السلطة الضريبية بالمغرب

يقصد بالسلطة الضريبية مجموع الأجهزة والهيئات التي يعهد إليها قانونا بوضع التشريعات والقوانين الجبائية وفرضها وإلغائها.

وتتمتع الدولة بما لها من سيادة وسلطان على إقليمها بحق فرض الواجبات وترتيب التزامات على الأفراد بصورة إلزامية وفقا لما تقضيه المصلحة العامة. ومن أهم الواجبات الإجرائية  التي ترتبها الدولة على الأفراد الواجبات المالية وذلك عن طريق اقتطاع جزاء من أموال الأفراد بصورة جبرية ومن دون مقابل لمصلحة الخزينة العامة، هذه الواجبات المالية على النحو الذي بيناه تتمثل في التشريعات الوضعية بصورة أساسية بالضريبة والتي تمثل مساهمة الأفراد في تمويل جزء من النفقات العامة وتمكين الدولة من تحقيق أهدافها الاقتصادية والاجتماعية والسياسة[1].

ومن الناحية التاريخية فقد كانت السلطة الضريبية تتمثل أساسا في الحاكم الذي كان يحتكر كل السلط بما في ذلك فرض الضرائب وتحصيلها، إلا أنه ونتيجتا للتطورات التي عرفتها المجتمعات ثم انتزاع هذا الاختصاص لصالح المجالس التشريعية باعتبارها الممثل الأسمى للأمة.

وإذا كانت المجالس التشريعية في جل دول العالم تنفرد بسلطة سن القوانين بشتى أنواعها فإن الحكومة أو السلطة التنفيذية يبقى لها أهمية كبيرة في المجال الضريبي نظرا للصعوبات التقنية والفنية التي تحيط بتحصيل هذه الضرائب وجباتها من الأفراد، فالسلطة الضريبية لا يمكن حصرها في المجالس التشريعية.

ومن هنا فموضوع السلطة الضريبية يطرح العديد من التساؤلات، فمن المختص داخل الدولة بوضع التشريعات الضريبية ومن أين يستمد هذا الاختصاص وأين تقع حدوده، وما هو دور الجهاز التنفيذي في المجال الضريبي، ومن هي الأجهزة المكلفة بتحضير القوانين الضريبية وجبايتها كل هذه الأسئلة سيتم التطرق إليها وفق التصميم التالي: 

المبحث الأول: الاختصاص البرلماني في المجال الضريبي

       المطلب الأول: سند الاختصاص البرلماني

      المطلب الثاني: أبعاد الاختصاص البرلماني في المجال الضريبي

      المطلب الثالث:  حدود السلطة الضريبة للبرلمان

المبحث الثاني:الادارة الضريبية

      المطلب الاول: هيكلة الادارة الضريبية

      المطلب الثاني: وسائل عمل الادارة الضريبية

      المطلب الثالث: سلطات الادارة الضريبية

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

المبحث الأول: الاختصاص البرلماني في المجال الضريبي

ï كيف حصل البرلمان على هذا الحق (أي السلطة الضريبية).

* تعتبر بريطانيا أول من أسست برلمان بمفهوم الحديث في التاريخ السياسي، حيث أطلق على البرلمان البريطاني على أنه "آم البرلمان".

انطلاقا من هذه الفكرة يمكن أن نتساءل عن أهمية البرلمان وحدوده في المجال الجبائي.

فقبل أن يختص البرلمان بفرض الضرائب وتحديد قيمتها نجد أن هذا الاختصاص كان ضمن صلاحيات الملك باعتباره الممثل الأسمى للشعب، وكان الملك في القرون الوسطى يغطي نفقات المملكة بما تدره عليه أملاك التاج الخاصة وكان حرا في الإنفاق كيفما شاء، ويحق له عند الضرورة أن يفرض على الشعب ضرائب استثنائية تزول بزوال الحاجة.

ï من الناحية التاريخية فالسلطة الضريبية كانت من اختصاص الملك

* إلا أنه ونتيجة لتزايد نفقات الدولة، اضطر الملك إلى الاستعانة بالضرائب أكثر من ذي قبل، مما نشأ معه صراع بين الملك والملزمين بالضريبة إذ كانوا يرفضون أدائها، ومع سنة 1628 أصدر البرلمان قرار باعتباره ممثل  الشعب عدم قانونية كل ضريبة تجبي بدون موافقته.

ومن هنا بدأت البوادر الأولى للاختصاص البرلماني في المجال الضريبي حيث أصبح الملك ملزما بالحصول على موافقة البرلمان عند جباية أي مورد كيفما كان نوعه، ولم يقف البرلمان عند هذا الحد بل أصبح يناقش الحسابات ويطالب الملك بإيضاحات عن وجوه الإنفاق، وكان الملك تارة يجيب وأخرى يحاول التملص من الجواب، إلى أن قامت ثورة 1688 فحتم البرلمان على الملك أن يعرض عليه النفقات قبل جبايتها، وفي سنة 1837 أي بعد قرن ونصف القرن أصبح للبرلمان سلطة مطلقة على جميع النفقات فكان يناقش فيها بحرية تامة قبل أن يأذن بها أو يرفضها.

 أما الوضع في فرنسا فقد ضل الملك يستأثر بجمع الضرائب إلى حين قيام الثورة الفرنسية سنة 1789م، وقد كرس دستور 1793 عدم فرض الضرائب دون موافقة ممثلي الأمة.

وفي المغرب فقد كان السلطان منذ القرن 12 وحتى بداية الحماية يمارس سلطة مطلقة في جميع الميادين بما في ذلك جمع الضرائب، وبعد الاستقلال سيعرف المغرب دستور 1962 الذي أعطى صلاحية التشريع الضريبي للبرلمان، ليتم تزكية هذا الصرح في كل دساتير المملكة بما في ذلك دستور 2011.

فما هي إذن أسس الاختصاص البرلماني في المجال الجبائي وما هي أبعاده، وأين تقف حدود هذا الاختصاص.

كل هذه الأسئلة سنحاول الإجابة عنها من خلال ثلاث مطالب، نخصص الأول منها لدراسة سند الاختصاص البرلماني في المجال الضريبي، لنقف في المطلب الثاني على أبعاد هذا الاختصاص. بينما سنخصص المطلب الثالث لحدود السلطة الضريبية للبرلمان.

ï المطلب الأول: سند الاختصاص البرلماني (المغرب).

