الاعتداء المادي على الملكية العقارية بين الثابت و المستحدث في العمل القضائي المغربي

 

 

اعداد : ذ.بحسيس مصطفى 

باحث بسلك ماستر القانون المدني المعمق

كلية الحقوق-جامعة ابن زهر  (اكادير)

 

 

مقدمة:
   أولت مختلف النظم و التشريعات الوضعية أهمية محورية لحق الملكية بوجه عام،وفي هذا الصدد أقر الدستور المغربي حماية خاصة للملكية العقارية، و اشترط عدم المساس بها إلا وفق الشكليات المنصوص عليها قانونا وفي حدود ما تتطلبه التنمية الاجتماعية والاقتصادية  .
  وقد وجد المشرع المغربي للتخفيف من حدة هذه الحماية،آلية نزع العقارات من أصحابها استنادا إلى النصوص القانونية الواردة في القانون رقم 7.81 المتعلق بنزع الملكية من أجل المنفعة العامة و الاحتلال المؤقت ، و التي تتضمن الإجراءات المسطرية المتتابعة الممكّنة للإدارة من نزع الملكية العقارية بعد استيفائها دون خرق.
  وإذا كان من المطلوب بل من الواجب على الإدارة و الهيئات المعتبرة في حكمها أن تلتزم صحيح القانون في كافة تصرفاتها و منها تلك المتعلقة بنزع الملكية، فإنها وفي أحوال كثيرة تعمد إلى و ضع يدها على ملكية الأفراد خلافا لمقتضيات القانون و دون اتباع المساطر الإجرائية الجاري بها العمل، الشيء الذي يجعل تصرفها و الحالة هذه مؤسسا لواقعة الاعتداء المادي، وينشأ تبعا لذلك الحق لصاحب المصلحة لمراجعة القضاء من أجل المطالبة برفعه .
  ولئن كان القضاء العادي هو صاحب الولاية  في الفصل في كل النزاعات التي تطرح تحت نظره بصرف النظر عن طبيعتها إلا أن تشعب القضايا وتعقيدها  جعل اختصاص النظر في الاعتداء المنسوب للإدارة من نصيب القضاء الاداري، هذا الاخير الذي يقف في كثير من قراراته سداَ منيعا ضد الاعتداءات المنسوبة للادارة . 
  غير أن ما يسترعي الانتباه في هذا المقام أن بعضا من القرارات القضائية في قضايا الاعتداء المادي سرعان ما خالفت التوجه المتواتر لما أقرت ضرورة التلازم بين التعويض عن الاعتداء المادي و ضرورة نقل ملكية العقار للجهة التي دفعت التعويض ، الشيء الذي يطرح التساؤل حول طبيعة المنحى الذي يجب أن يأخده تصور القضاء لفعل الاعتداء المادي؟
  ولإجابة عن هذا التساؤل يجذر بنا معالجة هذه الدراسة في محورين وفق التقسيم التالي:
المطلب الاول : الحكم برفع الاعتداء المادي على الملكية العقارية.
المطلب الثاني : الحكم بالتعويض عن الاعتداء المادي مقابل نقل الملكية العقارية.


