التحكيم والوساطة في مادة الملكية الصناعية

عيسى كتب

                                                              دبلوم الدراسات العليا في قانون الأعمال

                                                                  جامعة الحسن الثاني- عين الشق.

مقدمـة:

غالبا ما تتجسد الملكية الصناعية في هيئة منتج تجاري، فالشركات تحصل على براءات اختراع لتحقق ميزة تنافسية أو لتبقي على تلك الميزة، وذلك بتسجيل العلامات التجارية بغرض خلق القيمة المعنوية التي تؤدي إلى زيادة المبيعات وقيمة الشركة.

هذه النماذج من الملكية الصناعية تنتقل بسرعة ويسر من مكان لأخر، نتيجة لعوامل معروفة مثل تخفيف الحواجز الجمركية ووفرة وسائل الاتصال الرقمية وغيرها من الوسائل، بالإضافة إلى النمو الاقتصادي للدول والمناطق، كما أن استغلال نظام الملكية الفكرية بصفة عامة كاد يصبح دوليا تماما، خاصة وأن الملكية الفكرية هي أحد المجالات القليلة التي تنظم العلاقات الخاصة التي يغطيها عدد كبير من الاتفاقيات الموضوعية، بما في ذلك الاتفاقات ذات الأثر المباشر على مواطني الدول المتعاقدة.

 ويتعامل مالكو ومستخدمو حقوق الملكية الصناعية في إطار العولمة, في سوق يتزايد اتساعها يوما بعد يوم، ويواجهون منافسة متنامية، ودورات منتجات أقصر، وتستلزم المنافسة أن يكونوا أكفاء وسريعو التحرك، وعلى وعي بأهمية الاقتصاد في التكاليف، وعندما يثور نزاع بشأن هذه الحقوق يرغب الأطراف في حسمها بذات الأسلوب. فبدلا من الإجراءات التي تنص عليها القواعد العامة التي تتسم بالتعقيدات وارتفاع التكاليف، حيث يسعى الأطراف إلى ما يمكن أن نطلق عليه "الحلول التجارية" أي الإجراء الفعال الذي يعالج المشكلة مع الحفاظ على بقاء العلاقات التجارية والمحافظة على سمعة الأطراف.

وإن كان موضوع التحكيم في حقوق الملكية الصناعية قد أثار الكثير من النقاش، فهناك من يعتبر الأحكام المنظمة لبعض هذه الحقوق كبراءة الاختراع من النظام العام وبالتالي لا يجوز فيها التحكيم[1]، في حين لم يعتبرها البعض كذلك، لكن بالرجوع إلى الفقه المقارن نجده يميز بين حالتين[2]:

§                        الأولى تتعلق بقانونية وصلاحية الحقوق )شروطها( وكذا بطلانها فهي من الأمور التي تدخل في إطار النظام العام وبالتالي فإنها تستثنى من التحكيم[3].

§                        الثانية تتعلق بمنازعات التزييف فالفقه أنكر عنها طابع النظام العام لأنها ترتبط غالبا بالمصالح الخاصة، وبالتالي فإن اللجوء إلى القضاء الخاص بخصوصها أمر جائز.

 تجدر الإشارة إلى أننا عند الحديث عن نظام تسوية نزاعات حقوق الملكية الفكرية، فإننا نقصد النظام الذي يضطلع به مركز التحكيم والوساطة التابع للمنظمة الدولية للملكية الفكرية كهيئة دولية لها مهمة النظر في النزاعات المتعلقة بحقوق الملكية الفكرية بصفة عامة، وسنحاول من خلال هذه الفقرة إلقاء نظرة عن مزايا القضاء الخاص –خاصة الوساطة والتحكيم-مقارنة بالقضاء العادي )أولا(، دون أن نغفل عن العيوب المتوقعة منه )ثانيا(.

أولا- مزايا الوسائل البديلة لحسم نزاعات حقوق الملكية الصناعية

تدين الوسائل البديلة بقدر كبير في جاذبيتها إلى السمة الدولية للنزاعات التي تتكرر كثيرا، فالتحكيم يمثل منصة واحدة أيا كان نوع الاختصاص الذي يتعلق بالنزاع في حين أن التقاضي يشمل مجموعة من الإجراءات في مختلف الاختصاصات مما يجعل العملية أكثر تعقيدا وتكتنفها مخاطر نشوء نتائج غير متسقة مع القانون[4].

ثمة ميزات أخرى تكمن في نهائية حكم التحكيم الذي قد يكون عرضة للرد مثلا في سياق التنفيذ، إلا أنه لا يخضع للاستئناف، بل على العكس فإن أحكام المحكمة يمكن الطعن فيها بواحدة أو أكثر من درجات التقاضي[5].

