المسؤولية الجنائية للطبيب

 

المسؤولية الجنائية للطبيب

 


المقدمة :

لقد مرت مهنة الطب بمراحل مختلفة عبر التاريخ ، من حيث مدى معرفة المجتمعات البشرية لهذه المهنة و القائمين عليها و نطاق مسؤوليتهم ، والأساس القانوني لهذه المسؤولية، و لقد وجدت المسؤولية على العاملين بهذه المهنة بوجود الطب بصورة أو بأخرى ، وتقررت في جميع المراحل التي مرت بها صناعة الطب ، و كان على كل من يمارسها بأي شكل أن يتحمل مسؤولية عمله [1].

نجد في التشريع الفرعوني اهتماما بحماية الأفراد من القائمين بالأعمال الطبية ، وذلك بالتقيد بما جاء في السفر المقدس و هي قواعد دونها كبار الأطباء القدامى و من يخل بها من الممارسين للمهنة يتعرض للمسؤولية و العقاب الذي يصل في بعض درجاته إلى الإعدام [2] .

و في قانون حمو رابي نجد نصوصا تدل على تنظيم الأعمال الطبية و التشدد في معاقبة المخطئين بحيث تنصص المادة 218 على أنه ” إذا عالج الطبيب رجلا حرا من جرح خطير بمشرط من البرونز و تسبب في موت الرجل أو فتح خراجا في عينه ، و تسبب في فقد عينه تقطع يداه ” و كان هدا سببا كافيا ليقل عدد الأطباء في بابل [3] .

أما عند الإغريق فقد جاء أبوقراط و نظم المهنة و جعل الطب علما قائما بل ووضع لقسم الطبي الذي لازال معمولا به حتى يومنا هذا .

و في الإسلام كشفت أحكام المسؤولية الطبية في الفقه و الشريعة على مدى تطور الأعمال الطبية و كان الجزاء على القائمين بالأعمال الطبية هو الضمان أو المنع من مزاولة المهنة عند حصول الضرر للمريض ، قال الرسول صلى الله عليه و سلم :

” من تطبب و لم يعرف الطب فهو ضامن “ رواه أبوداد و الترمذي و ابن ماجة .

و في الوقت الراهن إذا كان المشرع المغربي قد أجاز للأطباء التعرض لأجسام الناس و ذلك بإتيان أفعال تعد من قبيل الجرائم إذا أتاها غيرهم من الأشخاص.

فإن مسؤولية هذا الطبيب الجنائية تختلف تماما عن المسؤولية الجنائية لأي شخص عادي نظرا للطبيعة الفنية و التقنية التي ينفرد بها العمل الطبي [4] .

فالطبيب الذي يلامس جسم امرأة حامل أثناء فحصها أو يجري عملية جراحية لمريض قصد علاجه لا يعتبر عمله مخلا بالأخلاق و الآداب الحميدة أو إيذاء بجسم المريض ما دام المشرع قد أجاز له القيام به في حدود معينة على عكس الطبيب الذي يتجاوز الحدود المرسومة له و يخرج عن أصول مهنة الطب فإن مسؤوليته الجنائية في مثل هذه الحالة تكون قائمة و ثابتة كالطب الذي يسلم مواد مخدرة لشخص قصد مساعدته على الإدمان أو الذي يجهض امرأة حاملة قصد مساعدتها على إخفاء حملها غير المشروع .

إضافة إلى ذلك سجلت العلوم الطبية تطورا مذهلا و سريعا حين وصل إلى ما يشبه الانفجار العلمي و الذي رافقه في المقابل زيادة في المخاطر على جسم و سلامة الإنسان بفعل اقتراب الأجهزة المتطورة من هذا الجسم سواء في الفحص و التشخيص أو العلاج . و تمثلت هذه المخاطر في كثرة الأخطاء الطبية التي أتبثت الإحصاءات الدولية أنها في ازدياد ملحوظ على الرغم من التقدم الطبي و أصبحت ظاهرة شبه يومية و حديث الصحف أحيانا و حديث المجالس و أروقة المحاكم أحيانا أخرى .

مما جعل الموضوع يحوز على أهمية خاصة لدى جميع فئات المجتمع ، فإلى أي حد استطاع التشريع الجنائي المغربي احتواء الأخطاء الطبية ضمن مسؤولية الطبيب الجنائية ؟ .

و ذلك وفق التصميم التالي سنعالج الموضوع :

مبحث تمهيدي : المسؤولية الجنائية و العمل الطبي :

المطلب الأول : المسؤولية الجنائية

المطلب الثاني: العمل الطبي :

المبحث الأول : عناصر المسؤولية الجنائية الطبية :

المطلب الأول: الخطأ الطبي:

المطلب الثاني : الضرر و قيام العلاقة السببية :

   المبحث الثاني: الجرائم الطبية :

المطلب الأول : الجرائم المنصوص عليها في القانون الجنائي

المطلب الثاني : الجرائم الواردة في القوانين الجنائية الخاصة

مبحث تمهيدي : المسؤولية الجنائية و العمل الطبي :

المطلب الأول : المسؤولية الجنائية

تنقسم المسؤولية بشكل عام إلى مسؤولية قانونية و أخرى تأديبية ، و القانونية تشمل بدورها المسؤولية المدنية و الجنائية ، فإذا كانت الأولى تثور عن إخلال الملتزم بالتزام ورد في العقد أو خالف القانون فنتج عنه ضرر استوجب التعويض فإن المسؤولية الجنائية تنشأ عن مخالفة القواعد القانونية الجنائية .

الفقرة الأولى : تعريف المسؤولية الجنائية :

يقصد بالمسؤولية الجنائية ذاك الأثر القانوني المترتب عن الجريمة كواقعة قانونية ( أي يعتد بها القانون ) و تقوم على أساس تحمل الفاعل للجزاء الذي تفرضه القواعد القانونية بسبب خرقه للأحكام التي تقررها هذه القواعد [5]

و عندما يتعلق الأمر بالفاعل المتمثل في الأشخاص المعنوية ، يطرح التساؤل عما إذا كانت هذه الشخصيات الاعتبارية أهل لتحمل المسؤولية الجنائية مثلها مثل الشخص الطبيعي أم لا ؟ و هنا انقسم الفقه إلى رأيين :

الرأي الأول : يرى عدم إمكانية مساءلة الشخص المعنوي جنائيا على اعتبار أنه وجد لتحقيق غرض مشروع و الوصول لهذا الغرض لا يقتضي أبدا ارتكاب جريمة من الجرائم ، و إذا ما ارتكبت جريمة فإن الذي يسأل ليس هو الشخص الاعتباري و إنما ممثله و هو  الشخص الطبيعي ، و يرون عدم تطبيق العقوبات الجنائية كالإعدام و السجن على الشخص الاعتباري.

الرأي الثاني : و الذي يميل إليه المشرع المغربي ، و يذهب هذا الاتجاه إلى إمكانية مساءلة الشخص المعنوي من خلال الأهلية التي يتوفر عليها ، و التي تظهر في صلاحيته لكسب الحقوق ( إمكانية التعاقد و قبول الهبات …) ، أما من حيث العقوبات يمكن تطبيق عقوبات أخرى غير تلك التي ذهب إليه الرأي الأول ، وتتمثل في الغرامات المالية و المصادرة و حل الشخص المعنوي حسب المادة 127 من القانون الجنائي[6] .

الفقرة الثانية مقارنة المسؤولية الجنائية بالمسؤولية المدنية :

تختلف المسؤولية الجنائية عن المسؤولية المدنية من عدة نواحي[7] :

1 ـ من أساس كل منهما : فأساس المسؤولية الجنائية هو الفعل الضار الذي يصيب المجتمع كمبدأ عام ، في حين أن أساس المسؤولية المدنية هو الضرر الذي يصيب الفرد .

2 ـ من حيث الجزاء : فإنه يتمثل في العقوبة و التدابير الأمنية في المسؤولية الجنائية و التعويض في المسؤولية المدنية ، و تكون المطالبة بالجزاء الأول من طرف  النيابة العامة ، و في الثانية للطرف المتضرر .

3 ـ من حيث إسقاط المسؤولية لا يجوز مبدئيا الصلح أو التنازل عن الشكوى في المسؤولية الجنائية في حين يجوز ذلك في المسؤولية المدنية [8] .

4 ـ  و بالنظر لنطاق و حدود المسؤوليتين ، فإن المسؤولية الجنائية محددة بنص ، وهي خاضعة لمبدأ الشرعية و التي جسدها المشرع المغربي وفقا للمبدأ القائل بـ ” لا جريمة و لا عقوبة إلا بنص ” في حين المسؤولية المدنية مبنية على قاعدة عامة تقضي بقيامها بوجود عمل غير شرعي سواء تمثل ذلك بإخلال بالتزامات تعاقدية أو من جزاء خطأ تقصيري دونما تحديد لتطبيقاته [9] .

المطلب الثاني: العمل الطبي :

كانت أغلب الاتجاهات الفقهية التشريعية و القضائية تحصر العمل الطبي في عنصر العلاج غير أن التقدم الحاصل في كافة الصعود، غير من هذا المفهوم فتغيرت معه المفاهيم المختلفة لتحديد العمل الطبي [10] .

الفقرة الأولى : تعريف العمل الطبي :

لم ينص المشرع المغربي على أي تعريف للعمل الطبي لا في قانون مزاولة مهنة الطب [11] و لا في قانون أخلاقيات المهنة [12] ، تاركا بذلك مهمة التعريف للفقه الذي يرى أن هناك اتجاهين في تعريف العمل الطبي :

الاتجاه الأول: ينظر إليه باعتباره يقتصر على مرحلة العلاج فيعرفه بالنشاط الذي باشره شخص متخصص بغية شفاء الغير و ذلك وفقا للأصول و القواعد الطبية المقررة في علم الطب [13] .

الاتجاه الثاني : يرى في العمل الطبي أنه يشمل جميع المراحل المتمثلة في الفحص و التشخيص و العلاج و يعرفه أحدهم ” كل فعل يهدف الى شفاء المريض و وقايته من الأمراض ” [14].

الفقرة الثانية: مراحل العمل الطبي :

معلوم أن كل خطأ من جانب الطبيب في أي من مراحل العمل الطبي قد يؤثر على المراحل الموالية و كل هذا الأساس فالطبيب ملزم باتخاذ الحيطة و الحذر في كل مرحلة من مراحل العمل الطبي المتمثلة في الفحص الطبي ، التشخيص ، العلاج ، الوصفة الطبية ، الرقابة العلاجية من الأمراض .

الفقرة الثالثة: شروط إباحة العمل الطبي :

أولا الإذن القانوني يتمثل فيما ينص عليه المشرع المغربي من خلال قانون 26 فبراير 1960 المنظم لمزاولة مهنة الأطباء و الصيادلة و جراحي الأسنان و العقاقريين و القوابل حيث اشترط جملة من الشروط الواجب توافرها لمزاولة المهنة و لعل أولها هو شرط الحصول على شهادة الدكتوراه في الطب قبل الحصول على الترخيص على مباشرة العمل الطبي .

 

 

المبحث الأول : عناصر المسؤولية الجنائية الطبية :

المطلب الأول: الخطأ الطبي:

الفقرة الأولى: التعريف

الحديث عن الخطـأ الطبي يقتضي التعرف على الخطأ بوجه عام ، حيث تعددت تعار يفه و تتنوع ، و من بينها تعريف الدكتور أحمد الخمليشي الذي عرفه بأنه ” يعتبر خطأ في هاتين الجريمتين كل عمل أو امتناع إرادي لم يقصد به الفاعل قتل إنسان أو إيذائه ، و مع ذلك ترتب عنه الموت أو الإيذاء نتيجة عدم تبصره أو عدم احتياطه … ” ، و عرفه الدكتور محمد أوغريس ” الخطأ على أساس أنه إخلال بالتزام عام مفروض قانونا على كافة أفراد المجتمع ” [15].

أما الخطأ الطبي يعرف على أنه تقصير في مسلك الطبيب ، فهو سلوك لا يمكن أن يصدر من طبيب يوجد في نفس الظروف الخارجية التي أحاطت بالطبيب المسؤول و بعبارة أخرى هو إخلال الطبيب بالقواعد و الأصول المتعارف عليها في مهنة الطب .

و المقصود بالقواعد و الأصول الطبية هي مجموعة القواعد العلمية و الفنية التعارف عليها من قبل المشتغلين بمهنة الطب و التي يتوجب على كل طبيب الالتزام بها و عدم تجاوزها و الخروج عنها وقت مزاولة المهنة.

وعرف القضاء المغربي الخطأ الطبي بأنه الخطأ الذي يصدر من الطبيب بمناسبة تأديته لوظيفته و هو في الغالب خطأ فني [16] .

و بالنسبة لتحديد أساس الخطأ الطبي اختلفت الآراء الفقهية حول المسؤولية الجنائية للطبيب ، بسبب ما يرتكبه من أخطاء سواء أثناء مزاولته لمهنته أو بسببها ، و لتحديد هذا الأساس فقد قال الفقه بمعيارين :

المعيار المادي : مسؤولية الطبيب جنائيا عن خطئه بالنسبة لهذا المعيار تقوم على أساس مقارنة سلوكه بسلوك طبيب من فئته متوسط الحيطة و الحذر . و عليه ، فيجب لمسائلة الطبيب جنائيا عن أفعال الجرح و الفتل الخطأ التي تصدر عنه أثناء ممارسته لعمله الطبي مقارنة سلوكه بسلوك طبيب مثله يوجد في النفس الظروف ، و يجب مراعاة الظروف الخارجية التي أحاطت بالطبيب عند مباشرته للعمل الطبي عند تقرير المسؤولية الجنائية لان السلوك الطبي يختلف باختلاف الظروف الزمانية و المكانية . وفي هذا الاتجاه سار القضاء المغربي حيث ذهبت المحكمة الابتدائية بتارودانت إلى التصريح ببراءة أحد الأطباء لعدم إمكانية نسبة أي خطأ إلية .