المطلب الأول : الحكم برفع الاعتداء المادي على الملكية العقارية.
يمتلك القضاء الإداري في سبيل رفع الاعتداء غير المشروع للإدارة على ملكية الغير سبلا شتى منها الأمر بإيقاف الأشغال التي تباشرها بدون سند من القانون،وطردها من العقار المحتل(الفقرة الأولى)و كذا تغريمها بآلية الغرامة التهديدية حالة عدم انصياعها لتنفيذ الأحكام الصادرة في هذا الشأن (الفقرة الثانية).
 الفقرة الأولى : إيقاف التعدي و طرد المحتل بدون سند
يكتسي فعل الاعتداء المادي على ملكية الغير صبغة استعجالية، تبرر صلاحية القضاء ألاستعجالي الإداري للتصدي له ، مادام أن هذا الفعل ما يزال في بدايته،ولم يصل بعد إلى الحالة التي يستعصي فيها رده .
ويستوي أن يكون فعل الاعتداء المادي مجسدا من الناحية الواقعية كما لو باشرت الإدارة الأشغال الممهدة لإنشاء البنايات أو أعمال الحفر…،أو غير مجسد كما لو أنها تهيئ الظروف للاستيلاء على أملاك الغير دون سند في القانون، ففي كلتا الحالتين يسوغ لمالك العقار و خاصة لما يكون محفظا مرا جعة القضاء الاستعجالي الإداري للمطالبة بإيقاف هذا التعدي بمختلف صوره .
ولقد دأب القضاء الإداري المغربي على تأييد هذا النظر،وفي هذا الصدد قضت محكمة الاستئناف الإدارية بالرباط بعدم مشروعية الأشغال المنسوبة للإدارة بصرف النظر عن نسبة تقدمها وعللت قضاءها بالقول:
"لكن حيث إنه من جهة فنسبة الأشغال المنجزة لا تضفي الشرعية على عمل المستأنفة غير المستند إلى القانون ، إذا أن مواصلة الأشغال بدون سند يشكل استمرارا في الاعتداء المادي الذي يستدعي تدخل قاضي المستعجلات لوضع حد له.
…..
وحيث أنه من جهة ثالثة فإن صرف نفقات عمومية في بناء مشروع على أرض لا تملكه الإدارة ليس من شأنها إضفاء المشروعية على هذا التصرف الخارج عن نطاق القانون فضلا عن أن تبرير هذه النفقات لا تقع مسؤوليته على صاحب العقار وإنما تتحمل تبعاته الإدارة التي وضعت يدها على أرض الغير بدون سند قانوني يبرره" .
ولا تلتزم سلطة القضاء إيقاف الأشغال فحسب بل له أن يأمر بطرد الإدارة متى تأكد لديه تخلف السند الشرعي الذي تدعيه ، وفي هذا السياق قضت محكمة الاستئناف الإدارية بالرباط بإلغاء الأمر الاستعجالي الذي قضى بعدم قبول طلب طرد وزارة التربية الوطنية من العقار المحتل والحكم تصديا بطردها.ومما جاء في قرارها ما يلي:
"وحيث إن العمل القضائي عندما استقر في بعض الأحيان  على عدم إمكانية رفع الاعتداء المادي الذي تمارسه الإدارة على أملاك الغير أو إيقاف الأشغال التي يجسدها ذلك الاعتداء،إنما كان ذلك على وجه الاستثناء المبرر بضرورة حماية المال العام الذي يقف حائلا دون إفراغ الإدارة المعتدية وإرجاع الحالة إلى ما كانت عليه بعد أن أصبح المرفق العمومي قائما ويسدي خدماته للمواطنين،وبالتالي فإنه متى انتفت العلة في الاستثناء المذكور يتعين الرجوع إلى أصل القاعدة وهو حق صاحب الملك في الحصول على أمر قضائي بطرد الإدارة المعتدية مادام أن دخولها إلى عقاره لم يرتكز على سند قانوني" .
ويتضح من خلال هذا القرار أن الأصل في الاعتداء المادي أن يحصل صاحب المصلحة مالك العقار على السند القضائي الذي يمكنه من طرد الإدارة من عقاره الذي طاله التعدي، غير أنه من الأهمية بمكان الإشارة إلى أن ميقات مطالبة القضاء للقول بعدم مشروعية الاعتداء والأمر برفعه ذات أهمية قصوى في بلوغ النتيجة الايجابية بمعنى أن وضع الإدارة يدها على العقار وتشييدها فيه مرافق عمومية يجعل حق صاحب المصلحة في التعويض أكثر ترجيحا منه في الافراغ.  
الفقرة الثانية :  فرض الغرامة التهديدية.
