المركز القانوني للضحايا أمام المحكمة الجنائية الدولية

 

shutterstock_50492266

                       واجعوط سعاد

                    طالبة دكتوراه علوم

               كلية الحقوق – جامعة الجزائر-1

 

المقدمة

لقد شهد الواقع ارتكاب الكثير من المآسي التي ذهب ضحيتها أعداد هائلة من الأبرياء نتيجة لارتكاب فضائع وجرائم خطيرة، والنتيجة للتطورات اليوم أصبح ينظر لهذه الانتهاكات الخطيرة أنها جرائم تهدد الأمن والسلم العالميين، فاعتبرت جرائم دولية، يعاقب عليها القانون الدولي. وبموجبه معاقبة المسؤولين والمرتكبي هذه الجرائم يقر حماية وإنصاف الضحايا الذين وقعوا ضحية لهذه الجرائم الدولية. وهذه الأخيرة أي ملف الضحية يشهد تطور على صعيد القضاء الجنائي الدولي، حيث كانت الضحية عبر المحاكم الجنائية مرت بتطور ملحوظ، فبعدما كانت الضحية منسية في المحاكم الجنائية الدولية العسكرية (نورمبورغ و طوكيو) أصبحت تعتبر كشاهد في المحاكم المؤقتة (يوغسلافيا ورواندا)، ومعترفا لها بحق في التعويض أمام المحاكم الوطنية التابعة لها يوجب تعرضها للضرر أو الاعتداء عليها([1]).

واليوم بإنشاء الحكمة الجنائية الدولية التي تعتبر هيئة تختص بالجرائم الأشد خطورة([2]) على المجتمع كجريمة الإبادة وجريمة ضد الإنسانية وجريمة الحرب وجريمة العدوان([3]) التي تقر لها حقوق قانونية وتمنحها مركز قانوني مستقل على المستوى الدولي تكريسا لما جاء في ديباجة نظامها الأساسي إذ تضع في اعتبارها أن ملايين الأطفال والنساء والرجال قد وقعوا خلال القرن الحالي ضحايا لفضائع لا يمكن تصورها هزت ضمير الإنسانية بقوة. وبهذا تعهدت بتقديم حماية لضحايا الجرائم الدولية، فحددت تعريف الضحايا، وأقرت لهم مجموعة من الحقوق، وجاء في المادة 85 من قواعد الاجرائية وقواعد الإثبات التي أوردت تعريفا للضحايا "يدل لفظ الضحايا" على الأشخاص الطبيعيين المتضررين بفعل ارتكاب جريمة تدخل في نطاق المحكمة  

يجوز أن يشمل لفظ "الضحايا" المنظمات أو المؤسسات التي تتعرض لضرر مباشر في أي من ممتلكاتها المكرسة الدين أو التعليم أن الفن أو العلم أو لأغراض خيرية والمعالم الأثرية والمستشفيات وغيرها من الأماكن والأشياء المخصصة لأغراض إنسانية.

أما أهم الحقوق التي أقرها للضحايا تمثلت في حق الضحايا في التمثيل القانوني والمشاركة في الاجراءات الجنائية إضافة إلى الحق في الحماية والحق في التعويض.

فمن المعلوم أن للدعوى الجزائية عدة أطراف، الطرف الأول النيابة العامة وهي المسؤولة عن تحصيل الحق العام، والطرف الثاني هو الجاني والذي أحاطه المشرع بضمانات عديدة على رأسها قرينة البراءة، وحق الدفاع وضمانات الحاكمة العادلة، أما الطرف الثالث فهو "المجني عليه"، "الضحية"، "ضحايا الجرائم الدولية"، هذه الفئة الضعيفة التي لا تحظى بالاهتمام والرعاية، وبما أن الدراسات القانونية اهتمت بحقوق المتهمين فقط، دون التطرق لحقوق الضحايا، ونظرا لتزايد ضحايا الجرائم الدولية خاصة الأطفال والنساء ….فهذه الفئة فرضت الاهتمام بها.

وهذا مما جسد في إطار المحكمة الجنائية الدولية، فالنظام الأساس حدد أو عرف الأشخاص الذين يحضون بالحماية والرعاية باعتبارهم ضحايا، وابرز حقوقهم القانونية وكيفية ممارستها واستفائها، والأجدر أن نبحث في المركز القانوني للضحايا أمام المحكمة الجنائية الدولية.  ولمعالجة الموضوع اعتمدنا الخطة التالية:

المبحث الأول: حقوق الضحايا أمام المحكمة الجنائية الدولية

المطلب الأول: الحقوق المباشرة لضحايا الجرائم الدولية

الفرع الأول: حق التمثيل القانوني وحق المشاركة في الاجراءات

الفرع الثاني: حق الحماية وحق في التعويض

المطلب الثاني: الحقوق غير المباشرة لضحايا الجرائم الدولية

الفرع الأول: تعاون الدول

الفرع الثاني: تعاون المنظمات غير الدولية

المبحث الثاني: العوائق التي تحول دون حصول الضحايا على حقوقهم

المطلب الأول: العوائق القانونية

الفرع الأول: إشكالية الاختصاص

الفرع الثاني: إشكالية الإجراءات

المطلب الثاني: العوائق العملية

الفرع الأول: إشكالات تنفيذ أوامر المحكمة الجنائية الدولية

الفرع الثاني: موقف الولايات المتحدة الأمريكية من المحكمة الجنائية الدولية.

المبحث الأول: حقوق الضحايا أمام المحكمة الجنائية الدولية

          لقد حظيت الضحية بمكانة خاصة لدى المحكمة الجنائية الدولية فبعد ما كانت في المحاكم العسكرية أصبحت تعتبر كشاهد في المحاكم المؤقتة، واليوم في إطار المحكمة الجنائية الدولية تتمتع بمركز قانوني مستقل من خلال نظام روما الأساسي وقواعد الإجراءات والإثبات والذي يمنح للضحايا حقوق يستفيد منها بطريقة مباشرة، ومجموعة حقوق يستفيد منها الضحايا بطريقة غير مباشرة([4]).

المطلب الأول: الحقوق المباشرة لضحايا الجرائم الدولية

يعتبر وثيقة القواعد الإجرائية وقواعد الإثبات وسيلة لتطبيق نظام روما الأساسي للحكمة الجنائية الدولية، والذي جاء فيه ديباجة وإحدى عشر فصلا يحتوي على 225 مادة قانونية جاء الفرع الثالث من الفصل الخامس بعنوان "اشتراك الضحية في الإجراءات" والمقصود منه حق الضحايا في التمثيل القانوني وحق الضحايا في المشاركة في الإجراءات الجنائية تناوله في الفرع الأول.

          كما جاء في النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية الذي دخل حيز النفاذ في 17 جويلية 2002 يحتوي على ديباجة وثلاث عشر فصل فيه 128 مادة.

          حيث جاءت المادة 68 منه تحت عنوان "حماية المجني عليهم واشراكهم في الإجراءات"، وجاءت المادة 75 منه تحت عنوان "جبر أضرار المجني عليهم"، هذا ما سوف نتناوله في الفرع الثاني([5]).

الفرع الأول: حق التمثيل القانوني وحق المشاركة في الاجراءات

          يقصد بحق التمثيل القانوني حق الاستعانة بمحامي للدفاع عن الضحايا أمام المحكمة، كما تجيز الفقرة 4 من نفس المادة : تمثل الضحية نفسه بنفسه أمام المحكمة بقولها:" إذا اختار الشخص تمثيل نفسه، يبلغ المسجل كتابة في أقرب فرصة ممكنة".

          وحسب المادة 90 ف1 من قواعد الاجرائية وقواعد الاثبات :" تترك للضحية حرية اختيار ممثل قانوني" إلا أن الحرية في الاختيار تكون محصورة في قائمة المحامين المعتمدين لدى سجل المحكمة بشروط مذكورة في القاعدة 22 فقرة 1 منه، وهي:

1-كفاءة مشهود بها في القانون الدولي أو الجنائي والاجراءات الجنائية.

2-خبرة (كقاضي ، أو مدعي أو محامي….)

3-معرفة ممتازة لأحدى لغات المحكمة

4-خضوعه أثناء أداء مهامه لمدونة قواعد السلوك المهني للمحامي.

كما يقوم المحامي ب:

-تقديم المساعدة والدعم

-تقديم المساعدة القانونية

-التمثيل القانوني للضحايا

-إجراء بحوث وتقدي المشورة القانونية.

          وفي حالة تعدد الضحايا، فلهم الحق في تعيين مثل القانوني المشترك كاستثناء، وهذا حسب ما جاء في المادة 90 من قواعد الإجراء وقواعد الإثبات، وإذا لم يتفقوا على تعيين الممثل القانوني المشترك، فيجوز للمحكمة تعيين المحامي نيابة عن الضحايا الغير قادرين في الاتفاق على تعيين الممثل القانوني المشترك.

وأخيرا تقع أتعاب المحامي على عاتق الضحية وفي حالة افتقاره يطلب المساعدة من قلم المحكمة([6]).

          أما فيما يخص حق مشاركة الضحية في الإجراءات الجنائية الدولية، فتكون في جميع مراحل الدعوى أي قبل وأثناء وبعد المحاكمة.

1-المشاركة في الإجراءات قبل المحاكمة: يجوز للضحية تقديم معلومات حول الجريمة تدخل في اختصاص المحكمة للمدعي العام حتى يبدأ في التحقيق الجنائي والمقاضاة.

2-المشاركة في الإجراءات أثناء المحاكمة: يجوز للضحية القيام ببعض الإجراءات أمام الدائرة التمهيدية وكلها تخضع للسلطة التقديرية للقاضي وذلك بتقديم طلب خطي إلى المسجل بالرغبة بالمشاركة في الإجراءات، ويحتوي الطلب على بعض المعلومات الشخصية للضحية([7]).

كما تلزم المحكمة بإخطار الضحايا بجميع الإجراءات الضطلع أمامها:

كقرار المدعي العام بعدم الشروع في تحقيق أو بعدم المقاضاة كجلسات المحكمة وكل القرارات المتخذة بشأن الإجراءات والأحكام…

كما يجوز للضحايا والممثلين القانونيين التماس إعادة النظر في قرار المدعي العام بعدم إجراء تحقيق أو عدم المقاضاة، قرار عقد جلسة إقرار التهم وغيرها….([8])

3-المشاركة في الإجراءات بعد المحاكمة:

يكون الحق في تقديم الاستئناف في الشق المدني أي في القرارات جبر الضرر وأوامر المصادرة والتغريم. فيجوز للممثل القانوني أو المجني عليهم بحق تقديم الاستئناف وإعادة النظر في قرار البراءة أو في قرار الإدانة أو حكم العقوبة.

وأخيرا يكون الحق في عرفة الحقيقة هو حق للضحايا، ولأفراد أسرهم، والأقارب والمجتمع من أجل عرفة حقيقة للانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، فهو حق لا يقبل التقادم أو التصرف فيه([9]).

الفرع الثاني: حق الضحية في الحماية وحق في التعويض

يقصد بحق الضحية في الحماية: مجوعة التدابير التي تتخذ من طرف أجهزة المحكمة 1/وحدة المجني عليهم والشهود، 2/المدعي العام، 3/غرف المحكمة، 4/الدول الأطراف والمنظمات الدولية، بغرض تفادي تعرض الضحايا لأي ضرر قد تهدد حياتهم أو سلامتهم الجسدية أو النفسية أو تضر بمصالحهم، وهي على شكلين:

1-تدابير الحماية العامة: وهي تدابير تقرها المحكمة للضحايا والشهود بناءا على طلب المدعي العام أو الدفاع أو الشهود أو الضحية أو ممثله القانوني إن وجد، ومن تلقاء نفسها، باتخاذ تدابير كحماية الضحية أو الشاهد أو أي شخص آخر معرض للخطر نتيجة شهادة أدلى بها وهي حسب المادة 68 فقرة 2:

1-يمحي اسم الضحية أو الشاهد من سجل المحكمة

2-المنع من الإفصاح عن المعلومات لطرف ثالث

3-تقدم الشهادة بوسائل الكترونية

4-استخدام اسم مستعار للضحية

5-اجراءات في جلسة سرية.

2-تدابير الحماية الخاصة:

وهي تدابير تتخذ من أجل فئة من الضحايا الضعيفة

-كأن تأمر بتدابير لتسهيل أخذ شهادة أي من الضحايا والشهود والمصابين بصدمة أو شهادة أي طفل أو شخص مسن أو أي من ضحايا العنف الجنسي.

-عقد جلسات سرية وبالسماح بحضور المحامي أو ممثل قانوني أو طبيب نفساني أو أحد أفراد الأسرة خلال ادلاء الضحية أو الشاهد بشهادته.

-استجواب الشاهد بعدم التعريف على هويته أي أن يمثل الضحية كشاهد مجهول أمام المحكمة الجنائية الدولية ولكن بطريقة لا تمس حقوق المتهم أو تتعارض معها أو مع مقتضيات إجراءات محاكة عادلة ونزيهة([10]).

أما فيما يخص حق الضحية في التعويض

          إن الهدف من الاعتراف للضحايا بحق الحماية وحق المشاركة والتمثيل القانوني هو تمكين الضحية من الحصول على أكبر قدر ممكن من الإنصاف، فلم يسبق لأي وثيقة دولية أن تطرقت لعملية جبر أضرار المجني علهم، والذي يكون بطلب الضحية أو بمبادرة من المحكمة وينفذ ضد الشخص المدان أو يحل محله الصندوق الاستئماني.

1-أشكال التعويض:

– استرداد الحقوق: يقصد به أن يعيد المجرم أو الشخص المدان إلى الضحية الحقوق التي انتهكها الفعل الاجرامي.

-التعويض: يقصد به دفع مبلغ مالي للضحية عن الإصابات الجسدية أو النفسية أو غيرها من الأضرار المتكبدة جراء الجريمة المرتكبة.

-رد الاعتبار: يقصد به مساعدة الضحايا على الاستمرار في الغش في ظروف عادية قدر المستطاع عن طريق توفير جملة من الخدمات والمساعدات في مختلف مجالات الحياة.

أما عن إجراءات طلب التعويض:

فيكون بطلب الضحايا وذلك بتقديم طلب خطي لدى مسجل المحكمة

-أو الإجراءات بناءا على طلب المحكمة من تلقاء نفسها.

أو عن طريق الصندوق الاستثنائي حسب المادة 79 الذي يعد تنظيم جديد خاص بالمجني عليهم وأسرهم وهو إحدى الخصائص المميزة التي تنفرد بها المحكمة الجنائية الدولية([11]).

المطلب الثاني: الحقوق غير المباشرة لضحايا الجرائم الدولية

          لقد خصص الباب التاسع من النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية تحت عنوان "التعاون الدولي والمساعدة القضائية"، والذي يكون في المجالات التالية: التحقيق والملاحقة، التقديم للمحاكمة، تنفيذ القرارات، إلقاء القبض على المحكوم الفار، والتعاون في هذا المجال يكون مع الدول أو المنظمات الغير حكومية.

 

 

الفرع الأول: تعاون الدول

          يقصد بالتعاون الدولي: اتحاد الدول مع المحكمة الجنائية الدولية لتحقيق أهدافها من أجل تحقيق الصالح العام للبشرية جمعاء، وبما أن المحكمة الجنائية الدولية لا تتمتع بجهاز تنفيذي لتنفيذ قراراتها وأحكامها، فلا تستطيع إلقاء القبض على المهتمين ونقلهم إلى مقرها بنفسها فتعتمد على الآليات الوطنية للدول في تنفيذ ذلك.

          ومجالات التعاون كثيرة منها: تسليم المجرمين، توفير الموارد الكافية لجبر أضرار المجني عليهم دفع التعويضات وحجز ومصادرة عائدات الأنشطة الإجرامية، وضع حد لظاهرة الإفلات من العقاب، وتعزيز التعاون خاصة في حالة تعدد جنسيات الضحايا أو المتهمين لتحقيق العدالة والإنصاف للضحايا، والتعاون الدولي أشكال:

1-تعاون الدول الأطراف مع المحكمة الجنائية الدولية:

          حسب ما جاء في المادة 56 أن "الدول أطراف في ملزمة بالتعاون مع المحكمة" في الجرائم التي تختص بالنظر فيها.

2-تعاون الدول الغير أطراف مع المحكمة الجنائية الدولية:

حسب م 87: فالمحكمة تدعو أي دولة غير طرف في النظام الأساسي إلى تقديم المساعدة على أساس ترتيب خاص أو اتفاق معها رغم أنها غير ملزمة بالمساعدة إلا أنه في حالة امتناعها عن المساعدة، يجوز للمحكمة أن تخطر بذلك جمعية الدول الأطراف أو مجلس الأمن.

الفرع الثاني: تعاون المنظمات غير الدولية

          ليس كتعاون الدول في جميع المجالات يقتصر دورها في تقديم الخدمات والاستشارات للضحايا.

مثل اللجنة الدولية للصليب الأحمر: التي تعتبر راعي القانون الدولي الإنساني وحارسه، فهي هيئة ذات طابع إنساني تهتم بتطوير قواعد القانون الدولي الإنساني والسهر والإشراف على تطبيق وتنفيذ الحماية المقرر للمدنين وضحايا النزاعات المسلحة بصفة خاصة وتقديم المساعدة للضحايا عبر العالم بصفة عامة.

 

 

المبحث الثاني: العوائق التي تحول بدون حصول الضحايا على حقوقهم

          لقد منحت المحكمة الجنائية الدولية مكانة خاصة لضحايا الجرائم الدولية، وذلك بالاعتراف بالمركز القانوني المستقل على المستوى الدولي، حيث لم تبقى هذه الفئة تحت وصاية الدولة وأخذت وصف ضحايا بدلا من شهود، كما أقرت لها مجموعة حقوق المتمثلة في :حق الحماية وحق المشاركة في الإجراءات، وحق التمثيل القانوني وحق التعويض إلا أن هناك أسباب وعراقيل تحول دون تمكين الضحايا من الوصول إلى العدالة، وافلات المتهمين من العقاب وهي:

أما العوائق القانونية التي تواجه الضحايا في إطار المحكمة الجنائية الدولية أو العوائق العملية للمحكمة الجنائية الدولية.

المطلب الأول: العوائق القانونية

          إن الصعوبات التي تحول دون حصول الضحايا على حقوقهم تتمثل في القيود المتعلقة باختصاصات المحكمة موجودة في نظامها الأساسي، وبعض الصعوبات المتعلقة بالإجراءات نجدها في قواعد الإجراءات والإثبات.

الفرع الأول: إشكالية الاختصاص

          تعتبر مشكلة الاختصاص أهم قيد قانوني يواجه الضحايا، والمقصود به القيود الواردة على الاختصاص التكميلي للحكمة مع المحاكم الوطنية، إضافة إلى اختصاصات المحكمة في حد ذاتها

1-العوائق المتعلقة بالاختصاص التكميلي:

إن العلاقات التي تربط بين المحكمة الجنائية والمحاكم الوطنية، هي علاقة تكميلية([12])، فالأولية في الاختصاص بالنظر في الجرائم الدولية يعود للقضاء الوطني أولا، هذا ما جاء في المادة الأولى من نظامها الأساسي، وجاءت المادة 17 كاستثناء منها بنصها على حالات ينعقد الاختصاص للمحكمة الجنائية الدولية للنظر في إحدى الجرائم المنصوص عليها في المادة 5 من نظامها الأساسي وهي أن تكون الدولة غير قادرة على المحاكمة أو غير راغبة في مباشرتها ويشير النظام الأساسي للحالات التي تعتبر فيها الدولة لا ترغب في إجراء المحاكمة وهي:

أ-تستهل إجراءات قانونية من أجل حماية الشخص المعني بالمحاكمة

ب-تأخير ليس له مبرر ولا يوافق مع مقتضيات العدالة

ج-عدم استقلالية الحاكمة وحيادها.

أما حالات عدم قدرة الدولة على مباشرة الدعوى: فيجسدها النظام الأساسي في عدم فعالية الآليات على المستوى الوطني لجمع الأدلة والشهادة والقبض على المتهمين.

إن هذين المعيارين (عدم الرغبة وعدم القدرة) خاضعة لتكيف المحكمة وإذا تعسفت في تقرير وجودها يمكن أن يعرض قاعدة أولوية الاختصاص القضائي الوطني للانتهاك ولهذه الأخيرة حق الطعن في ذلك. 

2-اختصاصات المحكمة:

أ-الاختصاص الموضوعي:

لقد حددت المادة 5 من النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية أنها تختص بالجرائم الأشد خطورة الأربعة وهي: جريمة الإبادة الجماعية وجريمة ضد الإنسانية وجرائم الحرب وجريمة العدوان.

إلا أن اقتصار اختصاص المحكمة على هذه الجرائم يعتبر عائق للضحايا الجرائم الدولية الأخرى كضحايا جرائم الإرهاب أو ضحايا جرائم المخدرات، وضحايا الجرائم المرتكبة ضد موظفي الأمم المتحدة والأفراد المرتبطين بهم([13]).

ب-الاختصاص الزمني:

نصت المادة 11 من النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية على أن للمحكمة اختصاص إلا فيما يتعلق بالجرائم التي ترتكب بعد بدء نفاذ نظامها.

أي تخصصت بالجرائم المرتكبة بعد دخولها حيز النفاذ أي بعد 01 جويلية 2002 فقط فهي لا تخصصت بالنظر في الجرائم المرتكبة قبل وجودها.

ج-الاختصاص الشخصي:

جاء في المادة 25 من النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية

أن المحكمة تمارس اختصاصها على الأشخاص الطبيعيين لا يقل أعمارهم عن 18 سنة ولا يمتد اختصاصها إلى الأشخاص المعنوي كالدولة والمنظمات.

الفرع الثاني: إشكالية الإجراءات

قد تثير الإجراءات التي تباشرها المحكمة في إحدى مراحلها أثناء التحقيق أو المحاكة أو تنفيذ الأحكام عراقيل تحول دون حصول الضحايا اللجوء إليها من بينها:

1-تأثير سلطة مجلس الأمن على حقوق الضحايا

فيمكن لمجلس الأمن حسب المادة 16 من النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية قرار يطلب فيه من المحكمة، عدم البدء  أو المضي في أي تحقيق أو مقاضاة لمدة 12 شهر وعلى المحكمة التقيد بذلك، وهذا ما يعني أن سلطة مجلس الأمن شكل قيد يكبل يد المحكمة من الاستمرار بممارسة اختصاصها في نظر أي دعوى من جهة، ومن جهة أخرى عدم مراعاة حقوق المجني عليهم أو الضحايا.

2-تعارض حقوق الضحايا مع حقوق المتهمين:

حسب المادة 68 من النظام الأساسي للمحكمة أنه للضحايا الحق في المشاركة في الإجراءات في أي مرحلة من مراحل الدعوى، إذا تأثرت مصالحهم الشخصية، وذلك بعرض آرائهم وشواغلهم والنظر فيها، بشرط أن لا تتعارض أو أن لا تمس هذه الآراء  بحقوق المتهم، ومع مقتضيات إجراءات محاكمة عادلة، وهذا ما يعني تقديم حق المتهم على حق الضحية ما دام أن قبول إجراء تدخل الضحية مرهون بعدم تعارض هذه الطلبات مع حقوق المتهم.

3-صعوبة تقييم طلبات التعويض:

إن نظام روما أقر حق التعويض للضحايا الجرائم التي تدخل في اختصاصها الذي يكون إما من طرف الشخص المدان أو الصندوق الاستئماني للمحكمة، إلا أنه في حالة تعدد الضحايا، إضافة إلى أن النظام الأساسي لم ينص على التوصية كوسيلة من وسائل التعويض الرمزي الذي  يهدف إلى استعادة كرامة الضحايا من خلال الاعتراف بالضرر اللاحق بهم.

4-عدم تحديد مفهوم واضح للضحايا:

لقد ورد تعريف الضحايا في المادة 85 من النظام الأساسي، إلا أنه استبعد أشخاص آخرين لحق بهم ضرر جراء هذه الجرائم بشكل غير مباشر أي أقارب الضحية عائلته ومن كان يعولهم والأشخاص الذين أصيبوا بضرر من جراء التدخل لمساعدة الضحايا في محنتهم أو لمنع الايذاء عنهم.

المطلب الثاني: العوائق العملية

يقصد بالصعوبات العملية التي تحول دون حصول الضحايا على حقوقهم، هي قبل، تحدث عند، أثناء، عمل المحكمة، وهذه الصعوبات تلك المتعلقة بتأثير سياسة الولايات المتحدة الأمريكية المعارضة للمحاكمة الجنائية الدولية على حقوق الضحايا، والإشكاليات المتعلقة بتنفيذ أوامر المحكمة.

الفرع الأول: إشكالات تنفيذ أوامر المحكمة الجنائية الدولية

إن الحقوق المقررة للضحايا بموجب نظام روما الأساسي، يتطلب الاستفاء والتنفيذ لصالح الضحايا، وإلا تعتبر حبر على ورق، فلا بد من تنفيذ أوامر المحكمة، إلا أن عملية التنفيذ تتلقى صعوبة في ذلك تعود إلى صعوبة أوامر المحكمة للأسباب التالية([14]):

1-صعوبة تنفيذ أوامر المحكمة:

قد تصدر المحكمة أمر بالاعتقال ضد الشخص المدان لكن بدون تنفيذ الحكم مثل ما حصل في قضية الكونغوا، فضلت تحقيق السلام على أن يدان المجرم. وهذا ما يخلق نوع من الإحباط لدى الضحايا.

2-بعد المحكمة عن الضحايا: عدم التعريف بالمحكمة

نظرا لبعد المحكمة يستوجب عليها إقامة مكاتب تابعة لها في جميع الدول.

3-عوائق متعلقة بالتعاون الدولي:

بما أن المحكمة الجنائية الدولية لا تملك آلية لتنفيذ أحكامها، فهي تعتمد في ذلك على الدول سواء عقوبات أولية للحرية أو عقوبات مالية أو الجزاءات المدنية وجبر أضرار المجني عليهم.

وفي حالة إخلال الدول بالتزاماتها اتجاه النظام الأساسي، فللمحكمة أن ترسل قرار بإحالة المسألة لجمعية الدول الأطراف أو الإحالة لمجلس الأمن الذي يجوز له اتخاذ إجراءات ردعية وفعالة اتجاه هذه الدول.

الفرع الثاني: موقف الولايات المتحدة الأمريكية من المحكمة الجنائية الدولية

وقعت إدارة الرئيس كلينتون على معاهدة روما في 31 ديسمبر 2000، وبعدما جاءت إدارة بوش تراجعت عن التوقيع بإعلان صريح تعلن فيه رفضها الانضمام إلى المحكمة وهذا ا يعني استنكارها للتوقيع.

وقع الرئيس بوش على اتفاقية حماية أعضاء الخدمة الأمريكيين، وفيها يمنع الدول الأطراف من دعم ومساعدة المحكمة الجنائية الدولية، وهدفها التأثير السياسي يأثر على تحقيق أهداف المحكمة الجنائية الدولة([15])

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

خاتمة

          لقد منحت المحكمة الجنائية الدولية مركز قانوني مستقل لضحايا الجرائم الدولية التي تدخل ضمن اختصاصها، كما حددت وعرفت الأشخاص أو الضحايا المشمولين بالرعاية والحماية، كما أقرت لهذه الفئة الضعيفة مجموعة من الحقوق مقارنة بحقوق المتهم، وتتمثل في حق الضحايا في التمثيل القانوني وحق في المشاركة في الإجراءات الجنائية أمامها، وكذلك حق في الحماية وجبر الضرر والحصول على تعويضات مرضية، وذلك بتعاون المحكمة مع جميع الدول أطراف أم غير أطراف في النظام الأساسي، وكذلك بمساعدة المنظمات غير الحكومية إلا أن الضحية يصطدم بعوائق ومشاكل تحول دون الحصول على هذه الحقوق وهي تلك المكرسة في النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية أو تلك التي تصادفه أثناء مباشرته للحصول على حقوقه، والواقع يثبت ذلك، صحيح أن المحكمة الجنائية الدولية لم تطبق العدالة على كل مرتكبي الجرائم الدولية ولم تتمكن من حماية وإنصاف الضحايا وسبب العراقيل والعوائق التي تواجهها إلا أنها تعتبر أول هيئة قضائية اهتمت بالضحايا وتسعى لتحقيق العدالة الجنائية الدولية.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

قائمة المراجع

باللغة العربية:

  • الكتب
  1. بوسماحة نصر الدين، حقوق ضحايا الجرائم الدولية على ضوء أحكام القانون الدولي، دار الفكر الجامعي، الإسكندرية، 2008.
  2. بوسماحة نصر الدين، المحكمة الجنائية الدولية، شرح اتفاقية روما، الجزء الأول، دار هومة، الجزائر، 2008.
  3. بوسماحة نصر الدين، المحكمة الجنائية الدولية، شرح اتفاقية روما، الجزء الثاني، دار هومة، الجزائر، 2008.
  4. النمساوي أشرف، المحكمة الجنائية الدولية، الطبعة الأولى، المركز القومي للإصدارات القانونية، القاهرة، 2002
  5. بن بوعبد الله مونية، المركز القانوني لضحايا الجرائم الدولية، دار اليزوردي، عمان، 2014.
  6. أحمد علام وائل، الحماية الدولية لضحايا الجريمة، دار النهضة العربية، القاهرة، 2004.
  7. بسيوني محمود الشريف، المحكمة الجنائية الدولية، نشأتها ونظامها الأساسي مع دراسة لتاريخ لجان التحقيق الدولية والمحاكم الجنائية الدولية السابعة، الطبعة الأولى، دار الشروق، مصر، 2004.
  8. بسيوني محمود الشريف، المحكمة الجنائية الدولية، مدخل لدراسة أحكام وآليات الإنقاذ، مطابع روز اليوسف الجديدة، مصر، 2000.
  9. بيومي حجازي عبد الفتاح، قواعد أساسية في نظام المحكمة الجنائية الدولية، دار الكتب القانونية، عمان، 2008.
  10. خالد حسن أبو عزالة، المحكمة الجنائية الدولية والجرائم الدولية، دار الجليس الزمان، الأردن، 2010.
  11. معمري يشوي ليندة، المحكمة الجنائية الدائمة واختصاصاتها، دار الثقافة، الأردن، 2008.

ب- الأطروحات والمذكورات

– تريكي شريفة، المحاكم الجنائية الدولية المختلطة، مذكرة ماجستير، جامعة الجزائر، السنة الجامعية 2009/2010

– بلهادي حميد، إجراءات رفع الدعوى أمام المحكمة الجنائية الدولية، مذكرة ماجستير، كلية الحقوق، جامعة الجزائر، السنة الجامعية: 2007/2008.

ج- المقالات:

نقيبي ياسمين، الحق في معرفة الحقيقة في القانون الدولي واقع أم خيال، المجلة الدولية للصليب الأحمر، عدد 88، سنة 2006.

 

اللغة الفرنسية:

-Bassiouni Cherif, introduction au droit pénal international, Bruylant, Brusceles, 2002.

-Didier REBUT, Droit pénal international, premier édition, Dalloz, France, 2012.

 


[1]–  تريكي شريفة، المحاكم الجنائية الدولية المختلطة، مذكرة ماجستير، 2010-2011، ص 184.

[2]– عبد الفتاح بيومي حجازي، قواعد أساسية في نظام المحكمة الجزاء الدولية، دار الكتب القانونية، عمان، 2008،

    ص114.

[3] – ليندة معمر شيوي، المحكمة الجنائية الدولية الدائمة واختصاصاتها، طبعة 1، دار الثقافة، 2008، ص 318.

[4] – محمود شريف البسيوني، المحكمة الجنائية الدولية، نشأتها ونظامها الأساسي مع دراسة لتاريخ لجنة التحقيق الدولية والمحاكم الجنائية الدولية السابقة، مطابع روز اليوسف الجديدة، 2002.

[5] – د. أشرف اللمساوي، المحكمة الجنائية الدولية، طبعة 1، دار نشر المركز القومي للاصدارات القانونية، القاهرة، 2002، ص 11.

[6] – د. نصر الدين بوسماحة، الحكمة الجنائية الدولية، شرح اتفاقية روما، الجزء الأول، دار هومة، الجزائر، 2008، ص 198.

[7] -DIDIER Rebut, Droit pénal internationale ,1er édition, Dalloz, 2012, P 595.

[8] – GHISLAIN Mabanga, La victime devant la cour pénal internationale l’harmattan, 2009, P 13.

[9] – نقيبي ياسمين، الحق في معرفة الحقيقة في القانون الدولي واقع أم خيال، المجلة الدولية للصليب الأحمر، عدد 88 سنة 2006، ص 15.

[10] – د. حمود شريف البسيوني، المحكمة الجنائية الدولية، مدخل لدراسة أحكا وآليات الإنقاذ الوطني للنظام الأساسي، طبعة1، دار الشروق القاهرة، 2004، ص 83.

[11] – وائل أحمد علام، الحماية الدولية لضحايا الجريمة، دار النهضة العربية، مصر 2004، ص 128.

[12] – عياشي بوزيان، قواعد القانون الدولي الإنساني والسيادة، أطروحة دكتوراه في الحقوق، قس القانون العام، كلية الحقوق، بن عكنون، سنة 2013-2014، ص 315.

[13] -خالد حسن أبو غزالة، المحكمة الجنائية الدولية وجرائم الدولية، دار جلس الزمان، الأردن، 2010، ص 275.

[14] – بن عبد الله مونية، المركز القانوني لضحايا الجرائم الدولية، دار اليازوردي ، عمان، 2014، ص 209.

[15] -بن عبد الله مونية، المرجع نفسه، ص 205.

Profile photo of AFKIR Mohamed

AFKIR Mohamed

باحث في قانون الأعمال

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

التخطي إلى شريط الأدوات