التوجه العقابي لقضاء الأحداث

 

 

 

 

 

إن الحكمة من اعتماد التشريعات الجنائية للأعذار القانونية المخففة للحدث الجانح هي تجنيبه قسوة الحياة السجنية وما يمكن أن تخلفه من آثار نفسية سلبية، إضافة إلى أن إجرام الحدث في هذه المرحلة ورغم خطورته في بعض الأحيان لا يعد سببا كافيا لمعاقبته[1] والتشدد معه بشكل يجعل الأسلوب المتبع ذو طابع عقابي ردعي أكثر مما هو إصلاحي تربوي هدفه تأهيل الحدث وإعادته للمجتمع بشكل أفضل لكي يندمج فيه ويصبح عضوا فاعلا في المستقبل.

لكن على مستوى التشريع المغربي نرى مجموعة من الثغرات في هذا الباب التي تعطي الأولوية للتوجه العقابي من خلال بعض النصوص القانونية (المطلب الأول)، مما ينعكس سلبا حتى على قاضي الأحداث في اختياره بين العقوبة والتدبير (المطلب الثاني).

 

المطلب الأول: على المستوى التشريعي

 

يعرف التشريع الجنائي المغربي الخاص بالأحداث عدة اختلالات تحد من فعالية الحماية التي انطلق منها المشرع المغربي وراهن عليها، فهي تحد بشكل كبير من مبدأ المصلحة الفضلى للحدث، من  خلال الجزاء الجنائي المطبق عليه، سواء بالنسبة للعجز التشريعي أو تأثير الواقع العملي عليه.

ومن أهم هذه الاختلالات على هذا المستوى هناك إشكالية الجمع بين التدبير والعقوبة والتي تعكس بشكل كبير قاعدة أولوية العقوبة على التدبير (الفقرة الأولى)، إضافة إلى عدم وجود بدائل بشكل يجعل من العقوبة السالبة للحرية استثناءا فعليا (الفقرة الثانية).

الفقرة الأولى: أولوية العقوبة على التدبير

أقرت مجموعة من التشريعات المقارنة ثنائية التدبير والعقوبة في تعاملها مع الأحداث الجانحين، واعتبرت أن الأصل هو التدبير، والاستثناء هو العقوبة والمشرع المغربي بدوره لم يخرج عن هذه القاعدة حيث نص على أنه “يمكن لغرفة الأحداث بصفة استثنائية، أن تعوض أو تكمل التدابير المنصوص عليها في المادة السابقة بعقوبة حبسية أو مالية بالنسبة للأحداث الذين تتراوح أعمارهم ما بين 12 و18 سنة”[2].

من خلال هذه المادة يتبين أن المشرع المغربي لم يكن صائبا في تعامله مع الحماية المقررة للأحداث الجانحين فمسلك الجمع بين العقوبة والتدبير هو مسلك غير سليم من حيث المنهج والمضمون، وهذا ما أوصى به المؤتمر الدولي للعقوبات الذي انعقد في لاهاي سنة 1950، وكذلك المؤتمر الدولي السادس للعقوبات الذي انعقد في روما سنة 1953 والذي أوصى أيضا بعدم جواز إضافة العقوبة للتدابير بحيث لا يجوز إخضاع الحدث المدان بالتتابع لنوعين مختلفين من العلاج[3].

حيث يعد إقرار مبدأ الجمع بين العقوبة والتدبير في المادة 482 تراجعا من مبدأ استثنائية العقوبة في قضايا الأحداث وأولوية التدابير المقررة لهم خاصة وأن المشرع المغربي أقر بأسبقية التطبيق بالنسبة للعقوبة الحبسية على التدبير، فهذا التوجه غير صائب بتاتا لأن الاستثناء يظل استثناء ولا يجوز بأي حال من الأحوال إقرار أسبقية الاستثناء على الأصل[4].