كما يوفر التحكيم والوساطة للأطراف حرية اختيار صانعي القرار، كما يوفر إمكانية الحيدة والخبرة المختصة من جانب هيئة المحكمين، أو الوساطة[6]، خاصة وأن مجال الملكية الصناعية مجال تقني تتداخل فيه عدة اعتبارات منها العلمية والقانونية والاقتصادية، ومن ناحية أخرى ليس للأطراف عظيم التأثير، بل ليس لهم تأثير مباشر من حيث موضوع اختصاص المحكمة من عدمه[7].

كما تبرز حيادية التحكيم أيضا من حيث اختيار العناصر الأساسية لسير الإجراءات، كالقواعد الإجرائية والقانون الواجب التطبيق واللغة وغير ذلك من الأمور الشكلية، حيث من الجائز أن يمثل القانون الواجب التطبيق ومعرفة النظم الداخلية وسائل إستراتجية في خدمة طرف واحد في النزاع. فقواعد التحكيم تكون مختارة، حيث يكون الأطراف على علم بالقانون الواجب التطبيق مما يجعل قواعده تتسم بالمباشرة والاستقامة[8].

وتبرز ميزة أخرى للوسائل البديلة مقارنة بالقضاء تتمثل في السرية من حيث وجودها ونتائجها مقارنة بالجانب العلني الذي تتسم به إجراءات المحاكم بوجه عام[9]، فسمة الكتمان والسرية تعد نافعة جدا إذا كان مدار النزاع الأسرار التجارية والمعلومات المتعلقة ببراءة الاختراع، هذه الميزة لا تحافظ فقط على الملكية هذه الحقوق، ولكن أيضا تحول دون رفع الدعاوى القضائية من قبل الغير، وكذا إهدار حقوق ملاك هذه الحقوق.

ومن قواعد السرية أيضا أنها تحول دون إلحاق الضرر بسمعة المنتج أو مصنعه، فهي تنقد "ماء وجه التجارة" من أن يراق" فالمستثمرون لا يسعون للحصول على تراخيص استغلال براءة اختراع أثير نزاع حولها[10], أو علامات أثير تشويش حول المنتج الذي تمثله.

كما أن اللجوء إلى القضاء قد يقضي على أي خط للرجعة بين المدعي والمدعى عليه، في حين أن العكس يمكن أن يشكل حلا ملائما للنزاع فقد يرغب الشخص الذي استعمل علامة أو براءة اختراع شخص أخر دون إذنه، في الحصول هذه العلامة أو على ترخيص بالاستغلال من مالك هذه البراءة وبالتالي القضاء على أصل النزاع.

 

 

ثانيا- متى يكون الحل البديل للنزاع أقل ملاءمة

إذا كانت الحجج التي سقناها في النقطة السابقة والتي تتحدث عن المميزات التي يتسم بها الحل البديل لحسم نزاعات الملكية الصناعية، كلها ترجح كفته على كفة القضاء العادي، إلا أنه بالطبع ليس الحل الأمثل دائما، فالاعتبارات القانونية والتجارية قد تجعل –في بعض الأحوال- الأطراف ينشدون نار المحكمة ويفضلونها على جنة اللجوء إلى التحكيم أو الوساطة[11].

فقد يشعر الأطراف بأن نظام المحاكم يلبي احتياجاتهم الخاصة، كما هو الأمر مثلا بالنسبة للحالة التي تتعلق بالقضية التي يكون فيها صاحب براءة الاختراع، قد حصل على حكم من المحكمة لصالحه يريد أن يرهب المزيفين ليبتعدوا عن تزييف براءته ولينال شهرة عن طريق دعاية مجانية عن طريق نشر الحكم على نفقة المعتدي على ببراءته، وكذا إتلافه للمواد المزيفة أو التي تستعمل في التزييف التي تم احتجازها.

كما أن الحل البديل لن يكون مناسبا إذا كان الطرف الآخر غير متعاون تعاونا كاملا، وقد يحدث هذا في حالة اختلال التوازن العقدي بين الأطراف، أو إذا كان أحد الأطراف يسعى إلى ترسيخ سابقة قانونية تولد الحق.

وإذا كانت مسألة اختيار الهيئة واختيار القانون تعتبر من ميزات الوسائل البديلة، فإنه في الواقع العملي لا تشغل إلا حيزا صغيرا نسبيا من عملية الإعداد والتفاوض، تماما كتلك البنود التي تظهر عادة في الجزء الأخير من العقد والتي تفرز في الغالب في المراحل النهائية من المفاوضات، وأن هذه البنود مختصرة مما يوحي أيضا بأن الوقت الذي أنفق في مناقشتها كان قصيرا مما يجعل منها في الغالب الأعم أحكام هامشية لا تغري بالتخلي عن القضاء العادي[12].

وثمة نقطة أخرى قد تكون مؤثرة وهي حقيقة أن الاختصاص القضائي دائم ومنتظم آليا في حين أن آليات الحل البديل ترتكز بالأساس إلى اتفاق الأطراف، ومن ثم تتطلب جهدا كبيرا حتى وإن كانت النزاعات الجوهرية ستختص في الغالب بعقود الأطراف، فإن حقيقة كون الحل البديل يستمد صلاحيته من رغبة الأطراف يمكن أن يزعزع قناعتهم بجدوى هذا الحل، خاصة وأن خبرة الأطراف بالجوانب التقنية والقانونية لبراءة الاختراع تكون متواضعة جدا.

 

  ومع ذلك فإن هذه الاعتبارات تعكس في معظمها الملاحظات والموروثات أكثر منها مقارنة للأسس القانونية والتجارية لخيارات حسم النزاع، فالإدراك الكامل لمزايا الحل البديل يستلزم ثقافة قانونية منفتحة، وعلما بحقوق الملكية الصناعية، فإن كفة الحل البديل هي التي ترجح، خاصة عندما أنشأت منظمة التجارة العالمية "مركز للتحكيم والوساطة" الذي يقدم خدمات في مجال فض النزاعات عن طريق الحل البديل، حيث يمكن للأطراف الاستفادة من خدمات هذا المركز حيث تضمن تدريجيا شرط التحكيم الخاص "بالمنظمة العالمية للملكية الفكرية" فيما تبرمه من عقود يمكن أن تكون عقودا نمطية للملكية الفكرية.

 

 

الدار البيضاء: 15/06/2008

 

 


[1] – انظر بهذا الخصوص: عبد الحميد الأحدب: مفهوم النظام العام في التحكيم، المجلة المغربية للتحكيم التجاري، العدد2، السنة 2003، ص 41.

 

 

[2] – Bruno OPPETIT : "L'arbitrage en matière de brevets d'invention ", Revue de l'arbitrage, année 1979, N :1 , Janvier- Mars, p 86…

 

[3] –  بالنسبة لدعاوى التراخيص الإجبارية، فلا يجوز فيها التحكيم لطغيان الصالح العام والمنفعة العامة على مساطر منح هذه التراخيص وإجراءات تنظميها الغير متطابقة مع تدخل القضاء الخاص )التحكيم ( ونفس الشيء ينطبق على التراخيص التلقائية التي تتعلق بالمنفعة التي تخص الصحة العمومية وحاجيات الدفاع الوطني. أما المنازعات المتعلقة بشروط استغلال البراءة المفوتة بمقتضى تراخيص الاستغلال فيجوز فيها التحكيم.

 

[4] – إيريك ويليز )ترجمة محمد حسام محمود(: مركز التحكيم والوساطة التابع للمنظمة الدولية للملكية الفكرية –الطريق البديل لحسم النزعات الخاصة بالملكية الفردية-، أبحاث الجمعية الدولية لحماية الملكية الصناعية، 21-23 أكتوبر 1997، )بدون دار نشر(، ص 61.

 

[5] -نص الفصل 319 من قانون المسطرة المدنية المغربي على أنه:" لا يقبل حكم المحكمين الطعن في أية حالة".

 

[6] – نص الفصل 309 من قانون المسطرة المدنية المغربي على أنه:"يمكن للأطراف أن يتفقوا في كل عقد على عرض المنازعات التي تنشأ بصدد تنفيذ هذا العقد على المحكمين.

يمكن لهم أن يعينوا علاوة على ذلك مسبقا وفي نفس العقد إذا تعلق بعمل تجاري محكما أو محكمين. ويتعين في هذه الحالة أن يكون شرط التحكيم مكتوبا باليد وموقعا عليه بصفة خاصة من لدن الأطراف تحت طائلة البطلان.

إذا تعذر تعيين المحكمين أو لم يعينوا مقدما ورفض أحد الأطراف عند قيام منازعة إجراء هذا التعيين من جانبه أمكن للطرف الآخر أن يقدم مقالا إلى رئيس المحكمة الذي سيعطي لحكم المحكمين القوة التنفيذية لتعيين المحكمين بأمر غير قابل للطعن.

يمارس المحكمون المعينون من الأطراف أو بأمر الرئيس سلطاتهم ضمن الشروط والآجال المقررة في الفصل 308".

 

[7] – علا زهران: السبل البديلة لتسوية نزعات الملكية الفكرية ودور المنظمة العالمية للملكية الفكرية (الويبو)، www.arabtre.wipo.int  

 

[8] –  إيريك ويليز )ترجمة محمد حسام محمود(:المرجع السابق، ص 62.

 

[9] – محمد أوراغ : الوسائل الموازية لقضاء الدولة في دعم قانون الأعمال، المجلة المغربية للتحكيم التجاري، العدد 2، السنة 2003، ص 80.

 

[10]Bruno OPPETIT :op. cit. p 90.

 

[11] – Michel VIVANT : "Juge et loi du brevet –approche du droit de brevet-",  Librairies Techniques : paris 1977. p 386.

 

[12] – إيريك ويليز )ترجمة محمد حسام محمود(:المرجع السابق، ص64.

 

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

التخطي إلى شريط الأدوات