المعيار الشخصي : يقوم على أساس الأخذ بعين الاعتبار لما كان يجب على الطبيب المخالف فعله في الظروف التي أحاطت به سواء أكانت ظروفا خارجية أو ظروف داخلية ، بالإضافة إلى الاخد بعين الاعتبار مركز الطبيب العلمي ، مدى تخصصه و خبرته في ممارسة المهنة بالمقارنة بين الطبيب العادي و الطبيب المتخصص . و على هذا الأساس تكون المسؤولية بالنسبة للطبيب الاختصاصي أشد ، و كذا الطبيب القديم . يرى الدكتور محمد أوغريس تحقيقا لمبدأ العدالة ، و تقرير مسؤولية الطبيب الجنائية وجوب الاخد بالمعيارين .

الفقرة الثانية : الخطأ الطبي :

أ ـ الخطأ المادي والخطأ المهني : 

يعتمد في تحديد معيار الخطأ المادي على ما يرتكبه  الطبيب عند مزاولته لمهنته دون أن يكون لهذا الخطأ علاقة بالأصول الفنية لمهنة الطب[17],أي ارتكاب مخالفة تدخل ضمن العناصر المعروفة في الخطأ كالإهمال و الرعونة و عدم الاحتياط و التبصر كغيره من الأشخاص العاديين كأن يجري عملية جراحية و هو سكران.

أما الخطأ المهني فهو ذلك الخطأ الذي يرتبط بالقواعد العلمية و الأ صول المهنية التي تحكم مهنة الطب.

ب- الخطأ المرفقي و الخطأ الشخصي:

يتعلق الأمر بما ير تكب من أخطاء في المرفق العام (المستشفيات العامة) و قد حددها كل من الفصلين 79 و80 من قانون الالتزامات و العقود المغربي.

فالخطأ ألمرفقي هو ذلك الخطأ الذي ينسب إلى المرفق حتى و لو كان الذي قام به ماديا أحد الموظفين فيتسبب في إحداث الضرر[18] .

ويعد الخطأ شخصيا عندما يقوم الموظف إما عن طريق التدليس أو بارتكاب خطأ جسيم[19],فتثور عنه المسؤولية الشخصية و لا يسأل المرفق إلا في حالة إعساره.

المطلب الثاني : الضرر و قيام العلاقة السببية :

الفقرة الأولى : تعريف الضرر :

لا يقترن وجود الضرر بقيام المسؤولية الجنائية إذا ما بدل الطبيب ـ دون أن يرتكب خطأ ـ كل ما في وسعه لشفاء المريض لكن سعيه لم يحقق المراد لأن المبدأ في إلتزام الطبيب هو بذل عناية و ليس تحقيق.

وقد عرف الفقه الضرر بأنه ” حالة نتجت عن فعل طبي مست بالأذى المريض و قد يستطيع ذلك نقصا في حالة المريض أو في معنوياته أو عواطفه [20] ” .

و لكي يقوم الضرر لابد من شروط نجماها في :

  • أن يكون الضرر مباشرا : أي أن يكون النتيجة الطبيعية للخطأ ، كوفاة المريض نتيجة خطأ الطبيب الذي لم يناوله الدواء المطلوب تناوله [21] .
  • أن يكون الضرر محققا : أي أن يكون حالا قد وقع فعلا ، فلا يكون افتراضا أو محتملا في حين يجوز أن يكون الضرر مستقبلا ، بمعنى أنه لم يقع في الحال لكنه محقق الوقوع في المستقبل [22] .
  • أن يمس مصلحة مشروعة : و هي غالبا ما تكون حياة الانسان و سلامته التي يحميها القانون [23] .
  • أن يكون شخصيا : مهما تفاوتت مستويات الضرر عند المضرور سواء أدت إلى وفاته أو عجزه نسبيا فإن النيابة العامة هي التي يحق لها متابعة الطبيب الجاني .

الفقرة الثانية : أنواع الضرر :

غالبا ما يكون الضرر ماديا أي يمس سلامة جسم المريض غير أنه يمكن في حالات أخرى أن يرقب أضرار أدبية أو مالية .

أ ـ الضرر المادي : و هو ما يصيب الإنسان في جسمه أو حياته ، و لقد حماه القانون ، وهذا ما  ذهبت إليه المادة 433 من القانون الجنائي حيث اعتبرت أن في الجرح أو الإيذاء الخطأ كل جرح أو أصابة أو مرض نتج عنه عجز عن الأشغال الشخصية لمدة تزيد على ستة أيام .

إن العمل الطبي يقتضي إجراء عمليات جراحية أحيانا و هي تعد بمثابة اعتداء على السلامة الجسدية غير أنها تدخل ضمن ما يأذن به القانون و هي من أسباب الإباحة التي تخرج الفعل من دائرة التجريم [24] لكن عدم الاحتياط و الإغفال كالمشرف على التخدير في حالة المريض المخدر الذي لم يقم بالإسراع و السعي إلى إفاقة المريض فيحصل أن تموت خلايا المخ و بالتالي موت الدماغ [25] يصبح تعديا على جسم الإنسان و يدخل في نطاق التجريم .

ب ـ الضرر المالي : المقصود به هو الخسارة التي تصيب الذمة المالية للشخص المضرور كمصاريف العلاج أم إضعاف القدرة على الكسب أو إعدامها [26] .

ج ـ الضرر المعنوي : هو الضرر الذي يصيب الشخص في غير حقوقه المالية و لا في سلامة جسمه أو حياته أي يصيبه في شعوره أو كرامته أو شرفه أو عاطفته .

الفقرة الثالثة : العلاقة السببية :

لا تثور المسؤولية الجنائية للطبيب في جرائم الجرح و القتل خطأ الا إذا توافرت العلاقة السببية بين الخطأ الصادر عن الطبيب و النتيجة الحاصلة المتمثلة في الوفاة كأن يجري الطبيب عملية جراحية لمريض فيستوفى بسبب حدوث نزيف دموي نتيجة قطع شرايين صغيرة في محل العملية وعدم ربطها [27] .

