الطبيعة القانونية للتحكيم وتمييزه عن غيره من الوسائل المشابهة له

الطبيعة القانونية للتحكيم وتمييزه عن غيره من الوسائل المشابهة له

مقدمة:

يعتبر التحكيم التجاري إحدى أهم الوسائل البديلة السلمية لحل المنازعات الدولية التي تنشأ بين الأطراف في العلاقات التجارية، وقد فرضته الزيادة الغير مسبوقة في حركة التجارة الدولية كما أن التقدم الهائل في عملية الاتصالات أدى بدوره إلى ظهور نظام فعال وسريع وأرخص وأكفأ لتسوية المنازعات، ويلعب التحكيم دورا هاما في جذب رؤوس الأموال والاستثمارات الأجنبية، خاصة في الدول النامية التي يعتمد إقتصادها على هذه الاستثمارات، حيث يتم اللجوء إلى التحكيم بوصفه وسيلة فعالة وسلمية لفض المنازعات عموما، ومنازعات الاستثمار بين الدول المضيفة والمستثمرين الأجانب خصوصا، بعد فشل المفاوضات بين الأطراف المتنازعة، لكون الاستثمارات في هذا العصر العنصر الرئيسي التي ترتكز عليه الخطط الاقتصادية العامة في معظم البلدان.

ويعد إنتشار التحكيم كوسيلة لفض المنازعات قد واكب التطور الذي عرفته وظائف الدولة الحديثة، فاللجوء إلى التحكيم كآلية لحل المنازعات عرفته المجتمعات القديمة وإتخذت منه أداة لحسم المنازعات بين أفرادها. ولقد ساهمت بشكل فعال الثورة العلمية والتكنولوجية في توسع مجالات التحكيم حيث ظهرت أنماط مختلفة كالتحكيم في المنازعات التجارية، والتحكيم في عقود الاستثمار، والتحكيم في المنازعات البنكية وغيرها.

 

 

 

 

ولقد إختلف الفقه والقضاء في تحديد الطبيعة القانونية للتحكيم، وتعددت النظريات في هذا الخصوص بين النظرية العقدية والنظرية القضائية ونظرية الطبيعة المختلطة[1]، ويرجع هذا التعدد إلى الأساس الإتفاقي الذي يقوم عليه التحكيم والنتيجة ذات الصفة القضائية التي ينتهي إليها المحكم، ألا وهي الحكم التحكيمي، فالتحكيم يتكون من عمليتن، الأولى تتجلى في الاتفاق الذي يبرمه طرفا النزاع، والثانية هو الحكم الصادر عن هيئة التحكيم[2]، وهنا يطرح التساؤل حول أي العمليتن تستوعب الأخرى حتى يتسنى إتخاذها مبدأ للتفسير في كل ما يتعلق بمعطيات التحكيم؟

لكن يبقى التحكيم من الناحية العملية يهدف إلى تسوية المنازعات والفصل بين الأطراف المتنازعة[3] وحسم النزاع ويعد هذا الأخير عاملا أساسيا يساعد على التمييز بين التحكيم وغيره من الأنظمة القانونية التي قد تتشابه معه، والتي تتفق معه في إحالة النزاع إلى شخص من الغير لأداء مهمة معينة تختلف عن مهمة التحكيم، وسنتناول أهم هذه الأنظمة القانونية التي قد تتشابه مع التحكيم من هذه الناحية.

وعليه سنقسم هذا الموضوع إلى فقرتين، سنخصص الفقرة الأولى للحديث عن الطبيعة القانونية للتحكيم، فيما سنتطرق للحديث عن التحكيم وتمييزه عن غيره من الوسائل المشابهة له في الفقرة الثانية.

 

الفقرة الأولى : الطبيعة القانونية للتحكيم

تعددت آراء الفقه حول تحديد الطبيعة القانونية لنظام التحكيم[4]، فإتجه البعض إلى ترجيح “الطبيعة القضائية”، في حين رجح البعض الآخر “الطبيعة العقدية أو التعاقدية للتحكيم”، وحاول البعض الآخر الأخذ بموقف وسط، عن طريق تبني حل توافقي مقتضاه إعتبار نظام التحكيم في مجموعة مزيجا بين العنصرين، ومن تم فإنه يتسم “بطبيعة مختلطة”[5].

وعليه سنقوم بإستعراض مختلف الآراء الفقهية، وإنعكاساتها على تحديد الطبيعة القانونية للتحكيم.

أولا : النظرية التعاقدية أو (العقدية)

يرى أنصار “النظرية التعاقدية” لنظام التحكيم أن نظام التحكيم ذو طبيعة تعاقدية، وليست قضائية، ذلك أن أعضاء هيئة التحكيم ليسوا قضاة، وليس لهم ولاية الحكم، وأنهم مجرد أفراد عاديين، أو أشخاص غير قضائية، كما أن أحكام التحكيم الصادرة في المنازعات التي تدخل أصلا في الولاية القضائية المقررة للقضاء العام في الدولة ليست أحكاما قضائيا، وإنما تستعير هذه الأحكام آثارها من إرادة الأطراف المحتكمين الذين حكموهم للفصل في المنازعات[6]. ويتضح من هذا أن جوهر النظرية العقدية لطبيعة التحكيم يتأسس على أن التحكيم هو من عمل الأطراف، فهو تراضي أو إتفاق أو عقد ينشأ عنه نظام التحكيم وهذا هو دور الإرادة الفردية، وعمل صادر من المحكم إلا أنه يرتد إلى الاتفاق ويقوم عليه ويلتزم بمضمونه[7].

ويرى أنصار هذه النظرية كذلك، أنه بما أن هذه الأحكام الصادرة في المنازعات تستعير آثارها من إرادة الأطراف المحكمين، فإنه يلزم أن تستمد هذه الأحكام التحكيمية قوتها التنفيذية من سلطات الدولة، وذلك بعد التحقق من إنتفاء ما يمنع تنفيذها، حيث تصبح بذلك واجبة التنفيذ، فالأمر بالتنفيذ الذي يُصدره القضاء العام هو الذي يمنح القرار القوة التنفيذية.

وقد وجد هذا الإتجاه صدى لدى “محكمة النقض الفرنسية” حيث أيدت الطبيعة التعاقدية للتحكيم وإنسحاب هذه الطبيعة إلى كل من إتفاق التحكيم، وحكم التحكيم، وذلك في حكمها الصادر 27 يوليوز سنة 1937[8] والذي جاء فيه : “قرارات التحكيم الصادرة على أساس مشارطة تحكيم تكون وحدة واحدة مع هذه المشارطة، وتنسحب عليها صغتها التعاقدية”[9].

وبالنسبة لموقف القضاء في مصر من هذه النظرية، يتضح من عدة أحكام أصدرتها محكمة النقض المصرية، بيانها بحيث أنها ترجع الطابع الإتفاقي لنظام التحكيم، فهي تركز على الأساس التعاقدي له، والذي يمثل نقطة الإنطلاق، والمميز الجوهري للنشاط التحكيمي في مختلف مراحله[10].

وقد إستند أنصار “النظرية العقدية” على أسانيد متعددة في تدعيم الطبيعة العقدية لحكم التحكيم، تعتمد على الدور الجوهري الذي تمثله إرادة الأفراد في التحكيم، وعلى الفرق بين هذا الحكم والحكم القضائي تأسيسا على أن “المحكم لا يتمتع بسلطات القاضي”[11].

وإستند “أنصار هذه النظرية العقدية” كذلك على أن هناك إختلاف في الهدف بين “نظام التحكيم”، وبين نظام القضاء العام في الدولة، إذ بينما يرمي نظام التحكيم إلى تحقيق “مصالح خاصة” للأطراف المحتكمين، فإن نظام القضاء العام في الدولة يرمي إلى تحقيق “مصلحة عامة”[12].

وقد تعرضت هذه النظرية العقدية لطبيعة التحكيم لبعض الإنتقادات منها، أن هذه النظرية أبرزت دور الإرادة في الاتفاق على التحكيم وأهملت الوظيفة القضائية للمحكم[13].

ثانيا : النظرية القضائية

تقوم هذه النظرية على أساس تركيز النظر والإعتماد على ” طبيعة المهمة” التي يؤديها المحكم، فهو يفصل في نزاع شأنه القاضي، ويجوز حكمه حجية الأمر المقضي، بل يتميز حكم التحكيم بعدم قابليته للطعن فيه في ظل معظم التشريعات والإتفاقيات الدولية، في حين أن حكم “القاضي” قابل للطعن فيه. فالمحكم يؤدي وظيفة “القاضي”، أنه قاض “خاص” يقابل قاضي “الدولة”، وسند قيام المحكم بوظيفة القاضي، هو قانون الدولة التي سمحت بالتحكيم كوسيلة لحسم المنازعات يمكن للأفراد الإلتجاء إليها[14]. كما أن حكم المحكم يتشابه مع حكم القضاء من حيث الشكل والمضمون والآثار، ويتشابه مع المركز القانوني للمحكم مع المركز القانوني للقاضي[15].

ويرى أنصار هذه “النظرية القضائية” أن التحكيم نوع من أنواع القضاء، إلى جانب القضاء العام للدولة، فهذه الأخيرة لم تحتكر وحدها سلطة الفصل في المنازعات التي تنشأ بين الأفراد، والجماعات ولكنها سمحت لهم بالإلتجاء إلى نظام التحكيم للفصل في المنازعات القائمة بينهم، كذلك يرى أنصار هذه النظرية أن ما يصدر عن هيئة التحكيم في النزاع موضوع الإتفاق على التحكيم يعتبر حكما بالمعنى الفني الدقيق بمعنى أن حكم “هيئة التحكيم” يعتبر عملا قضائيا[16]. ويرى الأستاذ “أحمد أبو الوفا” أن : «الصفة القضائية هي التي تغلب على التحكيم، وأن حكم المحكم هو عمل قضائي شأنه شأن العمل القضائي الصادر من السلطة القضائية في الدولة»[17]. أو كما قضت “المحاكم” على كون “التحكيم طريق قضائي يتمتع فيه المحكم بسلطات ذاتية ومستقلة للفصل في الخصومات التي يطرحها عليه الخصوم”، فالتحكيم طريق مواز تعترف به الدولة لأداء العدالة وحماية الحقوق والمراكز القانونية[18].

ويبدوا أن نظرية “الطبيعة القضائية” للتحكيم تحظى الأن بتأييد واسع في أحكام القضاء في فرنسا، فموقف أحكام القضاء في فرنسا منذ نهاية القرن الماضي كان يتجه إلى إعتبار “نظام التحكيم” وما يصدر عنه من قرارات من “طبيعة قضائية”.

“ومن المستقر عليه الأن في الفقه والقضاء الفرنسي أن المحكم قاضي ويعد ما يصدره حكما حقيقيا، أي عملا قضائيا، وهذا الحكم يقف من الخصومة موقف أحكام القضاء بمجرد صدوره والتوقيع عليه، ويعتبر ورقة رسمية شأنه شأن الأحكام التي تصدر من القضاء العادي وتكون له قوة ملزمة”[19].

غير أن أنصار الطبيعة القضائية[20] للتحكيم إختلفوا حول أساس الوظيفة القضائية التي يباشرها المحكم، فمنهم من إعتقد بأن أساس سلطة المحكم في تسوية النزاع بين الخصوم هو تفويض الدولة للمحكم بإقامة العدل بين الخصوم إستنادا إلى النظام القانوني للدولة التي سمحت بالتحكيم كوسيلة يمكن للأطراف الإتجاه إليها للفصل في المنازعات، في حين إعتقد آخرون بأن أساس سلطة القاضي في الدولة هي ذاتها التي يتمتع بها المحكم، بل لأن هذا الأخير فضلا عن سبق ظهوره على قضاء الدولة فإنه يشكل إلى جانب قضاء الدولة العام قضاء خاص حيث يتمتع بأصالة وتنظيم خاص مما ساهم فعلا في إنتشار مراكزه في جميع أنحاء المعمورة[21].

ثالثا : النظرية المختلطة

يرى أنصار هذه النظرية أن تحديد الطبيعة القانونية للتحكيم يتم من خلال تحديد التأثيرات المزدوجة لفكرتي العقد والقضاء في هذا النظام[22]، فالطبيعة العقدية تجد أساسها في إتفاق الأطراف على اللجوء إلى التحكيم للفصل بالنزاع القائم بينهم، وهذا يتطلب إحترام هذا الاتفاق إنطلاقا من إحترام “مبدأ سلطان الإرادة”، والطبيعة القضائية تجد أساسها في الفصل في هذا النوع وفقا لإجراءات قضائية يصدر بناءا عليها حكم قضائي. وتعتمد أسانيد هذه النظرية على الدور الجوهري الذي تمثله إرادة أطراف النزاع وعلى المهمة القضائية التي يقوم بها المحكم.

والطبيعة المختلطة هي التي تفسر الأحكام التي تبدو متعارضة في داخل نظام التحكيم، مثل إحترام مبدأ المواجهة، والإلتزام بتوضيح أسباب الحكم، إمكانية رده، سلطة محكمة التحكيم في إدارة القضية والبحث عن أدلة الإثبات وهذا لا يفسره إلا الطبيعة القضائية، أما جواز الطعن على حكم المحكم بدعوى بطلان وقدرة الخصوم على تحديد إجراءات التحكيم وإختيار القانون واجب التطبيق، فلا يفسره إلا التأثير التعاقدي على طبيعة هذا النظام، والإختلاف داخل هذه النظرية بدور حول تحديد اللحظة التي يتحول فيها التحكيم من الطبيعة التعاقدية إلى الطبيعة القضائية[23].

ويرى البعض من أنصار هذه النظرية أن التحكيم ليس إتفاقا محضا وليس قضاء محضا وإنما هو نظام يمر في مراحل متعددة فهو في أوله إتفاق، وفي وسطه إجراء، وفي آخره حكم[24].

والتحكيم يبدو في رأي أنصار نظرية الطبيعة المختلطة للتحكيم، من طبيعة مختلطة، أو مزدوجة “هجينة” Hybride Mixte، على أساس أن كلا من النظريتين التعاقدية والقضائية قد أصابتا جزء من الحقيقة، إلا أن إطلاق الأخذ بأحدهم، دون الأخر يثير كثيرا من المصاعب، ولهذا كان من الأحسن الجمع بينهما، وإعتبار نظام التحكيم له طبيعة مزدوجة-عقدية، وقضائية[25].

وما يؤخذ على هذه النظرية أنها أخدت الحل السهل أو الأسهل، ولم تواجه مشكلة التكييف القانوني لطبيعة التحكيم، وتوجهت إلى فكرة تحويلية للتحكيم من عقد إلى قضاء، وأن هذا يعد هروبا من المشكلة، إذ أن القول بالطبيعة المختلطة لا يحل مسألة تحديد “الطبيعة القانونية للتحكيم”[26].

رابعا : النظرية المستقلة

وفقا لهذه النظرية فإن التحكيم يعتبر عملا مستقلا له طبيعة متميزة خاصة به، فهذه النظرية لا تعتبر التحكيم عملا إراديا كالصلح، كما لا تعتبره عملا قضائيا كالقضاء الذي ينزل حكم القانون على النزاع بحكم مفروض على الأطراف، وإنما تعتبر التحكيم عملا ذا تيا مستقلا، لأنه ينطلق من إعتبارات خاصة يجب مراعاتها بقدر المستطاع لتحقيق مصالح الخصوم. والتحكيم وفقا لهذه النظرية هو نظام أصيل متحرر من العناصر التعاقدية والقضائية، ويضمن السرعة الضرورية في نظر القضايا وتقول هذه النظرية بأن إرادة الأطراف المتفقة على التحكيم وإن كانت أساس نظام التحكيم، إلا أنها لا تفس شموله وتطوراته، فالعقد ليس هو جوهر نظام التحكيم، بدليل عدم وجوده في نظام التحكيم الإجباري[27].

كما أن هيئة التحكيم التي ستتولى الفصل في النزاع المطروح عليها لا يتم تعيينها دوما عن طريق الأطراف المتفقة على التحكيم، إذ أنه من الممكن أن يتم تعيينها بواسطة القضاء العام في الدولة أحيانا.

ووفقا لما يقوله أنصار هذه النظرية فإن إتفاق التحكيم يعد أداة إجرائية بموجبه يستبدل الأطراف على وجه التقابل بالدعوى القضائية، دعوى تحكيمية في شأن نزاع محتمل حول مسألة مما يجوز فيها الصلح والتحكيم.

ويتضح مما سبق أن النظرية المستقلة[28] لنظام التحكيم تتداخل في النظرية المختلطة لنظام التحكيم. وأهم الإنتقادات التي وجهت لهذه النظرية أنه لا يمكن التسليم بأن نظام التحكيم يحقق نوعا من العدالة تختلف عن تلك التي يقدمها القضاء العام في الدولة لأن طبيعة نظام التحكيم يتم تحديده من خلال رده إلى الأصل الذي ينتمي إليه، وليس من خلال الأثر الذي يرتبه، فإذا كان هذا الأصل هو “سلطان الإرادة الذاتية” للأطراف المتفقة على التحكيم كان نظام التحكيم ذا طبيعة عقدية، وإن كان الأصل الذي ينتمي إليه نظام التحكيم هو سلطة القضاء كان ذا طبيعة قضائية، أما إذا كان غير ذلك فإنه يكون ذا طبيعة مستقلة يتعين تأصيلها.

غير أن كل ما يستند إليه أنصار هذه النظرية لا يؤكد على إستقلال نظام التحكيم عن نظام القضاء العام في الدولة وإنما يؤكد على خصوصية نظام التحكيم.

الفقرة الثانية : تمييز التحكيم عن غيره من الوسائل المشابهة له

تعتبر فكرة حسم النزاع المعروض على المحكمين من قبل الأطراف المتنازعة المتفقة على التحكيم، عملا أساسيا يساعد على التمييز بين التحكيم وغيره من الأنظمة القانونية التي قد تتشابه معه، والتي تتفق معه في إحالة النزاع إلى شخص من الغير لأداء مهمة معينة تختلف عن “مهمة المحكم”.

ومن أهم الأنظمة القانونية التي قد تتشابه مع التحكيم من هذه الناحية، نظام القضاء، والصلح، والتوفيق والخبرة، وسنتناول هذه الأنظمة كالآتي :

أولا : التحكيم والقضاء

القضاء هو إحدى السلطات العامة للدولة، وبالتالي فإن القاضي يعتبر موظفا عاما له ولاية قضائية، ويصدر أحكاما قضائية ويتقاضى أجره من الدولة ولا يتقاضى أجرا أو أتعابا على عمله من قبل المتقاضين ولا يمكن عزله إلا تأذيبيا. أما في التحكيم فينشأ نظام إجرائي مؤقت قاصر على نزاع معين، وبنطاق محدد ويتولى هذه العملية التحكيمية شخص عادي له ولاية إلزامية مؤقتة، ومهمة مؤقتة تنتهي بإصداره للحكم التحكيمي المخول بإصداره، تم يعود هذا المحكم فردا عاديا، كما يمكن عزله بإتفاق الخصوم في أي وقت.

إضافة إلى ذلك فإن سلطات القاضي بشأن النزاع المعروض عليه، ورغم ولايته العامة، تكون أضيق من تلك السلطات التي يختص بها المحكم الذي تم إختياره بالإرادة الخاصة، أي “بإتفاق الخصوم”. حيث أن المحكم قد يفوض بالصلح من قبل الخصوم وبالتالي فهو يمكنه أن يتوجه إلى تطبيق قواعد العدالة ولا يلزم بتطبيق قواعد القانون وذلك بإستثناء القواعد المتعلقة بالنظام العام فلا يسري عليه إتفاق الخصوم بالطبع بينما نجد أن القاضي يكون ملزما بتطبيق قواعد القانون على الوقائع، إلا كان حكمه معيبا[29].

كذلك فإن المحكم لا يستطيع توقيع العقوبات أو الجزاءات على الشهود أو إلزام الغير بتقديم مستند معين، وذلك بعكس القاضي الذي تخوله وظيفته القضائية إجراء كل ذلك، كما يلزم المحكم بالمدة المحددة إتفاقا أو قانونا لإصدار الحكم التحكيمي، بينما القاضي لم يحدد له القانون مدة معينة لإصدار حكمه القضائي، كما أن إجراءات التقاضي المتبعة أمام القاضي تتسم بأنها معقدة وبطيئة، على خلاف إجراءات التحكيم التي تتسم بالمرونة والسرعة، هذا فضلا عن أن جلسات التقاضي أمام القضاء تكون علنية بعكس جلسات التحكيم التي تكون سرية، ما لم يتفق الخصوم على غير ذلك[30].

بالإضافة إلى ذلك فإن حكم القاضي يكون واجب التنفيذ بمجرد صدوره، وانقضاء مواعيد الطعن في هذا الحكم ما لم يكن قد قضي بوقف تنفيذه، بينما حكم التحكيم لابد من صدور أمر لتنفيذه صادر من السلطة القضائية للدولة[31].

ثانيا : التحكيم والصلح

الصلح عقد يحسم به الأطراف نزاعا ثار بينهما فعلا أو يتوقيان به نزاعا محتملا، مستقبلا، وقد عرفه المشرع الفرنسي في المادة 2044 من التقنين المدني الفرنسي بأنه : «عقد يحسم به المتعاقدان نزاعا قائما أو يتقيان به نزاعا محتملا»[32]، ويتأتى ذلك بتنازل إرادي من كل طرف عن بعض مطالبه، وغاية ما هنالك أن الصلح يتم بحوار مباشر بين الأطراف أو ممثليهم[33]. ويتشابه الصلح والتحكيم في أن كليهما ينحسم به النزاع علاوة على أن ما يمتنع فيه الصلح يمتنع فيه التحكيم على أساس ما يعرف بعدم قابلية الموضوع للتحكيم. ويشبه الصلح شكل التحكيم إذا كان وقائيا أي سابقا للنزاع، كما يقترب من مشارطة التحكيم إذا كان لاحقا على نشوء النزاع[34].

ويمكن التفرقة بينهما في أن الصلح عقد يحسم به أطرافه نزاعا قائما، أو يتوقيان به نزاعا محتملا كما سبق الذكر، وذلك بأن يتناول كل واحد منهما عن جزء من إدعاءاته، فهو أداة للتسوية الودية لحل النزاع حلا رضائيا، بينما نجد أن التحكيم يتوجه إلى الحل العادل بحكم تحكيمي له صفة الإجبار والإلتزام دون أن يعني بالضرورة تنازل عن جزء من الإدعاءات كحالة الصلح، بل إعطاء الحق بأكمله لأحد الخصوم أو تعديله لصالح أحدهما، ويحتاج الصلح كذلك إلى توثيق أو حكم قضائي بشأنه ليتمتع بالقوة التنفيذية إلا إذا كان الصلح قد ثبت في محرر موثق أو في محضر الجلسة[35]. أما حكم التحكيم فينتهي بقرار حاسم قابل للتنفيذ مباشرة بعد وضع الصيغة التنفيذية دون أن تمتد سلطة قاضي التنفيذ للنظر في الموضوع[36].

لكن يظل صحيحا أن الصلح ينهض بعبئه أطراف العقد فهو ثمرة تفاوض مباشر بينهما، بينما يقف دورهم في التحكيم عند تخويل المحكم سلطة حسم النزاع بحكم قد يقض لطرف بكامل طلباته[37].

ثالثا : التحكيم والتوفيق

يعتبر التوفيق هو إتفاق الأطراف على محاولة إجراء تسوية ودية عن طريق “الموافق” أو المرفقين الذين يقع عليهم إختيار الأطراف أولا تلقى منهم قبولا، فهو لا يصدر قرارات، وإنما يقدم مقترحات يظل أمرها معلقا على قبول الأطراف، فإذا لم تفلح المحاولة، كان باب التقاضي متاحا لأطراف النزاع، غير أن التحكيم هو إختيار نهائي لطريق “التحكيم” كبديل عن الإلتجاء للقضاء[38].

وإذا كان التحكيم والتوفيق يتشابهان في أنهما يحسمان النزاع، إلا أنهما يختلفان في أن التحكيم تنظيم ينتهي بحكم له آثار الأحكام القضائية وقابل للتنفيذ الجبري إذا ما توافرت شروطه، وهو ملزم للمتنازعين وله آثار محددة ويعتبر سند تنفيذي، أما التوفيق فإنه لا ينتهي بحكم، بل بتوصيات ومقترحات[39] كما سبق الذكر.

كذلك يختلف نظام التحكيم عن التوفيق في أنه يتم إختيار المحكمين بإتفاق الأطراف المتنازعة، أما إختيار أعضاء اللجنة أو لجنة التوفيق والصالحة فإنها تتم بقرار من وزير العدل.

كما لا يخفى الفارق الجوهري بين التحكيم والتوفيق، في كون التوفيق يتضمن على سبيل الحتم، تنازلات من الطرفين لكي يمكن التوصل إلى حل بسيط، بينما “المحكم” لا يسعى إلى البحث عن حل وسط أو توفيقي، بل يسعى إلى إصدار حكم حاسم للنزاع يلبي فيه طلبات أحد الطرفين. أما الموقف فلا يملك إلا إنهاء الإجراءات، وتعود للأطراف حريتهم في الإلتجاء للقضاء على العكس في إتفاق التحكيم حيث ينتهي بإصدار حكم تحكيم حاسم للنزاع[40] القائم.

رابعا : التحكيم والخبرة

قد يتفق الأطراف على الإستعانة بخبير أو أكثر لإبداء الرأي، وكذا تقديم تقاريرهم عن الموضوعات التي ثار بشأنها نزاع أو إختلاف، وغالبا ما تكون مسائل ذات طابع فني تحتاج لخبرة تختلف حسب نوع النزاع، فقد تكون خبرة هندسية، وقد تكون محاسبية أو زراعية.

والخبير هو المتخصص في علم أو فن معين كالزراعة مثلا أو الطب أو الصيدلة أو التجارة أو الهندسة أو الضرائب أو الحاسب الآلي بتقنياته الهندسية والبرمجية[41].

بالإضافة إلى ذلك لا يجب أن يختلط الإتفاق على الإستعانة بالخبرة بالإتفاق على التحكيم، فالخبير لا يصدر قرارت، وإنما هو يبدي رأيا فنيا يظل للأطراف حق قبوله أو المنازعة فيه، والعودة لطلب تقارير خبرة أخرى من خبراء أخرين. أما فيما يخص التحكيم فالحكم يصدر قرارا يحسم النزاع ويلزم الأطراف ويحوز حجية الشيء المقضي به، فالأطراف لا يملكون العودة لطرح النزاع على محكمين اخرين أو رفع دعوى قضائية بشأنه.

وبالرغم من تقارب المحكم والخبير في أن كلا منهما يصدر أيا فنيا في قضية معينة ويتمتع كلا منهما بالإستقلالية ويتصفان بالحياد، إلا أنه يمكن التفرقة بينهما في أن الخبير في الدعوى القضائية يبدي رأيه في المسائل الواقعية فقط، أي الفنية أو العملية، فلا يجوز له أن يتعرض للمسائل القانونية[42]، بمعنى أن الخبير يعتمد على “معلوماته وخبراته” فضلا عن ما يقدمه له للأطراف من معلومات، فالخبير له التصدي وإبداء رأيه دون الحاجة للرجوع للأطراف. وهو ما لا يتسنى للمحكم الذي يتحتم عليه تخويل الأطراف إمكانية تقديم مستنداتهم وحق كل طرف في الإطلاع على ما يقدمه الآخر، فهو يقوم بدور مشابه لدور القاضي[43]. فالمحكم على عكس الخبير فهو ملزم بإبداء رأيه في النزاع بأكمله، أي في الوقائع والقانون مع أنه ليس بالضرورة أن يكون المحكم قانونيا. كما لا يكفي القول أن القرار إذا كان ملزم فهو تحكيم و إن لم يكن فهو خبرة، إذ أنه من الممكن أن يتفق طرفان خارج القضاء على إختيار شخص لبدي لهما رأيا ملزما لهما في مسألة فنية بحثة ويكون قراره نهائيا ملزما لهما وهو ما يقرب من المحكم ومع ذلك لا يعتبر ما يصدره حكم تحكيم[44]. إذ أن مهمة هذا الشخص كانت مسألة فنية بحثة وليس نزاعا قانونيا.

إلا أنه يمكن القول أن التحكيم والخبرة متجاوران ومتساندان في العديد من الحالات، فالخبير من أعوان هيئة التحكيم[45]، حينما يطلب منه الرأي الفني في الموضوع محل النزاع وبالتالي يساهم بشكل كبير في عملية الإثبات، إضافة إلى ذلك يمكن أن يكون الخبير أحد أعضاء هيئة التحكيم وهنا يساهم بشكل كبير في صنع القرار الحاسم والفاصل في النزاع.

 

 

 

 

 

 

 

خاتمة:

مما لا شك فيه أن التحكيم التجاري أثبت عبر تطبيقه أنه يعتبر وسيلة فعالة لحل المنازعات، وعلى الأخص منازعات الاستثمار بين الدول المضيفة ومواطني الدول المتعاقدة، وذلك لما يقدمه من مميزات لكل المتعاقدين المستثمرين الأجانب والدول المضيفة للاستثمار. وعليه يمكن القول أن التحكيم هو الوسيلة المثلى لفض منازعات عقود الاستثمار في ظل ما يشهده العالم من تغيرات متتابعة في وقتنا الحالي وكذلك في ظل الاتجاه المتزايد والمتسارع نحو العولمة والذي يوفر للشركات المتعددة الجنسية البيئة الاقتصادية المثلى لجعل العالم سوقا موحدة حرة تحكمها قواعد المنافسة المطلقة الا انه لابد من اصدار مدونة خاصة بالتحكيم وعدم الاكتفاء بالقانون 05- 08 المنظم للتحكيم  بالمسطرة المدنية اذ أصبح اصدار مدونة خاصة بالتحكيم ضرورة ملحة .

1 –  راجع الجدل الفقهي في هذا الشأن في : أبو زيد رضوان، “الأسس العامة للتحكيم التجاري الدولي”. دار الفكر العربي، 1981، ص : 23.

2 –  طه أحمد علي قاسم، “تسوية المنازعات الدولية الإقتصادية”. دار الجامعة الجديدة للنشر، الإسكندرية، طبعة 2008، ص : 450-451.

3 –  عبد الهادي عباس- جهاد هواش، “التحكيم الإختياري والتحكيم الإلزامي – التحكيم في المنازعات الدولية، التحكيم في التجارة الدولية”. الطبعة الثانية 1997 ، ص : 523.

4 –  أحمد أبو الوفا، “التحكيم الإختياري والإجباري”. منشأة المعارف، الإسكندرية،  ص : 17 ومابعدها.

1 –  محمود السيد عمر التحيوي، “الطبيعة القانونية لنظام التحكيم”. منشأة المعارف، الإسكندرية، 2003 ، ص : 22.

2 –  محمود السيد عمر التحيوي، “الطبيعة القانونية لنظام…”. ص : 26-27.

3 –  طه أحمد علي قاسم، مرجع سابق، ص : 451.

1-  خالد محمد القاضي، موسوعة التحكيم التجاري الدولي”. دار الشروق، القاهرة، الطبعة الأولى 2002 ، ص : 112.

2 –  محمود السيد عمر التحيوي، مرجع سابق، ص : 58.

3 –  محمود السيد عمر التحيوي، نفس المرجع السابق، ص : 60-61.

4 –  أشجان فيصل شكري داود، “الطبيعة القانونية لحكم التحكيم وآثاره وطرق الطعن : دراسة مقارنة”. رسالة ماجستير في القانون، كلية الدراسات العليا في جامعة النجاح الوطنية، نابلس-فلسطين، لسنة 2008، ص: 16.

5 –  محمود السيد عمر التحيوي، مرجع سابق، ص : 62.

6 –  طه أحمد علي قاسم، “تسوية المنازعات الدولية الإقتصادية”.ص : 451.

1 –  محمود مختار أحمد بريري، “التحكيم التجاري الدولي”. دار النهضة العربية، القاهرة، الطبعة الثالثة 2004. ص : 7.

2 –  طه أحمد علي قاسم، مرجع سابق، ص : 452.

3 –  محمود السيد عمر التحيوي، مرجع سابق، ص : 223-224.

4 –  أحمد أبو الوفا، “التحكيم الإختياري والإجباري”. منشأة المعارف، الإسكندرية، 2001. ص : 19.

5 –   مصطفى حسيني، “المفيد في التجارة الدولية وقواعدها”. بدون دار النشر، طبعة 2015-2014. ص: 140.

1 – عبد الكريم الطالب، “التحكيم في القانون المسطرة المدنية المغربي”. مجلة المنتدى، العدد الثاني، دجنبر 2000، ص: 28.

2-  ناريمان عبد القادر، “إتفاق التحكيم وفقا لقانون التحكيم في المواد المدنية والتجارية”. دار النهضة العربية، الطبعة الأولى، 1996، ص : 16 وما بعدها.

3-  مصطفى حسيني، “المفيد في التجارة الدولية وقواعدها”، مرجع سابق. ص : 141.

4 –  أبو زيد رضوان، “الأسس العامة في التحكيم التجاري الدولي”. دار الفكر العربي، القاهرة، 1981، ص: 30-31.

1 –  طه أحمد علي قاسم، “تسوية المنازعات الدولية الإقتصادية”. ص : 452-453.

2 –  محمود السيد عمر التحيوي، الرضا بالتحكيم لا يفترض”. دار المطبوعات الجامعية، طبعة 2001.

       ص : 337.

3 –  محمود السيد عمر التحيوي، نفس المرجع السابق، ص : 336؛ أنظر كذلك : خالد محمد القاضي، مرجع سابق، ص : 114.

4 –  حمد بن صالح بن ناصر اليحمدي، “التحكيم في العقود الإدارية دراسة مقارنة”. أطروحة لنيل الدكتوراه في القانون العام، كلية العلوم القانونية والإقتصادية والإجتماعية جامعة عبد المالك السعدي، طنجة، السنة الجامعية 2014-2013. ص : 61؛ ومحمود السيد عمر التحيوي، مرجع سابق، ص : 339-340.

1 –  حمد بن صالح بن ناصر اليحمدي، مرجع سابق، ص : 61.

2 –  محمود السيد عمر التحيوي، مرجع سابق، ص : 342 وما بعدها.

1 –  حمد بن صالح بن ناصر اليحمدي، “التحكيم في العقود الإدارية…”. ص : 66-67.

1 –  حمد بن صالح بن ناصر اليحمدي، نفس المرجع السابق، ص : 67.

2 –  حمد بن صالح بن ناصر اليحمدي، مرجع سابق، ص : 68.

3 –  Robert (J), Arbitrage civil et commercial, Troisième édition 1961 no, 4 et 5 P.

4 –  محمود مختار أحمد بريري، “التحكيم التجاري…”، مرجع سابق، ص : 20.

5 –  محمود مختار أحمد بريري، نفس المرجع السابق، ص : 20.

1 –  حمد بن صالح بن ناصر اليحمدي، “التحكيم في العقود الإدارية…”. ص : 68.

2 –  محمود مختار أحمد بريري، مرجع سابق، ص : 21.

3 –  محمود مختار أحمد بريري، “التحكيم التجاري…”. ص : 20-21.

4 –  محمود مختار أحمد بريري، نفس المرجع السابق، ص : 19.

5-   حمد بن صالح بن ناصر اليحمدي، مرجع سابق، ص : 69.

1 –  محمود مختار أحمد بريري، مرجع سابق، ص : 20.

2 –  محمود مختار أحمد بريري، نفس المرجع السابق، ص : 21؛ أنظر كذلك : عبد الرحمان المصباحي، “المبادئ الضرورية لضمان فعالية التحكيم”. مجلة القضاء والقانون، العدد 56، مطبعة الأمنية، الرباط، يناير 2009، ص: 107.

3 –  حمد بن صالح بن ناصر اليحمدي، مرجع سابق، ص : 71.

1 –  محمود مختار أحمد بريري، مرجع سابق، ص : 22.

2 –  حفيظة السيد الحداد، الموجز في النظرية العامة في التحكيم التجاري الدولي”. منشورات الحلبي الحقوقية، الطبعة الأولى 2004. ص : 62.

3 –  PH.Fouchard,E. Gaillard B. Goldman, Faité de l’ arbitrage commercial international. Paris, litec-Delta, 1996, P 22 N 25.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *