*الغرامة التهديدية في المادة الإدارية*

title

اللقب و الاسم : عبد السلام خديجة.

المهنة: أستاذة بكلية الحقوق و العلوم السياسية جامعة أبي بكر بلقايد- تلمسان– الجزائر.

المستوى العلمي:  شهادة ماجستير في القانون العام المعمق ( جامعة أبي بكر بلقايد تلمسان- الجزائر).

مقدمة:

إن الإدارة تتمتع بمركز القوة في مواجهة الأفراد لما لها من وسائل وامتيازات السلطة العامة فقد تتخذ موقفا سلبيا من تنفيذ حكم القضاء، وهذا ما يؤدي إلى تضرر المتقاضي الذي هو الطرف الضعيف في الدعوى الإدارية. فيتدخل القاضي الإداري هنا من أجل حماية حقوق المتقاضي و تحقيق التوازن بين هذين الطرفين الغير المتكافئين، وذلك بحكمه بغرامة تهديدية ضد الإدارة. فهذه الأخيرة أقرها المشرع من أجل إجبار الإدارة على تنفيذ الأحكام والقرارات القضائية الإدارية([1]).  ولهذا فإن دراسة الغرامة التهديدية تتطلب التعرض إلى مفهومها (المبحث الأول) ثم أحكامها في القانون الجزائري (المبحث الثاني).

المبحث الأول: مفهوم الغرامة التهديدية.

تعتبر الغرامة التهديدية وسيلة غير مباشرة لتنفيذ الأحكام والقرارات القضائية الإدارية الحائزة لقوة الشيء المقضي به، وكذا وسيلة لحمل الإدارة على تنفيذ تلك الأحكام. والقاضي الإداري عند توقيعه للغرامة التهديدية ضد الإدارة، فإنه لا تعتبر تدخلا منه ضدها، ولا يحل محلها في شيء، ولا يمس في ذلك مبدأ الفصل بين السلطات، ولكنه يفعل ذلك من أجل أن يذكرها بالتزاماتها الأساسية المتمثلة في احترام مضمون قوة الشيء المقضي به، مع إلباس هذا التذكير ثوب التحذير الرسمي وهو التهديد بجزاء مالي.

وبالتالي فإن الغرامة التهديدية تعرف بأنها عقوبة مالية تبعية تحدد بصفة عامة عن كل يوم تأخير، يقوم القاضي الإداري بإصدارها من أجل ضمان حسن تنفيذ حكمه أو حتى بقصد حسن تنفيذ أي إجراء من إجراءات التحقيق. ([2])

وهناك من يعرفها بأنها: ” مبلغ من النقود يحكم به القاضي على الإدارة (المدعى عليها) عن كل فترة زمنية معينة لا يتم فيها التنفيذ لالتزاماتها”. ([3])

وبالتالي فإن الغرامة التهديدية تتمثل في مبلغ مالي يقره القاضي لفائدة المدعي وبطلب منه، والذي يضطر الممتنع عن التنفيذ والتي هي الإدارة لأدائه له عن كل فترة تأخير في تنفيذ الالتزام وغالبا ما تقدر هذه الفترة بالأيام.

كما أن الملاحظ من التعارف سالفة الذكر أن الغرامة التهديدية تهدف إلى ضمان تنفيذ الحكم القضائي وليس ضمان التعويضات عن الأضرار الناتجة عن التنفيذ المتأخر للحكم القضائي أو عدم تنفيذه. ومن خصائصها أنها تهديدية تحذيرية. وهذه الخاصية تعتبر أهم ميزة في الغرامة التهديدية، فهذا الطابع التهديدي يعتبر جوهرها، وهذا لكونها تنبه الإدارة إلى الجزاءات المالية التي قد تتعرض لها إن استمرت في مقاومة تنفيذ الحكم الصادر ضدها، فهي تحذرها من الالتزامات المالية التي سوف تثقل كاهلها في حال امتناعها عن التنفيذ. فالطابع التهديدي يظهر أيضا في كون الغرامة التهديدية لا تحدد مرة واحدة، و إنما تحدد في كل يوم. فكلما تأخرت الإدارة في تنفيذ التزاماتها، ارتفعت وتراكمت الغرامة. وتتميز كذلك بأنها ذات طابع تحكيمي. وتظهر هذه الخاصة من خلال سلطة القاضي التقديرية في تحديد قيمة الغرامة التهديدية. فالقاضي غير ملزم بتسبيب حكمه وتوضيح الأسس التي اعتمد عليها في تقرير قيمة الغرامة. فلا يشترط مثلا أن تكون قيمة الغرامة التهديدية مقاربة للضرر الناتج عن تأخر الإدارة عن التنفيذ، أو عدم التنفيذ، فقد يحددها القاضي أكثر من قيمة الضرر لإجبار الإدارة على التنفيذ، فله الحرية في أن يخفض قيمتها أو يرفعها. فالقاضي إذن يقدرها تقديرا تحكيميا ولا يتقيد فيه إلا بمراعاة القدر الذي يرى أنه منتج في تحقيق غايتها. ([4]) كما تتميز بخاصية عدم التلقائية. فالقاضي لا يقضي بها تلقائيا، بل بناء على طلب المحكوم له والذي هو المتقاضي، فهو أمر جوازي متروك لتقدير المحكمة، فالقاضي ممكن أن يستجيب له كما يمكن أن يرفض طلبه.

إلى جانب هذا يجب التفرقة بين الغرامة التهديدية والمصطلحات المشابهة لها والتي من بينها العقوبة والتعويض. ففيها يخص التفرقة بين العقوبة والغرامة التهديدية فإن هذه الأخيرة ليست بعقوبة، وإن كانت تسميتها قد تؤدي إلى الاعتقاد بأنها كذلك. وفي هذا السياق تجدر الإشارة إلى أنه يمكن اعتماد مصطلح التهديد المالي للدلالة على نظام الغرامة التهديدية، وهذا تجنبا لأي لبس بينها وبين العقوبة. و على كل حال و مهما كان المصطلح  المستعمل سواء كان الغرامة التهديدية أو التهديد المالي، فإنه يختلف على العقوبة، ويمكن التفرقة بينهما في القول بأن العقوبات يجب سنها بقانون، فالعقوبة نهائية ويجب تنفيذها كما نطق بها، أما الغرامة التهديدية فهي ذات طابع مؤقت. ([5]) وإذا اعتبرنا أن الغرامة التهديدية مجرد عقوبة، فلا بد وبكل بساطة معرفة النص الجنائي الذي كرسها والنص الذي جرم الأفعال التي ترتبط بها ، و هذا بموجب النص ” لا عقوبة ولا جريمة بدون نص ” المنصوص عليها في المادة الأولى من قانون العقوبات الجزائري، وبالتالي فإنه بالرجوع إلى قانون العقوبات لا نجد نصا يكرس الغرامة التهديدية كعقوبة.

أما فيما يخص التمييز بين الغرامة التهديدية والتعويض، فإن كان الغرض من التعويض هو جبر الضرر وإصلاحه، فإن الغرامة التهديدية لا تهدف لذلك، وإنما استنادا إلى خاصية التهديد التي تتميز بها، فهي تهدف إلى جبر المحكوم عليه على التنفيذ. و إلى جانب هذا يختلفان من حيث المقدار، فالغرامة التهديدية تقدر بالأيام، أي عن كل يوم تأخرت الإدارة فيه عن التنفيذ، أما التعويض فإنه يقدر بواسطة الضرر الحاصل، فكلما كان الضرر الحاصل كبيرا، يكون مبلغ التعويض كبيرا، والعكس صحيح. وبالتالي فإن الغرامة التهديدية ليست تعويضا، فهي لا تقاس بمقياس الضرر ولا تتوقف عليه إطلاقا، وإذا حكم القاضي بها فإنه لا يسبب حكمه بخلاف الحكم بالتعويض فإنه واجب بالتسبيب.

المبحث الثاني: أحكام الغرامة التهديدية في القانون الجزائري.

قبل صدور قانون الإجراءات المدنية والإدارية، نص المشرع الجزائري على الغرامة التهديدية في كل من المادة 340 والمادة 471 من الأمر 154-66 المؤرخ في 8 يونيو 1966 المتضمن قانون الإجراءات المدنية الملغى. فقد نصت المادة 340 منه على ما يلي: ” إذا رفض المدين تنفيذ التزام بعمل، أو خالف التزاما بامتناع عن عمل يثبت القائم بالتنفيذ في محضر، ويحيل المستفيد للمطالبة بالتعويضات والفوائد أو التهديدات المالية، ما لم يكن قد قضى بالتهديدات المالية من قبل”. ونصت المادة 471 من نفس القانون على ما يلي: ” يجوز للجهات القضائية بناء على طلب الطرفين النطق بتهديدات مالية ويجب مراجعة تلك التهديدات و تصفيتها من طرف الجهات القضائية المختصة، ولا يجوز أن يتجاوز مقدار الغرامة التهديدية عند تصفيتها مقدار التعويض عن الضرر الحادث فعلا”. ومن خلال استقراء هاتين المادتين نستنتج أن المشرع الجزائري لم ينظم الغرامة التهديدية بشكل مفصل، ولم يتطرق إلى جميع جوانبها، وهذا هو السبب الذي أدى إلى تردد موقف القضاء الإداري الجزائري أي الغرفة الإدارية بالمحكمة العليا سابقا، ومجلس الدولة حاليا، وعدم اتخاذه لموقف موحد، بل تميز بين المؤيد والرافض للغرامة التهديدية.

فمن بين القرارات المؤيدة لتسليط الغرامة التهديدية ضد الإدارة نجد ما يلي:

– القرار الصادر عن الغرفة الإدارية بالمحكمة العليا سابقا في 21 أفريل 1965 في قضية زرميط ([6])  والذي حملت فيه الغرفة الإدارية بالمحكمة العليا مسؤولية الإدارة لعدم تنفيذ أحكام القضاء، وهذا على أساس الخطأ الجسيم.

– حكم الغرفة الإدارية بالمحكمة العليا الصادر في 14 ماي 1995 ([7]) في قضية السيد (ب.م) ورئيس المجلس الشعبي البلدي.

حيث أن المستأنف طالب من المندوبية التنفيذية لبلدية سيدي بلعباس تنفيذ القرار الصادر في 6 جوان 1993 من الغرفة الإدارية للمحكمة العليا وأن هذه الأخيرة رفضت الاستجابة لطلبه. وأن مسؤولية البلدية قائمة بسبب هذا التعنت اتجاه السيد (ب.م) ويجب تعويضه بناء على غرامة تهديدية.

لكن حيث أن المبلغ الممنوح أي 2000دج عن كل يوم زهيد ويجب رفعه إلى 8000دج .

–  قرار مجلس الدولة الصادر 1999/03/03 في قضية رئيس مندوبية ميلة ضد بوعروج فاطمة ([8]).

حيث أنه بموجب اتفاقية تبادل الأراضي، تنازلت بلدية ميلة عن القطعة الأرضية المسماة “بلاد سبيطار” لصالح السيدة “بوعروج” والتي هي بدورها تنازلت للبلدية عن قطعة أرض تسمى “الكمونية”. و بما أن البلدية لم تستغل هذه الأرض قامت السيدة بوعروج ببيع جزء كبير منها للخواص، و لما قامت البلدية بأشغال على الجزء الباقي من القطعة المسماة “الكمونية”  التي كانت ملكا للسيدة، قامت هذه الأخيرة برفع دعوى أمام قاضي  الاستعجال الإداري بمجلس قضاء قسنطينة، الذي أصدر  قرارا يقضي بوقف الأشغال تحت غرامة تهديدية تقدر بـــ 2000دج عن كل يوم تأخير وهذا في 1995/05/28. وفي 1995/03/11 اتفقت بلدية ميلة مع السيدة بوعروج بتغيير القطعة محل التبادل ولكن هذه السيدة رفعت دعوى جديدة أمام الغرفة الإدارية بمجلس قضاء قسنطينة مطالبة فيها بتصفية الغرامة التهديدية، وهذا ما حدث بالفعل في 1995/07/01.

فقامت بلدية ميلة برفع استئنافا أمام مجلس الدولة ضد ذلك القرار ، ولكن مجلس الدولة أصدر قرارا يؤيد به ما جاء في قرار الغرفة الإدارية لمجلس قضاء قسنطينة وتعديلا له بالقول بأن الغرامة التهديدية تسري من يوم صدور القرار إلى غاية الاتفاق الجديد في 1995/03/11.

– وكذلك قرار مجلس الدولة الصادر في 2002/06/12 قي قضية السيد (د.ب) ووالي ولاية عين تموشنت، والذي أيد بموجبه حكما صادرا عن الغرفة الإدارية بمجلس قضاء وهران، الذي قضى بتصفية الغرامة التهديدية. ([9])

و بالتالي فإنه بالرغم من وجود بعض القرارات التي أعطت الاختصاص للقاضي الإداري بالنطق بالغرامة التهديدية ضد الإدارة، إلا أن أغلب قرارات مجلس الدولة والغرفة الإدارية للمحكمة العليا سابقا، قضت بعدم اختصاص القاضي الإداري بتسليط الغرامة التهديدية ضد الإدارة. ومن بين هذه القرارات نجد ما يلي:

– قرارا الغرفة الإدارية للمحكمة العليا سابقا الصادر في 1997/04/13 ([10]) ، والذي قضى بأنه: ” لا سلطة للقاضي الإداري على ضوء التشريع والاجتهاد القضائي للغرفة الإدارية الحاليين في الحكم على الإدارة بغرامات تهديدية لإجبارها على  تنفيذ القرارات القضائية المنطوق بها ضدها.”

– وكذلك قرار مجلس الدولة الصادر في 2000/04/24 ([11])، في قضية رئيس بلدية درقينة ضد ساعو علي ، الذي قضى بعدم جواز اللجوء  إلى التنفيذ بواسطة الإكراه المالي ضد إدارة عمومية على أساس انعدام النص القانوني أو الاجتهاد القضائي.

– وكذلك  قرار مجلس الدولة الصادر في 2000/02/28 ([12]) الذي جاء فيه ما يلي: ” حيث أنه لا يمكن الحكم على الإدارة بدفع غرامة تهديدية، وإن القرار المستأنف الذي حكم على رئيس بلدية سيدي بن عدة بدفع غرامة تهديدية، يومية قدرها 200دج عن كل يوم تأخير وذلك من 1995-07-03 إلى 1997-03-03 يجب إلغاؤها”.

أما قانون الإجراءات المدنية و الإدارية  فقد تدارك الوضع، وهذا بتجسيد الأساس والسند القانوني للغرامة التهديدية في صلب القانون. فقد كفل للمتقاضي  حق المطالبة بتوقيع غرامة تهديدية ضد الإدارة في حال امتناعها عن تنفيذ حكم قضائي ممهور بالصيغة التنفيذية. وهذا يعتبر نوعا من التوازن فيما بين المتقاضي والإدارة، وهذه تعتبر وسيلة ضد الإدارة.

ويرجع سبب تقنين الغرامة التهديدية إلى  الانتشار الواسع والكبير والخطير لظاهرة رفض الإدارة تنفيذ أحكام القضاء الممهورة بالطابع التنفيذي. فقد وصل الأمر في بعض الحالات إلى رفض الإدارة تنفيذ قرارات قضائية صادرة عن مجلس الدولة الجزائري، بالرغم أن هذا الأخير يشغل قمة الهرم القضائي في المادة الإدارية، وهذا ما أدى إلى استياء عدد كبير من المهتمين بالدراسات القانونية. ([13])

على أن قانون الإجراءات المدنية و الإدارية  نص على الغرامة التهديدية في المواد من 980 إلى 985. فالمادة 980 منه أجازت للجهة القضائية أن تأمر بغرامة تهديدية حيث نصت على ما يلي: ” يجوز للجهة القضائية الإدارية، المطلوب منها اتخاذ أمر بالتنفيذ وفقا للمادتين 978 و 979 أعلاه أن تأمر بغرامة تهديدية مع تحديد تاريخ سريان مفعولها”. فمن خلال استقراء هذه المادة يتبين  بأنه يمكن للقاضي الإداري أن يحكم بالغرامة التهديدية في الحكم الأصلي للدعوى، أي أنه يصدرها مقترنة مع الحكم الأصلي، وهذا من أجل ضمان تنفيذ حكمه الصادر ضدها. وهذا يتضح  أكثر من خلال الرجوع إلى المادتين 978 و 979 التي أحالت إليها المادة 980 من قانون الإجراءات المدنية و الإدارية . فالمادة 978 منه تعطي للقاضي الإداري صلاحية توجيه أوامر للإدارة باتخاذ تدبير أو إجراء تنفيذي معين ومحدد، يتطلبه تنفيذ الحكم أو القرار القضائي. أما فيما يخص المادة 979 من قانون الإجراءات المدنية و الإدارية  فهي تقضي بأمر الإدارة إصدار  قرار إداري جديد في أجل محدد.

و تجدر الإشارة إلى أنه إذا كان المشرع الجزائري قد منح للقاضي الإداري سلطة الحكم على الإدارة بغرامة تهديدية في الحكم الأصلي على الدعوى، فإن هذه الصلاحية لا تعتبر إلزامية وإنما هي تقديرية. فممكن للقاضي الإداري أن يقضي بها، كما يمكن له ألا يقضي بها.

أما المادة 981 من قانون الإجراءات المدنية و الإدارية  فنصت على أنه: ” في حالة عدم تنفيذ أمر أو حكم أو قرار قضائي، ولم تحدد تدابير التنفيذ، تقوم الجهة القضائية المطلوب منها ذلك بتحديدها، ويجوز لها تحديد أجل للتنفيذ والأمر بغرامة تهديدية”.

فمن خلال هذه المادة يتضح  بأن القاضي الإداري الجزائري يمكن له أن يقوم بإصدار أوامر خاصة بالغرامة التهديدية ضد الإدارة، ولكن تكون لاحقة على صدور الحكم الأصلي للدعوى، وبطبيعة الحال تكون هذه الحالة عندما تمتنع الإدارة عن تنفيذ الحكم الذي أصدره القاضي الإداري.

كما أنه من خلال هذه المادة يتضح بأنه  يمكن للقاضي الإداري أن يحكم بالغرامة التهديدية بناء على طلب أحد الخصوم والذي يكون في غالب الأحيان بل إن لم نقل كلها هو الشخص الخاص. إلا أن طلب هذا الأخير ممكن أن يقبله القاضي، وممكن أن يرفضه أي أن للقاضي السلطة التقديرية فيه.

إذن من خلال ما سبق يمكن القول بأن هناك نوعان من الغرامة التهديدية، فالنوع الأول نصت عليه المادة 980 من القانون سالف الذكر وهي غرامة سابقة على التنفيذ أي أنها مقترنة مع صدور الحكم الأصلي. أما النوع الثاني  فنصت عليه المادة 981 من قانون الإجراءات المدنية و الإدارية  ، وهي غرامة لاحقة على صدور الحكم الأصلي. على أن  ما يميز الغرامة التهديدية بنوعيها هو استقلالها عن تعويض الضرر ([14]).

ومن شروط توقيع الغرامة التهديدية أن يقتضي تنفيذ القرار أو الحكم القضائي تدبيرا معينا، كما يجوز الحكم بها تلقائيا من طرف القاضي الإداري دون الحاجة من التقدم بها من صاحب الشأن، وهذا متى قدر القاضي أنها ضرورية لأجل حمل الإدارة على التنفيذ.

كما يجب أن تكون الأحكام أو القرارات نهائية صادرة عن المحاكم الإدارية، إذ لا يجوز تقديم طلب إلى المحكمة الإدارية من أجل استخدام سلطة الأمر إلا لضمان تنفيذ حكم نهائي. والحكم النهائي هو الحكم الحائز لقوة الشيء المقضي به. ويكون كذلك متى لم يطعن فيه بالاستئناف أمام مجلس الدولة، ذلك لأنه إذا طعن فيه، فإن الاختصاص بتنفيذ التدابير التنفيذية يعود لمجلس الدولة حتى و لو كان مآل الطعن بالاستئناف هو الرفض. وطلب الغرامة التهديدية لا يتم إلا بعد رفض التنفيذ. كما أن هذا الطلب يتقيد بمدة محددة والتي تعتبر من النظام العام ولا يجوز مخالفتها، كما لا يمكن تقديم هذا الطلب إلا بعد تمامه. وهذه المدة هي ثلاثة أشهر تبدأ من تاريخ التبليغ الرسمي لحكم المحكمة الإدارية، إلى جانب إثبات رفض تنفيذه من قبل المحكوم عليه بها ([15])  ، حيث أنه لا يجوز تقديم هذا الطلب قبل هذه المدة لأن القاضي الإداري في هذه الحالة سوف يقضي بعدم قبوله. والجدير بالذكر في هذه الحالة أن هذا الميعاد يتعلق فقط بالنوع الثاني من الغرامة التهديدية والتي تكون لاحقة على صدور الحكم الأصلي. ([16])

إلا أنه يوجد استثناء فيما يخص هذا الميعاد، والذي يتمثل في الأمور المستعجلة. فالشخص صاحب المصلحة هنا والذي غالبا ما يكون الفرد العادي، غير ملزم باحترام مدة ثلاثة أشهر وإنما يقوم بتقديم طلب توقيع الغرامة التهديدية بدون أجل. و إلى جانب هذا إذا قامت المحكمة الإدارية بتحديد أجل للمحكوم عليه باتخاذ تدابير تنفيذ معينة في حكمها، فهنا على صاحب المصلحة أن ينتظر انتهاء هذا الأجل، وبعدها يقوم بتقديم طلبه ([17]).

أما في حالة ما إذا قام المتقاضي برفع تظلم إلى الإدارة من أجل التنفيذ، فإن مدة ثلاثة أشهر المحددة لطلب توقيع الغرامة التهديدية يبدأ سريانها مباشرة بعد صدور قرار رفض التظلم من الإدارة([18]).

وتتم تصفية الغرامة التهديدية من قبل الجهة القضائية الإدارية التي أمرت بها في حالات محددة والمتمثلة في  عدم التنفيذ الكلي، أو التنفيذ الجزئي، أو حالة التأخر في التنفيذ([19]). وللجهة القضائية الإدارية عند التصفية حق تخفيض الغرامة التهديدية أو حتى إلغائها([20]) ، من ذلك مثلا  في حالة مباشرة الإدارة للتنفيذ أو في حالة استحالة التنفيذ العيني للحكم أو القرار القضائي. وما تجدر الإشارة إليه هو إمكانية القضاء المختص  تخصيص جزء من المبلغ المتحصل عن التصفية للخزينة العمومية، وهذا في حالة تجاوز مقداره قيمة الضرر الحاصل جراء عدم التنفيذ([21]). وتبدو أهمية التصفية بالغة في أنها تعد وسيلة الضغط الحقيقية على الإدارة، بل إن لحظة حدوثها تمثل الشيء الذي يزيد من رهبتها ويضاعف خشيتها ([22]). وبالتالي نخلص إلى أن المشرع الجزائري بفرضه الغرامة التهديدية حاول منع الإدارة من التسلط وحملها على تنفيذ الأحكام القضائية الصادرة ضدها. وهذا ما يؤدي إلى خلق التوازن فيما بين المتقاضي الذي هو الطرف الضعيف، و بين الإدارة.

الخاتمة:

تعتبر الغرامة التهديدية من أهم السلطات التي منحت للقاضي الإداري، والتي بموجبها يستطيع هذا الأخير إجبار الإدارة على تنفيذ الأحكام والقرارات القضائية الصادرة ضدها، فهي إذن تعتبر وسيلة غير مباشرة لتنفيذ تلك الأحكام وهي عبارة عن مبلغ مالي يحدد عن كل يوم تأخرت فيه الإدارة عن التنفيذ.

قائمة المراجع:

1- المؤلفات:

* آث ملويا لحسين بن الشيخ،المنتقى في قضاء مجلس الدولة ،الجزء الأول،دار هومة للنشر،الجزائر،2002.

* بن صاولة شفيقة ، إشكالية تنفيذ الإدارة للقرارات القضائية الإدارية ، دار هومة للنشر و التوزيع ، الجزائر ، 2010.

* بوضياف عمار ، دعوى الإلغاء في قانون الإجراءات المدنية و الإدارية ، دار الجسور للنشر و التوزيع ، الجزائر ، 2009.

* حمدي باشا عمر ، مبادئ الاجتهاد القضائي في مادة الإجراءات المدنية ، دار هومة للنشر ، الجزائر ، 2000.

* عبد الرزاق أحمد السنهوري ، الوسيط في شرح القانون المدني الجديد ، (نظرية الالتزام بوجه عام، أثار الالتزام، الإثبات) ، الجزء الثاني ، الطبعة الثالثة ، منشورات الحلبي الحقوقية ، لبنان ، 1998.

* محمد باهي أبو يونس ، الغرامة التهديدية كوسيلة لإجبار الإدارة على تنفيذ الأحكام الإدارية ، دار الجامعة الجديدة للنشر ، الإسكندرية ، مصر ، 2001.

* مرداسي عز الدين ، الغرامة التهديدية في القانون الجزائري ، دار هومة للطباعة والنشر، الجزائر ، 2008.

* منصور محمد أحمد، الغرامة التهديدية كجزاء لعدم تنفيذ أحكام القضاء الإداري الصادرة ضد الإدارة ، دار الجامعة الجديدة للنشر ، مصر ، 2002.

2- المقالات:

*حسين فريجة ، تنفيذ قرارات القضاء الإداري بين الواقع و القانون ، مجلة المفكر ، العدد الثاني ، كلية الحقوق ، بسكرة ، 2007.

 

 

3-مذكرات الماجستير:

* قوسطو شهرزاد ، مدى إمكانية توجيه القاضي الإداري لأوامر للإدارة ، (دراسة مقارنة) ، مذكرة ماجستير في القانون العام ، كلية الحقوق، جامعة تلمسان ،2009.

 

 

 

 

 

([1])  بن صاولة شفيقة ، إشكالية تنفيذ الإدارة للقرارات القضائية الإدارية ، دار هومة للنشر و التوزيع ، الجزائر ، 2010، ص.275.

([2])  منصور محمد أحمد، الغرامة التهديدية كجزاء لعدم تنفيذ أحكام القضاء الإداري الصادرة ضد الإدارة، دار الجامعة الجديدة للنشر، الإسكندرية، مصر2002، ص.15.

([3]) مرداسي عز الدين، الغرامة التهديدية في القانون الجزائري، دار هومة للطباعة والنشر، الجزائر، 2008، ص.13.14.

([4])  عبد الرزاق أحمد السنهوري، الوسيط في شرح القانون المدني الجديد (نظرية الالتزام بوجه عام، آثار الالتزام، الإثبات) الجزء الثاني، الطبعة الثالثة، منشورات الحلبي الحقوقية، لبنان، 1998، ص.813.

([5])  عبد الرزاق أحمد السنهوري، المرجع السابق، ص.816.

([6]) أشار إلى هذا الحكم: حسين فريجة، تنفيذ قرارات القضاء الإداري بين الواقع والقانون، مجلة المفكر، كلية الحقوق، بسكرة، العدد2، 2007، ص.127.

([7])  أشار على هذا القرار: عمار بوضياف، دعوى الإلغاء في قانون الإجراءات المدنية والإدارية، دار الجسور للنشر والتوزيع، الجزائر، 2009، ص.217.

([8])  مجلس الدولة ،الغرفة الثالثة، القرار رقم الفهرس 97، المؤرخ في 1999/03/03، قضية رئيس مندوبية ميلة ضد بوعروج فاطمة، قرار غير منشور، أشار إليه آث ملويا لحسين بن الشيخ،المنتقى في قضاء مجلس الدولة ،الجزء الأول،دار هومة للنشر،الجزائر،2002.، ص.33.

([9])  مجلس الدولة ، ملف رقم 19117، المؤرخ في 12-06-2002، حول قضية السيد (د.ب) ووالي ولاية عين تموشنت، قرار غير منشور، أشارت  إلى هذا القرار قوسطو شهرزاد ، مدى إمكانية توجيه القاضي الإداري لأوامر للإدارة ، (دراسة مقارنة) ، مذكرة ماجستير في القانون العام ، كلية الحقوق، جامعة تلمسان ، 2009، ص.120.

([10]) قرارا الغرفة الإدارية بالمحكمة العليا الصادر في 13/04/1997، تحت رقم 115284، قضية (ب.م) ضد بلدية الأغواط، أشار إلى هذا القرار، حمدي باشا عمر، مبادئ الاجتهاد القضائي في مادة الإجراءات المدنية، دار هومة للنشر، الجزائر، 2000 ، ص.95.

([11]) لمزيد من التفاصيل حول هذا القرار راجع لحسين بن الشيخ آث ملويا، المرجع السابق، ص.327.

([12]) قرار مجلس الدولة الصادر في 28/02/2000، ملف رقم 188258 ، قضية السيد (ب.ن) ضد رئيس المندوبية التنفيذية لبلدية سيدي بن عدة ولاية  مستغانم، أشارت إلى هذا القرار: شفيقة بن صاولة، المرجع السابق، ص.302.

([13])  عمار بوضياف، المرجع السابق، ص.224.

([14])  و هذا ما نصت عليه المادة 982 من قانون الإجراءات المدنية و الإدارية بقولها ”  تكون الغرامة التهديدية مستقلة عن تعويض الضرر”.

([15])  أنظر المادة 987 في فقرتها الأولى من قانون الإجراءات المدنية و الإدارية، والتي جاء فيها ما يلي:” لا يجوز تقديم طلب إلى المحكمة الإدارية من أجل الأمر باتخاذ التدابير الضرورية لتنفيذ حكمها النهائي وطلب الغرامة التهديدية لتنفيذه عند الاقتضاء، إلا بعد رفض التنفيذ من طرف المحكوم عليه، وانقضاء أجل ثلاثة أشهر، يبدأ من تاريخ التبليغ الرسمي للحكم”.

([16]) قوسطو شهرزاد، المرجع السابق ،ص.127.

([17])  و هذا ما نصت عليه المادة 987 في فقرتها الثانية من قانون الإجراءات المدنية و الإدارية  بقولها :”… غير أنه فيما يخص الأوامر الإستعجالية، يجوز تقديم الطلب بشأنها بدون أجل.

في الحالة التي تحدد المحكمة الإدارية في حكمها محل التنفيذ أجلا للمحكوم عليه، لاتخاذ تدابير تنفيذ معينة، لا يجوز تقديم الطلب إلا بعد انقضاء هذا الأجل.”

([18])  أنظر المادة 988 من قانون الإجراءات المدنية و الإدارية التي تنص على أنه: ” في حالة رفض التظلم الموجه إلى الإدارة من أجل تنفيذ الحكم الصادر عن الجهة القضائية الإدارية، يبدأ سريان الأجل المحدد في المادة 987 أعلاه بعد قرار الرفض”.

([19])  أنظر المادة 983 من قانون الإجراءات المدنية و الإدارية التي تنص على أنه : ” في حالة عدم التنفيذ الكلي أو الجزئي أو في حالة التأخير في التنفيذ، تقوم الجهة القضائية الإدارية بتصفية الغرامة التهديدية التي أمرت بها”.

([20])  أنظر المادة 984 من قانون الإجراءات المدنية و الإدارية التي تنص على أنه:”  يجوز للجهة القضائية تخفيض الغرامة التهديدية أو إلغاؤها عند الضرورة”.

([21]) أنظر المادة 985 من قانون الإجراءات المدنية و الإدارية التي تنص على أنه:” يجوز للجهة القضائية أن تقرر عدم دفع جزء من الغرامة التهديدية إلى المدعي، إذا تجاوزت قيمة الضرر، وتأمر بدفعه إلى الخزينة العمومية”.

([22])محمد باهي أبو يونس ، الغرامة التهديدية كوسيلة لإجبار الإدارة على تنفيذ الأحكام الإدارية ، دار الجامعة الجديدة للنشر ، الإسكندرية ، مصر ، 2001، ص.248.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

التخطي إلى شريط الأدوات