اللجنة المحلية لتقدير الضريبة بالمغرب: تركيبتها، اختصاصاتها وحدودها


*يونس مليح

*كاتب وباحث جامعي

يعتبر إحداث اللجنة المحلية لتقدير الضريبة، المنصوص عليها بمقتضى مرسوم مؤرخ في 8 جمادى الأولى 1408 الموافق 30 دجنبر 1987، قفزة نوعية في آنذاك في مجال إحداث لجان مختصة بالنظر في الطعون المتعلقة بالثلاثية الضريبية، والمتمثلة في كل من الضريبة على الشركات، والضريبة العامة على الدخل، والضريبة على القيمة المضافة، ليتوسع اختصاصها بعد ذلك ليشمل النظر في الطعون المتعلقة بضرائب أخرى كضريبة التسجيل والضريبة على الأرباح العقارية. وعليه يجوز للخاضع للضريبة وطبقا لمقتضيات المادة 220 و221 من المدونة العامة للضرائب، المتعلقة بالمسطرة العادية والسريعة لتصحيح الضريبة، القاضية بإمكانية الطعن في قرار الإدارة الضريبية أمام أنظار اللجنة المحلیة لتقدیر الضریبة المنصوص علیها في المادة 225 من نفس المدونة، أو أمام اللجنة الوطنية للنظر في الطعون المتعلقة بالضريبة المنصوص عليها في المادة 226، حسب الحالة، داخل أجل الثلاثین (30) یوما الموالیة لتاریخ تسلم رسالة التبلیغ الثانیة من طرف مفتش الضرائب.

كما يعتبر إنشاء لجان التحكيم العامة آلية لإشراك الملزمين في نشاط الإدارة الجبائية وإيجاد تعاون وثيق بين الطرفين، فقد أجمع الفقه الضريبي على أن هذه اللجان تعتبر بحق من أهم الضمانات الفعلية المخولة للملزمين، وقد زكى هذا الموقف قرار صادر عن المحكمة الإدارية بوجدة بتاريخ 30/06/2005 جاء فيه:"مادام المدعي قد طالب الإدارة الجبائية بإحالة ملف نزاعه الضريبي على اللجنة المحلية للطعون الضريبية، فإن الإدارة الجبائية تكون ملزمة بتلك الإحالة وتكون أي مطالبة له بأداء الضريبة المتنازع بشأنها قبل انتهاء المسطرة الإدارية أمام اللجنتين المحلية والوطنية مطالبة باطلة". أما مفوض الحكومة الفرنسية فقد عبر عن أهمية هذه اللجان بقوله:"إن اللجان الإقليمية تبدو اليوم كضمانات مهداة إلى الملزم أكثر مما تظهر كأجهزة لحماية مصالح الضريبة".

وتتجلى الفائدة أولا وقبل كل شيء من رفع النزاع إلى اللجنة المحلية للضريبة، في ترتيب عبء الإثبات، تطبيقا للقاعدة القانونية التي تجعل البينة على المدعي. وقد حاول المشرع الضريبي المغربي من خلال اللجان المحلية لتقدير الضريبة ضمان تمثيلية للملزمين الضريبيين كصوت معادل لصوت الإدارة الضريبية في هذه اللجان، وضمان حياد هذه اللجان بمناسبة نظرها في النزاع الضريبي. فما هي إذن تركيبة هذه اللجان؟ وكيف تتم مباشرة هذه المسطرة؟ وما هي الآثار المترتبة عن مقرراتها؟ وما هي حدودها؟

أولا: تركيبة ومسطرة التظلم أمام اللجنة المحلية لتقدير الضريبة

عملا بمقتضيات المادة 225 من المدونة العامة للضرائب وكذا المادة 157 من القانون 47.06 المتعلق بالجبايات المحلية، نجد أن اللجنة المحلية لتقدير الضريبة تتكون من الأجهزة التالية:

  • قاضي رئيسا: جرت العادة أن يكون قاضيا ممارسا بالمحكمة الابتدائية يتم اختياره من قبل رئيس المحكمة لينوب عنه في تولي رئاسة اللجنة، وهو الأمر الذي جاء في مرسوم الوزير الأول الصادر بتاريخ 22 نونبر 1963، وأكدته أيضا دورية للوزير الأول صادرة في 2 ماي 1988، وحملته التعديلات التي جاء بها الإصلاح الجبائي المحلي من خلال القانون 47.06، هو اختيار من وجهة نظرنا كان موفقا لكونه يكرس استقلالية اللجنة عن الإدارة، ويعزز الثقة لدى الملزمين في عمل اللجنة لما يتميز به الجهاز القضائي من استقلالية وكفاءة وحياد. ومن جهة أخرى يرى بعض الفقه أن يعهد لرئاسة هذه اللجان إلى قضاة المحاكم الإدارية نظرا لتمرسهم ودرايتهم نسبيا بالمنازعات الضريبية، ولو أن القاعدة القانونية تمنع على قاض أن يبت قي نزاع سبق وان أحيل عليه وهذا ما يمكن أن يقع لقضاة المحكمة الإدارية إن تم الطعن أمامهم؛
  • ممثل لعامل العمالة أو الإقليم: وهي ظاهرة فريدة يختص بها التشريع الضريبي المغربي بالمقارنة مع التشريعات الفرنسية، المصرية والتونسية التي لا تعترف بضرورة تمثيل السلطة المحلية أو أي سلطة إدارية أخرى باستثناء إدارة الضرائب المعنية مباشرة بتأسيس الضريبة ومراقبتها، وبالتالي يكون من غير المفيد في نظرنا وجود ممثل عن السلطة المحلية في تشكيلة اللجنة المحلية ولو أن الموظف الذي سيمثل العامل غالبا ما يكون معينا في القسم الاقتصادي والاجتماعي التابع للعمالة. وكنتيجة لذلك فإن السؤال الذي سيطرح نفسه في هذا الإطار يتعلق بالجهة التي سيدافع عنها هذا الممثل بالنظر إلى حضور ممثل عن المصالح الجبائية التابعة للجماعات المحلية الذي قد يكون له إلمام بطبيعة الجباية المحلية ويتولى الدفاع عن مصالح الإدارة على أحسن وجه، وبالتالي فالأمر قد لا يعدو تزكية من ممثل العمالة لمواقف الإدارة الجبائية، وإلا التنصيص صراحة على طبيعة هذا الممثل وتحديد مجالات اشتغاله ودوره في كل أطوار أعمال هذه اللجنة؛
  • ممثل المصلحة المحلية للضرائب: يقوم هذا الممثل بمهمة الكاتب المقرر وبهذه الصفة يقوم بإعداد وتلاوة تقرير عن الملف مستعرضا أهم الإشكالات المطروحة، إضافة إلى قيامه بتوجيه الاستدعاءات باسم رئيس اللجنة سواء إلى أعضاء اللجنة أو الملزمين، وباختصار فهو يقوم بمهام كتابة ضبط اللجنة، إضافة إلى مشاركته في مناقشة الملف والإدلاء بملاحظاته والمشاركة في التصويت باعتباره عضوا من أعضاء اللجنة، ويبدو أن تعدد وتنوع هذه المهام لا يمكّن ممثل المصالح الضريبية من الاضطلاع بها بالشكل المطلوب، مما يستوجب فصل مهام الكتابة والتقرير عن مهمة الدفاع عن موقف الإدارة الجبائية؛
  • ممثل للملزمين: يعتبر حضور ممثل الملزمين من بين أهم الضمانات التي من شأنها المساهمة في تعزيز حقوقهم، حيث يكون هذا الممثل تابعا للفرع المهني الأكثر تمثيلا للنشاط الذي يزاوله الطالب، ويتم تعيين هؤلاء الممثلين وفق الشروط التي نصت عليها المادة 225 من المدونة العامة للضرائب، ووفقا للشروط المنصوص عليها في المادة 157 من القانون 47.06 المتعلق بجبايات الجماعات المحلية.

أما فيما يخص مسطرة التظلم، فقد نصت المقتضيات المتعلقة بسير مسطرة الطعن أمام اللجان المحلية على إطلاق الطعن أمام هذه اللجان إذ إم يبق مرهونا بإرادة مفتش الضرائب، كما تم الرفع من آجاله وتبسيط شكلياته، وهو ما يسهل لجوء الملزم إلى هذه اللجان، أما مداولاتها فقد عكست طابع التحكيم، ذلك أن كل طرف يتمتع بالقدر اللازم من الوسائل للدفاع عن وجهة نظره.

ويعرض  ملف المنازعة بإحالته على اللجنة من طرف إدارة الضرائب، وتقوم اللجنة التي أحيل عليها الملف باستدعاء الأطراف المعنية، حيث يستدعي رئيس اللجنة ممثلي الخاضع للضريبة وممثلي الإدارة الضريبية خمسة عشر يوما (15) على الأقل قبل التاريخ المحدد للاجتماع وفق الإجراءات المنصوص عليها في المادة 219 من المدونة العامة للضرائب.

وتبت اللجنة في الأمر بصورة صحيحة إذا حضرها ثلاثة على الأقل من أعضائها من بينهم الرئيس وممثل الخاضعين للضريبة. وتتداول بأغلبية أصوات الأعضاء الحاضرين، فإن تعادلت رجح الجانب الذي يكون فيه الرئيس. وتبت أيضا بصورة صحيحة خلال اجتماع ثان بحضور الرئيس وعضوين آخرين، فإن تعادلت الأصوات رجح الجانب الذي يكون فيه الرئيس.

وتستمع اللجنة إلى الطرفين كل على حدة أو هما معا إما بطلب من أحدهما أو إذا ارتأت أن هذه المواجهة ضرورية. وبما أنه يمكن أن تعرض على اللجنة قضايا ذات صبغة خاصة تحتاج إلى خبرة معينة، فإنه يمكنها أن تضيف إليها فيما يخص كل قضية خبيرين اثنين على الأكثر يتم تعيينهما من بين الموظفين أو الخاضعين للضريبة ويكون لهما صوت استشاري.

ثانيا: آجال وحدود التنازع أمام أنظار اللجنة المحلية لتقدير الضريبة

يعتبر شرط الأجل في تقديم الطعون أمام أنظار اللجان الضريبية، من المسائل الأساسية والمهمة التي يجب على كل من طرفي العلاقة الضريبية ملزم/إدارة ضريبية احترامها ومراعاتها، نظرا لكون أي إخلال بهذه الآجال قد يؤدي إلى بطلان عملية الطعن أمامها. وبذلك يتحدد شرط الأجل للطعن أمام اللجنة المحلية في ثلاثين (30) يوما التالية لتاريخ تسلم رسالة التبليغ الثانية، وتجاوز هذا الأجل من طرف الملزم يفقده الحق في الطعن، كما يترتب عن عدم احترام الأجل فرض الضريبة باعتبار الأساس المبلغ في الرسالة المذكورة. وتجدر الإشارة أنه قبل سنة 2011 لم تكن الإدارة ملزمة بأجل معين من أجل إحالة عريضة الطعن على الجنة المحلية إلا أنه بعد صدور قانون المالية لسنة 2011 أصبحت الإدارة مقيدة بأجل أربعة أشهر وهو ما نصت عليه المادة 220 من المدونة.

بالإضافة إلى شرط الأجل، هناك شروط شكلية أخرى، ومنها أن تكون عريضة الطعن كتابية يعبر من خلالها الملزم عن إرادته الصريحة بشكل لا لبس فيه، إلى جانب ذلك هناك شرط يتعلق بتوقيع الملزم، ولو أن المشرع الضريبي لم ينص صراحة على هذا الشرط على خلاف ما نص عليه المشرع الفرنسي، إلا أن هذا الإجراء يعد إجراءا جوهريا إذ هو ضمانة أساسية للملزم نفسه، ويفيد بأن ما ورد بالعريضة من صنعه.

ويحدد الأجل الأقصى الذي يجب أن يفصل بين تاريخ تقديم الطعن وتاريخ صدور المقرر المتخذ في شأنه، بأربعة وعشرين 24 شهرا بالنسبة لضرائب الدولة واثني عشر 12 شهرا بالنسبة للرسوم المحلية. وإذا انصرم الأجل المشار إليه أعلاه ولم تتخذ اللجنة المحلية لتقدير الضريبة مقررها،  وجب على المفتش أن يشعر الخاضع للضريبة، وفق الإجراءات المنصوص عليها في مسطرة التبليغ، بانتهاء الأجل القانوني وبإمكانية تقديمه لطعن أمام اللجنة الوطنية للنظر في الطعون المتعلقة بالضريبة داخل أجل الستين (60) يوما التالية لتاريخ تسلم الإشعار. وفي حالة عدم تقديم طعن داخل أجل الستين (60) يوما السالف الذكر يفرض مفتش الضرائب الضريبة استنادا للأسس المعتمدة في رسالة التبليغ الثانية، ولا يجوز أن ينازع فيها إلا في إطار الدعوى القضائية.

أما فيما يتعلق بحدود هذه اللجنة، نجد بأن من بين الضمانات المخولة للملزم خلال مرحلة الطعن أمام أمامها، هو حقه في الإطلاع على ملفه الضريبي، الشيء الذي لا نجده على أرض الواقع، حيث أن الإدارة الضريبية تتذرع بالسر المهني أثناء محاولة الملزم أخد المعلومات المتعلقة بملفه، بخلاف المشرع الفرنسي الذي أعطى حق الإطلاع للملزم فيما يخص ملفه الضريبي المعروض على أنظار اللجنة الإقليمية وذلك منذ سنة 1955. ومما ينبغي الإشارة إليه أيضا هو كون أن المشرع المغربي لم يلزم اللجنة المحلية لتقدير الضريبة بتعليل مقرراتها، الشيء الذي يحد بشكل كبير من الضمانات المسطرية الممنوحة للملزمين خلال هذه المرحلة، وحرمانهم من معرفة الأسباب والأسس التي استندت عليها اللجنة المحلية لتقدير الضريبة في البت وإصدار مقرراتها.

النقط الثانية في باب الحدود التي تعيق عمل هذه اللجان وتجعل منها غير قادرة على لعب دورها في الحد وإنهاء النزاع بشكل فعلي أمامها، هو أن هذه اللجنة تحدثها الإدارة الضريبية وتحدث مقراتها ودائرة اختصاصها، حسب مضمون المادة 225 من المدونة العامة للضرائب، وهو الشيء الذي يشكك لا محالة في استقلاليتها وشرعية مقرراتها، وحيادها اتجاه الإدارة الضريبية، الشيء الذي يجعلها وسيلة في يد الإدارة الجبائية ضد الملزم. لذا فإننا نقترح كحل، الاقتصار على درجة واحدة للتحكيم على المستوى الجهوي أو الإقليمي، وتعزيز تكوينها، وفصلها بشكل كامل عن أي تدخل للإدارة الضريبية سواء من حيث الجانب المادي أو المعنوي، بدل درجتين التي أثبتت أن سلوكهما هو فقط مضيعة للوقت والجهد لكون عرض النزاع على اللجنة المحلية أو والوطنية يستغرق ثلاث سنوات دون حل للنزاع في بعض الأحيان.

 

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

التخطي إلى شريط الأدوات