فهذا التوجه يدل دلالة قاطعة على تمسك المشرع المغربي بأولوية الزجر في تعامله مع الأحداث الجانحين، وعدم اقتناعه بجدوى الوسائل التربوية العلاجية، وقد تأكد أن تطبيق العقوبة السالبة للحرية قبل التدبير له عدة جوانب سلبية، حيث يتأثر الحدث المودع بالمؤسسة السجنية بالمحيط السجني ويكتسب عن وعي أو بدونه مجموعة من السلوكات السلبية، وبعد نقله إلى مؤسسات حماية الطفولة لتنفيذ التدبير ينقل معه هذه السلوكات إلى المؤسسة، حيث يؤثر على نزلائها بسلوكاته، مما يمس السير العادي لها[5].

وبالتالي يتضح أن الجمع بين العقوبة والتدبير له من السلبيات أكثر ما له من الإيجابيات، مما يتعين معه تنفيذ مسلك واحد في معالجته لقضايا الأحداث في ظل اعتماده على مبادئ التكريم والعناية واحترام المصلحة الفضلى للطفل. فالحكم على الحدث بعقوبة حبسية من شأنه أن يؤدي إلى تضخيم أزمة الحدث الجانح الشيء الذي لن ينفع بعده تدابير الحماية أو التهذيب التي تتعارض مع أسبقية العقوبة السالبة للحرية في مؤسسة سجنية. فهذه الإشكالية ظهرت في الواقع الميداني نظرا لما خلفه تطبيق هذه المادة حيث تبين أن الأحداث الذين يحالون على مراكز حماية الطفولة بعد خروجهم من السجن مباشرة يتميزون بعدم الاستقرار النفسي، ويشكلون خطرا على باقي الأحداث النزلاء داخل هذه المراكز نظرا لكونهم اكتسبوا سلوكات سلبية داخل المؤسسات السجنية من جراء اختلاطهم بذوي السوابق والمجرمين المحترفين، الشيء الذي ينعكس على سلوكاتهم وبالتالي يؤثر على الجو العام لمؤسسات حماية الطفولة وعلى السير التربوي، بالإضافة إلى كون المؤسسات التربوية غير مؤهلة على مستوى الإمكانيات المادية والبشرية لعلاج مثل هذه الحالات، ولهذا وجب على المشرع تعديل هذه المادة والتأكيد على عدم أسبقية تنفيذ العقوبة على التدبير ولم لا حذف العقوبة السالبة للحرية في قضايا الأحداث،وتعويضها بترشيد ازدواجية التدبير القضائي كالإيداع بمركز الملاحظة وتطبيق نظام الحرية المحروسة، وهو ما يستوجب إيلاء الأحداث الخاضعين لمثل هذه التدابير عناية خاصة[6].

الفقرة الثانية: عدم إقرار بدائل العقوبة السالبة للحرية

بالرجوع لمقتضيات المادة 481 من ق.م.ج يتضح أن المشرع المغربي حاول أن ينوع من التدابير الإصلاحية نظريا من أجل تفعيل مبدأ استثنائية العقوبة في حق الحدث. إلا أن المتمعن فيما جاءت به هذه المادة يتبين له واقعيا عدم وجود مجموعة من المؤسسات التي جاءت بها هذه المادة عمليا، وبالتالي عدم تفعيلها كما لو لم ينص عليها المشرع أصلا، فالقاضي لا يلجأ إليها لعدم وجودها مما يؤثر على خيار العقوبة كحل بالنسبة للقاضي في كثير من الحالات.

وكذلك عجز باقي التدابير الإصلاحية عن تحقيق الغرض المتوخى منها، يؤدي في الغالب إلى التقييد من السلطة التقديرية لقاضي الأحداث، بحيث لا يجعل من أولوياته البحث عن مصلحة الحدث الفضلى بنفس القدر الذي يبحث فيه عن مصلحة المجتمع والمتمثلة في مواجهة الجريمة المرتكبة من طرف الحدث عن طريق الحكم بعقوبة حبسية أو مالية[7].

إن التغلب على مثل هذه الإشكالات لن يتأتى إلا بتعزيز المادة 481 ق.م.ج بتدابير جديدة وبديلة تأخذ بعين الاعتبار الإمكانيات المادية للدولة، وهو الأمر الذي تؤكد عليه قواعد بكين[8] حيث يجب أن تتاح للسلطة المختصة مجموعة من التدابير المتنوعة من تدابير التصرف، وتوفر لها من المرونة ما يسمح إلى أقصى قدر ممكن بتفادي اللجوء إلى الإيداع في المؤسسات الإصلاحية.

ومن التدابير التي من الممكن اعتمادها بالنسبة للمادة 481 هناك:

– العمل للمنفعة العامة أو العمل تعويضيا للضحية والتي تكون بتكليف الحدث بعمل من الأعمال لمدة معينة ولعدد من الساعات تحدد يوميا وذلك من أجل تعويض الضحية عما لحق به من ضرر في حالة موافقة الحدث والضحية على هذا الإجراء[9].

– الالتزام بواجبات معينة: ويعتبر هذا التدبير مقيدا لحرية الحدث إذ يفرض عليه بعض الالتزامات وهو ما عرفه المشرع المصري[10] بأنه “الالتزام بواجبات معينة يكون بحظر ارتياد أنواع من الأماكن أو بفرض الحضور في أوقات محددة أمام أشخاص أو هيئات معينة أو بالمواظبة على بعض الاجتماعات التوجيهية، أو غير ذلك من القيود، ويكون الحكم بهذا التدبير لمدة لا تقل عن ستة أشهر ولا تزيد عن 3 سنوات.

هذا إضافة إلى نظام المراقبة الإلكترونية –كتدبير رهين بارتكاب الحدث لجرائم معاقب عليها بسنة حبسية[11].

لتمثل لحظة مهمة في تاريخ العقوبة إلى الحد الذي دفع البعض إلى القول بأن وجودها قد مثل بداية الإعلان عن نهاية السجن، كمؤسسة عقابية ويحل محله الحبس في المنزل تحت المراقبة الإلكترونية[12].

إن هذه التدابير التي تبنتها أغلب الدول الأجنبية لا تجد لها سبيل في التشريع المغربي باستثناء إيقاف التنفيذ الذي نص عليه المشرع المغربي[13]. إذ يعتبر من بين التدابير المتخذة بشأن الأحداث، ولكن بالرغم من أهميته إلا أنه لا يجد صدى كبير في الواقع العملي[14].

إضافة إلى ذلك نجد تعرقل مسار العدالة التصالحية الخاص بالأحداث التي لا يلجأ إليها كثيرا وتعتريها عدة معيقات قانونية سواء من حيث ارتباطه بموافقة الأطراف أو من حيث عدم وجود ما يلزم النيابة العامة من خلال المواد 461 و41 من ق.م.ج على إجراء الصلح، وتطبيق مسطرته، فعدم إقرار رقابة وجزاءات من طرف المشرع في حالة عدم تطبيق المسطرة يؤدي إلى تحفظ القضاء عن ممارستها بحيث يبقى لأعضاء النيابة العامة حرية اختيار هذا الإجراء أو التغاضي عنه[15].

مما يجعل الغرض الذي من أجله جاءت فلسفة الصلح وخاصة في قضايا الأحداث لتجنيبهم المساطر القضائية وإجراءاتها ليس على إطلاقه ويعيق كذلك سياسة تأهيل الأحداث خلال المراحل الأولى لبدء الإجراءات.

 

المطلب الثاني: على المستوى القضائي (محكمة الاستئناف بفاس نموذجا)

رغم أن المشرع المغربي أوجب التخفيف الوجوبي للعقوبة السالبة للحرية في مواجهة الأحداث، إذ نص على أن العقوبة تخفض في حديها الأعلى والأدنى إلى النصف[16]، إلا أن تلك العقوبات وإن كانت في صورتها المخففة لازالت تعتبر تدبيرا جسيما في حق الأحداث[17].

وبالتالي فالعقوبة في حد ذاتها تعتبر خيار غير مجدي عمليا لكن التوجه العقابي في معاملة الأحداث يظهر بشكل جلي من خلال ترسيخه قضائيا (الفقرة الأولى)، من حيث اتجاه غالبية قضاة الأحداث، وكنموذج لذلك لجوء محكمة الاستئناف بفاس إلى اعتماد العقوبة كأساس للردع العام والخاص رغم أن هذه العقوبة أثبتت فشلها في تحقيق ذلك (الفقرة الثانية).

 

الفقرة الأولى: خرق قاعدة استثنائية العقوبة

تقتضي خصوصية الحدث الأخذ بفكرة المعرفة بالظروف والأسباب المحيطة بالجريمة المرتكبة من قبل الحدث الجانح آخذين بعين الاعتبار شخصية الجاني وطبيعة الخطورة الإجرامية المرتبطة بالفعل وعلاقته بالمجتمع من أجل تفريد المعاملة[18]، وهذه المهمة من اختصاص القاضي المكلف بالأحداث الذي يعمل على اختيار التدبير المناسب للحدث وفقا لشخصية هذا الأخير وما تتطلبه من جانب الإصلاح والتقويم.

فمن خلال الاطلاع على مجموعة من الأحكام والقرارات القضائية والسجل الخاص بالأحداث داخل محكمة الاستئناف بفاس وخاصة غرفة الجنايات للأحداث والغرفة الجنائية الاستئنافية للأحداث يتضح لنا بالملموس أن القضاء لازال لم يرتقي بعد للاعتبارات التي تنطوي عليها عدالة الأحداث كما هو متعارف عليه دوليا، وحتى كما جاء في فلسفة المشرع المغربي النظرية من خلال قواعد المسطرة الجنائية.

فالتوجه العقابي في إدارة شؤون الأحداث قضائيا مازال قائما من خلال الجزاء المطبق حيث أن أغلبية القضاء يعتمدون المفهوم التقليدي في علم الإجرام فالهدف ليس هو الإصلاح والتهذيب بقدر ما هو الإيلام والعقاب من أجل تحقيق الردع العام والخاص والذي أثبت العقوبة السالبة للحرية تعثره، فالقاضي لا ينظر لشخصية الحدث والظروف التي أدت به إلى طرق باب الجريمة في وقت مبكر من عمره أكثر مما ينظر إلى خطورة الفعل المرتكب من طرف الحدث، ويرى الحل هو الزج به في السجن لردعه.

وكثيرة هي الأحكام والقرارات التي طبقت فيها هيئة الأحداث القضائية العقوبة السالبة للحرية[19] والتي تعكس بشكل كبير عدم وجود فوارق كثيرة بين التعامل مع الأحداث والرشداء على حد سواء وهذا الأمر يمكن اكتشافه من خلال أنواع التدابير المتخذة في حق الأحداث خلال سنوات 2016 و2015.

إحصائيات 2015 الصادرة عن محكمة الاستئناف بفاس

  التسليم إلى العائلة تطبيق نظام الحرية المحروسة إيداع بمؤسسة طبية إيداع بمؤسسة تربوية إيداع بمؤسسة سجنية إيداع تحت الكفالة البراءة التوبيخ عقوبة حبسية نافذة عقوبة حبسية موقوفة غرامة نافذة
العدد 3 0 0 0 71 0 17 0 71 43 0

 

 

 

إحصائيات 2016

  التسليم إلى العائلة تطبيق نظام الحرية المحروسة إيداع بمؤسسة طبية إيداع بمؤسسة تربوية إيداع بمؤسسة سجنية إيداع تحت الكفالة البراءة التوبيخ عقوبة حبسية نافذة عقوبة حبسية موقوفة غرامة نافذة
العدد 4 0 0 5 58 0 4 0 65 20 0

 

فمن خلال هذه الإحصائيات نجد أن العقوبة السالبة للحرية تتربع الصدارة داخل الاختيارات المعمول بها من طرف قضاة الأحداث، سواء بالنسبة للجزاء الجنائي المحكوم به أو بخصوص قضاة التحقيق بشأن خيار الاعتقال الاحتياطي، وهذا راجع لعدم الدراسة الكافية لشخصية الحدث الجانح خلال كل مراحل المحاكمة ومعرفة الأبعاد الخاصة بهم والتي أدت بهم لارتكاب الجريمة.

فحتى النسق العام للظاهرة الإجرامية التابعة لاستئنافية فاس نجد هيمنة جريمة السرقة الموصوفة كأكثر الجرائم ارتكابا من طرف الأحداث، وهذا ما يتضح من خلال الإحصائيات الصادر عن محكمة الاستئناف بفاس لسنة 2016[20].

الجرائم المرتكبة من طرف الأحداث خلال سنة 2016

 

أنواع الجرائم

القضايا المسجلة الأشخاص المتابعون  

المجموع

ذكور إناث أجانب
القتل العمد 1 1 0 0 2
التسميم 0 0 0 0 0
الضرب والجرح المفضي إلى الموت دون نية إحداثه 1 1 0 0 2
الضرب والجرح المفضي إلى عاهة مستديمة 9 9 0 0 18
السرقة الموصوفة 78 115 3 0 196
إخفاء أشياء متحصلة من السرقة 1 1 0 0 2
الاغتصاب 2 2 0 0 4
الاغتصاب الناتج عنه الافتضاض 1 1 0 0 2
هتك العرض بالعنف 19 21 0 0 40
شهادة الزور 0 0 0 0 0
إضرام النار 2 2 0 0 4
الإحراق العمدي 0 0 0 0 0

وهذا ما يبين الطابع الاقتصادي والدافع الاجتماعي للجريمة أكثر منه إلى أسباب الخطورة الإجرامية الدفينة في الحدث مما يستوجب معه إعادة النظر في السياسة المتبعة من طرف الدولة بكل مؤسساتها ككل، وليس فقط القضاء والمشرع من أجل السيطرة على ظاهرة جنوح الأحداث عبر توفير وتسخير الإمكانيات المادية والبشرية الكفيلة بالوقاية من الظاهرة وليس العمل على علاجها بوسائل محدودة وغير فعالة كما هو عليه الوضع حاليا.

 

الفقرة الثانية: عجز العقوبة السالبة للحرية عن تأهيل الحدث الجانح

 

تعتبر مرحلة التنفيذ من أهم وأخطر المراحل التي تضع المحكوم عليه الحدث وجها لوجه أمام جهاز تنفيذ العقاب، وهذا ما دفع بمختلف التشريعات إلى تطوير نظام العقوبات وأنسنته والتركيز على تأهيل المحكوم عليه[21].

وبالتالي فالحكم على الحدث بعقوبة سالبة للحرية لا ينبغي اللجوء إليها إلا كاستثناء وتجنبها ما أمكن الوضع في السجون المخصصة للراشدين لأنه قد ينتج عن هذا الاختلاط استغلال الأحداث[22]، وكذا فإن احتكاكهم بالعتاة من المجرمين سوف يجعل من السجن بالنسبة للحدث الصغير مدرسة كبرى يتلقى فيها أخطر المؤثرات الإجرامية، فإذا خرج إلى المجتمع مرة أخرى انتقل من مجرد ولد شقي أو مارق من السلطة الأبوية إلى لص أو مزور أو قاتل أو سفاح[23].

فالعقوبة السالبة للحرية بالمغرب المتخذة في حق الأحداث تعاني صعوبات كثيرة وأثبتت عدم فعاليتها في تقديم سلوك الأحداث المحالين عليها، والتي مازالت تعتمد على الفضاءات السجنية الخاصة بالرشداء وإشكالية الاختلاط بهؤلاء وما له من آثار وخيمة على حقوق وخصوصية الأحداث فرغم وجود مراكز الإصلاح والتهذيب على قلتها، إلا أنها لم تثبت نجاعتها وفعاليتها في وظيفتها المتمثلة أساسا في إعادة تربية الحدث وتأهيله، فعددها لازال جد محدود ولا يغطي جميع مناطق المملكة، وهنا تبقى السجون هي المعول عليها في إعادة إدماج الأحداث الجانحين على الرغم مما لها من خطر على مستقبلهم، وخاصة في ظل الوضعية المزرية التي تعرفها السجون بالمغرب.

فبصرف النظر عن العديد من أوجه الحرمان التي تؤدي إليه العقوبات السالبة للحرية بالنسبة للحدث نجدها تطرح أزمة لا تقل حدة عن سابقتها تتمثل في الأوضاع السجنية وما تطرحه من ظاهرة الاكتظاظ[24]، الأمر الذي يجعل من الصعب تطبيق البرامج الإصلاحية الخاصة بالأحداث من أجل إعادة تأهيلهم وإدماجهم لعلاج مواطن الإجرام لديهم داخل هذه المؤسسات السجنية.

وما يؤكد ذلك فشل هذه المؤسسات سواء نتيجة الضعف المادي المرصود لها أو من خلال عدم وجود أطر متخصصة في مجال تربية وتقويم الأحداث من أجل المساهمة في تأهيلهم وإعادة إدماجهم في المجتمع.

فعملية الإصلاح تعمل على تغيير سلوك الحدث، إذ بمقتضاها تمكن الحدث من تجاوز حالة الاستهواء للفعل الجانح وتوقيه من العود إلى الجريمة مستقبلا[25]، لكن فشلها قد يؤدي إلى إعادة إنتاج الجنوح.

هذا الوضع ساهم بشكل كبير في تكريس أزمة السياسة العقابية بالمغرب وعدم تحقيقها لأهداف الإصلاح والتهذيب.

الأمر الذي أدى ببعض التشريعات والفقه إلى الاستعاضة عنها بتدابير بديلة[26] وإلغاء العقوبات بصورة كلية أو جزئية عن طريف الحد منها أو التقليل من اللجوء إليها.

خاتمة:

خلاصة القول أن العقوبات السالبة للحرية لها عدة مساوئ خصوصا وأن أماكن تنفيذها بعيدة عن ما تتطلبه سياسة الإدماج والتأهيل بالنسبة لخصوصية الحدث، مما يجعل الأحداث لا يتجاوبون بالشكل المطلوب مع البرامج الإصلاحية المطبقة[27].

 

 

 

[1] – فيصل الإبراهيمي، “السلطة التقديرية لقاضي الأحداث بين التدابير والعقوبات”، بحث لنيل دبلوم الدراسات العليا المعمقة في القانون الخاص، وحدة التكوين قضاء الأحداث، كلية الحقوق فاس، جامعة سيدي محمد بن عبد الله، 2007-2008، ص. 43.

[2] – المادة 482 من ق.م.ج.

[3] – حسن الجوندار، “قانون الأحداث الجانحين”، منشورات جامعة دمشق 2006، الطبعة الأولى، ص. 108.

[4] – محمد هشام البصلي، المرجع السابق، ص. 151.

[5] – محمد الغياط، “السياسة الجنائية وحماية حقوق الحدث الجانح بالمغرب”، بحث لنيل دبلوم الدراسات العليا المتخصصة في علوم التربية، كلية علوم التربية، الرباط، جامعة محمد الخامس، 2005، ص. 125.

[6] – سمير الشمال، “دور مراكز حماية الطفولة في إعادة إدماج الحدث الجانح، مركز عبد العزيز بن إدريس نموذجا”، رسالة لنيل دبلوم الدراسات العليا المتخصصة في القانون الخاص، وحدة التكوين قضاء الأحداث، كلية الحقوق، فاس، جامعة سيدي محمد بن عبد الله، 2006-2007، ص. 138.

[7] – فيصل الإبراهيمي، المرجع السابق، ص. 100.

[8] – القاعدة 18/1 من قواعد بكين لسنة 1986.

[9] – علي محمد جعفر، “الأحداث المنحرفون”، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، 1996، الطبعة الثالثة، ص. 257.

[10] – المادة 105 من قانون الطفل المصري لسنة 1996.

[11]– Venessa Perocheau, « Un renouveau de la pénologie applicable aux mineurs », revue internationale de criminologie et de police technique et scientifique, n° 4, 2000, p. 475.

[12]– Jean-Charles Forment, « Le pouvoir souverain, la peine et le corps éléments pour une philosophie pénale de la surveillance électronique », revue interdisciplinaire d’études juridiques, n° 37/17, 1996.

[13] – المادة 55 من ق.م.ج.

[14] – إبراهيم يوسات، “حماية الأحداث الجانحين في ضوء ق.م.ج والعمل القضائي ومؤسسات التنفيذ”، بحث لنيل دبلوم الدراسات العليا المتخصصة في القانون الخاص، كلية الحقوق أكدال، الرباط، جامعة محمد الخامس، 2011-2012، ص. 48.

[15] – التوفيق الوردي، المرجع السابق، ص. 81.

[16] – المادة 482 من ق.م.ج.

[17]– Claire Bresset, « Rendre justice aux enfants », éditions Anne carrière, n° d’édition 393, imprimé en France, mai 2006, p. 75.

[18]– Dominique Charvet, « La justice des mineurs », ED, L.G.D.J, Bruglart, Paris 1995, p. 76.

[19] – قرار صادر عن غرفة الجنايات للأحداث بفاس رقم 57/12 م.ت أحداث بتاريخ 28/05/2012.

– قرار صادر عن غرفة الجنايات الاستئنافية بفاس رقم 51 ملف جنائي عدد 17/2614/16 بـ8/5/2014.

– قرار صادر عن غرفة الجنايات الاستئنافية بفاس رقم 21 ملف جنائي عدد 16/2616 بـ26/6/2014.

– قرار صادر عن غرفة الجنايات بفاس رقم 33/80 بتاريخ 05/02/2009.

[20]www.cafes.ma l’heure 14 :50, date 20/10/2016.

[21] – هاجر الريضي، “العدالة الجنائية للأحداث بين التشريعات الدولية والتشريع الوطني، دراسة مقارنة”، رسالة لنيل دبلوم الدراسات العليا المتخصصة في القانون الخاص، وحدة الطفولة وقضاء الأحداث، كلية الحقوق، طنجة، جامعة عبد المالك السعدي، 2011-2012، ص. 141.

[22] – لطيفة المهدتي، “الشرعية في تنفيذ العقوبات السالبة للحرية”، النشرة الشرقية، الرباط، 2005، الطبعة الأولى، ص. 33.

[23] – منصور بن علي بن عبد الله الحديفي، “حقوق الأحداث في الإجراءات الجنائية في الشريعة الإسلامية ونظم المملكة العربية السعودية والمواثيق الدولية”، بحث مقدم لاستكمال الحصول على درجة الماجستير في العدالة الجنائية، أكاديمية نايف للعلوم الأمنية، الرياض، 2001، ص. 141.

[24] – لطيفة المهداتي، المرجع السابق، ص. 75.

[25] – رشيد الزهراوي، “توجهات السياسة العقابية للأحداث الجانحين على ضوء المعايير الدولية”، رسالة لنيل دبلوم الدراسات العليا المتخصصة في القانون الخاص، وحدة التكوين قضاء الأحداث، بكلية الحقوق، فاس، جامعة سيدي محمد بن عبد الله، 2008-2009، ص. 99.

[26] – هانية المهامي، “المفاهيم الحديثة للعقوبة”، مجلة القضاء والتشريع، عدد 8، أكتوبر 2003، ص. 112.

[27]– Tremintin Jean, « Eduquer en centre fermé et en prison, quelle place pour l’éducatif dans les centres fermés- lieu social », n° 763, 2005, p. 14.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *