمصادرة.

  • البديل الأول: أن تكون هذه الأموال متأتية من جرائم الاتجار غير مشروع بالمخدرات أو المؤثرات العقلية أو السلائف أو المواد والمعدات، أو غيرها من الأدوات التي تستخدم، أو يقصد استخدامها في الإنتاج غير المشروع للمخدرات أو المؤثرات العقلية.
  • البديل الثاني: أن تكون هذه الأموال قد تحصلت من بعض الجرائم المنصوص عليها في قانون مكافحة المخدرات.
  • البديل الثالث: أن تكون هذه الأموال قد تحصلت من بعض الجرائم المنصوص عليها في قانون العقوبات.

    ثم أخذ التشريع النموذجي الصادر عن الأمم المتحدة بالتعاون مع صندوق النقد الدولي في: 1 ديسمبر 2005 بالمنهج المطلق في تحديد الجرائم الأصلية، حيث نص في المادة الخامسة فقرة 3-1: “…. في أن هذه الممتلكات متحصلة من جريمة…. إلخ”.

    4- الاتجاه الرابع: منهج قائمة الجرائم الأصلية:

    أخذت بعض تشريعات مكافحة غسل الأموال في شأن تحديد الجرائم الأصلية بمنهج وضع قائمة للجرائم التي تعد محصلاتها محلا لجريمة غسل الأموال، وهو ما يطلق عليه قائمة الجرائم الأصلية.

        ويأتي في مقدمة تلك التشريعات التي انتهجت هذا المنهج التشريع الأمريكي لسنة 2001، حيث وضع هذا القانون وفقا لنص المادة: 314 /أ، منه قائمة بالجرائم الأصلية التي تعد الأموال المتحصلة منها محلا لجريمة غسل الأموال، وكذلك تبنى القانون المصري رقم: 80 لسنة 2002 بشأن مكافحة غسل الأموال ذات المنهج، حيث عددت المادة الثانية منه قائمة الجرائم الأصلية لجريمة غسل الأموال، وسار على ذات المنهج كل من القانون السوري رقم: (33 ) لسنة:2005 لمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، حيث أوردت المادة الأولى ملحق لقائمة الجرائم الأصلية لجريمة غسل الأموال.

        والقانون القطري لمكافحة غسل الأموال رقم: 28 لسنة 2002م والمعدل بالقانون رقم 21 لسنة: 2003 ، حيث عدد على سبيل الحصر في المادة الثانية الجرائم الأصلية لجريمة غسل الأموال، وقد أشارت منهجية تقييم الالتزام بالتوصيات الأربعين، والتوصيات التسعة الصادرة عن مجموعة العمل المالي، والمعتمدة في الاجتماع الكامل المنعقد في باريس فبراير 2005 إلى حق الدول في تبني منهجية الجرائم الأصلية لجريمة غسل الأموال، واعتبرتها من بين الخيارات التي يمكن للدول أن تتخذها في تحديد الجرائم الأصلية لجريمة غسل الأموال.

    ثانيًا: منهج التشريعات المقارنة في تحديد الجرائم الأصلية

        يتبين لنا من تحليل التشريعات المقارنة الأجنبية والعربية لمكافحة غسل الأموال واختلافها من حيث المعيار أو الضابط الذي تستند عليه في اختيار الجريمة الأصلية لجريمة غسل الأموال المتحصلة منها، ورغم هذا الاختلاف فإن هناك بعض الجرائم تمثل القاسم المشترك بين هذه التشريعات، ومرد ذلك بالدرجة الأولى إلى الاتفاقيات الدولية أو الإقليمية التي تكون الدولة المعنية بالتشريع طرفا فيها، الأمر الذي سيتتبع الالتزام بأحكامها.

        ويتضح من دراسة هذه التشريعات وبخاصة تلك التي تتبنى المنهج الحصري، أو منهج قائمة الجرائم الأصلية أنها تأخذ بمعيارين أساسيين حال تحديدها للجرائم الأصلية لجريمة غسل الأموال، هما: معيار ضخامة العائد المادي الناتج عن هذه الجرائم، والمعيار الذي يتعلق بجسامة هذه الجريمة، وذلك على النحو التالي:

    1- معيار العائد المادي أو الثراء:

        يقصد به الجرائم التي يتم ارتكابها بقصد الحصول على المال، أو الثراء ، أو الربح، وهي مصطلحات مترادفة تشير إلى أن الباعث على ارتكاب الجرائم أي الهدف من هذه الجرائم هو تحقيق هذا الغرض، وغالبية جرائم الاعتداء على الأموال ينسجم عليها هذا المعيار سواء تضمنها القسم الخاص من قانون العقوبات أو في قوانين العقوبات المكملة أو الخاصة.

    2- معيار جسامة الجريمة:

        لا جدال في أن ضبط معيار الجسامة يتطلب الاستعانة بعدد من الضوابط التي توضح هذا المعيار، ولعلّ أهمها النظر إلى العقوبة التي قررها المشرع سواء في صورتها العادية أو المشددة، وهو المعيار الذي استعان به المشرع الأمريكي عند تحديده للجرائم الأصلية، والتي جرم غسل الأموال الناجمة عنها.

    كما يمكن الاستعانة بالسلوك العمدي للجاني، أي تعمده ارتكاب الجريمة بحيث يكشف عن خطورة الجاني، كما يمكن الاستعانة بالوسيلة أو الوسائل أو الكيفية التي ترتكب بها الجريمة وتكشف أيضا عن هذه الخطورة، وأخيرا قد يتعلق ضابط الجسامة بالنتيجة التي تترتب على الجريمة، واتساع نطاق الضرر المترتب عليها كما في جرائم الخيانة والتجسس والإرهاب.

    ثالثًا: منهج التشريعات الأجنبية في تحديد الجرائم الأصلية لجريمة غسل الأموال:

        سوف نقوم بدراسة مقارنة لبعض التشريعات و دورها في تحديد الجرائم الأصلية لجريمة تبيض الأموال.

    1- منهج المشرع الفرنسي في تحديد الجرائم الأصلية:

        أخذ قانون العقوبات الفرنسي الجديد الصادر في عام: 1994 بالاتجاهين العام والخاص في تحديده لنطاق الجريمة الأصلية حيث جرم مختلف صور غسل الأموال المتحصلة عن الجنايات أو الجنح، أيا كانت طبيعتها (م324/1 ،م324/2 )، وبينما حرص – في الوقت ذاته- على تقرير صور خاصة من هذه الجريمة، وهي جريمة غسل الأموال المتحصلة من الجرائم المخدرات على وجه التحديد (م222 / 38 )().

  • الاتجاه الأول: تجريم غسل الأول المتحصلة من جناية أو جنحة، بصفة عامة( الاتجاه العام):

        لقد عمد المشرع الفرنسي إلى تعريف جريمة غسل الأموال للمرة الأولى، بقوله: “غسل الأموال هو تسهيل التبرير الكاذب، بأية طريقة كانت، لمصدر أموال أو دخول فاعل جناية أو جنحة تحصل منها على فائدة مباشرة، ويعتبر من قبيل غسل الأموال أيضا المساعدة في عمليات إيداع أو إخفاء أو تحويل العائد المباشر أو غير المباشر لجناية أو جنحة”.

    وبذلك يكون المشرع الفرنسي قد جرم وعاقب مختلف صور الأموال المتحصلة من الجنحة.

  • تسهيل التبرير الكاذب لمصدر الأموال أو الدخل المتحصل من جناية أو جنحة.
  • تقديم المساعدة في عمليات إيداع أو إخفاء أو تحويل هذه المتحصلات، سواء كانت تلك المتحصلات مباشرة أو غير مباشرة.
  • الاتجاه الثاني: تجريم وعقاب غسل الأموال المتحصلة من جرائم المخدرات ( الاتجاه الخاص):
  • رغم عمومية النص التجريمي السابق ( م324/2 ،م 324/2 )، فقد قام المشرع الفرنسي بإفراد نص خاص في قانون العقوبات الجديد لتجريم وعقاب غسل الأموال المتحصلة من جرائم الاتجار بالمخدرات تحديدا (م222 / 2 )، في إشارة واضحة من جانبه إلى الاهتمام الذي يوليه لمكافحة هذه الجرائم على وجه الخصوص.
  • كما نصت المادة (415 ) من قانون الجمارك الفرنسي، والمعدلة بالقانون رقم: 392/969 الصادر في 13 مايو 1996 ، على أنه: ” يعاقب بالحبس من سنتين إلى عشر سنوات، ومصادرة المبالغ محل الجريمة أو ما يعادلها عندما لا يكون ضبطها، والغرامة التي يتراوح مقدارها بينما يعادل قيمة الأموال التي أنصبّت عليها الجريمة، سواء وقعت هذه الجريمة في صورتها التامة أو وقعت عند حدّ الشروع، وبين خمسة أضعاف هذا المبلغ كل من يقوم بطريق الاستيراد أو التصدير أو المقاصة بإجراء، أو يشرع في إجراء عملية مالية بين فرنسا والخارج تنصب على أموال، وهو يعلم أنها متحصلة بصورة مباشرة أو غير مباشرة من إحدى الجرائم المنصوص عيها في القانون”.
  • ويتبين من هذا النص أن مجال تطبيقه يتسع ليشمل، وبالإضافة إلى جرائم الاتجار في المخدرات، العقاب على غسل الأموال عن كافة الجرائم الجمركية، مثل تهريب الأسلحة والمتفجرات والمواد الحربية، وغيرها من الأنشطة الإجرامية لجماعات المافيا، والتي تتسم بالطابع الدولي.

    ويلاحظ أن المشرع الفرنسي لم يغير في البنيان القانوني لهذه الصورة الخاصة من جريمة غسل الأموال، بالمقارنة بسابقتها (غسل الأموال المتحصلة من جناية أو جنحة بوجه عام)، وإن كان قد شدّد في عقوبة جريمة غسل الأموال المتحصلة من إحدى جرائم المخدرات إلى السجن عشر سنوات، وغرامة خمسة ملايين فرنك، بينما كانت العقوبة عن جريمة غسل الأموال المتحصلة من جناية أو جنحة في صورتها البسيطة، هي السجن خمس سنوات، وغرامة مالية 375 ألف أورو، وذلك حرصا من المشرع الفرنسي على إضافة المزيد من الردع بنوعية العام والخاص في مجال مكافحة المخدرات.

        ونخلص من الاتجاهين المقدمين إلى أن قانون العقوبات الفرنسي الجديد قد اشتمل على نوعين من التكييف القانوني لجريمة غسل الأموال، أولهما: تكييف عام ( غسل الأموال المتحصلة من جناية أو جنحة)، وثانيها: تكييف خاص( غسل الأموال المتحصلة من إحدى جرائم المخدرات).

    2- منهج المشرع الأمريكي في تحديد الجرائم الأصلية:

        لقد تطلب المشرع الأمريكي في جرائم غسل الأموال أن تكون التعاملات المالية التي يجريها() الجاني قد تحصلت من” نشاط محدد غير مشروع”. وقد حدد المشرع الأمريكي مدلول النشاط غير المشروع بأنه يشمل ” الجنايات” بجميع أنواعها سواء أكان مصدر تجريمها القانوني الاتحادي أم تشريعات الولايات. وبالإضافة إلى الجنايات فقد نص المشرع الأمريكي في المادة (1956 ) في بندها السابع على بيان الجرائم التي تعد ” أنشطة محددة غير مشروعة”، والتي حددها على سبيل الحصر، وهذه الجرائم تنتمي بحسب الأصل إلى الجرائم التي نص عليها قانون استغلال النفوذ والفساد المنظم، كما تتضمن غالبية الجرائم الاتجار في المخدرات التي نص عليها القانون الاتحادي، وتتسع هذه الجرائم لتشمل كذلك التنظيمات الإجرامية المستمرة، والتدليس المالي ضد الدولة مثل قيام الجاني ببيع غير مشروع للأسلحة، وجرائم التدليس المتعلقة بالأسهم المالية، وبعض جرائم العمل وبعض الجرائم المتعلقة بسرية حسابات البنوك.

        إن السبب الذي دفع المشرع الأمريكي إلى تجريم غسل الأموال هو مكافحة الأموال المتحصلة من تجارة المخدرات والجرائم التي لها صلة بتجارة المخدرات. وقد حذر دليل الإدارة العدالة الأمريكية في تعليقه على المادة: 1956 من التوسع أو الابتعاد عما قصده المشرع من تحديد الجرائم المتحصل منها المال موضوع جريمة غسل الأموال، وأنه فيما يتعلق بالجرائم المتصلة بالمخدرات فيجب أن تكون بصدد المخدرات والعقاقير المخدرة الخطيرة التي نص المشرع عليها دون غيرها حتى يمكن أن يتوافر الأساس الذي نصت عليه المادة: 1956 بتجريم غسل الأموال،كما أن تعبير” النشاط المحدد الغير المشروع ” يشمل الأفعال أو الأنشطة التي تشكل الجرائم منفصلة و متميزة عن جريمة غسل الأموال ذاتها.

    3- منهج المشرع الألماني في تحديد الجرائم الأصلية:

        جرّم المشرع الألماني غسل المال المتحصل من جناية أيا كان نوعها، أما إذا كان متحصلا من جنحة فيجب أن تكون هناك من الجنح التي نص عليها المشرع على سبيل الحصر، ويتطلب المشرع الألماني إثبات الجريمة التي نتج عنها المال موضوع جريمة غسل الأموال قبل إثبات توافر جريمة غسل الأموال مثل: جرائم الرشوة والفساد (المادة: 332 الفقرة الأولى والثالثة من قانون العقوبات، والجنح التي نصت عليها المادة: 29 من قانون المواد المخدرة، وبصفة خاصة تصدير واستيراد وحيازة والتعامل في قانون المخدرات، وكذلك الجنح التي نصت عليها المادة: 29 من قانون الرقابة على المواد الأولية، أو التهريب المنظم أو باستعمال القوة على وجه الاعتياد، وكذلك جرائم التهرب من الضرائب المرتكبة على وجه الاعتياد (المادتان: 373، 374 من قانون نظام الضرائب)، غير أن مجرد ارتكاب جريمة التهرب الضريبي لا يكفي لاعتبارها فعلا سابقا على جريمة غسل الأموال، إذ يجب أن تكون هذه الجناية من نوع معين أو أن تتصف بجسامة معنية، فهذه الجسامة قد افترضها المشرع.

    الجنح المحددة على سبيل الحصر سبق أن ذكرنا أن المشرع الألماني يأخذ بالأسلوب الحصري في بيان الجنح التي تعد مصدرا للمال موضوع الجريمة.

    4- منهج المشرع السويسري في تحديد الجرائم الأصلية:

        باستعراض أحكام مكافحة غسل الأموال في القانون السويسري نجد أنه بدا أكثر تسامحا حين قوض من نطاق الجرائم الأصلية التي ينتج عنها جريمة غسل الأموال، وذلك أنه قد اشترط أن يكون المال محل الجريمة متحصلا من جناية، وذلك بالتعريف الوارد لها طبقا للقانون الجنائي السويسري، فلا تقع جريمة غسل الأموال في القانون السويسري إذا كانت الأموال متحصلة من عمل مخالف للقانون فحسب، ولا تقع أيضا إذا كانت متحصلة من عمل إجرامي يعد جنحة في أحكام القانون السويسري، بل يشترط لقيام جريمة غسل الأموال أن تكون الأموال محل الجريمة متحصلة عن عمل مجرم باعتباره جناية في أحكام التشريع السويسري().

    5- منهج المشرع البلجيكي في تحديد الجريمة الأصلية:

        يتمتع التشريع البلجيكي بخصوصية تميزه عن تشريعات غسل الأموال الأوروبية الأخرى، ومرد ذلك كما سبق القول إلى قيام المشرع البلجيكي- وفي بادئ الأمر- بتطوير النصوص الجنائية القائمة بما يسمح بالعقاب على جرائم غسل الأموال دون أن يلجأ إلى استحداث تجريم جديد، وذلك من خلال إدخال تعديل على قانون العقوبات بالقانون الصادر بتاريخ: 17 يوليو سنة 1990 والذي عدل المادة: (505 ) من قانون العقوبات المتعلقة بجريمة إخفاء الأشياء المتحصلة من الجريمة بصفة عامة.

    إلا أن المشرع لاحقا استحدث جريمة غسل الأموال، وقام بتعريفها واتبع أسلوب التقييد، وذلك بتعداد الجرائم التي يشكل غسل متحصلاتها جريمة غسل أموال، وذلك على سبيل الحصر، وذلك بموجب القانون الصادر عام: 1993 .

    ومن الجرائم التي تندرج في إطار الجريمة الأصلية:

    1-الإرهاب 2-الإجرام المنظم 3-الاتجار غير المشروع في المخدرات.

    4-الاتجار غير المشروع في الأسلحة –الأموال –البضائع.

    5-الاتجار المستتر في الأيدي العاملة.

    6-الاتجار في الرقيق الأبيض.

    7-البغاء.

    8-الاستعمال غير المشروع للعقاقير الهرمونية للحيوانات بغرض زيادة وزنها وحجمها.

    9-الاتجار غير المشروع في الأعضاء أو الأنسجة البشرية.

    10-الغش الذي يرتب آثاره الضارة على المصالح المالية للاتحاد الأوروبي.

    11-التهرب الضريبي الجسيم. والمنظم الذي يتم بفعل استخدام الآليات المركبة أو إجراءات ذات بعد دولي.

    12-رشوة الموظفين العموميين.

    13-جرائم البورصة والدعوة إلى الإدخال بصورة غير مشروعة.

    14-جرائم النصب المالي.

    15-احتجاز الرهائن.

    16-السرقة أو الغصب بطريق العنف أو التهديد.

    17-الإفلاس بطريق الغش.

        وفي عام: 1990 قام المشرع البلجيكي بتوسيع نطاق جريمة غسل الأموال لتصبح جريمة عامة، تبنى المذهب المطلق في تحديد الجريمة الأصلية حيث ساوى في الأموال محل جريمة غسل الأموال بين أن تكون هذه الأموال متحصلة من جناية، أو جنحة، يستوي أن تكون هذه الجريمة منصوصا عليها في قانون العقوبات أوفي إحدى التشريعات الجنائية الخاصة.

    6- منهج تشريع لكسمبورغ في تحديد الجرائم:

        أدخلت لكسمبورغ في البداية جريمة غسل الأموال في مجال متحصلات تجارة المخدرات، وذلك بالقانون الصادر في: 7 يوليو سنة 1989 ،ولكن المشرع هنا وسع من نطاق هذه الجريمة بمقتضى القانون الصادر في: 11 أوت سنة 1998 الذي أدخل إلى قانون العقوبات جريمة عامة لغسل الأموال الناتجة عن الجنايات التي ترتكب بواسطة، أو لها علاقة بجماعة مشكلة بغرض الاعتداء على الأشخاص أو الممتلكات.

    7- منهج المشرع الإسباني في تحديد الجرائم الأصلية:

        إن المشرع الإسباني كان يحصر نطاق جريمة غسل الأموال في متحصلات جرائم الإرهاب، والاتجار في المخدرات، والجريمة المنظمة، بالقانون الصادر في ديسمبر سنة: 1993 .ولكن قانون العقوبات الإسباني الجديد(الصادر سنة: 1990 ، والذي عمل به منذ: 25 يوليو سنة 1996 ) أنشأ جريمة عامة لغسل الأموال تطبق على عائدات أية جريمة جسيمة (أو خطيرة ). ويقصد بالجريمة الجسيمة في هذا الصدد أية جريمة يعاقب عليها بالحبس لمدة تزيد على ثلاث سنوات.

    8- منهج المشرع اليوناني في تحديد الجرائم الأصلية:

        إن المشرع اليوناني نص في هذا القانون على قائمة الجرائم الأصلية التي ينحصر فيها نطاق العقاب على غسل الأموال، ومن أهمها جرائم تهريب الأسلحة، والاتجار في المخدرات، وتهريب الآثار()، والسرقات المشددة، والتهريب، وخطف الأشخاص، واغتصاب الأموال، والنصب، والاتجار في الأعضاء البشرية، وتهريب السلع، وجرائم الدعارة، والجرائم المتعلقة بالمواد النووية.

    9- منهج القانون الايطالي في تحديد الجرائم الأصلية:

        أدخلت جريمة غسل الأموال إلى التشريع الايطالي بمقتضى القانون الصادر في: 21 مارس سنة 1978 الذي استحدث المادة: 64 مكرر من قانون العقوبات. وكان مجال هذه الجريمة- في البداية – يقتصر على العقاب على غسل الأموال الناتجة عن عدد محدود من الجرائم، وهي السرقة مع حمل السلاح، والنهب وخطف الأشخاص، ثم أضيفت جرائم المخدرات إلى جانب الجرائم السابقة بقانون 19 مارس سنة 1990 كما أدخل هذا القانون بالمادة: 648-1 من قانون العقوبات الإيطالي جريمة جديدة وهي “توظيف النقود أو الأموال المتحصلة من الجرائم المذكورة”.

        ولكن التعديل الأساسي في خطة المشرع الإيطالي بشأن تجريم غسل الأموال صدر بقانون 9 أوت سنة 1993، والذي قرر، بصفة عامة، امتداد نطاق هذا التجريم إلى غسل الأموال المتحصلة من الجريمة أيا كانت، باستثناء الجرائم غير العمدية إذ تقضي المادة: 648 مكرر من قانون العقوبات الايطالي بــأنه:” في غير حالة المساهمة في الجريمة، يعاقب بالحبس من أربع إلى اثنتي عشرة سنة والغرامة التي تتراوح بين مليونين وثلاثين مليون ليرة من قام بتحويل أو نقل نقود أو أموال أو أية فوائد أخرى متحصلة من جريمة عمدية، أو أجري عملية من شأنها منع التحقق من الطبيعة الإجرامية لهذه الأموال”. وتشدد العقوبة إذا ارتكب الجريمة أثناء ممارسة النشاط المهني. ومن ناحية أخري تعاقب المادة: 648-1 من هذا القانون بنفس العقوبات السابقة البسيطة والمشددة على توظيف الأموال الناتجة عن الجريمة في الأنشطة الاقتصادية أو المالية.

    10- منهج المشرع الجزائري في تعريف جريمة تبيض الأموال:

        لقد عرف المشرع الجزائري جريمة تبيض الأموال في المادة: 389 مكرر من قانون العقوبات على النحو التالي(): “يعتبر تبيضا للأموال:

  1. تحويل الممتلكات أو نقلها مع علم الفاعل بأنها عائدات إجرامية بغرض إخفاء أو تمويه المصدر غير المشروع لتلك الممتلكات أو مساعدة أي شخص متورط في ارتكاب الجريمة الأصلية() التي تأتت منها هذه الممتلكات، على الإفلات من الآثار القانونية لفعلته.
  2. إخفاء أو تمويه الطبيعة الحقيقية للممتلكات أو مصدرها أو مكانها أو كيفية التصرف فيها أو حركتها
  3. اكتساب الممتلكات أو حيازتها أو استخدامها مع علم الشخص القائم بذلك وقت تلقيها أنها تشكل عائدات إجرامية.
  4. المشاركة في ارتكاب أي من الجرائم المقررة وفقا لهذه المادة، أو التواطؤ أو التآمر على ارتكابها و محاولة ارتكابها و المساعدة و التحريض على ذلك و تسهيله و إسداء المشورة بشأنه.

        و تجدر الإشارة أن التعريف المذكور أعلاه هو نفسه الذي تبناه المشرع الجزائري في قانون المتعلق بالوقاية من تبيض الأموال و تمويل الإرهاب و مكافحتهما().

        وعن اختصاص الأقطاب الجزائية بالنظر في جرائم تبييض الأموال فقد نصت المادة: 329 من قانون الإجراءات الجزائية على ما يلي: “…يجوز تمديد الاختصاص المحلي للمحكمة إلى دائرة اختصاص محاكم أخرى عن طريق التنظيم، في جرائم تبييض الأموال …”.

        وفي التشريع المقارن نصت المادة: 90 من القانون التونسي عدد 75 لسنة: 2003 المؤرخ في: 10 ديسمبر 2003 المتعلق بدعم المجهود الدولي لمكافحة الإرهاب ومنع غسل الأموال على ما يلي: ” تختص المحكمة الابتدائية بتونس بالتتبع والتحقيق والحكم في جرائم غسل الأموال وتُجرى بشأنها الأحكام المًقررة في الغرض بمقتضى هذا القانون للجرائم الإرهابية”.

    كما نص المشرع الفرنسي في المادة: 706-73-14 من قانون الإجراءات الجزائية على مــا يلي:

    « La procédure applicable à l’enquête ; la poursuite ; l’instruction et le jugement des crimes et des délits suivants est celle prévue par le présent code ; sous réserve des dispositions du présent titre : – délit de blanchiment prévue par les articles : 324-1 et 324-2 du code Pénal ….)( »

    الخاتمة:

    إن التطور الذي طرأ على السياسة الجنائية الحديثة عاد بالفائدة على المتهم و ذلك بفضل تخصص القاضي الجنائي ، و منه كان التخصص ضمانة مهمة للمتهم في ظل متطلبات السياسة الجنائية المعاصرة ، بشأن ضرورة الاهتمام بشخص المتهم سعيا لتحديد مسؤولياته عن الجريمة هذا من جهة، و من جهة أخرى الاهتمام بطبيعة الجريمة الخطيرة سعيا للقضاء عليها ، و في هذا السياق يقول الأستاذ حسين جميل: ” من المـُهم في ضمانات حقوق المتهم توفير محاكمة عادلة و من أهم عناصر هذه المحاكمة محكمة متخصصة و محايدة و مستقلة و علنية ، وافتراض البراءة للمتهم”().

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

التخطي إلى شريط الأدوات