غني عن البيان أن فكرة إرجاع الحالة إلى ما كانت عليه في مجال الاعتداء المادي يقتضي أن تمتتل الإدارة إلى الأمر الصادر من القضاء القاضي بإفراغها من العقار المعتدى عليه ،غير أن هذه الصورة لا تتحقق في بعض الأحوال، لذلك يعمد القضاء إلى مكنة الغرامة التهديدية بعد أن يتحقق من فعل امتناع الإدارة عن التنفيذ لإجبارها عن الانصياع لصريح قراراته.
وفي هذا الصدد قضت محكمة النقض في أحد قراراتها بالغرامة التهديدية ضد الإدارة  و مما جاء فيه أنه :
" حيث يعيب الطالب على القرار المطعون فيه بأنه قضى في مواجهة الدولة بغرامة تهديدية وهو لا يقبل قانونا و اجتهادا بالنظر لملاءمة ذمة الدولة و لخصوصية المسطرة الإدارية     وقواعد المحاسبة العمومية .
لكن حيث أن الغرامة التهديدية لا تصبح واجبة الأداء إلا بعد تصفيتها من طرف المحكمة على ضوء ثبوت الإمتناع غير مبرر عن التنفيذ و لا علاقة لتحديد الغرامة المذكورة بملاءة الإدارة ولا شيء يمنع من الأمر بإقرار تلك الغرامة في مواجهتها فكانت الوسيلة غير جديرة بالإعتبار" .
وجدير بالتنبيه أن الحكم بالغرامة التهديدية في مواجهة الادارة لا يدفع هذه الاخيرة إلى التخلي عن سلوك التعنت غير المبررفي التنفيذ ،الشئ الي يسفر عن تراكم هذه الغرامة بل ويمكن ان تتجاوز أصل الدين مما يجعل مسألة التنفيذ في تعقيد مستمر.
وفي هذا الصدد أخد القضاء الإداري باجتهاد جديد – يستحق كل التنويه- أساسه التدقيق في الجهة المخاطبة بالتنفيذ و الانتقال من مواجهة الادارة إلى مواجهة المسؤول المباشر في التنفيذ،ويمكن التذكير بالمسوغات المنطقية التي ساقها القضاء المستعجل لمحكمة الرباط الادارية لمعالجة هذه المسألة إذ جاء في أحد أوامره ما يلي :
"…
وحيث من جهة، فقد نص الفصل 448 المشار إليه على أن تحديد غرامة تهديدية للإجبار على تنفيذ الأحكام النهائية القاضية بالقيام بعمل أو الامتناع عن عمل،يكون في مواجهة الممتنع عن التنفيذ، الذي أسماه النص "المنفذ عليه" وليس "المحكوم عليه"،وهي عبارة يتجاوز معناها شخص هذا الأخير لتتسع لكل من يقوم مقامه في التنفيذ، ويندرج ضمن هذا المفهوم بالطبع،ممثل الشخص المعنوي العام المحكوم عليه،شرط أن يكون إمتناعه عن التنفيذ غير مبرر حسبما يستشف من عبارة"إذا رفض المنفذ عليه"التي وردت في هذا المقتضى القانوني،كما أن الاختصاص في تحديد الغرامة التهديدية يبقى منعقدا أيضا في هذه الحالة لرئيس المحكمة الإدارية طالما أنه هو المشرف على التنفيذ.
وحيث من جهة أخرى،فإن ما أضحى يزكي هذا التفسير هو اتجاه المشرع بوضوح من خلال ظهير 17 مارس2011 بشأن إحداث مؤسسة وسيط المملكة،نحو شخصنة امتناع الإدارة غير المبرر عبر مسؤوليها عن تنفيذ الأحكام القضائية الصادرة في مواجهتها،حيث نص في الفصل32 منه على عدة إجراءات وجزاءات يتعين أن يتخذها وسيط المملكة في حق المسؤول أو الموظف الممتنع عن التنفيذ بدون مبرر،بدءا بإخبار الوزير المعني بذلك ومرورا برفع تقرير إلى رئيس الحكومة أو إصدار توصية بمتابعته تأديبيا،وانتهاء بالدفع إلى متابعة المسؤول أو الموظف المذكور جنائيا عند الاقتضاء،كما أن موقف المشرع الدستوري ل29يوليوز2011 جاء حاسما بشكل نهائي وواضح عندما أقر هذا التوجه بمقتضى الفصل 126 من دستور المملكة الذي نص على أن الاحكام القضائية ملزمة للجميع" .
ويظهر من خلال هذا التوجه الجديد أنه يمكن أن يحقق مزايا لأطراف التنفيذ، فلا شك أن  المسؤول الممتنع عن التنفيذ يستشعر جسامة المسؤولية الشخصية وخيارات المتابعة جراء مماطلته غير المبررة في التنفيذ ،ومن شأنه أن يحقق لحائز الحكم القابل للتنفيذ اقتضاء حقه في أمد عادل دون طرق المساطر المعقدة اللاحقة لواقعة الامتناع عن التنفيذ.
هذا،فإذا كانت الغرامة التهديدية الوسيلة التي يعتمدها القضاء الإداري الإجبار الإدارة عن التراجع عن الامتناع في تنفيذ قراراته وخاصة تلك الرامية إلى افراغ عقارات الأفراد،فإن ثمة في هذا القضاء من يقضي بالتعويض لفائدة المعتدى على ملكيته في مقابل احتفاظ الإدارة بملكية العقار، وهو ما سيكون محور الحديث في المطلب التالي.
المطلب الثاني : الحكم بالتعويض عن الاعتداء المادي مقابل نقل الملكية العقارية
 إن سلطة القضاء حيال الاعتداء المادي على الملكية العقارية حاسمة في رد الحق لمالك العقار ،غير أن بعض من القرارات تجعل مطالبة هذا الاخير بالتعويض لا يمكن الاستجابة له  دون نقل الملكية إلى الجهة المعتدية(الفقرة الاولى)الشيء الذي يثير مدى صواب هذا الطرح (الفقرة الثانية). 
الفقرة الأولى: تطبيق نظرية الإثراء بلا سبب
إن استقراء العمل القضائي على مستوى قضاء الموضوع يسفر عن القول بأن هذا الأخير لطالما يقضي لمصلحة صاحب حق الملكية  التي طالها الاعتداء المادي بالتعويض جبرا للضرر الذي لحقه ، غير أن الأمر لم يكن كذلك على مستوى قضاء النقض ، ذلك أن هذا الأخير  أوجد تكييفا مستحدثا  لواقعة الاعتداء المادي لما أقر ضرورة التلازم بين دفع الإدارة أو من يقوم مقامها للتعويض عن الاعتداء المادي و نقل حق الملكية إليها ، واعتبر أن القول بغير ذلك فيه مجانبة لأحكام نظرية الإثراء بلا سبب .
و قد جاء في تعليل قضاء النقض لموقفه هذا ما يلي :
"حيث صح ما عابه الطاعنون على القرار المطعون فيه ذلك أن المحكمة قضت بتعويض عن فقد المطلوبة ملكية عقارها المعتدى عليه ماديا من طرف الطاعنة ،ومع ذلك رفضت الحكم بنقل ملكيته لهذه الأخيرة ، خلافا لأحكام الإثراء بلا سبب ، المتمثلة في نازلة الحال  في إثراء المطلوبة عندما قضي لها بالتعويض المذكور مع احتفاظها بملكية نفس العقار موضوع الحكم بالتعويض ، وافتقار الطاعنة لما حرمت من انتقال ملكية نفس العقار إليه ، مما شكل افتقارا مباشرا يقابله إثراء مباشر و تقوم بينهما علاقة سببية مباشرة تتمثل في واقعة واحدة هي السبب المباشر لكل منهما ، وهو دفع تعويض عن قيمة عقار لم تنتقل ملكيته إلى من حكم عليه بدفعه و هو الطالبة المفتقرة ، فكان بذالك القرار المطعون فيه لما لم يقض بنقل الملكية لهذه الأخيرة و الحال ما ذكر فاسد التعليل و معرضا للنقض" .  
إن الحديث عن تطبيق أحكام نظرية الإثراء بلا سبب لا يمكن أن يستقيم ما لم يتم التحقق من ثبوت شروط قيامه،وهي إثراء المدين و افتقار الدائن وانعدام السبب القانوني لهذا الاثراء كما يقضي بذلك الفصل66 من ظهير الالتزامات و العقود .
ومن الأهمية بمكان الإشارة إلى أن تخلف أحد هذه الشروط يجعل تطبيق أحكام هذه النظرية محل استبعاد.
وبالعودة إلى حيثيات القرار نلاحظ أنه يعتبر أن التعويض الذي قضي به لصاحب الملكية المعتدى عليها يشكل إثراء ما لم يقترن بنقل ملكية العقار المعتدى عليه ،وأن دفع التعويض من قبل الإدارة المعتدية دون تمكينها من حق الملكية يشكل بالنسبة إليها افتقارا.
وإذا كان تعليل نازلة الحال على هذا النحو، فإن الأمر نعتقده على غير ذلك، من منطلق أن التعويض الذي تلتزم الجهة المعتدية اعتداء ماديا بدفعه لا يشكل إثراء بدون سبب للجهة المعتدى عليها وإنما يشكل نوعا من أنواع جبر الضرر عن الحرمان من ممارسة السلطات التي يقررها حق الملكية لصاحبه . 
ويترتب على هذا القول نتيجتين أولهما أن سبب الإثراء ثابت و مبرر،و ثانيهما إنفصام العلاقة السببية بين افتقار الطالبة في النقض وإثراء المطلوبة .
 زيادة على ذلك فإن الافتقار الذي يحصل نتيجة خطأ المفتقر أو إهماله، فهو الذي يتحمل وزر الخطأ أو الإهمال و لا يجوز له أن يرجع على الغير و لو أثري هذا الغير من هذا الإفتقار .
زيادة على ما ذكر  فإن التقابل الذي اشترطه القرار بين نقل ملكية العقار و التعويض عن الاعتداء ، يجعل تكييف القرار لفعل الاعتداء ملتبسا، فمن جهة يتعارض والقواعد العامة الواردة في ظهير الالتزامات و العقود التي تلزم الدولة و مؤسساتها بتحمل مسؤولية الإضرار الناجمة عن أفعالها عن طريق تعويض المتضرر دون إلزامه بمقابل،ومن جهة أخرى يخالف القرارت القضائية الصادرة عن محكمة النقض و التي تلزم فيها الإدارة بجبر الضرر الذي لحق الغير نتيجة تصرفاتها السلبية عن طريق التعويض.