انطلاقا من الدستور كأسمى وثيقة قانونية داخل الدولة تحدد اختصاص كل مؤسسة وتنضم سلطها، فقد اهتم الدستور المغربي لسنة 2011 بالمجال المالي والضريبي، وذلك من خلال مجموعة من الفصول سنطرق إليها في الفقرة الأولى، وإلى جانب الدستور نجد مجموعة من القوانين تهتم بالمجال الضريبي سنقف عندها هي الأخرى في الفقرة الثانية.

 

  ï الفقرة الأولى: السند الدستوري لفرض الضرائب

جاء في الدستور المغربي لسنة 2011 مجموعة من الفصول[2]، تحدد اختصاصات السلطة التشريعية ومن بينها الاختصاص الحضري للبرلمان في المجال الجبائي.

ويعتبر التشريع من ضمن الاختصاصات الحضرية للبرلمان بما في ذلك التشريع الضريبي، ذلك أن الفصل 39 من دستور 2011 جاء فيه "على الجميع أن يتحمل، كل على قدر استطاعته التكاليف العمومية التي للقانون وحده أحداتها وتوزيعها وفق الإجراءات المنصوص عليها في هذا الدستور".

إلى جانب الفصل39 نجد الفصل 75 الذي جاء فيه "يصدر قانون المالية، الذي يودع بالأسبقية لدى مجلس النواب، بالتصويت من قبل البرلمان وذلك طبق الشروط المنصوص عليها في قانون تنظيمي…

بالرجوع إلى مضامين الفصل 39 المشار إليه نجده يتضمن القواعد الدستورية في المجال الضريبي كما يمكن استخلاص مبدأين مهمين.

الأول: مبدأ المساواة أمام الأعباء العمومية وفي هذا إشارة إلى المساواة أمام الضريبية التي تعني أن التشريع الضريبي يجب أن يطبق بنفس المقتضيات على الأشخاص الذين يوجدون في وضعيات متشابهة.

الثاني: تحديد الضريبية وفق المقدرة التكليفية للملزم وفي هذا تجسيد للقاعدة الدستورية الكامنة في الفصل 39 من الدستور.

ومن جهة أخرى نجد عبارة التكاليف العمومية التي تدل على أن الاختصاص البرلماني يمتد لجميع الضرائب والرسوم وجميع المساهمات التي يدفعها المواطنين إلى خزينة الدولة.

ومن خلال ما جاء في المادة 75/2011 نجد أن البرلمان يمارس سلطة جد مهمة في مراقبة والمصادقة على قانون المالية، خصوصا وأن القانون المالي يحتوى القانون الضريبي مادامت كل المقتضيات الضريبية باستثناء قانون الإطار للإصلاح الضريبي (أبريل 1984) نتعرف عليها بمناسبة مناقشة وصدور قانون المالية السنوي (حيث تناقش المقتضيات الضريبية ضمن مناقشة موارد الميزانية)[3].

إن الاتجاه السائد سواء في المغرب أو خارجه يسهر على دسترة المقتضيات الضريبية ومراقبتها عن طريق القضاء وخضوعها للشريعة البرلمان و الدستورية، مما يساهم في حماية الحريات الأساسية والحد من سلطات الإدارة الضريبية وخير مثال على ذلك موقف المجلس الدستوري القاضي بإلغاء الرسم التي كانت تعتزم الحكومة تطبيقه على استعمال الصحون المقرة.

كما أن المبادئ الأساسية المستقاة من الدستور تجعل البرلمان صاحب الاختصاص الحصري في مجال التشريع الضريبي باعتباره ممثل الأمة والساهر على احترام الحقوق الأساسية عن طريق تجسيده لشرعية الضريبة.

  ï الفقرة الثانية: القوانين الفرعية) قانون المالية(

إلى جانب القواعد الدستورية التي تحدد اختصاص البرلمان في المجال الجبائي نجد، نصوص قانونية اهتمت بنفس الحقل، ونذكر هنا بالخصوص قانون، المالية رقم 981-7 الصادر في 26 نونبر 1998.

وقد سبقت الإشارة إلى أن القانون المالي يحتوي القانون الضريبي وهذا ما يمكن استخلاصه من المادتين 2 و3 من قانون 98-7، إذ أن قانون المالية لا يمكن أن يتضمن إلا أحكامنا تتعلق بالموارد والتكاليف تقدر على أبعد تقدير في سنة مدنية.

ولما كانت الموارد والتكاليف تدخل ضمن الميزانية نحد أن المشرع المغربي أعطى سلطة أعداد الميزانية للسلطة التنفيذية، بينما خص البرلمان بسلطة المناقشة والمصادقة عليها لما يترتب عن ذلك من جبايات تهم المواطنين بالخصوص، كما تتضمن الميزانية أحكام أخرى غالبا ما تتعلق بتحصيل المال العمومي ومراقبته أو الزيادة في الضريبة أو الإعفاء منها أو إلغائها بصفة نهائية أو مؤقتة.

وبالرجوع إلى المادة 11 من نفس القانون المذكور نجدها تحدد موارد الدولة في الضرائب والرسوم بالإضافة إلى بعض الموارد الأخرى.

وبهذا فالسلطة التشريعية عندما تصادق على مشروع قانونية المالية سواء تعلق الأمر بالموارد والنفقات فذلك راجع إلى احتواء قانون المالية أو الميزانية على مقتضيات ضريبية تهم جميع الفاعلين داخل المجتمع مواطنين، شركات…

كما أن أهمية البرلمان كسلطة ضريبية تظهر من خلال مراقبة هذا الأخير لقانون المالية والتصويت عليه.

فالمراقبة تتم عن طريق إيداع مشروع قانون المالية للسنة بمكتب أحدى مجلسي البرلمان قبل نهاية السنة المالية  بسبعين يوما على أبعد تقدير[4]، إلا أن المستجد الذي جاء به الدستور في هذا المجال هو إيداع مشروع قانونية المالية بشكل أولي لدى مجلس النواب، وبعد أن يتم إحالته على مجلس النواب يتم دراسته من طرف لجنة الميزانية التابعة للمجلس.

أما عن طريقة التصويت فلا يجوز في أحد مجلسي البرلمان عرض الجزء الثاني (النفقات) قبل التصويت على الجزء الأول أي الإيرادات، وبهذا نجد أن المشرع المغربي قد ألزم البرلمان بأسبقية التصويت على الإيرادات ليلي ذلك التصويت على النفقات علما أن التصويت على الأحكام قانون المالية يكون مادة فمادة[5].

والجدير بالإشارة أن السلطة الضريبية التي يختص بها البرلمان، رغم التنصيص عليها دستوريا فإننا نجد هذه الصلاحيات محدودة نظرا لطبيعة التقنية للقانون الضريبي، ومجموعة من العراقيل الأخرى تجعل من سلطته –البرلمان- في هذا المجال لا تفي بالغرض، سنتطرق إليها في حينها، لكن ماذا عن أبعاد الاختصاص البرلماني في المادة الضريبية.

المطلب الثاني: أبعاد الاختصاص البرلماني في المادة الضريبية[6].

ما المقصود بالاختصاص البرلماني؟ وما هي أبعاد هذا الاختصاص؟ هذا ما نقف عنده من خلال فقرتين، الأولى نخصصها لمفهوم الاختصاص البرلماني والثانية ندرس فيها أبعاد الاختصاص البرلماني.

الفقرة الأولى: مفهوم الاختصاص البرلماني.

نقصد هنا بالاختصاص البرلماني ذلك المجال الذي تستطيع من خلاله السلطة التشريعية مباشرة صلاحياتها الدستورية والقانونية سواء تعلق الأمر بسن القوانين أو مراقبة الحكومة أو تقييم عملها، وبهذا المعنى فالاختصاص البرلماني يمتد ليشمل جميع الضرائب والرسوم وجميع المساهمات التي يدفعها المواطنين إلى خزينة الدولة.

والملاحظ أن سند هذا الاختصاص يجد مصدره في الدستور إذ نص الفصل 70 (2011) على أن البرلمان يمارس السلطة التشريعية ويصوت على القوانين ويراقب عمل الحكومة ويقيم السياسات العمومية.

وبما أن البرلمان يملك سلطات واسعة خصوصا في المجال الجبائي تؤهله لأن يلعب دورا هاما في صناعة القرار الجبائي من جهة، وفي ممارسة رقابة فعالة على الجهاز الحكومي من جهة أخرى. إلا أن دراسة مشروع قانون باعتباره يتضمن مقتضيات ضريبية، تتميز عن غيره من مشاريع القوانين الأخرى: أولا لأهميته القصوى في تحديد موارد الدولة ونفقاتها، وثانيا لو كونه يطرح كل سنة بشكل دوري، وثالثا لأنه الواجهة التي تبرز مختلف الحسابات ومراكز القوى ومصالح اللوبيات المتعارضة.

ومن هنا يمكن الإشادة بالدور الكبير الذي تلعبه لجنة المالية داخل البرلمان فاختصاصاتها واسعة جدا، و تعد أهم اللجان الفرعية الدائمة  بالبرلمان بحيث تحال عليها جميع المشاريع والاقتراحات القانونية ذات الطبيعة المالية أو الجبائية بالضرورة، ذلك أن مختلف التعديلات المقدمة من لدن أعضاء البرلمان في المجال الجبائي قد ترفض من قبل الحكومة، إذ لم يتم عرضها على أنظار اللجنة المعنية، وبذلك تكون لجنة المالية ذات شأن كبير، بل هناك من اعتبرها ممثلة للسلطة الحقيقة للبرلمان في المجال الجبائي[7].

 الفقرة الثانية: أبعاد الاختصاص البرلماني:

يقول منتسكيو في كتابه روح القوانين "إن حرية الشعب تكمن كلها في الضريبية" la  liberté du peuple est toute dans l'impôt" ومن هنا نجد الدور الكبير الذي يمكن أن يعهد به للبرلمان كممثل للأمة ويمكن حصر أبعاد الاختصاص البرلماني فيما يلي:

1- حماية الملزمين بالضريبة: ومفاد ذلك أن يعمل البرلمان على توزيع الأعباء الضريبية بشكل من التساوي، فالنظام الضريبي المغربي يتكون من ثلاث أنواع من الملزمين بالضريبة، الفئة الأولى معفية من أداء الضرائب وهي مرتبطة بالقطاع الفلاحي، أما الفئة الثانية فهي تختار ما يناسبها من أداء الضرائب وهي المرتبطة بالقطاع العقاري، أما الفئة الثالثة فهي التي تؤدي نيابة عن الأخيرين وتتحمل عبء الجبايات وتتمثل أساسا في فئة الملزمين المكونة من الطبقات الفقيرة والمتوسطة فهذه الفئة الأخيرة هي التي تشكل القاعدة الواسعة للجبايات بالمغرب[8].

و هناك فئة أخرى مسكوت عنها لا تخضع لضريبة بشكل نهائي.

فالدور الذي يجب أن يلعبه البرلمان في هذا الإطار توزيع الأعباء بشكل متساوي. وفك الحصار على الفئات المتوسطة والفقيرة.

2- شرعية الضريبة: بما أن البرلمان يحتكر سلطة التشريع فإنه المؤهل  للتشريع في المجال الضريبي، وهو بذلك يعطي للضريبة شرعية قانونية نظرا لتمثيلية لكل شرائح المجتمع، إلا أن هذه القاعدة يمكن تجاوزها من طرف السلطة التنفيذية فعلى مستوى التشريع الضريبي المغربي نجد بجانب القوانين، مراسيم تتمم القانون مما قد يفرعه من محتواه.

فعلى سبيل المثال نجد قانون الضريبية على القيمة المضافة (85-30. 20/12/1985) يتممه مرسوم 1986 والذي حدد شروط الإعفاء من الضريبة بالنسبة لبعض المنتوجات والخدمات والوثائق الإدارية… و في بعض الأحيان نجد الحكومة تتدخل بشكل مباشر في المجال الضريبي كما هو الشأن بالنسبة لرسوم الجمركية.

المطلب الثالث: حدد السلطة الضريبية للبرلمان

رغم الاختصاص الحصري الذي يتمتع به البرلمان في المجال الجبائي، فإننا نجد مجموعة من القيود تحول دون ممارسة هذه السلطة بشكل فعلي، وذلك راجع إلى الطابع التقني للقانون الضريبي وإكراهات ذات طبيعة دستورية وأخرى ذات طبيعة سياسية.

الفقرة الأولى: الحدود الدستورية لسلطة البرلمان.

تتجلى أهم الحدود التي ترد على السلطة البرلمان في المجال المالي بوجه عام والضريبي بوجه خاص في مجموعة من الفصول.

فلو أخذ ما جاء به الفصل 77 في فقرته الثانية التي تنص "وللحكومة أن ترفض بعد بيان الأسباب، المقترحات والتعديلات التي يتقدم بها أعضاء البرلمان إذا كان قبولها يؤدي بالنسبة لقانون المالية إلى تخفيض الموارد العمومية أو إلى أحداث تكليف عموم، أو الزيادة في تكليف موجد" فملاحظ أن الفقرة 2 من الفصل 77 تحول دون فرض سلطة البرلمان في ممارسة رقابته على الحكومة.

كما أن البرلمان نادرا ما يقترح قوانين ضريبية بل ترجع مبادرة اقتراح هذه القوانين إلى الحكومة في أغلب الحالات إن لم نقل جلها.

ومن جهة أخرى نجد الفصل 75 في فقرته الثانية نص على أنه إذا لم يتم في نهاية السنة المالية التصويت على قانون المالية أو لم يصدر الأمر بتنفيذه، بسبب إحالته على المحكمة الدستورية… فإن الحكومة تفتح بمرسوم الاعتمادات اللازمة لسير المرافق العمومية… وقد ثم اللجوء لهذا الفصل من طرف الحكومة في العديد من المناسبات.

والجدير بالإشارة أن المراسيم وكذا الاجتهاد القضائي وإن كان متواضعا بالإضافة إلى الاتفاقات الجبائية الدولية تعد إلى حد ما من ضمن مصادر القانون الضريبي، كما أن التعديل الدستوري لسنة 2011 لم يحمل أي جديد بالنسبة للبرلمان في المجال المالي إذ تعتبر جل الفصول امتدادا لما كان قائما في ظل الدساتير السابقة.

الفقرة الثانية: الحدود السياسية.

تتضح هذه الحدود من خلال الممارسة السياسية، فالحكومة تنبثق عن البرلمان، مما يتضح معه أن هذه الأخيرة تتوفر على أغلبية مريحة تمكنها من تنفيذ سياستها الاقتصادية والاجتماعية التي تحتوى على إجراءات الضريبية (الحكومة تصوت على الحكومة).

ومن جهة نجد أن السلطة التنفيذية يبقى لها الاختصاص لكي تقوم بإعداد مشروع قانون المالية، في حين أن البرلمان يصوت عليه، و الملاحظ أن الحكومة غالبا ما لا تحترم الأجال القانوني لإيداع مشروع قانونية قبل 70 يوما من نهاية السنة وذلك تحت مبرارات فنية وصعوبات لوجستيكية.

وبالتالي يجد البرلمان صعوبات في مناقشة القانون المالي، والتمحيص فيه فمثل هذا الوضع لا يعطي للسلطة التشريعية الوقت الكافي لممارسة اختصاصها المسند لها بصريح نص الدستوري، وهنا نلاحظ أن الأمر يتعلق بضيق المدة واتساع المجال المدروس أو المطلوب المصادقة عليه.

إن القيود الدستورية والسياسية على سلطة البرلمان في التشريع الجبائي تجعله في أفضل الضروف لا يطالب سوى بحقه في الموافقة على الضرائب وليس بحقه في اقتراحها.

ومن جهة أخرى نجد التدخل الملكي يحد من اختصاصات البرلمان ويقيد سلطاته، ففي حالة الاستثناء مثلا يبقى للملك صلاحيات واسعة سواء تعلق الأمر بالتشريع أو التفنيد، وقد ترتب عن إعلان حالة الاستثناء سنة 1965 والتي دامت خمسة سنوات، تعطيل كل مؤسسات الدولة باستثناء المؤسسة الملكية فنفرد الملك بكل الاختصاصات بما في ذلك إعداد الميزانية وفرض الضرائب.

 

 

 

 

 

 

 

 

                   

  المبحث الثاني: الإدارة الضريبية.

تعتمد الإدارة الضريبية على مجموعة من الوسائل المادية والبشرية وعلى سلطاتها في قيامها بأعمالها التي تتجسد أسسا في استخلاص الضريبة من الملزمين ومراقبتهم وذلك بهدف التقليص من الغش والتهرب الضريبيين.

وبهذا المعنى فالإدارة الضريبية تنفذ ما أقرته القوانين الضريبية التي تمت المصاقدة عليها من قبل البرلمان الذي له الصلاحية وحده – بناءا على الدستور- للتشريع في المجال الضريبي (هامش انظر المطلب الأول من هذا العمل).

وفي المغرب فقد شهدت الإدارة الضريبية مجموعة من الإصلاحات كان أهمها إصلاح الإدارة الضريبية سنة 1991 والذي بموجبة تمت ترقية الإدارة المكلفة باستخلاص وتنفيذ القانون الضريبي إلى مديرية مستقلة بذاتها داخل وزارة المالية والاقتصاد بعدما كانت هذه الإدارة إلى حدود 1990 عبارة عن قسم تابع لمديرية أملاك الدولة.

ومن بين الدوافع التي أدت إلى ترقية الإدارة الضريبية إلى مديرية _وبالتالي إصلاح الجهاز الهيكلي للإدارة الضريبية -أنها كانت تعاني من مجموعة من النواقص في ظل النظام القديم ومن بينها الإفراط في المركزية وعدم التناسق ما بين الهيئات المركزية والمحلية.

من هذا المنطلق من الضروري التطرق إلى الهيكل الإداري لمديرية الضرائب ومختلف الأجهزة التي من خلالها تنفذ عملها المحدد قانونا مستعينة بمجموعة من الوسائل والسلطات التي سيأتي ذكرها في هذا الجزء الثاني من الموضوع.

المطلب الاول: هيكلة الإدارة الضريبية.

لقد منح المشرع للإدارة الضريبية – التي تنفذ القانون الضريبي بوصفها سلطة تنفيذية- مجموعة من المهام التي تتجلى أساسا في تنفيذ القانون الضريبي الذي أقره المشرع وبالتالي تطبيق السياسة الضريبية كمكون أساسي من مكونات السياسة الاقتصادية (هامش 2 انظر القانون الضريبي المغربي دراسة تحليلية ونقدية للأستاذ محمد شكيري منشوراتla REMALD سلسلة "مؤلفات وأعمال جامعية" عدد 59 للطبقة الثانية 2005، ص: 214).

والهيكل الضريبي هو مجموعة من الأجهزة الإدارية والبنيات التي تنفذ من داخلها السياسة الضريبية وتتوزع هذه البنيات على مستوى الإدارة المركزية وعلى  مستوى الإدارات الجهوية المكلفة بالضرائب.

الفقرة الاولى: البنيات المركزية لإدارة الضرائب.

منذ إصلاح التنظيم الهيكلي سنة 1991 والإدارة الضريبية في المغرب على المستوى المركزي أصبحت تتكون من مديرية تابعة لوزارة المالية تختص بالمسألة الضريبية، وعلى رأسها مدير الضرائب الذي يساعده في أدائه لمهامه خمسة مساعدين كل واحد منهم يتكلف بأداء مهام معينة تتصل بمجال تطبيق السياسة الضريبية. (هامش 3 انظر محمد شكيري مرجع سابق، ص: 215- 223) وأبرز هؤلاء المساعدين، المساعد المكلف بالدراسات والتشريع والعلاقات الخارجية. وتكتسي هذه الإدارة الاخيرة أهمية بالغة إذ تقوم بمهام جسمية أبرزها التشريع ووضع المشاريع الأولى للقانون الضريبي وعلى هذا الأساس فهذه الإدارة فهي تحضى بأهمية بالغة نظرا لكونها تعتبر النواة الأولى التي تصاغ فيها القوانين الجبائية التي يتم عرضها مستقبلا على البرلمان للمصادقة عليها.

وتجب الإشارة إلى أن هذه الإدارة التي يرأسها مساعد مدير الضرائب تشرف على العديد من الأقسام وكل قسم يشرف على مصالح تؤدي مهام مختلفة ومتكاملة في نفس الوقت.

أما المساعد الثاني والذي يكتسي أهمية أيضا فهو مساعد المدير المكلف بالعمليات الضريبية الذي يشرف على العديد من الأقسام والمصالح والتي تصهر على تحصيل الضرائب ومراقبة تحصيلها وإنجاز العمليات الضريبية حسب مكونات النظام الضريبي، كما تسهر هذه الإدارة على تتبع مساطر التحقق التي تنجزها الهيئات الجهوية.

ثم هناك مساعد ثالث مكلف بالمفتشية المركزية للمصالح وتقصي المعلومات وتسهر هذه الإدارة على تفتيش مصالح الوعاء والتحقيقات (هامش انظر محمد شكيري،مرجع سابق ص: 220) كما تسهر على تقصي المعلومات مركزيا وجهويا وذلك من خلال مراجعة الملفات الضريبية لبحث الأسس والقواعد التي تم الاعتماد عليها لتأسيس الضريبية (هامش محمد شكيري، مرجع سابق، ص: 220).

ويلزم التذكير أن مديرية الضرائب أنها تتكون هيكلة إدارية واسعة بالمقارنة مع بعض الإدارات الأخرى أو حتى الوزارات وهذا الاتساع في حجم هذه المديرية يعزى إلى المهام الكبيرة التي تضطلع بها ويعزى كذلك للأهمية البالغة التي يخصى بها مجال الضرائب ليس فقط على مستوى مكانتها داخل ميزانية الدولة وانما لضرورتها القصوى في تغطية الأعباء العامة. هذا على مستوى الإدارة الضريبية المركزية فماذا عن الإدارات الضريبية على المستوى الجهوي.

الفقرة الثانية: الهياكل الجهوية لمديرية الضرائب.

إلى حدود 1991 كان يطغى على الإدارة الضريبية الطابع المركزي في أدائها لمهامها وعلى إثر الإصلاحات التي ثم إنجازها سنة 1991 حاول المشرع المغربي إحداث مجموعة من الهياكل المحلية كخطوة لدعم عدم التركيز الإداري في مجال الضرائب وعلى هذا الأساس بلغت المديريات الجهوية للضرائب 17 مديرية من بينها مديرية ولاية الدار البيضاء التي تضم لوحدها سبعة مديريات من ضمن العدد الإجمالي للمديريات الجهوية والإقليمية بالمملكة.

فالمديرية الجهوية لمدينة الدار البيضاء التي أنشأت مند 1988 جسد في سنة إحداثها مبدأ عدم التركيز الإداري في مجال الضرائب، خصوصا أن مدينة الدار البيضاء تتركز فيها أغلب المقاولات الصناعية والتجارية بالمغرب وهو الشيء الذي حتم على السلطات المعنية (هامش: الحكومة بشكل عام ووزارة المالية والاقتصادية بشكل خاص) ضرورة إحداث هذه الإدارات لتخفيف العبء على الإدارة المركزية المتمثلة في مديرية الضرائب المتواجدة بالعاصمة.

وتشرف المديرية الجهوية لمدينة الدار البيضاء على مجموعة من المصالح وتتكون بالإضافة إلى ذلك من كتابة عامة ومركز جهوي للمعلوميات كما تشرف على المديريات الإقليمية السبع المتواجدة بنفس المدينة.

أما فيما يخص المديريات الإقليمية الأخرى فهي تتوزع بباقي المدن وعددها 10 مديريات تنضاف إلى سبعة مديريات متواجدة بمدينة الدار البيضاء، ويلزم التذكير أن هذه المديريات تشرف كل واحدة منها على مصالح وأقسام ومكاتب ومراكز لتنفذ السياسة الضريبية على المستوى المحلي.

كما تجب الإشارة إلى أن هذه الهياكل الإدارية المكونة للإدارة الضريبية سواء على المستوى المحلي أو على المستوى الجهوي – ليست جامدة وإنما تتوسع وتتغير لمواكبة التقلبات الاقتصادية والاجتماعية التي تؤثر على مجال الضرائب.

إذن فما هي الوسائل التي من خلالها يتم تحريك عمل الأجهزة السالفة الذكر ؟

المطلب الثاني: وسائل عمل الإدارة الضريبية.

تسعين الإدارة الضريبية بالعديد من الوسائل المادية والبشرية لأداء مهامها وتطبيق القانون الجبائي.

الفقرة الاولى: الوسائل البشرية.

تعتمد الإدارة الضريبية سواء على المستوى المركزي أو على المستوى الجهوي والإقليمي على موارد بشرية أي مجموعة من الموظفين الخاضعين للنظام الأساسي للوظيفة العمومية الصادر سنة 1958 كباقي موظفي الإدارات العمومية.

وإلى حدود 2005 بلغ عدد موظفي إدارة الضرائب حوالي 5000 موظف يتوزعون ما بين الإدارات المركزية والجهوية. وتشكل نسبة الأطر العاملين بهذه الإدارات حوالي 65% من مجموع الموظفين وهذا يعني في حد ذاته أن إدارة الضرائب تشغل أطرا تقنية ذات كفاءة عالية وهذا راجع إلى عدة أسباب من بينها أن العمليات الضريبية سواء على مستوى تحديد الوعاء أو المراقبة تستدعي تقنيات عالية خصوصا وأن موظف إدارة الضرائب يواجه مقاولات وشركات عملاقة تتوفر على تقنيات عالية تفوق في كثير من الأحيان ما تتوفر عليه الإدارة الضريبية.

لكن اذا كانت ادارة الضرائب تشغل نسبة مهمة من رجال الميدان فهناك بالمقابل مجموعة من الموظفين الذين يفتقدون للخبرات والتقنيات الواجب توفرها في الشخص المكلف بتدبير وإدارة السياسة الضريبية كما يجب التذكير على أن هناك نقص في بعض الأطر وعلى سبيل المثال فئة المفتشين الذين يبلغ عددهم إلى حدود 2005 حوالي 300 مفتش فقط في مواجهة أكثر من 500000 ألف مقاولة.

أما على مستوى نظام أجور موظفي إدارة الضرائب فهم يخضعون لنظام تسوده الامتيازات والمنح وذلك تشجيعا للموظف على العمل وعلى تحقيق المردودية رغم أنها تشكل واجب من واجبات هؤلاء الموظفين وعلى هذا الأساس هناك نوعين من الامتيازات والمنح لفائدة موظفي إدارة الضرائب وهي:

العلاوات les primes ومكافئة المسؤولية وكل هذه المنح تحفز الموظف على تحقيق اكبر مردودية.

الفقرة الثانية: التجهيزات المادية.

يقصد بالتجهيزات المادية مجموعة من الأدوات والبنيات التي يتم الاستعانة بها من طرف الإدارة الضريبية من أجل أداء الوظائف الملقاة على عاتقها.

ويلاحظ على مستوى هذه التجهيزات أنه باستثناء الإدارة المركزية فكل الإدارات الجهوية والإقليمية تعاني بشكل كبير من نقص التجهيزات المادية الكافية والضرورية لأداء المهام الضريبية الملقاة عليها.

كما أن هذه الإدارات تعرف ضعف الوسائل المادية التي مازالت تقليدية بالشكل الذي يحول دون أداء المهام الضريبية بالسرعة المطلوبة، بالإضافة إلى ذلك فهذه البينات والمعدات تحول دون تحقيق الأهداف المرجوة من الإدارة الضريبية والمتمثلة أساسا في تفعيل المراقبة والفحص اعتمادا على تجهيزات عصرية تهدف بالأساس إلى محاربة الغش والتملص الضريبيين.

ومن بين التجهيزات المادية الضرورية التي يلزم على الإدارة الضريبية التوفر عليها نحد الأجهزة المعلوماتية، ومن هذا المنطلق فمجال الضرائب يعتبر ميدان خصب الاستعمال المعلوميات نظرا لعدة أسباب: (هامش أنظر محمد شكيري، ص: 247 المرجع السابق).

– حجم العمليات الضخمة والكثيرة بحيث أن كل ملزم تجري له عملياته الضريبية الخاصة به ولا يستطيع الموظف دون الاستعانة بالمعلوميات أن يدير هذه العمليات.

– نظر لطبيعة العمليات الضريبية التي تقوم أساسا على حساب الضريبية وإحصاء الملزمين واستقبال القرارات الجبائية وإصدار جداول الضرائب…

– كما يسمح استخدام المعلوميات بتجنيب ارتكاب الأخطاء وبالتالي تجنب المنازعات الضريبية.

– تستعمل المعلوميات أيضا من أجل تحسين ظروف العمل بالنسبة لمفتش الإدارة للضريبية، بحيث يمكنهم الحاسوب من التخلص من استعمال كثرة الأوراق وربح الوقت في معالجة الملفات وتخزين المعلومات…

– كما أن استعمال الحاسوب أو الاعلاميات يمكن من  ضبط مختلف الملفات وتسهيل عمليات المراقبة وتحسين ظروف عمل الموظفين.

المطلب الثالث: سلطات الإدارة الضريبية.

أولا وقبل كل شيء يجب التأكيد على أن الإدارة الضريبية تضطلع بالعديد من المهام والوظائف ويمكن تلخيص أهمها فيما يلي:

– التأسيس للوعاء الضريبي على المستوى الأفقي وليس على المستوى العمودي. فإذا كان هذا الأخير يهدف على الزيادة من الضرائب فإن توسيع الوعاء الضريبي أفقيا يهدف إلى إيجاد مجالات جديدة كوعاء للضريبة ومحاولة تجسيد العدالة الضريبية القائمة على المساواة أمام الأعباء العامة كمبدأ دستوري.

– تحصيل الضرائب من خلال تحديد الملزمين بالضريبة.

– فض بعض النزاعات الناشئة عن الضرائب علما أن هذه الوظيفة يتم أدائها  سواء من خلال الاستجابة للطعون الإدارية أو من خلال الامتثال أمام سلطة القضاء والدفاع عن عدالة الضرائب والقرارات المرتبطة بها أو محاولة تصحيح بعض الأخطاء…

– مراقبة بعض التصريحات المتعلقة بالضرائب والتي يدلي بها الملزم ومقارنتها بما أنجزه المفتشون من بحوث وتدقيقات… ومن خلال هذه الوظائف وغيرها نستنتج أن الإدارة الضريبية لها وظائف متعددة وجسمية الشيء الذي يفسر حجم السلطات الكبيرة (هامش سوف يتم التطرق لهذه السلطات في الفقرات اللاحقة) التي توفر عليها إدارة الضرائب ما جعل العديد من الباحثين يعفون الإدارة الضريبية بالإدارة الامبريالية (وفي هذا الصدد أنظر…loic Philip le droit fiscal كما أحال عليه الأستاذ محمد شكيري مرجع سابق، ص: 258) الناتجة على سلطة تقديرية واسعة تمس – أحيانا- بمبدأ شرعية الضريبة …مما يجعل الملزم في وضعية دفاعية لممارسة حق مقاومة هذا الطغيان باللجوء إلى التملص الضريبي.

من هذا المنطلق يتعين علينا رصد هذه السلطات التي تتمتع بها الإدارة الضريبية.

الفقرة الاولى: سلطة أو حق الإطلاع.

يقصد بحق أو سلطة الإطلاع السماح لأعوان الإدارة الضريبية بالاطلاع على جميع الوثائق الموجودة بحوزة الملزم وهذا الحق لا يمكن أن يمارس الا ازاء أشخاص محددين بالقانون وبصدد وثائق ومستندات نوعية لكل منهم (هامش أنظر محمد شكيري مرجع سابق، ص: 260) ويستعمل هذا الحق في مواجهة الملزم والغير الذي يتعامل معه الملزم بالضريبية كالممونين والزبناء… كما أن هذا الحق يمكن أن يمارس على الوثائق الموجودة بحوزة إدارات الدولة والجماعات الترابية والمؤسسات العمومية وكل هيئة خاضعة لمراقبة الدولة وكل الأشخاص الذين يزاولون نشاطا خاضعا للضريبة.

من هذا المنطلق يتبين أن حق الاطلاع يشكل سلطة مهمة في يد الإدارة الضريبية وكذا يجب التأكيد على أن هذا الحق وهذه السلطة ليست مطلقة بل لها حدود معينة ومن بينها أن حق الاطلاع لا يمكن أن يمارس إلا وفق شروط محددة ومن بينها:

1- يجب أن يكون الهدف من الاطلاع معرفة العناصر الدقيقة فقط والمنظمة ذات الفائدة في الرباط الضريبي.

2- بالنسبة للموظفين الذين يمارسون هذا الحق باسم الإدارة الضريبية ينبغي أن يكونوا من درجات معينة وعلى الأقل درجة مفتش مساعد أو المراقب… وفق ما حدده القانون الضريبي.

3- الحق في الاطلاع ينبغي أن يتم وينفذ في نفس موقع العمل وداخل أوقات العمل وأن يكون محددا بمدة معينة.

ورغم ذلك فيجب التأكيد على أن حق الاطلاع من طرف الإدارة الضريبية يصطدم بالعديد من الإكراهات وعلى سبيل المثال الإكراهات المرتبطة بممارسة بعض المجالات الحرة والنشاط البنكي الذي يفترض  التمسك بالسر المهني (هامش انظر محمد شكيري، ص: 262 مرجع سابق).

الفقرة الثانية: حق المراقبة أو الفحص.

يقصد بحق المراقبة والفحص مجموعة من العمليات التي تقوم بها الإدارة  الضريبية من أجل التحقق في عين المكان أو داخل الإدارة من المحاسبة والوثائق التي تمسكها المقاولة ومقارنتها مع التصريحات المودعة لدى الإدارة أو المعطيات التي نتوفر عليها أو مع نتائج المعاينة المادية التي قام بها المفتش المحقق أو الفاحص (هامش انظر محمد الشكيري، ص: 272 مرجع سابق) وتجري هذه المراقبة – التي تهدف بالأساس إلى محاربة الغش الضريبي ومختلف المناورات التي تقوم بها المقاولات من أجل التملص من الضريبة سواء كليا أو جزئيا – باتباع مجموعة من الأساليب ومن بينها:

– المراقبة التي تجري داخل الإدارة الضريبية وتسمى كذلك بالفحص المستندي الذي ينصب على الوثائق والتصريحات المودعة لدى الإدارة من قبل الملزمين، وتجري بشأنها عمليات للفحص والمراقبة بناء على مجموعة من المعطيات والمعلومات التي تتوفر عليها الإدارة الضريبية والتي حصلت عليها بناء على مسطرة حق الاطلاع .

إلى جانب ذلك هناك أسلوب أخر تتم به المراقبة وهذا الأسلوب يتجلى في برنامج الفحص المعمق الذي يقصد به إجراء عمليات الفحص داخل مقرات الشركات أو المقاولات.

وتجب الإشارة إلى أن حق المراقبة أو الفحص يعتبر من بين السلطات الهامة التي تتوفر عليها الإدارة الضريبية والتي تجسد بالفعل السلطة الضريبية . ومن خلال هذا الحق يضطر الملزم إما جبرا أو تلقائيا بالتصريح بمقدار مداخليه وأرباحه ونفقاته، كما أن الإدارة لا يهمها فقط معرفة النتائج الإيجابية من خلال هذه السلطة بل يهمها كذلك أن تعرف وضعية الملزم سواء كانت ربحا أو خسارة.

كما تجب الإشارة على أن حق المراقبة والفحص تشكل مسطرة خطيرة تمس بالحقوق والحريات وعلى هذا الأساس نظمها المشرع في إطار قانوني ساعيا من وراء ذلك إلى احترام حقوق الملزمين وإعطائهم ضمانة قانونية تحد من إمكانية الشطط في استعمال السلطة.

لكن على العموم فسلطة المراقبة والفحص تهدف إلى تحقيق مجموعة من الأهداف من بينها.

1- الدور الردعي، فوجود المراقبة يدفع أغلب المقاولات إلى التزام الحد الأدنى من الصراحة في تقديم الإقرارات (هامش انظر محمد شكيري، ص: 274 مرجع سابق).

2- تهدف المراقبة كذلك إلى تحقيق المساواة أمام الضريبة وذلك من خلال إخضاع كل الملزمين الذين تتوفر فيهم الشروط المطلوبة لواجب تحمل الأعباء العامة كما هو منصوص عليها في الدستور (هامش أنظر في هذا الصدد الفصل 39 من دستور 2011 الذي ينص على الجميع أن يتحمل كل على قدر استطاعته التكاليف العمومية التي للقانون وحده الصلاحية إحداثها وتوزيعها وفق الإجراءات المنصوص عليها في الدستور).

3- كما تهدف إجراءات المراقبة والفحص كذلك على تحقيق الهدف المالي، ويتجلى ذلك في كون أن عمليات المراقبة التي يقوم به المفتشون تذر على خزينة الدولة مداخيل مالية هائلة .

   وتمر إجراءات المراقبة والفحص عبر مجموعة من المراحل أهمها المرحلة التحضيرية التي من خلالها يتم انتقاء الملفات المراد فحصها ومراقبتها وذلك عن طريق اعداد البرنامج الذي يحدد المقاولات القابلة للفحص، وتعتبر هذه المرحلة الأولى بمثابة تمهيد للمرحلة المقبلة التي تتم فيها إجراءات الفحص وذلك  بعد إعلام المعنى بالأمر أي الملزم أو المقاولة حيث أنه في المغرب لا تتم تطبيق مسطرة المراقبة بشكل مباغت وبدون أن تكون هناك مرحلة ممهدة تتجلى أساسا بالاطلاع على ملف الملزم في إطار حق الاطلاع ثم بعد ذلك يتم إعلام المعنى بالأمر، وفي  الأخير تجري عملية الفحص التي تهدف في النهاية  إلى معاقبة وتأديب المقاولات التي تخل بالتزاماتها.

 الفقرة الثالثة: سلطات توقيع الجزاءات والعقوبات.

تكتسي عملية توقيع الجزاءات والعقوبات في المجال الضريبي أهمية كبيرة وذلك بالنظر إلى كون هذه العقوبات تهدف على صيانة مصالح الدولة ومصالح الخزينة العامة من خلال معاقبة كل عمل غير شرعي يسعى بالأساس إلى التهرب والغش الضريبيين، نظرا لما يسببانه من أضرار على المجتمع ولو بصفة غير مباشرة. فعند ما يكثر الغش أو التهرب الضريبي فإن مداخيل الدولة تتقلص إلى درجة يصعب معها تغطية التكاليف والنفقات العامة التي تتجلى بالأساس في بناء المرافق الضرورية ، وهذا ما ينتج عنه شلل عمل هذه المرافق وبالتالي ضياع حقوق المواطنين.

من هذا المنطلق تبدو أهمية العقوبات والجزاءات في المجال الضريبي لكن يجب التأكيد على أنه رغم أهميتها وحضورها القوى إلا أنها ليست مطلقة بل يفترض أن تكون متناسبة مع حجم الجريمة والخطأ المرتكبين.

ونميز في إطار العقوبات والجزاءات في المجال الضريبي بين عقوبات مالية وأخرى جنائية أو بدنية.

فالنسبة للعقوبات المالية فتتمثل في الغرامات أو الفوائد عن التأخير أو الزيادة على مبالغ الضريبة المقررة أو مصادرة الموال والعقارات.

أما العقوبات البدنية أو الجنائية فتتمثل في  الحبس أو السجن (هامش أنظر محمد شكيري مرجع سابق، ص: 294) كما أن هناك بعض العقوبات الأخرى التكميلية مثل اعتبار جريمة الغش أو التهرب الضريبي من الجرائم بالشرف والتي قد يترتب عنها الحرمان من الحقوق المدنية أو السياسية.

أما فيما يخص كيفية توضيح هذه العقوبات والجزاءات فيجب التمييز ما بين توقيع الجزاءات في إطار تأسيس الضريبة والتي توقع غالبا في الحالة التي يخل فيها الملزم ببعض الالتزامات الإدارية أو المالية أو يتأخر في تنفيذها.

وبالعودة إلى الجزاءات الجنائية السالبة للحرية فقد جرى إقرارها في القانون الضريبي المغربي أول مرة سنة 1997، وتطبق في الحالة التي لا تكفي فيها الغرامات المالية لردع الملزمين وإجبارهم بتنفيذ التزاماتهم التصريحية كما تطبق أيضا عندما يرتكب الملزم مخالفات جسمية للتخلص من واجبهخ الضريبي وتتجلى أهم المخالفات المجرمة فيما يلي:

– تسليم فاتورات صورية.

– تقديم تقييدات محاسبية مزيفة.

– إخفاء أو إتلاف وثائق المحاسبة الضرورية قانونا.

– اختلاس مجموع أو بعض أصول الشركة أو المنشأة…

لكن يجب التأكيد على أن ارتكاب هذه الأفعال تسوجب في البداية توقيع عقوبات مالية كالغرامات أو الحجز… ولا تطبق العقوبات الجنائية إلا في حالة العود وداخل أجل خمس سنوات من تاريخ ارتكاب نفس الفعل أو الأفعال المجرمة ، وهذا ما يجعل تطبيق العقوبات الجنائية في القانون الضريبي المغربي يكون محتشما عكس بعض الدول كفرنسا وتونس.

كما يجب التأكيد على أن التهاون في تطبيق هذه العقوبات والتساهل مع المخالفين للقانون كلها أمور تزكي الاختلالات التي يعرفها المجال الضريبي في المغرب، ويجعل بالتالي دور السلطة الضريبية منصبا على الفرائس السهلة تاركة أموالا هامة لدى اللوبيات والشركات العملاقة دون أن تحرك ساكنا.

وفي الأخير يلزم التذكير بأن السلطة الضريبية بامتلاكها لهذه السلطات فهي تسعى الى الحد من الغش والتهرب الضريبيين طالما أن هناك اختلاف بين هاذين المفهومين…

فالتهرب الضريبي يمكن أن يتحقق بمفهومه السلبي مثل الامتناع عن استهلاك سلعة معينة أو الامتناع عن الإنتاج أو عن طريق استغلال ثغرات القانون الضريبي وابتداع طرق قد تبدوا من الناحية القانونية صحيحة لكنها لا تعبر عن الإرادة الحقيقة للملزم بل الهدف المتوخي منها هو الإفلات من قبضة الضريبة أو تخفيض مبلغها، أما الغش الضريبي فيتحقق عندما يتم اللجوء إلى وسيلة غير مشروعة من شانها أن تؤدي إلى ضياع حقوق الخزينة (هامش).         

                                

 

 

     

      

 

 


[1] – عبد الباسط علي جاسم الزبيدي، سلطة الدولة بفرض الضرائب في الفكر المالي الإسلامي والقانون الوضعي أنضر الرابط injepadia.com

 

[2] – يمكن حصر هذه الفصول في الفصل 39 و 67 و 72 و 75 و 77 83 و 100 105 و 105، راجع الجريدة الرسمية عدد 5952 مكرر بتاريخ يونيو 2011.

 

[3]– محمد شكري منشورات المجلة المغربية للإدارة المحلية والتنمية العدد 59، 2005، ص: 64.

 

[4] – المادة 33 من قانون 98/7/2008 علما بأن هذه المدة لا يتم احترامها من طرف الحكومة.

 

[5] – المادة 39 و 37 من قانون 98-7 قانون المالية.

 

[6] – محمد شكري، ع.س، ص: 67.

 

[7] – عبد الرفيع بوداز المجلة المغربية للإدارة المحلية والتنمية عدد 101،  نونبر دجنبر 2011، ص: 175، مقال.

 

[8] –  مدني أحميدوش، المجلة المغربية للإدارة المحلية والتنمية عدد 69- غشت 2006.

 

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

التخطي إلى شريط الأدوات