و تحديد العلاقة السببية من أعسر الأمور نظرا لتعقد جسم الإنسان و تعدد مميزاته و ما يتعرض له من مضاعفات [28]

و قد تنتفي مسؤولية الطبيب الجنائية إذا ثبت من الظروف المحيطة بالنازلة أن الخطأ الصادر عنه ماديا كان أو مهنيا لا أثر له على النتيجة الحاصلة التي كان من المتوقع حدوثها تبعا للسير العادي للأمور ، كأن تكون الإصابة قاتلة فلا تحدث الوفاة . و تنعدم أيضا العلاقة السببية بين الخطأ الطبي و النتيجة إذا كان هناك سبب أجني هو الذي أدى إلى تحقق النتيجة و حدوث الضرر .

ـ المبحث الثاني: الجرائم الطبية :

سنبحث في هذا المبحث مجموعة من الجرائم الطبية في لإطار القانون الجنائي وهي : القتل و الجرح خطأ الواقعين من الطبيب ، الإجهاض ، إفشاء السر المهني ، رشوة الطبيب ، تزوير الشهادات الطبية ، الرشوة ، الامتناع عن تقديم المساعدة .

المطلب الأول : الجرائم المنصوص عليها في القانون الجنائي

الفقرة الأولى : جريمة القتل و الجرح خطأ الواقعين من الطبيب :

المشرع المغربي لم يفرد الأطباء بأحكام خاصة بشأن المسؤولية الجنائية ، فالمادتين 432 و 433 من القانون الجنائي المتعلقتين بالقتل الخطأ و الجرح الخطأ هما اللتان ينبغي تطبيقهما على الجميع بدون أي استثناء بما في ذلك الأطباء في كل حالة يتسببون فيها في موت المرض أو إصابته بجروح أو مرض بسبب عدم تبصرهم أو عدم احتياطهم أو عدم انتباههم أو إهمالهم أو عدم مراعاتهم للنظم و القوانين[29] .

ولقد جاء في المادة 432 من القانون الجنائي : ” من ارتكب بعدم تبصره أو عدم احتياطه أو عدم انتباهه أو إهماله أو عدم مراعاته النظم و القوانين قتلا غير عمدي أو تسبب فيه عن غير قصد يعاقب بالحبس من ثلاثة أشهر إلى خمس سنوات و غرامة من مائتين و خمسين إلى ألف درهم “.

و جاء في المادة 433 من نفس القانون : ” من تسبب بعدم تبصره أو عدم احتياطه أو عدم انتباهه أو عدم إهماله أو عدم مراعاته النظم و القوانين في جرح غير عمدي أو إصابة أو مرض نتج عنه عجز عن الأشغال الشخصية تزيد مدته عن ستة أيام يعاقب بالحبس من شهر واحد إلى سنتين و غرامة من 120 درهم إلى 500 درهم أو بإحدى هاتين العقوبتين[30].

الفقرة الثانية : الإجهاض :          

يعرف الدكتور فائق الجواهري الإجهاض بأنه ” إسقاط المرأة ولدها ناقص الخلق أو خروج متحصلات الرحم قبل الوضع المعتاد [31] ” و يعرفه الدكتور محمد أوغر يس ” العمل على إخراج الجنين من الرحم بأية وسيلة من الوسائل قبل الموعد الطبيعي ” [32].    و يجرم المشرع المغربي الإجهاض  من خلال الفصل 451 من القانون الجنائي الذي يذهب إلى أن الأطباء الذين يرشدون إلى وسائل تحدث الإجهاض أو ينصحون باستعمالها أو يباشرونها يعاقبون بالعقوبات المقررة في أحد الفصلين 449 و 450 حسب الأحوال . و يحكم على مرتكب الجريمة علاوة على ذلك ، بالحرمان من مزاولة المهنة ، المقرر في  الفصل 87 إما بصفة نهائية أو لمدة محدودة[33] .

ونجد الفصلين 479 و 450 من القانون الجنائي ينصان على ما يلي :

المادة 449 : ” من أجهض أو حاول إجهاض امرأة حبلى أو يظن أنها كذلك برضاها أو بدونه سواء ذلك بوسيلة طعام أو شراب أو عقاقير أو تحايل أو عنف أو أية وسيلة أخرى يعاقب بالحبس من سنة إلى خمس سنوات و غرامة من 120 درهم إلى 500درهم . و إذا نتج عن ذلك موتها ، فعقوبته السجن من عشر إلى عشرين سنة “.

المادة 450 : ” إذا ثبت أن مرتكب الجريمة يمارس الأفعال المشار إليها في الفصل السابق بصفة معتادة ، ترفع عقوبة السجن إلى الضعف في الحالة المشار إليها في الفقرة الأولى و تكون عقوبته السجن من عشرين إلى ثلاثين سنة في الحالة المشار إليها في الفقرة الثانية ” [34].

و في الحالة التي تطبق فيها عقوبة جنحية فقط ، حسب هذا الفصل أو الفصل 449 ، فأنه يجوز علاوة على ذلك أن يحكم على الفاعل بالحرمان من واحد أو أكثر من الحقوق المشار إليها في الفصل 40 و بالمنع من الإقامة من خمس سنوات إلى عشر ” .

و لتحقيق الإجهاض يجب توافر ثلاثة أركان : وجود حمل ، الركن المادي ، القصد الجنائي .

و من حيث العقوبة تشدد المشرع في معاقبة الأطباء و الجراحين و غيرهم من الأشخاص الذين ذكرتهم المادة 451 من القانون الجنائي ، والحكمة من وراء هذا التشدد هو أن هؤلاء يكونون أكثر من غيرهم قدرة على مباشرة الإجهاض بدافع الحصول على الربح غير المشروع إلى جانب خبرتهم الفنية بالأدوية ووسائل الإجهاض مما يسهل أمر اللجؤ إليها .

و يتبين مما سبق أن الإجهاض المعاقب عليه قانونا هو الإجهاض الجنائي ، أي الإجهاض الذي يرتكب عن قصد ، و الذي اعتبره المشرع تارة جنحة و تارة أخرى جناية ، أما الإجهاض الطبي الذي تدعو إليه الضرورة و يكون لغرض علاجي يقوم به الطبيب أو الجراح إما لانقاد حياة المرأة الحامل من خطر محقق كما هو الشأن في حالة النزيف الرحمي الشديد أو لاستحالة الولادة بسبب ضيق الحوض أو مرض القلب مثلا فقد أجاز المشرع و نص عليه في المادة 453 من القانون الجنائي التي جاء فيها : ” لا عقاب على الإجهاض إذا استوجبته ضرورة المحافظة على الأم متى قام به علانية طبيب أو جراح بان من الزوج .

و لا يطالب بهذا الإذن إذا ارتأى الطبيب أن حياة الأم في خطر غير أنه يجب عليه أن يشعر بذلك الطبيب الرئيسي للعمالة أو الإقليم .

و عند عدم وجود الزوج أو إذا امتنع الزوج من إعطاء موافقته أو عاقه عن ذلك عائق فإنه لا يسوغ للطبيب أو الجراح أن يقوم بالعملية الجراحية أو يستعمل علاجا يمكن أن يترتب عنه الإجهاض إلا بعد شهادة مكتوبة من الطبيب الرئيسي للعمالة أو الإقليم يصرح فيها أن صحة الأم لا تكمن المحافظة عليها إلا باستعمال هذا العلاج ” .

و هذا الإجهاض أجازه كذلك قانون أخلاقيات المهنة المغربي حيث أكدته المادة 32 ، و إذا كان الاحهاض الطبي مبرر بإذن المشرع للطبيب بممارسته ، فلا يجوز إليه إلا في الحالتين الآتيتين :

  • يجب أن تكون حياة المرأة الحامل في خطر .
  • يجب أن تدعو الضرورة إلى الإجهاض من أجل المحافظة على صحة المرأة الحامل [35].

الفقرة الثالثة : إفشاء السر المهني الطبي :

الإفشاء يعرفه البعض بأنه كشف عن واقعة لها لها صفة السر  صادر ممن علم بمقتضى مهنته و مقترنا بالقصد الجنائي [36] و ذهب جانب أخر منه إلى أنه تعمد الجاني اطلاع الغير على سر أؤتمن عليه بمقتضى  عمل في غير الأحوال التي يجب عليه أو يجوز له فيها ذلك [37].

فالقانون الجنائي المغربي يعاقب في الفصل 446 الأطباء عن إفشاء السر المهني   بعقوبة الحبس من شهر إلى ستة أشهر و غرامة من مائة و عشرين إلى ألف درهم .

غير أن هؤلاء الأشخاص لا يعاقبون بالعقوبات المقررة في الفقرة السابقة إذا بلغوا عن إجهاض علموا به بسبب مهنتهم أو وظيفتهم و إن كانوا غير ملزمين بهذا التبليغ .

فالمحافظة على السر المهني واجب مفروض على الأطباء ينص عليه قانون أخلاقيات المهنة الصادر في 8 يونيو 1953 و التي جاء فيها : ” يجب على الطبيب أن يحافظ كل الحفظ على الأسرار التي يفوه له بها المريض أو تلك يتمكن من التعرف عليها من جراء الثقة التي منحت له ” .

و لتحقيق جريمة إفشاء السر المهني الطبي لابد من توفر الأركان الآتية [38]:

ـ فعل الإفشاء .

ـ أن يكون ما تم إفشاؤه سرا .

ـ أن يقع الإفشاء من الطبيب أو من في حكمه .

ـ القصد الجنائي .

إذا كان المشرع المغربي قد ألزم الأطباء على عدم إفشاء السر المهني ، فإنه استثنى بعض الحالات التي أجاز فيها إفشاء السر دون أن يرتب عليه أي جزاء جنائي ، وهذه الحالات   هي :

  • التبليغ عن الجرائم .
  • التبليغ عن الأمراض ذات الصبغة الاجتماعية أو المعدية أو الوبائية .
  • التبليغ عن الإمراض المهنية و إصابات العمل .
  • التبليغ عن المواليد و الوفيات .
  • التبليغ عن المصابين بأمراض عقلية .
  • أداء الشهادة أمام القضاء .
  • أعمال الخبرة .رضا صاحب السر .
  • حالة الضرورة .
  • التأمين على الحياة .
  • دفاع الطبيب عن نفسه أمام القضاء .

الفقرة الرابعة : رشوة الطبيب :

جريمة الرشوة التي يرتكبها الطبيب تجد أساسها في الفصل المادة 248 الفقرة من القانون الجنائي : ” يعد مرتكبا لجريمة الرشوة ، و يعاقب بالحبس من سنتين إلى خمس و غرامة من مائتين و خمسين إلى خمسة آلاف درهم ، من طلب أو قبل عرضا أو وعدا أو طلب أو تسلم هبة أو هدية أو أية فائدة أخرى من أجل :

4 ـ إعطاء شهادة كاذبة أو عدم وجود مرض أو عاهة أو حالة حمل أو تقديم بيانات كاذبة من أجل مرض أو عاهة أو سبب وفاة وذلك بصفته طبيبا أو جراحا أو طبيب أسنان أو مولدة ” .

و لقيام جريمة الرشوة يجب توافر ثلاثة أركان [39] هي :

  • صفة الجاني : إثبات صفة الفاعل الذي هو الطبيب لمهنته بصورة قانونية و مشروعة ، و لا يكتفي بالمؤهلات العلمية فقط أو الحصول على الإذن لمزاولة المهنة .
  • الشهادة الكاذبة أو البيانات الكاذبة : أن تكون الشواهد أو البيانات الصادرة عنه بحكم صفته كاذبة أي مخالفة للحقيقة . و تكون هذه الشهادة قد سلمت للغير بناء على طلب الطبيب أو قبواه أو وعدا أو على أساس طلبه أو تسلمه هبة أو هدية أو أية فائدة أخرى .
  • القصد الجنائي : أي أن يكون عالما بأن ما تضمنته الشهادة الطبية أو البيان الطبي إنما هو مجرد كذب ، و أن يكون عمله صادرا عن إرادة و اختيار، أما إذا كان صادرا تحت تأثير الضغط و الإكراه ، فإن الجريمة لا تتحقق .

الفقرة الخامسة : تزوير الشهادات الطبية :

فيما يتعلق بتزوير الشهادات الطبية نصت المادة 364 من القانون الجنائي على أن ” كل طبيب أو جراح أو طبيب أسنان أو ملاحظ صحي أو قابلة ، إذا صدر منه ، أثناء مزاولة مهنته و يقصد محاباة شخص ما ، إقرار كاذب أو فيه تسترؤ على وجود مرض أو عجز أو حالة حما ، أو قدم بيانات كاذبة عن مصدر المرض أو العجز أو سبب الوفاة ، يعاقب بالحبس من سنة الى ثلاث سنوات ، ما لم يكن فعله جريمة أشد ، ممال نص عليه في الفصل 248 و ما بعده .

و يجوز علاوة على ذلك ، أن يحكم عليه بالحرمان من واحد أو أكثر من الحقوق المشار إليها في الفصل 40 من خمس الى عشر سنوات ” .

و التزوير الذي نص عليه المشرع في المادة 364 من القانون الجنائي يتناول حالتين :

  • الحالة الأولى : الشهادة الطبية التي تتضمن إقرار كاذبا أو فيه تستر على وجود مرض أو عجز أو حالة حمل .
  • الحالة الثانية : الشهادة الطبية التي تتضمن بيانات كاذبة عن مصدر المرض أو العجز أو سبب الوفاة .

و لقيام هذه الجريمة يجب توافر الشروط الآتية :

1 ـ صفة الجاني .

2 ـ يجب أن تكون الشهادة الطبية مخالفة للحقيقة .

3 ـ القصد الجنائي [40].

 

 

الفقرة السادسة : شهادة الزور الواقعة  من الطبيب :

لقد نص المشرع في المواد 369 و 372 من القانون الجنائي على أحكام شهادة الزور في القضايا الجنائية أو الجنحية أو نلك التي تتعلق بالمخالفات وكذا في القضايا المدنية أو

الإدارية .

إن الطبيب الخبير الذي شهد زورا في قضية جنائية على متهم محال على محكمة الجنايات إما لصالحه أو ضده يعاقب بالسجن من خمس إلى عشر سنوات .

و العقوبة تطال الطبيب الخبير حتى و لو حكمت المحكمة ببراءة المتهم و ينشأ عن ذلك ، أن شاهد الزور يعاقب :

ـ إذا حكم ببراءة المتهم ، سواء كانت الشهادة المزورة لفائدته أو ضده .

ـ إذا حكم على المتهم بعقوبة و كان الطبيب الخبير قد شهد لصالحه .

و إذا ثبت أن الخبير قد تسلم نقودا أو مكافأة من أي نوع كانت أو حصل على وعد ليشهد زورا لصلح المتهم أمام القضاء فإن العقوبة تكون هي السجن من عشر إلى عشرين سنة .

و إذا حكم على المتهم بعقوبة أشد من السجن المؤقت ، فإن المحكمة تحكم على شاهد الزور الذي شهد ضده بنفس العقوبة .أما إذا شهد الطبيب الخبير زورا في قضية جنحية أو في قضية تتعلق بمخالفة سواء ضد المتهم أو لصالحه ، فإن العقوبة بالنسبة للجنحة تكون هي الحبس من سنتين إلى خمس سنوات و غرامة من مائة و عشرين إلى ألف درهم .

و إذا ثبت أن الطبيب الخبير قد تسلم نقودا أو مكافأة من أي نوع كانت أو حصل على وعد من أجل شهادة الزور فإن العقوبة تكون هي الحبس الذي يمكن أن يصل إلى عشر سنين و الغرامة إلى ألفي درهم إذا تعلق الأمر بقضية جنحية ، و الحبس من ستة أشهر إلى سنتين و الغرامة من مائة و عشرين إلى خمسمائة درهم بالنسبة لقضايا المخالفات [41].

الفقرة السابعة : امتناع الطبيب عن تقديم المساعدة لشخص في خطر :

إن امتناع الطبيب عن تقديم المساعدة لشخص في خطر يدخل في إطار الجرائم التي تقع بمجرد الترك . و هذه الجريمة عاقب عليها المشرع في المادة 431 من القانون الجنائي التي

 

جاء فيها :

” من أمسك عمدا عن تقديم مساعدة لشخص في خطر ، رغم أنه كان يستطيع أن يقدم تلك المساعدة إما بتدخله الشخصي و إما بطلب الإغاثة دون تعريض نفسه أو غيره لأي خطر يعاقب بالحبس من ثلاثة أشهر إلى خمس سنوات و غرامة من مائتي إلى ألف درهم أو بإحدى هاتين العقوبتين فقط ” .

كما أن المادتين 3 و 7 من قانون أخلاقيات المهنة قد نصتا على ان كل طبيب ملزم بتقديم المساعدة لكل مريض يوجد في حالة خطر حال ، و بعدم الامتناع عن تقديمها ما لم توجد قوة قاهرة أو إذن من السلطة .

فالطبيب الذي يمتنع عن تقديم المساعدة لشخص مريض يوجد في حالة خطيرة لعدم قدرته على أداء أجرة التطبيب مثلا و المستشفى الذي يمتنع عن إسعاف شخص جريح يوجد في حالة خطيرة لعدم توفره على الآلات الطبية اللازمة أو على أطباء متخصصين يخضع لأحكام المادة 341 من القانون الجنائي .

و يتبين مما سبق أن جريمة عدم تقديم المساعدة لشخص في خطر هي من الجرائم العمدية التي يجب لتحققها توافر الركنين الآتيين :

1 ـ الركن المادي : امتناع الطبيب عن تقديم المساعدة لشخص في خطر .

2 ـ الركن المعنوي : أن يكون هذا الامتناع صادرا عن قصد [42].

المطلب الثاني : الجرائم الواردة في القوانين الجنائية الخاصة

الفقرة الأولى : المزاولة غير المشروعة لمهنة الطب :

الحالات التي يعتبر فيها الطبيب مزاولا لمهنته بصفة غير شرعية ، حسب المادة 6 من الباب الرابع من الظهير الشريف المنظم لمزاولة مهن الأطباء و الصيادلة و جراحي الأسنان و العقاقيريين هي :

  • الطبيب الذي يزاول المهنة قبل حصول على الإذن .
  • كل شخص غير محرز على الإجازة أو الشهادة التي تخوله الحق في مزاولة مهنة طبيب ، و قد استثنى المشرع طلبة الطب الذين يعملون بصفة مساعدين لطبيب .
  • الطبيب الذي يصدر في حقه حكم جنائي يقضي بحرمانه من مزاولة مهنة الطب .
  • الطبيب الذي ير في حقه حكم تأديبي يقضي بتوقيفه عن ممارسة المهنة إما بصفة مؤقتة أو بصفة نهائية .

تتحقق جريمة المزاولة الغير المشروعة لمهنة الطب بتوافر ركنين اثنين و هما الركن المادي و الركن المعنوي ، فالركن المادي يتحقق للجريمة كلما أتى الشخص غبر المرخص له بممارسة مهنة الطب أي عمل من الأعمال الطبية كالفحص أو التشخيص أو وصف الأدوية مثلا أو أي عمل طبي أخر منصوص عليه في قانون مزاولة المهنة أو في قانون أخلاقياتها . أما الركن المعنوي حيث تتحقق جريمة المزاولة غير المشروعة لمهنة الطب بتوافر القصد الجنائي لدى الفاعل أي بتحقق علم الفاعل بأن ما يقوم به من أعمال يدخل في مفهوم العمل الطبي الذي لا يملك حق مباشرته إلا من كان طبيبا و كان اسمه مدرجا بجدول الأطباء بعد استيفاء الشروط القانونية المطلوبة .

و عاقب المشرع المغربي عن المزاولة غير القانونية لمهنة الطب بعقوبة يتراوح مقدار الغرامة فيها مابين 2000 درهم و20000 درهم [43].

الفقرة الثانية : انتحال الألقاب الطبية :

فالشخص الذي يدعي صفة طبيب أو جراح أسنان و هو لا يتوفر على شروطها يعتبر مزاولا للمهنة بصورة غير قانونية و تجب مساءلته جنائيا و معاقبته ، و الشخص الذي يفتح عيادة لعلاج المرضى بدعوى أنه مختص في علاج أمراض الروماتيزم أو أمراض المفاصيل و هو لا يتوفر على أية شهادة أو إجازة في هذا الشأن يكون مخالفا للقانون و يعرض نفسه للعقاب .

لقد عاقب المشرع المغربي في المادة 381 من القانون الجنائي : ” من استعمل أو ادعى لقبا نتعلق بمهنة نظمها القانون أو شهادة رسمية أو صفة حددت السلطة العامة شروط ج اكتسابها ، دون أن يتوفر على الشروط اللازمة لحمل ذلك اللقب أو تلك الشهادة أو تلك الصفة ، يعاقب بالحبس من ثلاثة أشهر إلى سنتين و غرامة من مائة و عشرين إلى خمسة آلاف درهم أو بإحدى هاتين العقوبتين فقط ما لم يوجد نص خاص يقرر عقوبة أشد ” .

الفقرة الثالثة : بيع الأدوية من طرف الطبيب البشري :

الأصل أن الصيدلي هو الذي يتولى بيع الأدوية للمرضى ، إلا أن المشرع أوجد حالات استثنائية أجاز فيها للطبيب البشري صرف الأدوية لمرضاه و فيما عدا ذلك فإنه يمنع من بيع الأدوية للمرضى و كل مخالفة من هذا القبيل تعرض الطبيب للمساءلة الجنائية و بالتالي للعقاب .

و لقد نصت المادة 5 في فقرتها 4 من القانون المنظم لمزاولة مهن الأطباء و الصيادلة و جراحي الأسنان و العقاقيريين و القوابل على الحالات الاستثنائية بقولها : ” بيد أن كل طبيب محرز على إجازة يمكن أن يؤدن له ضمن الأحوال التي ستحدد بمرسوم في بيع الأدوية إذا كان لم يوجد في المنطقة التي يدعى فيها للمعالجة ، وفي دائرة 25 كيلومتر حول هذه الجهة أي صيدلي له صيدلية مفتوحة للعموم .

و لكي يتولى الطبيب بيع الأدوية للمرضى يجب توافر شرطين اثنين :

1 ـ عدم وجود أية صيدلية في المنطقة التي يمارس فيها مهنته الرئيسية كطبيب و في دائرة ترابية تقدر مساحتها ى25 كيلومترا .

2 ـ وجود حالة للعلاج المستعجل تدعو الطبيب إلى صرف الأدوية إلى المريض الذي يوجد في ظروف خطيرة كأن يكون مصابا بجروح خطيرة بسبب اعتداء وقع عليه أو بسبب حادثة السير مثلا .

الفقرة الثالثة : الجرائم المنصوص عليها في قانون المخدرات

 أولا : تحرير الطبيب و صفات طبية صورية :

أجاز القانون للأطباء المرخص لهم قانونا بمزاولة مهنة الطب حق وصف المخدرات للمرضى بمقتضى وصفات طبية قصد مساعدته على العلاج . أما إذا لم يكن قصد الطبيب من تحرير الوصفة الطبية هو مساعدة المريض على العلاج و إنما بقصد تسهيل تعاطيه للمخدرات ، فإن الطبيب يسأل جنائيا عن فعله و يعاقب طبقا لأحكام المادة 3 الفقرة 2 من ظهير المخدرات و التي جاء فيها : ” يعاقب بالحبس من سنة إلى 10سنوات وغرامة يتراوح قدرها بين 5000 درهم و 50000 درهم .

ـ كل دكتور في الطب يسلم وصفة صورية تساعد الغير على استعمال المواد المخدرة في النباتات المعتبرة مخدرات “.

فالطبيب الذي يسلم وصفة صورية إلى المريض وهو عالم بذلك قصد مساعدته على الحصول على مواد مخدرة من إحدى الصيدليات بمجرد تقديم الوصفة الطبية المذكورة يعتبر في حكم الشخص العادي و يعاقب بالعقوبة المشار إليها أعلاه [44].

ثانيا : حيازة الطبيب للمواد المخدرة بصفة غير مشروعة :

قد يستغل الطبيب الرخصة الممنوحة له في استعمال المواد المخدرة و استخدامها في علاج مرضاه ، فيعمد إلى استعمالها لأغراض أخرى غير تلك المرخص له بها ، كتسليمها للغير بمقابل أو يعمد إلى الاحتفاظ بما تبقى لديه منها بعد علاج المرضى في عيادته . ففي مثل هذه الحالات و ماشابهها يكون الطبيب قد خالف القانون وخرج عن حدود الإذن الممنوح له في الاتصال بالمخدرات و يجب مساءلته جنائيا و معاقبته كأي فرد عادي إذا ضبط و هو ماسك للمخدرات بصفة غير مشروعة [45].

خاتمة :

بناء على ما تقدم نخلص إلى أن المنظومة القانونية المغربية ، وخصوصا التي تنظم المسؤولية الجنائية للطبيب متناثرة و عامة في غياب تشريع خاص بهذه الفئة ، و عليه وجب على المشرع تمتيع فئة الأطباء بقانون جنائي خاص بالأطباء يحميهم من جهة حتى لا تم اعتبارهم عند ارتكابهم أخطاء جنائية مثلهم مثل باقي المجرمين بالتالي يتسنى لهم ممارسة أعمالهم بنوع من الحرية و الاطمئنان ، كما يجب تأمين الأطباء على أنفسهم من الأخطاء المحتملة أو إنشاء صندوق خاص لتأمين التعويض عن الأخطاء الطبية بالإضافة إلى ضرورة إقامة ندوات تحسيسية لتوعية الأطباء و تزويدهم بالتطورات الحاصلة في المجال القانوني و القضائي .

 

لائحة المراجع

الكتب بالعربية

 

– منصور عمر المعايضة : المسؤولية المدنية و الجنائية في الأخطاء الطبية ،جامعة نايف العربية للعلوم الأمنية ، مركز الدراسات و البحوث 345 ، الطبعة الأولى ، الرياض 2004

– محتسب بالله بسام ، المسؤولية الطبية و المدنية ز الجزائية ، دار الإيمان ،دمشق 1984

– محمد أوغريس : مسؤولية الطبيب في التشريع الجنائي ـ دراسة مقارنة ـ الطبعة الأولى ، الدار البيضاء 1994 .

– عبد الواحد العلمي : شرح القانون الجنائي المغربي ، القسم العام دراسة في المبادئ العامة التي تحكم الجريمة و المجرم و العقوبة و التدبير الوقائي ، مطبعة النجاح الجديدة ، طبعة 2002 ، الدار البيضاء .

– محمد حسين : الوجيز في نظرية الالتزام ، المؤسسة الوطنية للكتاب ، الجزائر 1963  .

– جمليل صالح : المسؤولية الجزائية الطبية ، دراسة مقارنة ، ورقة بحث مقدمة في إطار الملتقى المنظم من طرف كلية الحقوق بجامعة مولودي معمري تيزي وزو المنعقد بتاريخ 23 و 24 يناير 2008  .

ـ محمود قبلاوي : المسؤولية الجنائية للطبيب ، دار الفكر الجامعي ، الاسكندارية2004

 

ـ بالفرنسية :

– Henri Anrys , les professions médicales et paramédicales dans le marché commun , bruxelles ,1979 p 67 .

-derobert  L . la réparation juridique du dommage corporel .paris . masson . 1980 p135 .

 

القوانين :

 

– حكم المحكمة الابتدائية بتارودانت عدد 1712 و بتاريخ 10 – 7 – 1992 في الملف الجنحي 94 / 22 /91 .

– قانون أخلاقيات المهنة الصادر في 19 يونيو 1953 ، الجريدة الرسمية عدد 2121 .

– الظهير الشريف الصادر في 19 فبراير 1960 بشأن تنظيم مهنة الأطباء و الصيادلة و جراحي الأسنان العقاقريين و القوابل .

– مدونة القانون الجنائي المغربي .

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

1-منصور عمر المعايضة : المسؤولية المدنية و الجنائية في الأخطاء الطبية ،جامعة نايف العربية للعلوم الأمنية ، مركز الدراسات و البحوث 345 ، الطبعة الأولى ، الرياض 2004 ص 7 .

– محتسب بالله بسام ، المسؤولية الطبية و المدنية ز الجزائية ، دار الإيمان ، دمشق 1984 ص 35 . [2]

 – محتسب بالله بسام : نفس المرجع السابق ص 37 .[3]

– محمد أوغريس : مسؤولية الطبيب في التشريع الجنائي ـ دراسة مقارنة ـ الطبعة الأولى ، الدار البيضاء 1994 ص 11 .[4]

2- عبد الواحد العلمي : شرح القانون الجنائي المغربي ، القسم العام دراسة في المبادئ العامة التي تحكم الجريمة و المجرم و العقوبة و التدبير الوقائي ، مطبعة النجاح الجديدة ، طبعة 2002 ، الدار البيضاء ص 291 .

 –  عبد الواحد العلمي : نفس المرجع السابق من  ص 305 إلى 307 .[6]

7 – محمد حسين : الوجيز في نظرية الالتزام ، المؤسسة الوطنية للكتاب ، الجزائر 1963 ص 135 و 136 .

 

8 – جمليل صالح : المسؤولية الجزائية الطبية ، دراسة مقارنة ، ورقة بحث مقدمة في إطار الملتقى المنظم من طرف كلية الحقوق بجامعة مولودي معمري تيزي وزو المنعقد بتاريخ 23 و 24 يناير 2008 ص 5 .

 -جمليل صالح : نفس المرجع السابق ص 5 .[9]

 ـ محمود قبلاوي : المسؤولية الجنائية للطبيب ، دار الفكر الجامعي ، الاسكندارية 2004 ص من 5 إلى 10 . [10]

 – الظهير الشريف الصادر في 19 فبراير 1960 بشأن تنظيم مهنة الأطباء و الصيادلة و جراحي الأسنان العقاقريين و القوابل .[11]

 -قانون أخلاقيات المهنة الصادر في 19 يونيو 1953 ، الجريدة الرسمية عدد 2121 ص 828 .[12]

[13] – Henri Anrys , les professions médicales et paramédicales dans le marché commun , bruxelles ,1979 p 67 .

نقلا عن : محمود القبلاوي ، مرجع سابق ص 5 و 6 .

[14] -derobert  L . la réparation juridique du dommage corporel .paris . masson . 1980 p135 .

نقلا عن محمود قبلاوي : مرجع سابق ص 6 .

 -محمد أوغريس [15]

 – حكم المحكمة الابتدائية بتارودانت عدد 1712 و بتاريخ 10 – 7 – 1992 في الملف الجنحي 94 / 22 /91 .[16]

 د عبد الحميد الشورابي, ص 205[17]

-الفصل 79 من قانون الالتزامات والعقود[18]

-الفصل80  من قانون الالتزامات والعقود. وقد عرف القضاء الخطأ الجسيم بأنه الخطأ الناشئ عن خطأ فاضح للمبادئ المتفق عنها أو عن إغفال أكثر لواجبات المهنة  [19]

 – منصور عمر المعايطة : مرجع سابق ص 550 .[20]

 – منصور عمر المعايطة : مرجع سابق ص 56 [21]

– بلحاج العربي : مرجع سابق ص 158 .[22]

 – حمليل صالح : مرجع سابق ص 12 .[23]

– حمليل : مرجع سابق ص 12 .[24]

 – منصور عمر المعايطة : مرجع سابق [25]

 – و هو ما أكده قرار محكمة النقض المصرية في 16 مارس 1976 ص 646 .[26]

 – محمد أوغريس : مرجع سابق ض 84 .[27]

30 – و هذا ما أكده القضاء بالمغرب حيث أعتبر أنه لا يكفي حصول ضرر للمريض بل لا بد من وجود علاقة سببية مباشرة بين الخطأ المرتكب و الضرر الحاصل و بعد تحديد رابطة السببية من الأمور العسيرة ، انظر محمد حسن منصور : المسؤولية الطبية ، منشأة المعارف ، ص 114

31- فائق الجواهري : المسؤولية الطبية في قانون العقوبات ص 278

 -محمد أوغريس : مرجع سابق ص 91 .[32]

 -محمد أوغريس: مرجع سابق ص 89 .[33]

 -القانون الجنائي المغربي : مرجع سابق ص [34]

 – محمد أوغريس : مرجع سابق ص من 90 إلى 103 .[35]

 – معوض عبد التواب و آخرون : الطب الشرعي ، طبعة 1987 ص 69 و ما بعدها .[36]

 – محمد أوغريس : مرجع سابق ص 111 . [37]

 – محمد أوغريس : مرجع سابق ص من 111 إلى 117 . [38]

 – رجع في ذلك محمد أوغريس : مرجع سابق ص من 136 إلى 139 . [39]

 – محمد أوغريس : مرجع سابق ص من 140 إلى 143 .  [40]

 – محمد أوغريس : مرجع سابق ص 144 إلى 152 . [41]

 – محمد أوغريس : مرجع سابق ص من 153 إلى 157 . [42]

 – محمد أوغريس : مرجع سابق ص 161 الى 167 . [43]

 – محمد أوغريس : مرجع سابق ص 176 و ما بعدها . [44]

 – محمد أوغريس : مرجع سابق ص 178 . [45]

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

التخطي إلى شريط الأدوات