ولعل في نوازل قضاء النقض ما يعضد هذا القول إذ جاء في تسبيب أحد قراراته ما يلي:
"حيث لئن كان من حق الإدارة تنفيذ قرارها بإرادتها المنفردة في إطار ما تتمتع به من سلطة التنفيذ المباشر،فإنه يتعين عليها في المقابل أن تقوم بذلك في إطار المشروعية وبدون الخروج عن الحدود التي يسمح بها القانون،وإلا اعتبر عملها اعتداء ماديا تتحمل فيه مسؤولية الضرر الناجم عنه إذا مس حق ملكية الغير أو حريته" . 
الفقرة الثانية : تقييم فكرة مقابلة التعويض بنقل الملكية
إن فكرة إقرار التعويض لمالك العقار الذي طاله اعتداء الإدارة وإقران ذلك بلزوم نقل حق الملكية إلى الجهة المعتدية لا يخلو من ملاحظات، نرى أن نبين أهمها في ما يلي:  
-إذا كان المشرع قد اشترط ضرورة أن تتقيد الإدارة النازعة بضمانات النشر و الإيداع      والتعليق  المنصوص عليها قانونا قبل الإذن لها بالحيازة ،فإنه على القضاء أن يتمثل غياب هذه الضمانات  في الاعتداء المادي  و هو يقضي بنقل حق الملكية من يد المالك.
– إن المبرر القانوني للتعويض المحكوم به مقابل نقل الملكية يبقى محل نظر ،فإذا نظرنا إليه من زاوية جبر الضرر الذي لحق صاحب حق الملكية  فإن التساؤل يثار حول ماهية السند الذي يسوغ الحكم بنقل الملكية وإذا نظرنا إليه من زاوية أنه مقابل مباشر لنقل الملكية فإن الإشكال يحوم حول طبيعة المعايير المعتمدة في تقدير التعويض.
– إن التوجه القضائي  الذي يلزم طالب التعويض عن الاعتداء المادي  بضرورة نقل الملكية ،لم يقدر الضرر الحال  الذي يشكله فعل الاعتداء  على حق التصرف  الذي يضمنه حق الملكية لصاحبه ، كما لم يتحسب للضرر المستقبل  الذي يجعل سمعة العقار المعتدى عليه اتجاه الاغيار الراغبين في تملكه.
– إن حماية القضاء لحق الملكية المعتدى عليها يجعله يقر بالتعويض الكامل لصاحب المصلحة ليس على الاعتداء المادي فقط بل أيضا على الاستغلال، وقد جاء بهذا الشأن في قرار لمحكمة النقض ما يلي :
"إن المحكمة لما اعتبرت أن عدم استصدار الإدارة للإذن بالحيازة يجعلها في وضعية المعتدية ماديا على عقار الخواص،ورتبت على ذلك أن التنازل عن التعويض على الاعتداء المادي لا يستتبع حتما التنازل عن طلب التعويض عن الاستغلال ما دام أنهما مستقلين عن بعضهما،يكون قرارها مجيبا عن الدفوع المثارة ومعللا تعليلا كافيا" . 
فما دام أن القضاء اعترف لصاحب الملكية المعتدى عليها بحقه في التعويض عن الاستغلال الذي حرم منه نتيجة الاعتداء المادي فإنه قد أقر من باب أولى حقه في التعويض عن الاعتداء المادي.
وزيادة في حماية حق التعويض عن الاعتداء المادي عن الملكية العقارية أقرت محكمة النقض عدم سقوط الدعوى المرتبطة به بسبب التقادم ،إذا جاء في أحد قراراتها ما يلي:
"لما كان الاعتداء المادي على عقارات الخواص من طرف الدولة وغيرها من الأشخاص المعنوية العامة يشكل واقعة مستمرة لفعل غصب واعتداء على حق الملكية العقارية المضمون دستوريا،فإن دعوى المطالبة بالتعويض عن الضرر الناتج عنه لاتسقط بالتقادم" .
– إنه من باب التذكير بأن قانون نزع الملكية لاجل المنفعة العامة لا يشكل إلا استثناء على الأصل الذي يقضي بأن حق الملكية مضمون و لا يسوغ المساس به تحت أي ظرف من الظروف ، ومعلوم أن الاستثناء لا يسوغ التوسع في تفسيره،ومادام أن الإدارة لم تتمثل ضرورة فهم هذا الاستثناء على نحو ضيق ،فإن للقضاء أن يتصدى لها بكل حزم و أن يرد دفوعاتها المبنية على هذا الأساس ويقر تبعا لذلك تعويضا عادلا للمعتدى على ملكيته .


خلاصة
و حاصل القول من كل ما تقدم أنه لئن كان المشرع الدستوري أورد تقييدا على ممارسة حق الملكية كلما تطلب ذلك اعتبار المصلحة العامة الاقتصادية و الاجتماعية فإن ذلك لا يجب أن يحمل على التحلل من الضوابط التي يقررها القانون في هذا الشأن .بل يجب على الإدارة أن تلتزم المقتضيات القانونية الجاري بها العمل .
ومما لا شك فيه أن القضاء وخاصة منه الإداري و هو حارس المشروعية مدعو للتصدي أكثر من أي وقت مضى لسلوك الإدارة حالة الاعتداء المادي على ملكية الأغيار،ذلك أن هذه الأخيرة في حالات مختلفة يظهر بأنها لا تكلف نفسها عناء ضبط المساطر القانونية اللازمة لنزع العقارات من أصحابها .
ومن تم نرى بأن المنحى الذي يجب أن يأخذه تعامل القضاء مع الاعتداء المادي هو ضرورة إلزامه للإدارة أو من يقوم مقامها بوضع حد لكل مساس غير مشروع بحق الملكية،و الاتجاه نحو إقرار بدائل جديدة من خلال إقرار المسؤولية الشخصية للمسؤول عن فعل الاعتداء المادي وذلك قياسا على المسؤولية الشخصية للمسؤول عن امتناع غير المبرر للإدارة عن تنفيذ الأحكام القضائية ،وتعزيز الدور الذي يضطلع به القضاء الاستعجالي في هذا الشأن.
   

 

Profile photo of AFKIR Mohamed

AFKIR Mohamed

باحث في قانون الأعمال

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

التخطي إلى شريط الأدوات