التسوية الإلكترونية لمنازعات التجارة الإلكترونية

الأستاذ محمد الأيوبي

باحث جامعي سلك الدكتوراه

جامعة محمد الأول

كلية العلوم القانونية و الاقتصادية و الاجتماعية

وجدة


     إن دخول شبكة  الأنترنت  بصورة غير مسبوقة، عالم الأنشطة التجارية و المعملات المالية، أسس لنشوء ( سوق إلكترونية)، تتم بواسطته، كل تلم الأنشطة  و المعملات، سواء تمت بين المؤسسات أو الشركات المهنية المحترفة، أو تمت بينها، و بين المستهلكين، فغدا المقصود بتعبير التجارة الالكترونية، تلك التجارة الممكنة بواسطة تقنيات عصر الأنترنيت، و التي كتب لها الانتشار، و التطور المضطرد، بفضل ما له من مميزات هي في الحقيقة ليست في ذات التبادل التجاري إنما فيما وفرته التقنية الحديثة، من تسهيلات.
    ومن الطبيعي في بيئة التجارة الالكترونية أن تظهر المنازعات تماما كما هو الحال في العالم غير الإلكتروني، لذلك اتجه التفكير إلى تسوية منازعاتها باستخدام وسائل إلكترونية بمعنى أن إجراءاتها تجري عبر شبكة الإتصال الإلكتروني، دون حاجة لتواجد أطراف  عملية التسويق في مكان واحد، فالطابع العالمي للقنوات الإلكترونية، التي تجري من خلالها إنجاز التعامل، يجعل تركيزه في مكان محدد أمر صعبا إن لم يكن مستحيلا، الأمر الذي يستبعد معه صلاحية القواعد التقليدية للاختصاص التشريعي و القضائي لحكم منازعات معاملات التجارة الإلكترونية. فظهرت فكرة البحث عن أساليب أخرى لتسوية النزاعات فيها من المرونة، ما يتجاوز تلك الصعوبات.
    إذ أن  من هذه الوسائل ما هو معروف سابقا، و لكن تم استخدام شبكة الانترنيت وسطا، أو بيئة تجرى من خلالها، و بالتالي فإن التشريعات القانونية المختلفة لم تنظمها بعد بشكل شامل و دقيق، الأمر الذي يحتم الرجوع إلى ما هو معمول به في المراكز المتخصصة، تمهيدا للوصول إلى قواعد موحدة يمكن الاسترشاد بها و تضمينها معاهدات، أو قوانين و طنية تنظمها، و لعل من أوسعها انتشارا التفاوض الإلكتروني و الوساطة الإلكترونية. إذ شاع مؤخرا استخدامهما في فض منازعات التجارة الإلكترونية، فكان لزاما التعرف على طبيعة كل منهما، أهما دوي طبيعة واحدة، أم  أنهما  يختلفان؟ و ما هو مفهوم كل منهما ؟ و هل التفاوض، أو  الوساطة اللذان يتمان عبر شبكة الإنترنت نوع واحد أم أنواع متعددة؟ و ما هي  هذه الأنواع ؟ و ما الإجراءات التي تجرى بها كل واحدة منها ؟ و ما التقييم القانوني لدور كل منهما في تسوية منازعات التجارة الإلكترونية ؟ هذا ما سنحاول الإجابة عنه في المطلبين الآتيين : 
        المطلب الأول : التفاوض عبر الوسائل الإلكترونية. 
       المطلب الثاني : الوساطة عبر الوسائل الإلكترونية. 

المطلب الاول : التفاوض عبر الوسائل الإلكترونية
يعتبر التفاوض وسيلة من وسائل تسوية المنازعات، غير أن هناك طرقا جديدة للتفاوض بدأت تجرى عبر شبكة الإنترنت، مما أوجد ما يعرف بالتفاوض عبر الوسائل  الإلكترونية أو المفاوضات المباشرة، فما هو هذا التفاوض؟ أهو شبيه بالتفاوض التقليدي؟ أم يتميز عنه؟ و ما هي أنواعه؟ ( الفقرة الأولى). وما هي الآليات المستخدمة في إجراءات كل نوع؟ و ما دوره في تسوية منازعات التجارة الإلكترونية ( الفقرة الثانية ).
الفقرة الاولى : ماهية التفاوض عبر الوسائل الإلكترونية.
    سوف نتحدث في هذه الفقرة عن مفهوم التفاوض الإلكتروني ( أولا) ثم نتناول بشكل موجز أنواع  التفاوض الآلي (ثانيا). 
أولا مفهوم التفاوض الإلكتروني
    يعرف التفاوض الإلكتروني على أنه تبادل  الاقتراحات و المساومات و المكاتبات و التقارير و الدراسات الفنية بل الاستشارات القانونية التي يتبادلها أطراف التفاوض على وسائل إلكترونية، ليكون كل منهم على بينة بأفضل الأشكال القانونية التي تحقق مصلحة الأطراف، و للتعرف على ما يسفر عنه الاتفاق من حقوق و التزامات لطرفيه.
     كما يعرف بعض الفقهاء التفاوض بشكل عام بأنه : " حوار مباشر بين الطرفين المتنازعين، سعيا لحل الخلاف، دون تدخل طرف ثالث بينهما"، فهو وسيلة من وسائل تسوية المنازعات  تقوم على تبادل وجهات النظر بين الأطراف المتنازعة، بقصد الوصول إلى تسوية يرتضيانها للنزاع ، بشكل نهائي، دون أن يتدخل بينهما أي شخص آخر، أو طرف ثالث. و أفضل تعريف أعطي للمفاوضات هي التشاور أو التواصل بقصد الإقناع.
     وتشكل المفاوضات ركنا أساسيا من الحلول البديلة في مرحلة ما قبل الوساطة. وتعد عملية التفاوض من  أعقد العمليات على الإطلاق، ففيها محاورة و مراوغة و إصرار و مثابرة. و ظهرت عملية التفاوض منذ وقت بعيد على شكل المساومة حيث يسعى كل طرف إلى تحقيق أقصى منفعة من الصفقة المتفاوض عليها نظير أدنى مقابل. ومع مرور الوقت لم تعد المسألة مجرد  مساومة تحكمها اجتهادات شخصية. و إنما علم له  قواعد و أصول أفردت لشرحها كتابات متخصصة، فالمفاوضات مهمة جدا إذا كان الفرقاء واقفين على أسس متساوية و يهدفون للمحافظة  على علاقاتهم ، فهي وسيلة  مرنة  ولا تحتاج إلى  مظاهر و شكليات لإنهاء الخلاف القائم بل مجرد تعيين المكان و الزمان و المواضيع التي تحتاج إلى حوار و نقاش جدي، و ذلك بحسن نية و رضا الأطراف أنفسهم بهدف الوصول إلى حل نقاط الخلاف فيما بينهم.
    و عملية التفاوض سواء أكانت تقليدية، أم تمت باستخدام وسائل الاتصال الحديثة، ذات عوامل مشتركة مهما اختلف الموضوع الذي يتم التفاوض بشأنه، و لهذا فإن التفاوض الذي نعنيه هنا، هو إحدى الوسائل البديلة لحل النزعات الناشئة عن عقود التجارة الدولية، التي تبرم بواسطة شبكة الانترنت، الأمر الذي يفترض أن عملية التفاوض تتم بين طرفين، أو أكثر، تربطهم علاقة تجارية أبرمت عبر شبكة الإنترنت، و يفترض أن كل الأطراف المتفاوضة تهدف من وراء هذه المفاوضات إلى الاتفاق على حل للنزاع الناشئ بينهما، غير أن ذلك لا يعني أن المفاوضات سوف تنتهي بالتفاق على الحل في جميع الحالات، ذلك أن المفاوضات، سواء أكانت تقليدية أم معاصرة، تستخدم فيها وسائل الاتصال الحديثة، تكون محاطة بظرف يؤثر في نتيجتها النهائية بشكل كبير، ولا يمكن لأي من الطرفين، أن يؤكد جازما على النتيجة التي ستؤول إليها، و لاسيما في بدايتها، خصوصا و أن الأطراف يدركون عدم وجود عنصر إلزام يوجب عليهم الاتفاق مع بعضهم، بالنظر لوجود وسائل أخرى لحل النزاع، يستطيع كل من الطرفين اللجوء إليها، إذا لم يتم التوصل إلى حل  للنزاع عبر التفاوض. 
    وكلما كبرت معرفة المفاوض بالأمر الذي يفاوض بشأنه، نوع و محل التفاوض، كلما كبرت فرص الوصول إلى تسوية للنزاع.
   ثانيا : أنواع التفاوض عبر الوسائل الإلكترونية
    ينقسم التفاوض الإلكتروني إلى نوعين رئيسيين، النوع الأول و هو تفاوض يتم بين طرفي النزاع على الأنترنت مع تدخل بعض برامج الكمبيوتر التي تعين هؤلاء الأطراف على الوصول إلى تسوية و يسمى بالتفاوض الآلي «AUTOMATE NEGOCIATION » 
و النوع الثاني تفاوض تستخدم فيه الوسائل الحديثة الإلكترونية من قبل الطرفين المتفاوضين، باعتبارها مجرد وسائل تساعد الأطراف في إكمال عملية التفاوض التي يجريانها بغية تسوية النزاع الناشئ بينهما. 
   أ – التفاوض الآلي Automate Négociation
    تمكن هذه الآلية في البحث على مصالحة عرفية بين الطرفين دون الرجوع إلى شخص ثالث، ودون تدخل بشري في عملية التسوية، و ذلك عن طريق عروض مرموزة مقدمة من جانب طرفي النزاع و التي يقوم  الحاسب الآلي بإجراء المقارنة بينهما للتوصل إلى حل وسط توفيقي بينهما، و يلتزم الطرفان مسبقا بالحل الذي ستسفر عنه هذه المفاوضة.
     وتلتقي الاطراف المتنازعة على شبكة الانترنيت، للتفاوض بصورة مباشرة و دون تدخل طرف ثالث، غير أن عملية التفاوض، تكون مقيدة ببرامج الكومبيوتر المدخلة سابقا من قبل مراكز التسوية الإلكترونية ( ORD)، مثل مركز The Claim Room،  و مركز Click Settle، و مركز Cyber Settle، الذي يعد من اول مراكز التسوية التي قدمت برامج للتفاوض.
    ويبدأ برنامج التفاوض اللآلي الذي يستخدمه مركز Cyber Settle، بإعطاء رقم سري لكل طرف من أطراف النزاع، و بهذا الرقم يستطيع كل منهم الدخول إلى الصفحة على الموقع Cyber Settle، ثم يطلب من كل طرف إدخال ثلاثة أرقام مختلفة، و هذه الأرقام تعتر عن المبالغ التي يمكن أن يقبلها الطرفان لتسوية النزاع، و بذلك يدخل المدعي ثلاثة أرقام تمثل المبالغ التي يمكن أن يقبلها في التسوية، على أن يدخل المدعى عليه أرقاما تمثل مبالغ أقل بطبيعة الحال من التي أدخلها المدعي، و يأتي عند ذلك دور البرنامج الإلكتروني، الذي يجري مقارنة بين المبالغ المطروحة من الطرفين، فإذا تطابقا بين الرقمين، كان ذلك بداية التسوية (30%)، فإن وجد البرنامج فرقا بين مبلغين، ضمن حدود هذه النسبة ، يقوم البرنامج بحساب متوسط هذين المبلغين، ليحدد – في النهاية – المبلغ المستحق، و ذلك بصورة إلكترونية.
    هذه ألآلية عرفت حديثا ب ( المناقصة العمياء)، لأنها تقوم على تقديم الطرفين ( عطاء) أو ( مبلغا) موافقا عليه من قبلهما، كبداية لتسوية، و ذلك على صورة مبلغ نقدي في المنازعات المالية، أو بصورة تسوية موضوعية، في المنازعات التي يكون موضوعها أمورا غير نقدية، و الفكرية الرئيسية هي أن المركز الذي تجري عملية التفاوض عبره، يحرص على بقاء الأرقام المقدمة من الطرفين المتنازعين، سرية إلى أن تقترب من بعضها لحد يسمح بإجراء تسوية مقبولة بينهما، عن طريق تسوية الخلاف على أساس معدل حسابي بين الرقمين المقدمين لغرض حسم النزاع.
    ولما كانت الآلية التي يستخدمها مركز تسوية Cyber Settle، تخص المنازعات المالية التي يقع الخلاف فيها بين الطرفين حول مبالغ مستحقة لبعضهم، لذا أوجدت مراكز تسوية أخرى مثل مركز تسوية Smart Stelle، برنامجا يمكن أن يستخدم في جميع أنواع المنازعات، و منها المنازعات المالية، أسماء Multi Variable resolution optimisation programs ، أو ( برنامج تقدير الحلول)، و يقوم هذا الرنامج – أساسا –  على طرح جملة من الأسئلة التوقيعية، تتعلق بتحديد موضوع النزاع بدقة، بهدف تحديد النقطة التي ينصب عليها الخلاف، و مدى إمكانية التوصل إلى تسوية مرضية، و ما هي نسبة التنازل التي يمكن أن يقدمها كل من الطرفين ، أو المعدل المقبول من أطراف النزاع للتنازل عنه، و غير ذلك ، مع منح أطراف النزاع فرصة التفاوض المباشر بينهما بالشكل الذي يساعدهما في تعديل ما يتوصلان إليه من حلول، بغية إيجاد تسوية نهائية للنزاع.
     ومن الجدير بالملاحظة، أن حرية الطرفين في التفاوض ليست مطلقة، من حيث المدة الزمنية التي يجب أن تستغرقها، إذ توجب بعض المراكز، توصل الأطراف إلى تسوية و إنهاء المفاوضات، سلبا أو إيجابا، خلال مدة لا تتجاوز (30) يوما من تاريخ بدء المفاوضات، يبادر المركز بنهايتها إلى غلق صفحة التفاوض الإلكتروني بشكل تلقائي،  ما لم   يقدم الطرفان  أسباب وجيهة تستوجب   منحهما مهلة إضافية ، يتوقف أمدها على ما   يقدمانه  من أسباب، وهناك مراكز أخرى،  تحدد المدة التي يجب على طرفي المفاوضات المباشرة التوصل خلالها إلى تسوية للنزاع ، ب  10 أيام ، يتعهد الطرفان، بإحالة النزاع، عند انتهائها دون التوصل إلى تسوية، المركز ليتولى تعيين  وسيط يساهم في تسوية النزاع، أو اللجوء إلى وسيلة أخرى من وسائل التسوية البديلة، و بالتالي فإن هذا التقييد للمدة التي يجب من خلالها تسوية النزاع، فإن أمر إيجابي لوضع حد لأساليب المماطلة و التسويف، التي  قد يلجأ إليها أحد الأطراف                 .
     ب- التفاوض بمساعدة الكمبيوتر ( assiste négociation)
     يتم التفاوض بين الاطراف  المباشرة على الأنترنت دون استخدام برامج الكمبيوتر الخاصة للتسوية كما هو الحال في التفاوض الآلي، و إنما يبقى الحاسوب مجرد و سيلة اتصال بين الأطراف لتبادل وجهات النظر و الحلول المقترحة لتسوية المنازعة، كما تظهر خاصية مساعدة الكمبيوتر من خلال تمكين الأطراف من استخدام برامج الاتصال و تحميلها، و تسهيل دخولهم إلى المواقع الألكترونية المؤمنة أو تقديم برامج تدير الحوار بينهما و تطرح عليهما حلولا نمودجية أو حلولا تم التوصل إليها من قبل في منازعات مشابهة.
    ويعد مركز Square Trade،  من بين أهم المراكز التي تستخدم التفاوض بمساعدة الكمبيوتر و الذي حقق نجاحا كبيرا في تسوية المنازعات، حيث أعلن المركز أن نسبة 80% من حجم المنازعات التي تم التفاوض حولها عن طريقه قد تم حلها بالمفاوضات المنظمة من طرف الحاسوب ، ولعل ما يبرر فعالية مركز Square  trade، هي بساطته و سهولة الإجراءات المتبعة خلال مرحلة التفاوض، بحيث تبدأ بتقديم الطرفين، أو أحدهما إلى المركز طلبا إلكترونيا، يتضمن البيانات الرئيسية عن  الطرفين، وعن موضوع النزاع و أسبابه، فإذا كان الطلب مشتركا تبدأ عملية التفاوض، أما إذا كان الطلب مقدما من أحدهما، فعندئد يتم إخطار الطرف الآخر، برغبة مقدم الطلب التفاوض معه، فإن قبل، تبدأ عملية التفاوض، و أما إذا أجاب بالرفض أو امتنع عن الإجابة، خلال المدة المحددة له، فإن مرحلة المفاوضات المباشرة تعد منتهية قبل أن تبدأ.
     و يتمثل دور المركز، في حالة تسلمه طلبا مشتركا من الطرفين، أو طلبا منفردا، و يوافق الطرف الآخر عليه، في إرسال كلمة المرور السرية الخاصة بالصفحة الإلكترونية، التي تخصص للنزاع، على  الموقع الإلكتروني للمركز، إلى الطرفين ليتفاوضا من خلالها، مع التأكيد عليهما بأن المدة التي يتوجب عليهما التوصل خلالها إلى تسوية، يجب أن لا تزيد عن 30 يوما. إلا أنه غالبا ما تستغرق عملية التفاوض من 10 إلى 14 يوما استنادا لمدى تفاعل النتفاوضين و سعيهم لحل نزاعهم. 
    وقد لاقت هذه الطريقة في فض المنازعات إقبالا واسعا، لما لمسه المتنازعان- إلى جانب ما تقدم من أسباب – من توفير للوقت و المال، و خصوصا العاملين منهم في حقل التجارة الإلكترونية  و الذين تتجاوز اعمالهم الحدود الجغرافية التقليدية. 
الفقرة الثانية : دور التفاوض عبر الوسائل الإلكترونية في تسوية منازعات التجارة الإلكترونية.
    عند النظر إلى المفاوضات المباشرة كوسيلة لتسوية المنازعات الناجمة عن عقود التجارة الإلكترونية، يمكن القول أنها بنوعيها الآلي و الجاري عبر الإنترنت، تمثل وسيلة مفيدة  لتسوية و حسم عدد كبير من المنازعات، و خاصة تلك التي تكون قيمتها المادية ضئيلة، و بالذات منها عقود الاستهلاك، ذلك أنه و مع المميزات التي توفرها المفاوضات باستخدام  الوسائل الإلكترونية، من سهولة اللجوء إليها، و قلة تكاليفها، و سرعة حسم النزاع من خلالها، نجد أنها وسيلة تصلح لحسم عدد كبير من النزاعات التي قد لا تستوجب لجوء أطرافها إلى وسائل تقاضي أكثر تعقيدا  و تكلفة.
    وعلى الرغم من هذه المميزات، يعتقد البعض أن أهم سلبية في التفاوض كوسيلة لحل المنازعات، هي أن الأطراف المتفاوضة تضع في حساباتها، منذ بدء عملية التفاوض، أنها ليست ملزمة بحل النزاع  عبر هذه الوسيلة ، لذلك يشير الواقع العملي إلى ان كل طرف يضع في ذهنه عند التفاوض اعتبارات معينة، و يتبع أسلوبا محددا للوصول إليها في المفاوضات، ونرى أن هذه المسألة لا تنقص من قيمة  التفاوض كوسيلة بديلة، لأنها ليست مسألة قانونية تحتاج إلى حلول بقدر ما هي أمر يعود إلى الخصوم أنفسهم.
    وعند تقييم التفاوض اللآلي، قياسيا إلى التفاوض عبر شبكة الانترنت، نرى تفضيل التفاوض عبرالأنترنت، و الوسائل الحديثة للاتصال، على التفاوض ( الآلي)، نظرا للمميزات التي يتمتع بها التفاوض عبر الانترنت، و التي سبقت الإشارة إليها، ومرد ذلك هو إمكانية بروز دور العنصر البشري في التفاوض المباشر الذي يتم بواسطة الأجهرة الحديثة، و منها شبكة الإنترنت، بعكس التفاوض الآلي، الذي يطغى فيه دور الآلة على دور الأطراف المتفاوضة، ذلك أن التفاوض عبر شبكة الانترنت، يقترب من اللقاء المباشر بين الطرفين المتنازعين، الأمر الذي يزيد من فرص الوصول إلى تسوية للنزاع، نظرا لإمكانية  الأخد و الرد  بين الأطراف، هذا فضلا على أنه بإمكانهم – أي الأطراف – في أي مرحلة اللجوء إلى القضاء الرسمي، وهو أمر و إن كان يمثل في شق منه عنصرا سلبيا يقلل من قيمة المفاوضا كوسيلة لتسوية المنازعات، إلا أنه من جانب ثان، يعطي مرونة و حرية أكثر، للطرف الذي لا يجد في المفاوضات، سبيلا منصفا لحل نزاعه، في العدول عنه.
ومن الجدير بالذكر أنه سواء تم التفاوض آليا و عن طريق مساعدة الكمبيوتر،  فإن للأطراف دائما أو لأحدهما حق رفض التسوية التي يصل إليها الكمبيوتر في التفاوض الآلي، أو التي يطرحها الطرف الآخر في التفاوض بمساعدة الكمبيوتر. فالمفاوضات تتميز بصفة عامة بالطابع غير الملزم، و يتوقف نجاحها دائما على قبول الطرفين معا للمشرع المقترح للتسوية.
    ولا بد من الإشارة إلى أن قوة الإنسان التفاوضية لها أكثر من مردود اجتماعي و عملي، حيث أن المفاوضات  بهدف المصالحة تلعب دورا مهما على الصعيد الاقتصادي و التجاري في حل النزاعات، و على المفاوض كلما تحلى بحنكة ودراية أصولها فإن حظوظه بالنجاح في الوصول إلى الحل الودي سوف تزداد، خصوصا إذا تم تشخيص موضوع النزاع قبل اللجوء إلى المفاوضات، ووضعه ضمن أطره الواقعية بعيدا عن المشاعر و الانفعالات الشخصية. ولا بد من الاعتراف بأن الجهة المفاوضة الأخرى هي أيضا صاحبة حقوق و إن هدف المفاوضات ليس إقناع الغير بالتنازل عن حقوقه، بل التوصل إلى حلول مشتركة ترضي الجميع، و يفترض أيضا عدم التركيز على حل واحد للنزاع بل الإتيان بحلول عدة لتوسيع حلقة المفتوضات و حظوظ نجاحها. لكي نعطي المفاوضات ثمارها بهدف التوصل إلى حل ينهي النزاع و يعيد أطرافه إلى الحالة التي كانوا عليها قبل نشوء النزاع. لابد من تسهيل تعقيدات موضوع النزاع بتجزئة إلى مفاصل و العمل على حل كل مفصل بحد ذاته. 
ومن الضروري أن نشير هنا إلى أن عدد المنازعات التي يتم تسويتها بالتفاوض بمساعدة الكمبيوتر كبيرة جدا بالمقارنة بغيرها من  وسائل التسوية الإلكترونية الأخرى بما فيها التحكيم و الوساطة ويمكن أن نذكر هنا على سبيل المثال أن في موقع (square trade  أكثر من 60% من المنازعات التي تطرح على هذا الموقع ، يتم تسويتها في مرحلة المفاوضات بمساعدة الكمبيوتر، و ذلك قبل الانتقال إلى الوساطة التي يقدمها أيضا هذا المركز، وهو ما يمكن أن يؤخد في الاعتبار عند تقدير مدى نجاح هذا النوع من التفاوض.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *