الحكامة الجمعوية وتعزيز الشراكة بين الدولة والمجتمع المدني

علي اكو : طالب باحث بماستر قانون وتدبير الجماعات الترابية

بكلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بفاس

 

 

 

الحكامة الجمعوية وتعزيز الشراكة بين الدولة والمجتمع المدني

في جميع المحطات التاريخية لمغرب ما بعد الاستقلال بالخصوص، وجد المجتمع المدني نفسه في قلب الحركة المجتمعية وكان حاضرا في صورة جمعيات مختلفة(رياضية,ثقافية..) وجمعيات تطوعية تعمل في مختلف مناحي الحياة الاجتماعية والتنمية والتنشئة وقضايا التعاون والتضامن والرعاية الصحية و الأسرية والاجتماعية، وقد كان له في هذا السياق دورا رياديا في ترسيخ القيم المدنية الوطنية المثلى وفي الدفاع عن حقوق المواطنات والمواطنين ، وفي تقوية شروط اتجاه الانتقال الديمقراطي، لذلك كانت تطورات النص القانوني مرتبطة بشكل كبير بحيوية المجتمع المدني وقوته الاقتراحية ونباهته المتيقضة ونهج مرافعاته حول الحرية والحق في المشاركة المدنية وفي تنمية أدواره في الوساطة الاجتماعية وفي ديمقراطية القرب ، كل هذا أدى إلى تنامي الوعي بجدوى المشاركة المدنية في الحياة العامة، الأمر الذي تزكيه عدة معطيات نذكر منها توسيع قاعدة استفادة الجمعيات من التمويل العمومي حيث بلغ خلال الأعوام الثمانية الأخيرة نسبة 0.4 من إجمال النفقات العمومية السنوية.

وفي السياق نفسه سجل الخطاب الملكي حول المبادرة الوطنية للتنمية البشرية يوم 18 ماي 2005 نقلة نوعية في علاقة الشراكة بين الدولة والمجتمع المدني، ذلك أن هذا الورش الملكي تأسس على فلسفة و مبادئ توجيهية تروم الشفافية و للثقة في المستقبل والمشاركة و القرب عن الفئات الاجتماعية المعوزة وربط المسؤولية بالمحاسبة ، لا يسعنا إذن إلا أن نبتهج بما أصبحت تشكله الجمعيات المغربية من ثروة وطنية هائلة ومن تنوع في مجالات عملها ، وما تجسده من قوة افتراضية فاعلة أصبحت بفضلها بمثابة الشريك الذي لا محيد عنه لتحقيق تقدم ، فالجمعيات اليوم تعتبر مدرسة نموذجية للديمقراطية وللتضامن ولتحرير طاقة الشباب الخلاقة في خدمة المجتمع والصالح العام من أجل مشاركة فعالة وموازية مع الدولة .

فما هي إذن المقتضيات القانونية المؤطرة للشراكة بين الدولة والمجتمع المدني؟وما هي مداخل و آليات الشراكة بين الدولة والمجتمع المدني؟

 

 

أولا : المقتضيات القانونية المؤطرة للشراكة بين الدولة والمجتمع المدني

لقد شكل دستور فاتح يوليوز 2011 بمثابة ثورة نوعية في مجال الحقوق والحريات وإرساء مبادئ الحكامة الجيدة ، والمشاركة المواطنة ، وطبقا للفصل 1 منه يقوم النظام الدستوري للمملكةعلى أساس فصل السلط وتوازنها وتعاونها والديمقراطية والتشاركية، وعلى مبادئ الحكامة الجيدة وربط المسؤولية بالمحاسبة .

وفي نفس السياق تنص المادة 12 على أنه تساهم الجمعيات المهتمة بقضايا الشأن العام والمنظمات الغير حكومية في إطار الديمقراطية التشاركية في إعداد قرارات ومشاريع لدى المؤسسات المنتخبة والسلطات العمومية وكذا في تفعيلها وتقييمها وهذا هو التكامل بين الديمقراطية التشاركية والديمقراطية التمثيلية.

أما فيما يخص تشجيع المواطنين في الحياة العامة فقد نصت المادة 6 من الدستور على أنه"تعمل السلطات العمومية على توفير الظروف التي تمكن من تعميم الطابع الفعلي لحرية المواطنين و المواطنات والمساواة بينهم ومن مشاركتهم في الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية، كما أعطى المشرع المغربي للمجتمع المدني قوة اقتراحية في مجال التشريع من خلال الفصل 14 من الدستور بالإضافة إلى الحق في الرقابة على الأداء من خلال تقديم العرائض، ومن أجل تفعيل أدوار المجتمع المدني كفاعل في تدبير السياسات العمومية تعمل السلطات العمومية على إحداث هيئات للتشاورقصد إشراك مختلف الفاعلين الاجتماعيين والاقتصاديين في إعداد السياسات العمومية وتفعيلها وتنفيذها وتقييمها بالاضافة الى مساهمته الفعالة في التدبير الترابي حيث يرتكز التنظيم الجهوي و الترابي على مبادئ التدبير الحر وعلى التعاون والتضامن ويؤمن مشاركة السكان المعنيين في تدبير شؤونهم والرفع من مساهمتهم في التنمية البشرية.كما تم مأسسة أليات التشارك والتشاور على المستوى الجهوي والترابي من اجل تسيير مساهمة المواطنين والجمعيات في اعداد برامج التنمية.حيت ينص الفصل 139من الدستور على انه تضع مجالس الجهات والجماعات الترابية الاخرى اليات تشاركية للحوار والتشاور لتيسير مساهمة المواطنات والمواطنين والجمعيات في اعداد برامج التنمية وتتبعها .

بالإضافة إلى ماسسة الدور الاستشاري للشباب في حكامة الشأن العام ، حيث نص الدستور المغربي على احداث هذه الهيئة كهيئة استشارية في ميادين حماية الشباب والنهوض بتطوير الحياة الجمعوية وهو مكلف بدراسة وتتبع المسائل التي تهم هذه الميادين وتقديم اقتراحات حول كل موضوع اقتصادي واجتماعي وثقافي يهم مباشرة النهوض بأوضاع الشباب والعمل الجمعوي وتنمية طاقاتهم الابداعية (الفصل 33و 170 من الدستور ) ، بالاضافة الى ذلك تم تكريس أدوار أخرى للمجتمع المدني كحق الولوج الى المعلومات (الفصل 27 من الدستور) والتقيد بروح المسؤولية المواطنة الملتزمة لدى المجتمع المدني (الفصل 37 من الدستور ) . لابد أن نشير اذن أنه تم الزام الجمعيات بتقديم الحسابات عن طريقة استخدام الدعم العمومي حيث تنص المادة 86 و 87 من مدونة المحاكم المالية أنه يراقب المجلس الأعلى للحسابات باستخدام الأموال والمساعدات العمومية الاخرى التي تلقتها الجمعيات للتأكد من أن استخدام هذه الأموال يطابق الأهداف المتواخاة من المساهمة أو المساعدة. وعلى الجمعيات ان تقدم الى المجلس الحسابات المتعلقة باستخدام الاموال والمساعدات العمومية الاخرى التي تلقتها.

ثانيا :مداخل و آليات الشراكة بين الدولة والمجتمع المدني:

عندما نتحدث عن مداخل الشراكة بين الدولة والمجتمع المدني نكون أمام اشتراك فعلي للمجتمع المدني في تدبير الشأن العام و المحلي في مستويات عدة,حيث يتم بلورة السياسات العامة للدولة و السياسات العمومية,فلم يعد الشأن المحلي العام حكرا على الدولة والمؤسسات السياسية والمنتخبة بل أصبح للمجتمع المدني بمقضي الدستور دور كبير في هذا المجال حيث تضمن الدستور مساهمات الجمعيات المهتمة بقضايا الشأن العام في إطار الديمقراطية التشاركية في إعداد قرارات ومشاريع لدى المؤسسسات المنتخبة والسلطات العمومية وكذا في تفعيلها وتقييمها,بالإضافة إلى تخطيط ترابي عن طريق برامج عمل الجماعة والمخطط الإقليمي للتنمية والجهوية ومن أجل تعزيز هذا الدور تم تأسيس هيئات التشاور العمومي على مستوى المجالس المنتخبة,وتعتبر هذه الهيئات عمومية تتمتع بالاستقلالية وتضطلع بمهمة تشاورية لدى السلطات العمومية في مختلف مراحل مسلسل السياسات والقرارات والميزانيات العمومية إعدادا و تنفيذا وتقييما.وتحدت هذه الهياة في شكل لجان أو مجالس أو أية بنية مؤسساتية أخرى من طرف السلطات العمومية المركزية لتدبير التشاور العمومي حول السياسات والبرامج والمخططات و التشريعات.بالإضافة إلى تكريس الحق في الولوج إلى المعلومات التي تكون في حوزة الإدارة العمومية.

كما يتم تقييم الأداء العمومي عن طريق إشراك المجتمع المدني في عملية التقييم وربط المسؤولية بالمحاسبة.

من مداخل الشراكة ايضا نذكر دعم قدرات المجتمع المدني في التعاطي مع ملفات الشأن العام بشكل أكثر احترافية و تأهيل إطارها الوظيفي والتنظيمي بما في ذلك الديمقراطية الداخلية للجمعيات ،وفي إطار ما يعرف اليوم بالديمقراطية الحديثة و ترسيخ دور الجمعيات من أجل المشاركة الفعالة داخل الجهاز الإداري للدولة.وضع المشرع المغربي مجموعة من الآليات التي تحكم هذه الشراكة حيث تم وضع الإطار القانوني المناسب و الحل لتأطير الشراكة بين الأجهزة العمومية والمجتمع المدني من خلال إصلاح قانون الجمعيات بدل الاكتفاء بمذكرات ومناشير منذ بداية الظهير الشريف 1.5.58.376 بعد ذلك تم وضع إطار قانوني تفصيلي يحدد طبيعة الشراكة وكيفية تجسيدها فعليا على شاكلة قانون رقم 86.12 المتعلق بعقود الشراكة بين القطاعين العام والخاص من جهة.

بالإضافة إلى ما سبق ثم تأسيس نظام للشراكة قائم على منطق النجاعة من خلال الشراكة على أساس التعاقد بلأهداف والوسائل,وعلى أساس حرية الولوج والمساواة والموضوعية و المنافسة والشفافية واحترام قواعد الحكامة الجيدة من خلال اختيار الشريك وفق معايير للانتقاء موضوعية ومعروفة مسبقة عبر الاشهار المسبق لمسطرة إبرام الشراكة وذلك بوضع دفتر التحملات يحدد شروط الشراكة .

-ومن أجل اتخاذ نوع من الرقابة على هذه الشراكة بادر المشرع المغربي إلى ربط الاستفادة من الدعم المقدم في إطار الشراكة بالمحاسبة وذلك من خلال ربط الاستمرار في تقديم الدعم بتحقيق النتائج المتعاقد بشأنها ووضع مؤشرات وجداول لتتبع تقدم تنفيذ عقد الشراكة عبر تقارير دورية كما تم التنصيص في عقد الشراكة على كيفية تطبيق الرقابة على الأداء في استعمال التمويل.

-في الأخير يمكن القول أن قوة المجتمع المدني رهينة بقوة الدولة وقوة الدولة متوقفة على قوة المجتمع المدني ، إذن وجب على كل من الجمعيات والدولة توحيد الرؤية والتعامل الإيجابي من اجل المصلحة المشتركة والرفع من رهان التنمية ببلادنا من أجل خلق مجتمع مدني ديمقراطي فعال وعلى المستوى المطلوب.


 

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

التخطي إلى شريط الأدوات