الاعتمادات المستندية في ظل قواعد الممارسات والأعراف الموحدة للإعتمادات المستندية

 

 

 

المقدمة

 

توسعت العمليات التجارية على مر الزمن توسعا ملحوظا وأصبحت تتخذ طابعا دوليا بحيث تتم بين طرفين بعيدين كل منهما عن الآخر، الأمر الذي لا يمكن أن يتم التصور فيه عمليا بأن يقوم كل طرف في العملية التجارية بتنفيذ إلتزاماته في وقت واحد، ونتيجة للمخأوف التي قد يفكر فيها كل طرف تجاه تنفيذ إلتزامه دون قيام الطرف الآخر بالوفاء، كان لابد من إبجاد وسيلة عملية ومضمونة تكون كفيلة بتوفير الضمانات لأشخاص العملية التجارية المتباعدين في المكان والتي لا يتم فيها تسليم المبيع ولا قبض الثمن بصورة مباشرة بالمنأولة. وإنطلاقا من هذا الأمر إبتدع المجتمع التجاري الدولي لتسوية البيوع التي تتم بصورة دولية ما يسمى بالإعتماد المستندي كأداة وفاء تحقق التوازن بين مصالح البائع والمشتري وتوفر الحماية اللازمة لكل منهما من سوء نية  الاخر ومن الظروف الإستثنائية التي قد تحول دون قيام أحدهما من تنفيذ الإلتزام التعاقدي بينهما.

 

وبعد نجاح فكرة إستخدام الإعتماد المستندي كأداة وفاء في البيوع الدولية، وشيوع إستخدامه كنظام نشأ من واقع العمل التجاري الدولي، كان لابد من وضع مجموعة من القواعد والأحكام التي تنظم العمل به، إلا انه لم يرد بشانه اي تنظيم خاص لقواعده وأحكامه في أغلب تشريعات الدول الأمر الذي من شأنه أن أحدث إرباكا لأطراف المعاملات التجارية الدولية، وقد كان المشرع الاماراتي افضل حالاً من غيره في هذا الشأن حيث ضمن في قانون االمعاملات التجارية الاتحادي رقم (18) لسنة 1993 بعض الاحكام الخاصة بالاعتماد المستندي مثال بيان مفهومه وانواعه واطرافه والالتزامات العامة المترتبة على كل طرف، الا انها لاتعد كافية بحد ذاتها لتبيان جميع جوانبه والمشكلات التي قد تنجم عنه.[1]

ونتيجة الحاجة إلى وجود ما ينظم العمل بالإعتماد المستندي بشكل خاص، بدأت معظم الدول بدراسة لوضع القواعد الموحدة حيث شكلت في عام 1926 لجنة وضعت مشروعا أوليا تم إقراره في مؤتمر الغرفة التجارية الذي إنعقد في أمستردام عام 1926، وبعد ذلك نشأت حركة توحيد نظام الإعتماد المستندي عام 1933 في فينا[2] وقامت بوضع مجموعة من القواعد التي تنظم الأعراف والممارسات الخاصة بالإعتماد المستندي وتم إعادة صياغتها عدة مرات في الأعوام 1952، 1962، 1974، 1983، 1993، وأخيرا في عام 2007 والتي عرفت بإختصار(UCP)، والتي كان الهدف من اصدارها تأليف مجموعة من القواعد التعاقدية التي يمكن أن تؤسس لتوحيد أعراف وممارسات الإعتمادات المستندية، بالإضافة إلى حذف الإلتباس الذي سببته بعض الدول نتيجة تفضيل تطبيق قوانينها الوطنية الأمر الذي أدى إلى إحداث تعارض ما بين المعاملات التجارية الدولية التي يمارسها الأفراد والتشريعات الوطنية لتلك الدول.

وبعد أن أتمت غرفة التجارة الدولية في باريس (ICC) في عام 2007 تنقيح النشرة الخاصة بالأعراف والممارسات الموحدة للإعتمادات المستندية رقم 500، دخلت نشرة الأعراف والممارسات الموحد للإعتمادات المستندية رقم 600 حيز النفاذ بتاريخ 1/7/2007، وقامت بعد ذلك لجنة الأمم المتحدة للقانون التجاري الدولي (الأونسترال) خلال إجتماعها الثاني والأربعين في فينا عام 2011 بتبني وإقرار أحدث نشرة لغرفة التجارة الدولية الخاصة بالأعراف والممارسات الموحدة للإعتمادات المستندية رقم 600 بصفة رسمية، والتي تم تطبيقها حتى الآن في أكثر من 175 دولة حول العالم لتصبح النظام الذي يحدد إتجاه الممارسات المصرفية ويحقق الوحدة الدولية المتعلقة بهذه الممارسات ويقلل من إمكانية ظهور أي غموض أو سوء فهم في سياق عقد الصفقات التجارية وإتمامها عن طريق إستعمال الإعتماد المستندي.

ولأن تطبيق قواعد الممارسات والأعراف الموحدة للإعتمادات المستندية لا يتم بصورة تلقائية على عملية الوفاء في المعاملات التجارية الدولية التي تتم بطريق الإعتماد المستندي في الحالة التي لا يفصح فيها أصحاب الشأن عن رغبتهم بذلك كون تلك القواعد هي ليست قواعد آمرة أو تشريعية صادرة من المشرع ومكملة لإرادة الطرفين، كان لابد من الإفصاح صراحة من قبل أطراف العملية التجارية الدولية على اتجاه ارادتهم إلى تطبيق هذه القواعد الخاصة حيث أوجبت تلك القواعد على أن يتم النص صراحة في الإعتماد المستندي على خضوعه لهذه القواعد بحيث تكون ملزمة لجميع أطرافه بصورتها ما لم يتم تعديلها إو إستثنائها صراحة في الإعتماد[3].

ومن الجدير بالذكر بأن عقد البيع الدولي المبرم بين البائع والمشتري يكون بطبيعة الحال سابقا لفتح الإعتماد ومنفصلا عنه[4]، وبالتالي كنتيجة لذلك تكون القواعد القانونية التي تحكم عقد البيع هي ليست ذات القواعد التي تحكم الإعتماد المستندي وهذا الأمر نتيجته إختلاف الموضوع وإختلاف الأطراف في كل منهما، ويعني كون الإعتماد منفصلا ومستقلا عن عقد البيع الدولي[5]، أن المصرف المصدر لا يستطيع التحلل من إلتزامه بوفاء قيمة الإعتماد في مواجهة المستفيد إستنادا إلى دفوع مستمدة من علاقة البائع والمشتري التعاقدية الناشئة عن عقد البيع المبرم بينهما، فهذه الدفوع لا تعفي المصرف المصدر من إلتزامه بالوفاء تجاه المستفيد في الحالة التي يقوم فيها المستفيد بتقديم مطابق لشروط الإعتماد خلال الفترة المحددة لذلك[6].

 

أهمية الدراسة:

 

تعود اهمية موضوع الدراسة الى التطور الهائل في عالم التجارة الدولية،  وما استتبعه ذلك من ازدياد البحث عن مصادر تمويل، ووسائل آمنة لتسوية المدفوعات، ويعتبر الاعتماد المستندي اهم هذه المصادر، بحيث يمكن ان يجمع بين التمويل وتسوية المدفوعات، وبالتالي يحتاج هذا الامر الى غطاء قانوني آمن ايضاً لفض ما قد ينشأ عن ذلك من نزاعات، ولهذا جاءت هذه الدراسة لبيان التنظيم القانوني للاعتمادات المستندية في قواعد الممارسات والأعراف الموحدة للإعتمادات المستندية، باعتبارها القانون الدولي الاتفاقي المنظم لها.

 

هدف الدراسة

 

وتهدف هذه الدراسة، إلى تناول موضوع الإعتمادات المستندية كأحد المواضيع الرئيسية التي تقوم بدور هام في العمليات المصرفية والتجارة الدولية في العصر الحديث ، والقاء الضوء على انواع هذه الاعتمادات وبيان المشكلات القانونية التي تعتريها، بالإضافة إلى بيان الحلول التي من الممكن إسقاطها في الواقع العملي، مع التطرق إلى نصوص قواعد الممارسات والأعراف الموحدة للإعتمادات المستندية التي نهجت نهجا موفقا في تنظيم المسألة محل الدراسة.

 

مشكلة الدراسة

 

نظراً لاعتبار التجارة الدولية عابرة للقارات ومتنوعة الاطراف، وتباين التشريعات المنظمة لهذه العقود من دولة لاخرى، ظهرت بعض الاشكاليات المتعلقة بتسوية مدفوعات العقود التجارية الدولية، وقد تم صياغة مشكلة الدراسة على شكل فرضيات ستتولى الدراسة الاجابة عليها، وهي:

  • ماهي انواع الاعتمادات المستندية ؟
  • هل تعد قواعد الاعراف الموحدة للاعتمادات الدولية كافية لفض النزاعات الناشئة عن الاعتمادات المستندية؟
  • ماهي الحلول القانونية المتاحة في حال كانت هذه القواعد غير كافية لحل نزاع معين؟
  • مدى الزامية الممارسات والأعراف الموحدة للإعتمادات المستندية للاطراف؟
  • مدى استقلالية الاعتماد المستندي ، عن العقد التجاري المبرم بين الاطراف؟
  • ماهو الحل اذا تعارضت الممارسات والاعراف الموحدة، مع القوانين الداخلية للدول؟
  • ماهي مراحل تنفيذ الاعتمادات المستندية؟

 

 

 

منهج الدراسة

 

جاءت هذه الدراسة في إطار وصفي وتحليلي، لقواعد الممارسات والأعراف الموحدة للإعتمادات المستندية، دون التعمق في الجدل الفقهي المُثار حولها نظراً لوجود تنظيم قانوني اتفاقي لها، يكفي بذاته في إطار هذه الورقة البحثية، وكذلك فإن الدراسة لن تتطرق إلى القوانين الداخلية للدول إلا بالقدر اللازم للدراسة.

 

خطة الدراسة

 

تقسيم هذه الورقة البحثية إلى مطلبين رئيسين، الأول  يتناول الحديث عن طبيعة الإعتمادات المستندية والمطلب الثاني يتنأول الحديث عن مراحل تنفيذ الإعتماد المستندي، وذلك في ظل قواعد الأعراف والممارسات الموحدة للإعتمادات المستندية نشرة رقم 600 الصادرة عن غرفة التجارة الدولية عام 2007.

 

 

 

 

 

 

المطلب الأول

طبيعة الإعتماد المستندي

 

تمهيد

إن التطرق لموضوع الإعتماد المستندي في ظل قواعد الممارسات والأعراف الموحدة للإعتمادات المستندية نشرة رقم 600 يتطلب بيان ماهية الإعتماد المستندي وأهميته وأنواعه وأطرافه بالإضافة إلى بيان المستندات التي يتم تقديمها في الإعتماد المستندي، وذلك من خلال الفروع التالية:

 

الفرع الأول

ماهية الإعتماد المستندي

 

يعرف الإعتماد المستندي وفق قواعد الممارسات والأعراف الموحدة للإعتمادات المستندية نشرة رقم 600 بأنه ”أي ترتيب، مهما كان إسمه أو وصفه، ويكون غير قابل للنقض وبالتالي يشكل تعهد محدد من المصرف المصدر وفاء بتقديم مطابق“[7]. وإنطلاقا من هذا التعريف يمكن القول بأن الإعتماد المستندي هو عبارة عن تعهد يصدره المصرف مصدر الإعتماد بناء على طلب فاتح الإعتماد وهو في العادة المشتري في عقد البيع التجاري الدولي لمصلحة شخص ثالث وهو المستفيد الذي يكون في العادة البائع، يلتزم بموجبه المصرف مصدر الإعتماد بقيمة هذا الإعتماد أو يقوم بناء على العلاقات المصرفية التي تربطه مع مصرف آخر بتفويض الأخير بالوفاء[8] عن طريق الدفع بالإطلاع أو بالتعهد بالدفع الآجل والدفع بتاريخ الإستحقاق أو بقبول السحب المسحوب من قبل المستفيد ودفعه في تاريخ الإستحقاق مقابل قيام المستفيد بتقديم مستندات بشكل مطابق لما هو منصوص عليه في شروط الإعتماد خلال الفترة المحددة المتفق عليها.

 

الفرع الثاني

أهمية الإعتماد المستندي

 

تختلف البيوع التجارية الدولية عن البيوع التجارية المحلية في عدم توافر عنصر الثقة ما بين أطرافها، ومن هنا شاع إستخدام الإعتماد المستندي كأداة للوفاء في البيوع التجارية الدولية وتسهيل إتمام العلاقات التعاقدية التجارية وتقليل المخاطر التي يمكن أن يتعرض لها الأطراف وذلك نتيجة لما يقدمه الإعتماد المستندي من ضمانات كافية للأطراف بالشكل الذي يحفظ مصالحهم، فبالنسبة للبائع فإنه يضمن قبض ثمن البضائع وذلك بمجرد قيامه بتقديم المستندات بالشكل المطابق إلى المصرف الذي بلغه بتوافر الإعتماد لديه وفي المقابل يضمن المشتري ان المصرف الذي طلب فتح الإعتماد لديه لن يقوم بوفاء قيمة البضائع الا بعد تقديم المستندات المتفق عليها وفقا للشروط الواردة في الإعتماد المستندي[9].

 

الفرع الثالث

نوع الإعتماد المستندي

 

جاءت نصوص الأعراف والممارسات الموحدة للإعتمادات المستندية النشرة رقم 600 بأن الإعتماد المستندي الذي تطبق هذه النصوص عليه هو إعتماد غير قابل للنقض حتى ولو لم ترد أي دلالة على ذلك[10]، وأن إعتبار الإعتماد المستندي غير قابل للنقض يعني أنه لا يمكن أن يتم إلغاؤه أو الرجوع عنه[11]من قبل المصرف مصدر الإعتماد في أي وقت شاء دون أن يترتب على هذا المصرف أي إلتزام، أي بمعنى أن المصرف في هذا النوع من الإعتمادات يكون ملتزما بطريقة مباشرة في مواجهة المستفيد بوفاء قيمة الإعتماد[12]، فهذا الإعتماد يشكل تعهد نهائيا من قبل المصرف المصدر ولا يمكن إلغاؤه إلا عن طريق التراضي بين المصرف المصدر والمستفيد والمصرف المعزز إن وجد.

وإن الإعتماد المستندي غير القابل للنقض يمكن أن يتخذ إحدى الصورتين، الأولى وهي التي يكون فيها الإعتماد معززا أي بمعنى أن يطلب المستفيد إبتداءً من المشتري طالب فتح الإعتماد بأن يتم تعزيز هذا الإعتماد بواسطة مصرف آخر، ومعنى ذلك أن يقوم المصرف مصدر الإعتماد غير القابل للنقض بطلب تعزيز هذا الإعتماد من قبل مصرف آخر، وفي العادة يكون هذا الأخير في بلد المستفيد حيث يتعهد في مواجهة المستفيد بوفاء قيمة الإعتماد مقابل تقديم المستندات المطلوبة بشكل يطابق ما إتفق عليه في الإعتماد، ويشكل تعزيز الإعتماد المستندي بواسطة مصرف آخر ضمانا للمستفيد بالحصول على قيمة الإعتماد من خلال وجود مصرفين ملزمين بوفاء قيمة الإعتماد[13]. أما الإعتماد غير القابل للنقض وغير المعزز فهو في المعنى البسيط يكون فيه المصرف مصدر الإعتماد ملزما لوحده بوفاء قيمته دون وجود تعهد إضافي للوفاء من قبل مصرف آخر.

ويمكن تقسيم الإعتماد المستندي إلى أنواع أخرى بناء على طريقة الوفاء وفق ما ورد في المادة الثانية من قواعد الممارسات والأعراف الموحدة للإعتمادات المستندية – نشرة رقم 600، فإعتماد الدفع بالإطلاع هو الإعتماد الذي يقوم المصرف بموجبه بوفاء قيمة الإعتماد للمستفيد بمجرد تقديم المستندات المطلوبة، أما إعتماد التعهد بالدفع الآجل والدفع في تاريخ الإستحقاق هو الإعتماد الذي يقوم المصرف بموجبه بالتعهد بوفاء قيمة الإعتماد بعد مدة محددة من تاريخ تسليم المستندات المطلوبة، والعبرة من ذلك إتاحة الفرصة أمام المشتري لتسلم البضائع وإعادة بيعها وتسليم قيمة الإعتماد إلى المصرف قبل التاريخ المحدد للوفاء.

 

أما الإعتماد القائم على قبول السحب المسحوب من قبل المستفيد ودفعه في تاريخ الإستحقاق هو الإعتماد الذي يشترط فيه بأن يقوم المستفيد بسحب قيمة الإعتماد على المصرف بواسطة سند سحب يستحق الأداء بعد مدة من الإطلاع ويتعهد في نفس الوقت المصرف بقبول سند السحب هذا مقابل إستلامه المستندات المطابقة لما ورد في الإعتماد، والعبرة من ذلك إتاحة الفرصة أمام المشتري لتسلم البضائع وإعادة بيعها وتسليم قيمة الإعتماد إلى المصرف قبل التاريخ المحدد للوفاء.

 

الفرع الرابع

أطراف الإعتماد المستندي

 

يربط عقد البيع السابق للإعتماد المستندي طرفان رئيسيان هما المشتري الذي يستورد البضائع محل عقد البيع، والبائع الذي يصدر البضائع محل عقد البيع، أما الإعتماد المستندي فإنه يشترك فيه أطراف آخرون بالإضافة إلى أطراف عقد البيع على النحو الاتي:

طالب الإصدار: وهو الطرف الذي أُصدر الإعتماد بناء على طلبه وهو في العادة المشتري الذي يشكل الإعتماد عقدا بينه وبين المصرف مصدر الإعتماد ويشمل هذا العقد مجموعة من الشروط التي يجب أن تتوافر حتى يقوم المصرف المصدر بالوفاء.

المستفيد: وهو الطرف الذي صدر الإعتماد لصالحه وهو في العادة البائع الذي يقوم بتنفيذ الشروط الواردة في الإعتماد حتى يقبض قيمة هذا الإعتماد.

المصرف المصدر: وهو المصرف الذي يصدر إعتماد بناء على طلب طالب فتح الإعتماد بعد دراسة الطلب والموافقة عليه ويكون بذلك ملزما بوفاء قيمة هذا الإعتماد لمصلحة المستفيد بمجرد قيام الأخير بتقديم المستندات المطلوبة بالشكل المطابق لما ورد في شروط الإعتماد.

 

المصرف المبلغ: وهو المصرف الذي يقوم بمهمة تبليغ مكان توافر الإعتماد بناء على طلب المصرف المصدر، حيث أنه يقوم مقام الوكيل ويقوم بنقل شروط وتعليمات المصرف المصدر إلى المستفيد.

المصرف المعزز: وهو المصرف الذي يضيف تعزيزه إلى الإعتماد بناء على طلب أو تفويض من المصرف المصدر، بحيث يصبح متضامنا مع المصرف المصدر بوفاء قيمة الإعتماد لمصلحة المستفيد بمجرد قيام الأخير بتقديم المستندات المطلوبة بالشكل المطابق لما ورد في شروط الإعتماد.

المصرف المسمى: وهو المصرف الذي يكون الإعتماد متاحا لديه، وإن تفويضه بوفاء قيمة الإعتماد لا يشكل إلتزاما عليه إلا عندما يوافق على ذلك صراحة وبعد تبليغ المستفيد بذلك.

 

الفرع الخامس

المستندات التي يتم تقديمها في الإعتماد المستندي

 

        الفاتورة التجارية[14]: وهي التي يقوم المستفيد بإصدارها بإسم فاتح الإعتماد والغاية من إصدار الفاتورة هو تمكين المشتري والسلطات الجمركية من معرفة تفاصيل البضاعة المشحونة، حيث يجب أن تصدر الفاتورة بنفس عملة الإعتماد وهي ليست بحاجة إلى توقيع، ويجب أن يطابق وصف البضائع الوارد في الفاتورة التجارية لوصفها في الإعتماد، ويشمل وصف البضاعة في العادة: نوعها، خصائصها، تعبئتها، سعرها، شروط الشحن والتسليم، شروط الدفع، علامات الصناديق، إسم المرسل اليه.

مستند نقل متعدد الوسائط[15]: وهو مستند النقل الذي يشمل واسطتي نقل مختلفتين على الأقل، حيث يجب أن يبين هذا المستند إسم الناقل، وأن يتم توقيعه من قبل الناقل أو الربان أو وكيل أحدهما إن وجد، ويجب أن يبين هذا المستند بأن البضاعة تم إرسالها أو تسلمها بالعهدة أو تحميلها على متن السفينة في المكان المنصوص عليه في الإعتماد وذلك بموجب عبارات مطبوعة مسبقا أو بموجب ختم أو تدوين يبين التاريخ الذي تم فيه ذلك ويعتبر هذا التاريخ هو تاريخ الشحن، ويجب أن يبين المستند مكان الارسال أو التسلم بالعهدة أو التحميل ومكان الوصول النهائي، المحددين في الإعتماد ويجب أن يكون مستند النقل اما بأكثر من نسخة اصلية وذلك وفقا للتشريعات الواجبة التطبيق على عملية النقل.

        مستند الشحن البحري[16]: وهي وثيقة تصدرها شركة مرخصة لتعاطي أعمال الشحن البحري للشاحن، ومستند الشحن البحري مهما كانت تسميته يجب أن يظهر أنه يبين إسم الناقل وأن يتم توقيعه من قبل الناقل أو الربان أو وكيل أحدهما إن وجد، وفي جميع الأحوال يجب أن يبين مستند الشحن البحري من قام بتوقيعه، ويجب أن يبين أيضا أن البضاعة قد تم شحنها على متن سفينة مسماة بموجب عبارات مطبوعة مسبقا أو بموجب تدوين التحميل على المتن بالشكل الذي يبين التاريخ الذي تم به التحميل، ويعتبر تاريخ اصدار سند الشحن البحري هو تاريخ الشحن ويجب أن يبين أيضا أن الشحن قد تم من ميناء التحميل إلى ميناء التفريغ المنصوص عليهما في الإعتماد ويصدر مستند الشحن البحري بعدة نسخ على أن تكون جميعها اصلية.

وتجدر الاشارة إلى أن مستند الشحن البحري يشترط أن يكون نظيف[17]، ومعنى ذلك أن مستند النقل هذا يجب أن يخلو من أي عبارة أو إشارة تبين صراحة وجود عيب في حالة البضائع أو تغليفها، ولا حاجة لأن تظهر كلمة ”نظيف“ على مستند النقل حتى لو نص الإعتماد على ذلك[18].

        مستند النقل الجوي[19]: وهو بوليصة النقل الجوي وتصدر بالعادة عن شركات الطيران أو وكلائها المعتمدين يجب أن تبين إسم الناقل وأن يتم توقيعها من قبل الناقل أو وكيله، وفي جميع الأحوال يجب أن تبين بوليصة النقل من قام بتوقيعها، وأن تبين أيضا أن البضاعة قد تم قبولها للنقل، وأن تبين تاريخ الإصدار ويعتبر هذا التاريخ هو تاريخ الشحن إلا إذا تضمنت البوليصة تاريخ شحن فعلي، وأن تبين مطار الإقلاع ومطار الوصول المنصوص عليهما في الإعتماد، ويجب أن تكون هذه البوليصة بنسخ اصلية وتتضمن شروط وأحكام النقل.

        مستند النقل البري[20]: إن هذا المستند يشمل وسيلة نقل برية سواء أكانت السكك الحديدية أو بسيارات شحن، وإن هذا المستند مهما كانت تسميته يجب أن يظهر إسم الناقل وأن يتم توقيعه من قبل الناقل أو وكيله، وفي جميع الأحوال يجب أن يبين هذا المستند من قام بتوقيعه، وأن يبين أيضا أن إستلام البضاعة قد تم بموجب التوقيع أو الختم أو التدوين من قبل الناقل أو وكيله، وأن يبين هذا المستند تاريخ الشحن أو تاريخ إستلام البضائع للشحن أو الإرسال أو النقل من المكان النصوص عليه في الإعتماد، فإذا لم يحتوي على هذا التاريخ فيعتبر تاريخ مستند النقل هو تاريخ الشحن، بالإضافة إلى أن هذا المستند يجب أن يبين مكان الشحن أو مكان الوصول المنصوص عليهما في الإعتماد ويجب أن يصدر بنسخ أصلية.

        إيصال الناقل الخاص والإيصال البريدي وشهادة إرسال بالبريد[21]: إيصال الناقل الخاص يثبت إستلام البضائع ليتم نقلها ويجب أن يبين إسم شركة النقل الخاص ويبين ختمها أو توقيعها ومكان شحن البضاعة وتاريخ الإستلام ويعتبر هذا التاريخ هو تاريخ الشحن، وقد يبين أن أجور النقل الخاص هي على حساب شخص آخر غير المرسل إليه.

أما الإيصال البريدي أو شهادة الإرسال البريدية فهي تدل على إستلام البضائع ليتم نقلها، بحيث يجب أن تكون مختومة أو موقعة ومؤرخة بأن البضاعة سوف يتم شحنها من المكان المنصوص عليه في الإعتماد ويعتبر هذا التاريخ هو تاريخ الشحن.

        مستند التامين والغطاء التاميني[22]: وهو مستند يصدر بموجب غطاء تأمين مفتوح  يظهر أنه صادر وموقع من قبل شركة تأمين أو مكتتبي تامين أو وكلائهم أو المفوضين عنهم، فإذا كانت بوليصة التامين تشير بأنها صادرة من أكثر من نسخة أصلية فيجب أن يتم تقديم جميع النسخ الأصلية، ولا تقبل إشعارات التأمين إلا أنه تقبل بوليصة التأمين بدلا من شهادة التأمين أو الإقرار الصادر بموجب غطاء التأمين المفتوح.

 

وتجدر الإشارة إلى أن تاريخ مستند التامين يجب أن لا يتجاوز تاريخ الشحن، وإلى أن مبلغ التأمين المغطى الظاهر في مستند التأمين يجب أن يكون بنفس عملة الإعتماد وبنفس قيمة البضاعة مضافا إليها 10% وذلك بقصد تعويض المؤمن له بتغطية قيمة مصاريف عملية الإستيراد وجزء من الربح المتوقع، ويجب أن يبين مستند التأمين الأخطار المغطاة المحتمل وقوعها بين مكان إستلام البضائع أو شحنها وبين مكان تفريغها أو مكان وصولها كما هو منصوص عليها في الإعتماد، وقد ينص الإعتماد على أن يكون التأمين ضد كافة الأخطار.

        مستندات اخرى: وهي أية مستندات قد يتفق الأطراف على وجوب تقديمها من قبل المستفيد من أجل الحصول على قيمة الإعتماد، ومنها على سبيل المثال شهادة التفتيش أو مهما كانت تسميتها والتي قد يطلب المشتري من البائع تقديمها حتى يتأكد من مطابقة البضائع التي تم شحنها للمواصفات التي تم الإتفاق عليها في عقد البيع الأصلي.

 

 

 

 

 

 

 

 

المطلب الثاني

مراحل تنفيذ الإعتماد المستندي

 

تمهيد

إن عقد البيع الدولي هو الأساس التعاقدي القائم بين البائع والمشتري الذي ينشأ عنه مجموعة من العقود يتم إبرامها في مرحلة لاحقة من أجل تنفيذه، حيث تترتب مجموعة من الإلتزامات التعاقدية بين أطراف هذا العقد أهمها وفاء المشتري بثمن البضائع محل عقد البيع مقابل قيام البائع بتسليم البضائع إلى المشتري، ومن أجل تنفيذ تلك الإلتزامات التعاقدية كان لابد من الإتفاق في هذا العقد على آلية يتم من خلالها ضمان الوفاء بتلك الإلتزامات بالصورة التي تتطلبها الطبيعة الدولية لعقد البيع القائم بينهم، وهذا المطلب سوفيتناول بثلاثة فروع مراحل تنفيذ الإعتماد المستندي:

 

الفرع الأول

إبرام عقد البيع وفتح الإعتماد

 

عند إبرام عقد بيع دولي قد يتفق الأطراف بناء على طلب البائع على قيام المشتري بوفاء ثمن البضائع عن طريق الإعتماد المستندي مقابل قيام البائع بتقديم مجموعة من المستندات المعينة إلى المصرف[23]، وقد يتم الاتفاق أيضا على أن أحكام الممارسات والأعراف الموحدة للإعتمادات المستندية هي الواجبة التطبيق، ونتيجة لذلك كان لابد على المشتري القيام بفتح الإعتماد المطلوب وفقا للشروط المتفق عليها في عقد البيع وبما يتناسب مع أحكام الممارسات والأعراف الموحدة للإعتمادات المستندية، وذلك حتى يكون الإعتماد المفتوح ضمانة للبائع بأنه سوف يستلم ثمن البضاعة التي قد باشر بإجراءات تجهيزها وشحنها بالشكل المتفق عليه لغايات إرسالها إلى المشتري.

وبعد إبرام المشتري لعقد البيع وتعهده فيه بفتح الإعتماد، فإنه يتوجه إلى مصرف يختاره ويكون في غالب الأحيان مصرفا له تعاملات مصرفية سابقة معه، ويقوم بتقديم طلب لذلك المصرف يطلب فيه فتح إعتماد لمصلحة البائع مقابل مجموعة من الشروط الواجب توافرها لوفاء قيمة الإعتماد إلى البائع المستفيد من الإعتماد، وبعد ذلك يقوم هذا المصرف بدراسة الطلب وفي حال الموافقة عليه يصبح هذا المصرف مصدرا للإعتماد وملتزما بالتعليمات التي قدمها المشتري له والتي تشمل نوع الإعتماد غير القابل للإلغاء في حال طلب المستفيد ان يتم تعزيزه من قبل مصرف آخر أم لا، بالاضافة إلى قيمة الإعتماد وإسم المستفيد وعنوانه وإسم طالب فتح الإعتماد وعنوانه وتاريخ إنتهاء الإعتماد والمستندات التي يجب أن يقدمها المستفيد وأية شروط أخرى من الممكن أن يراها طالب فتح الإعتماد ضرورية حتى يقوم المصرف المصدر بوفاء قيمة الإعتماد إلى المستفيد[24].

إن قيام المصرف المصدر بالموافقة على طلب فتح الإعتماد يرتب مجموعة من الإلتزامات الإضافية عليه وتتمثل بتسلم المصرف المصدر المستندات التي يقدمها المستفيد وببذل العناية اللازمة في فحص المستندات والتأكد بأنها تشكل في ظاهرها تقديما مطابقا[25]، بالإضافة إلى قيامه بعد ذلك بوفاء قيمة الإعتماد إلى المستفيد بالصورة الصحيحة وفقا لشروط الإعتماد، فإذا رفض المصرف المصدر الوفاء بعد تقديم المستفيد للمستندات تقديما مطابقا فانه يعتبر مخلا في التزامه تجاه كل من طالب فتح الإعتماد والمستفيد، فلا يحق للمصرف المصدر رفض الوفاء في هذه الصورة إلا إذا لم يكن تقديم المستندات مطابقا لشروط الإعتماد.

 

الفرع الثاني

تبليغ الإعتماد وتقديم المستندات

 

بعد قبول المصرف المصدر إصدار الإعتماد وفقا لتعليمات العميل فانه في هذه المرحلة يقع عليه إلتزام تبليغ المستفيد بتوافر الإعتماد لديه وأنه ملتزم بوفاء قيمة الإعتماد منذ وقت إصداره تجاه هذا المستفيد شريطة أن يتم تقديم المستندات المنصوص عليها إليه تقديما مطابقا[26]، وفي هذه الحالة قد يقوم المصرف المصدر بناء على علاقاته المصرفية بالتواصل مع مصرف آخر يتواجد عادة في بلد المستفيد ويطلب منه تبليغ توافر الإعتماد، فإذا وافق هذا المصرف الأخير على تبليغ الإعتماد للمستفيد فإنه يعتبر في هذه الحالة مقتنعا بالصحة الظاهرية للإعتماد وأن ذلك التبليغ الذي يلتزم بالقيام به يعكس بشكل دقيق شروط وأزمنة الإعتماد، أما إذا إختار المصرف الذي طلب منه تبليغ الإعتماد عدم القيام بذلك فإنه يجب عليه أن يعلم دون تأخير المصرف المصدر بذلك[27].

فإذا قام المصرف المصدر بطلب تبليغ الإعتماد من مصرف آخر يقوم بدور الوسيط بينه وبين المستفيد ووافق ذلك المصرف على أن يكون مبلغا بالشكل المبين سابقا فإنه في هذه الحالة له الخيار بالإكتفاء بتبليغ المستفيد فقط أو الموافقة على إضافة تعزيزه إلى الإعتماد إذا اشترط ذلك مسبقا من قبل المستفيد إذا طلب الأخير أن يقوم مصرف آخر بإضافة تعزيزه إلى هذا الإعتماد كضمانة له على الوفاء، وهنا يصبح المصرف المبلغ مصرفا مبلغا ومعززا في نفس الوقت ويلتزم تجاه المستفيد بتبليغه بتوافر الإعتماد لديه وأنه قد أضاف تعزيزه إليه وبالتالي يكفل وفاء قيمة الإعتماد بشرط قيام المستفيد بتقديم المستندات تقديما مطابقا وفقا لشروط الإعتماد، وتجدر الإشارة بأن المصرف المعزز هنا يصبح وكيلا عن المصرف المصدر ومتضامنا معه بوفاء قيمة الإعتماد إلى المستفيد.

وقد يتم الإتفاق على تسمية مصرف معين وتفويضه بوفاء قيمة الإعتماد إلى المستفيد وفي هذه الحالة فإن تفويض المصرف المسمى بالوفاء لا يشكل إلتزاما عليه إلا عندما يوافق على ذلك صراحة، وأن إستلام أو فحص أو تمرير المستندات من مصرف مسمى ليس معززا لا يجعله ملتزما بالوفاء وبالتالي يجب أن يقبل هذا المصرف تفويضه بالوفاء بحيث يضيف تعزيزه بشكل أو بآخر إلى الإعتماد حتى يصبح في هذه الحالة ملتزما بالوفاء مقابل أن يتم تقديم مستندات مطابقة للشروط الواردة في الإعتماد[28].

 

الفرع الثالث

فحص المستندات والوفاء

 

بعد تبلغ المستفيد توافر الإعتماد لدى المصرف المصدر أو المصرف المعزز في حال تعزيزه أو المصرف المسمى في حال تسميته فانه في هذه الحالة يقوم بتجهيز المستندات المطلوب منه تجهيزها كالفاتورة التجارية وبوليصة التامين على البضائع وبوليصة الشحن ووثيقة التاكد من مطابقة البضائع للمواصفات المتفق عليها في عقد البيع في حال طلبها، ويقوم ايضا بشحن البضائع إلى المشتري وبعد اكتمال جميع المستندات بالشكل الظاهري المتفق عليه في العقد يقوم بالتوجه إلى المصرف الذي يكون فيه الإعتماد متوافر.

عند توجه المستفيد إلى المصرف فإنه يقوم بتسليم المستندات الواردة في شروط الإعتماد، حيث يقوم المصرف بفحص المستندات المنصوص عليها في شروط الإعتماد وحدها فقط، ليحدد فيما إذا كانت تشكل في ظاهرها تقديما مطابقا أم لا خلال خمسة أيام عمل مصرفية تلي يوم التقديم[29]، وتجدر الإشارة بأن المصرف في الفحص الظاهري للمستندات لا يأخذ بعين الإعتبار أي معلومات ترد على ظهر المستندات حيث أنه يهتم فقط بما ورد على وجه المستندات المقدمة، ويراعي المصرف أن هذا التقديم قد تم خلال مدة لم تتجاوز تاريخ إنتهاء الإعتماد، ويتأكد من عدم وجود تعارض في أحد المستندات أو كلها مع الإعتماد حيث أنه سوف يقوم بتجاهل أي مستند اضافي تم تقديمه دون ان ينص عليه الإعتماد[30]، وان هذا الفحص يشمل التاكد من ان المستندات مؤرخة بتاريخ سابق لتاريخ التقديم ولا يؤثر كون إحدى هذه المستندات مؤرخة بتاريخ سابق لتاريخ إصدار الإعتماد طالما أن هذا التاريخ لا يكون لاحقا لتاريخ تقديم المستندات[31].

ذلك أنه عند إستلام المصرف لهذا التقديم يجب عليه إذا كان مصرفا معززا أو مبلغا أو مسما أن يقوم بتبليغ المصرف المصدر خلال الفترة المحددة للفحص وإشعاره بقيام المستفيد بتقديم المستندات وأنه قام بفحصها ظاهريا  للتأكد من مدى مطابقتها لشروط الإعتماد وأن هذا التبليغ إما أن يكون تبليغا بالفحص والمطابقة أو أن يكون بالفحص وعدم المطابقة، فإذا كانت نتيجة هذا الفحص أن التقديم كان مطابقا لشروط الإعتماد، فيجب على المصرف المسمى أو المعزز الإلتزام بوفاء قيمة الإعتماد إلى المستفيد بناء على تعليمات المصرف المصدر وبصورة الوفاء المتفق عليها في الإعتماد[32].

أما إذا كانت نتيجة هذا الفحص أن التقديم لم يكن مطابقا لشروط الإعتماد فيمكن للمصرف المصدر أن يرفض الوفاء إلى حين الحصول على تعليمات من العميل بخصوص عدم المطابقة خلال الفترة المحددة، أو في الحالة التي لا يختار فيها المصرف المصدر إشعار العميل بعدم المطابقة فله أو للمصرف المسمى في حال تسميته أو للمصرف المعزز في حالة إضافة تعزيزه إلى الإعتماد رفض الوفاء مباشرة وإشعار المستفيد الذي قدم المستندات بأن المصرف يرفض الوفاء ويبين له المخالفات التي تم بناء عليها رفض الوفاء وفي هذه الحالة للمصرف أن يقوم بالاحتفاظ بالمستندات بإنتظار تعليمات المستفيد أو إعادة المستندات إليه في أي وقت[33].

ومن الظروف التي تؤدي إلى إخفاق الوفاء بطريق الإعتماد المستندي منها ما يتعلق بقيام المستفيد بتقديم المستندات إلى المصرف، حيث أن هذا التقديم يجب أن يتم خلال يوم عمل مصرفي وخلال ساعات عمل المصرف[34]، ويحدث في غالب الأحيان ظهور بعض الظروف التي تؤدي إلى عدم قدرة المستفيد على تقديم المستندات إلى المصرف خلال الفترة المحددة للتقديم المنصوص عليها في الإعتماد، ومثال ذلك وقوع تاريخ إنتهاء التقديم أو أخر يوم للتقديم في يوم يكون فيه المصرف الذي سوف يتم له التقديم مغلقا لكونه ليس يوم عمل مصرفي، وفي هذه الحالة يمدد التقديم إلى أول يوم مصرفي لاحق ويجب هنا على المصرف الذي تم التقديم لديه أن يصدر بيانا يبين فيه بان التقديم قد تم في حدود التمديد[35].

ومن الظروف الأخرى التي قد تؤثر على تقديم المستندات خلال المدة المحددة إلى ذلك هي ظهور قوة قاهرة تحول دون قيام المستفيد للتقديم خلال تلك الفترة، ويقصد بالقوة القاهرة هي الظروف التي تؤدي إلى إنقطاع المصرف عن عمله بسبب القضاء والقدر أو أعمال الشغب أو الإضطرابات المدنية أو التمرد أو الحروب أو أعمال الإرهاب أو أي إضطرابات أو إغلاقات تعجيزية أو أي أسباب أخرى خارجة عن سيطرة المصرف، ففي هذه الحالة لا يتحمل المصرف أي إلتزام أو مسؤولية عن النتائج الناجمة عن القوة القاهرة ولن يقوم المصرف بعد إستئناف أعماله بوفاء أي إعتماد إنتهت مدته خلال فترة إنقطاع أعماله بسبب تلك الأحداث[36].

بالإضافة إلى أنه قد يظهر في بعض الأحيان مجموعة من الفروقات فيما بين ما يرد في المستندات وبين شروط الإعتماد فحتى لو كانت هذه الفروقات بسيطة فإنها قد تؤدي في بعض الأحيان إلى إعتبار هذه المستندات بالنسبة إلى المصرف مرفوضة لعدم مطابقتها شروط الإعتماد، ولذلك تم إعطاء فترة كافية بين التقديم وبين فحص المستندات من قبل المصرف حتى يتم تدارك بعض الإختلاقات التي قد تظهر، وقد تشمل هذه الإختلافات على سبيل المثال الأخطاء المطبعية، الإختصارات في الأسماء، وتفسير بعض الكلمات الواردة في بعض المستندات.

 

وفي حالة ظهور نوع من الشكوك لدى المصرف الذي تم التقديم لديه بوجود إحتيال من قبل المستفيد فيما يتعلق بالمعلومات الواردة في المستندات المقدمة فإنه يترتب في هذه الحالة بطلان عملية التقديم كاملة ومن واجب المصرف رفض الوفاء إلى المستفيد، ويشترط أن يكون الاحتيال واضحا ومحددا.

 

الخاتمة

نتيجة التطور الهائل في ميدان التجارة الدولية،  وما صاحبه من تنظيم للأعمال التجارية الدولية، خاصة فيما يتعلق بالقضايا المتعلقة بالإعتمادات المستندية بإعتبارها أعمال مصرفية تساهم في إتمام تلك الأعمال التجارية الدولية، والذي ادى الى ظهور فكرة توحيد ممارسات وأعراف الإعتمادات المستندية، نتيجة إنتشارها مقابل غياب التشريعات القانونية التي تنظمها، وإزدياد المشاكل التي قد تظهر أثناء مراحل العملية التجارية والتي تبدأ بالتعاقد التجاري الدولي وتنتهي بالوفاء.

وتناولت هذه الورقة البحثية بصورة عملية ومبسطة موضوع اللجوء إلى إستعمال الإعتماد المستندي لإتمام المعاملات التجارية الدولية وذلك في ظل قواعد الأعراف والممارسات الموحدة للإعتمادات المستندية من خلال بيان طبيعة ما تعكسه أحكام هذه القواعد على الواقع العملي لإستخدام الإعتمادات المستندية حيث تم التطرق إلى بيان طبيعة الإعتمادات المستندية وماهيتها وأهميتها والضمانات التي تكفلها للأطراف والمستندات التي تقدم بهدف تحقيق الوفاء، هذا بالإضافة إلى بيان المراحل التي يمر بها الإعتماد المستندي منذ تعاقد الأطراف إبتداء إلى حين الوفاء وأداء الالتزامات التعاقدية.

وقد خلصت الدراسة الى جملة من النتائج والتوصيات اهمها:

اولاً: النتائج:

  • اعتبار الاعتماد المستندي الوسيلة السهلة والآمنة لتسوية المدفوعات المتعلقة بعقود التجارة الدولية.
  • وجود قانون دولي اتفاقي يحكم العلاقة بين الاطراف في تسوية المدفوعات المتعلقة بعقود التجارة الدولية المبرمة بينهم.
  • تباين انواع الاعتمادات المستندية وعلى الرغم من ذلك فان الاعتماد الذي اقرته الاعراف الموحدة هو الاعتماد غير القابل للنقض، سواء اكان معزز او غير معزز.
  • عدم وضوح الية البنك لفحص المستندات عند دفع قيمة الاعتماد، حيث نلاحظ ان مجرد الشك بوقوع احتيال من المستفيد، يتيح للبنك الامتناع عن صرف قيمة الاعتماد.
  • في بعض الحالات عدم قدرة المستفيد على تقديم المستندات إلى المصرف خلال الفترة المحددة للتقديم المنصوص عليها في الإعتماد نتيجة ظهور بعض الظروف التي تؤدي إلى امتناع البنك عن الوفاء بقيييمة الاعتماد لتجاوز المدة المحددة.
  • ربط مسالة تقديم المستندات للبنك ، بان يكون ذلك في يوم عمل رسمي للبنك وخلال ساعات العمل، مما قد يؤدي الى التاخير في تقديمها من قبل الستفيد او اصابته باضرار نتيجة لذلك، كان يكون في مكان اخر او يضطر الى تعطيل نشاطه التجاري للتقديم خلال الوقت المحدد.

ثانياً: التوصيات:

  • السعي لادراج نصوص آمرة في قوانين الدول مفادها الاحالة الى قواعد الاعراف الموحدة في مسالة تسوية المدفوعات لعقود التجارة الدولية.
  • اعتبار الاعراف الموحدة ملزمة للاطراف في عقود فتح الاعتمادات المستندية، دون الوقوق على ارادتهم بهذا الشأن.
  • تعديل بعض القواعد الخاصة بالاعراف الموحدة، لتكن اكثر وضوحاً، ومنها مايتعلق بامتناع المصرف عن صرف قيمة الاعتماد للمستفيد اذا ساورته شكوك بوقوع احتيال، وحصر الامتناع فقط في حال وجود دليل قاطع على هذا الاحتيال.
  • نظراً للتطور الهائل والمستمر للتقنيات الرقمية الحديثة، تعديل الاعراف المستندية الموحدة ، بوضع مكنات للاطراف بابرام عقد الاعتماد المستندي وتسوية المدفوعات وصرفها الكترونياً، وذلك تسهيلاً على الاطراف وتقليلاً للنفقات.

 

وأخيرا أقول ان هذا الجهد هو جهدا إنسانيا خالصا يحتاج إلى التحسين والبناء عليه فإن أصبت فمن الله وإن اخطأت فمن نفسي والشيطان آملا من الذين يرون أن هنالك مجالا للإضافة أو التصويب أن لا يبخلوا بالمساهمة الممكنة في هذا المجال الذي يساعد على تغيير المفاهيم الادارية البائدة الى المفاهيم السائدة.

المصادر والمراجع

  • انجي ريموند، محاضرات القانون التجاري الدولي، جامعة لندن، 2011.
  • حسين الشيخ، التكييف الفقهي والقانوني للإعتمادات المستندية، دار الفكر الجامعي، الاسكندرية، 2007
  • الممارسات والأعراف الموحدة للإعتمادات المستندية نشرة رقم 600، غرفة التجارة الدولية، 2007.
  • مازن فاعور، الإعتماد المستندي والتجارة الالكترونية، الطبعة الأولى، منشورات الحلبي الحقوقية، بيروت، 2006.
  • إبراهيم كشت وآخرون، دليل القانونين إلى الاعمال المصرفية، منشورات البنك الأردني الكويتي، 2004.
  • مصطفى طه وعلي البارودي، القانون التجاري، منشورات الحلبي الحقوقية، بيروت، 2001.
  • كامل الوادي، الإعتمادات المستندية وخطابات الضمان والقوانين المنظمة لها، الجزء الثاني، الطبعة الأولى، الدوحة، 2001.
  • أحمد الزيادات، محاضرات في الإعتماد المستندي، الطبعة الأولى، دار وائل للنشر، عمان، 2000.
  • إلياس ناصيف، الكامل في قانون التجارة عمليات المصارف، الجزء الثالث، الطبعة الثانية، منشورات العويدات، بيروت، 1996.
  • علي عوض، الإعتمادات المستندية، دار النهضة العربية، القاهرة، 1993.
  • جورجيت صبحي، مبدأ الإستقلال في الإعتماد المستندي، دار النهضة العربية، القاهرة، 1992.
  • سمحية القليوبي، الأسس القانونية لعمليات البنوك، مكتبة عين شمس، القاهرة.

 

 

القوانين:

  1. القانون الاتحادي رقم (18) لسنة 1993، بشأن المعاملات التجارية، المكتبة القانونية، دولة الامارات العربية المتحدة.
  2. الممارسات والأعراف الموحدة للإعتمادات المستندية – نشرة رقم 600.

 

[1] انظر في سبيل ذلك، قانون المعاملات التجارية الاتحادي رقم (18) لسنة 1993، المواد من (439-428)

[2] كامل الوادي، الإعتمادات المستندية وخطابات الضمان والقوانين المنظمة لها، الجزء الثاني، الطبعة الأولى، الدوحة، 2001، صفحة18.

 

[3] المادة 1، الممارسات والأعراف الموحدة للإعتمادات المستندية – نشرة رقم 600، 2007.

[4] نصت المادة 4 من الممارسات والأعراف الموحدة للإعتمادات المستندية – نشرة رقم 600،  على ان ”الإعتماد بطبيعته عملية مستقلة عن عقد البيع أو غيره من العقود التي قد يستند إليها“.

[5] جورجيت صبحي، مبدأ الاستقلال في الإعتماد المستندي، دار النهضة العربية، القاهرة، 1992، الفقرة 85، صفحة 118.

[6] أحمد الزيادات، محاضرات في الإعتماد المستندي، الطبعة الأولى، دار وائل للنشر، عمان، 2000، صفحة2.

[7] المادة 2، الممارسات والأعراف الموحدة للإعتمادات المستندية – نشرة رقم 600، 2007.

 

[8] المادة2، الممارسات والأعراف الموحدة للإعتمادات المستندية – نشرة رقم 600، 2007.

[9] مرجع سابق،  محاضرات في الإعتماد المستندي، صفحة ٣.

[10] المادة 3، الممارسات والأعراف الموحدة للإعتمادات المستندية – نشرة رقم 600، 2007.

 

[11]علي البارودي، العقود وعمليات البنوك التجارية، منشأة المعارف، الاسكندرية، الفقرة 260، صفحة 368.

[12] منير الجنبيهي وممدوح الجنبيهي، أعمال البنوك، دار الفكر الجامعي، الإسكندرية، 2000، صفحة 159.

[13] سمحية القليوبي، الأسس القانونية لعمليات البنوك، مكتبة عين شمس، القاهرة، الفقرة 63، صفحة104-105.

[14] المادة 18، الممارسات والأعراف الموحدة للإعتمادات المستندية – نشرة رقم 600، 2007.

[15] المادة 19، الممارسات والأعراف الموحدة للإعتمادات المستندية – نشرة رقم 600، 2007.

[16] المادة 20، الممارسات والأعراف الموحدة للإعتمادات المستندية – نشرة رقم 600، 2007.

[17] المادة 27، الممارسات والأعراف الموحدة للإعتمادات المستندية – نشرة رقم 600، 2007.

[18] علي عوض، الإعتمادات المستندية، دار النهضة العربية، القاهرة، 1993، فقرة 196، صفحة 233.

[19] لمادة 23، الممارسات والأعراف الموحدة للإعتمادات المستندية – نشرة رقم 600، 2007.

 

[20] المادة 24، الممارسات والأعراف الموحدة للإعتمادات المستندية – نشرة رقم 600، 2007.

[21] المادة 25، الممارسات والأعراف الموحدة للإعتمادات المستندية – نشرة رقم 600، 2007.

[22] المادة 28، الممارسات والأعراف الموحدة للإعتمادات المستندية – نشرة رقم 600، 2007.

[23] مازن فاعور، الإعتماد المستندي والتجارة الالكترونية، الطبعة الأولى، منشورات الحلبي الحقوقية، بيروت، 2006، صفحة66.

[24] مرجع سابق، الإعتمادات المستدنية، صفحة 67-68.

[25] المادة 14/أ، الممارسات والأعراف الموحدة للإعتمادات المستندية – نشرة رقم 600، 2007.

[26] المادة 7، الممارسات والأعراف الموحدة للإعتمادات المستندية – نشرة رقم 600، 2007.

 

[27] المادة 9 ، الممارسات والأعراف الموحدة للإعتمادات المستندية – نشرة رقم 600، 2007.

[28] المادة12، الممارسات والأعراف الموحدة للإعتمادات المستندية – نشرة رقم 600، 2007.

[29] المادة 14، الممارسات والأعراف الموحدة للإعتمادات المستندية – نشرة رقم 600، 2007.

 

[30] المادة 14، الممارسات والأعراف الموحدة للإعتمادات المستندية – نشرة رقم 600، 2007.

 

[31] المادة 14، الممارسات والأعراف الموحدة للإعتمادات المستندية – نشرة رقم 600، 2007.

 

[32] المادة 15، الممارسات والأعراف الموحدة للإعتمادات المستندية – نشرة رقم 600، 2007.

[33] مادة 16، الممارسات والأعراف الموحدة للإعتمادات المستندية – نشرة رقم 600، 2007.

[34] المادة 33، الممارسات والأعراف الموحدة للإعتمادات المستندية – نشرة رقم 600، 2007.

 

[35] لمادة 29، الممارسات والأعراف الموحدة للإعتمادات المستندية – نشرة رقم 600، 2007.

[36] المادة 36، الممارسات والأعراف الموحدة للإعتمادات المستندية – نشرة رقم 600، 2007.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *