المساس بحق الحدث الجانح في السرية

المساس بحق الحدث الجانح في السرية

 

   من اعداد: ابراهيم الغندور

طالب باحث بسلك الدكتوراة

    مختبر الدرسات في الطفل والاسرة والتوثيق بفاس

 

 

 

 

الأصل في الجلسات أمام المحاكم الجنائية العادية أن تكون علنية، والعلة من ذلك أن محاكمة المتهم بجلسة علنية يحضرها من يشاء من الأفراد ويبث الطمأنينة في قلبه، فلا يخشى أي انحراف في الإجراءات الخاصة بالمحاكمة ويطمئن إلى تحقيق العدالة[1] مما يعزز الثقة في القضاء.

إلا أن الأمر على خلاف ذلك بالنسبة للأحداث، إذ الغالب أن تكون جلسات المحاكمة سرية، وهو مبدأ متعارف عليه في معظم التشريعات[2].

وتبرز مصلحة الحدث في الخروج على الأصل العام في علنية الجلسات في كونها تضر بمصلحة الحدث الفضلى لأنها وسيلة غير مباشرة للتشهير به كما توسمه بوسم المنحرف وتؤثر في وضعه النفساني إما انطواء على النفس خجلا ورهبة وإما سببا باتخاذ مواقف تظاهرية وبطولية ترفع من شأنه في نظره[3].

الأمر الذي استوعبه المشرع المغربي نظريا تأكيده على مبدأ السرية في جميع المراحل تماشيا مع المقتضيات الدولية[4] حيث نص في المادة 478 من ق.م.ج على “أنه يجري البحث والمناقشات ويصدر الحكم بجلسة سرية”.

إلا أن حماية الأحداث من خلال مبدأ السرية ليس على إطلاقه لأن واقع التطبيق العملي يبرهن على وجود اختلالات عديدة في هذا الجانب سواء أثناء المحاكمة (المطلب الأول) أو خلال مرحلة ما بعد المحاكمة (المطلب الثاني).

 

المطلب الأول: إشكالات السرية أثناء المحاكمة

 

بالرغم من كون مبدأ السرية وما يشكله من تأصيل لحق الحدث في الخصوصية والتمييز عن الرشداء إلا أن تطبيقات هذا المبدأ لا تجد تفعيلا لها رغم إقرار المادة 478 من ق.م.ج التي تقول على “أنه يجري البحث والمناقشات ويصدر الحكم بجلسة سرية…”، وكذا المادة 479 من ق.م.ج والتي حددت الفئات التي يحق لهم الحضور في البحث والمناقشات، وهذا راجع إلى كون كل واحد من هؤلاء له وظيفة محددة في إطار برنامج رعاية الحدث وحمايته، فحضور والدي الحدث ومن يدافع عنه يؤمن له حق الدفاع عن مصالحه وحقوقه، نفس الأمر ينطبق على حضور المندوبين المكلفين بنظام الحرية المحروسة ذلك أن مقترحاتهم حول التدبير الذي يرونه مناسبا لمعالجة الحدث الجانح يعتبر عنصرا هاما من عناصر الحكم في الدعوى[5].

إلا أن الواقع العلمي لتطبيق هذه المقتضيات يعرف عدة معيقات تؤثر في مبدأ سرية المحاكمة الخاصة بالأحداث سواء أثناء الجلسات (الفقرة الأولى) أو من خلال الأحكام والقرارات (الفقرة الثانية) الصادرة عن المحاكم.

 

الفقرة الأولى: أثناء الجلسات

المعلوم أن السرية تطبق أثناء جلسات محاكمة الأحداث[6]، وبالتالي لا يقبل حضور البحث والمناقشات إلا الشهود في القضية والأقارب والوصي أو المقدم أو الكافل أو الحاضن أو الممثل القانوني للحدث أو الشخص أو الهيئة المكلفة برعاية الحدث وأعضاء هيئة المحاماة والمندوبون المكلفون بنظام الحرية المحروسة والقضاة والطرف المدني، الذي قد يتقدم بمطالبه في الجلسة[7].

غير أنه وبالرجوع إلى الواقع العملي للمحاكم بالمغرب نجد أن إمكانية تطبيق مبدأ السرية داخل الجلسات وأثناء المناقشات أمر غاية في الصعوبة انطلاقا من كون هذه المحاكم لا تتوفر على قاعات خاصة بالأحداث تنعقد فيها الجلسات إذ غالبا ما تتم في حضور أشخاص غير المنصوص عليهم في المادة 479 من ق.م.ج.م.

مما يؤدي إلى خرق مبدأ سرية المناقشات والجلسات داخل المحاكم، أما مفهوم السرية بالنسبة للقاضي المكلف بالأحداث في التطبيق في كثير من الحالات، كما تم التأكيد عليه من خلال الوقوف على الأمر داخل الغرفة المخصصة للجلسات الخاصة بالأحداث بمحكمة الاستئناف بفاس، فتتجلى في كون المستشار المكلف بالأحداث يعمل على المناداة على الحدث وأمره بالاقتراب منه وتبدأ المناقشات خاصة إذا تعلق الأمر بالجلسات أمام غرفة الجنايات الاستئنافية على اعتبار وجود تفسير يقول بكون المشرع المغربي لم ينص صراحة على مبدأ السرية في الجلسات أمام الغرفة[8]، عكس ما فعل بالنسبة لإقرار المبدأ أمام غرفة الجنايات الابتدائية[9].

الأمر الذي دفع بعض المحاكم على مستوى غرفة الجنايات الاستئنافية للأحداث إلى عقد جلساتها علنية، وهذا ما يتنافى مع الطبيعة الحمائية لقضاء الأحداث التي تعتبر السرية مبدأ من مبادئها، ومن خلال اطلاعنا على القرارات الصادرة عن غرفة الجنايات الاستئنافية بمحكمة الاستئناف بفاس[10]، نجدها تكتسي طابع العلنية الأمر الذي يشكل تناقضا صارخا مع مبدأ الحد من علانية إجراءات جلسات المحاكمة الخاصة بالأحداث والمخالفة لقواعد بكين[11].

هذا إضافة إلى الطريقة التي يتم من خلالها إدخال الأحداث إلى قاعة الجلسات للمحاكمة حيث يقدم الأحداث وهم مكبلين بالأصفاد الحديدية، والأخطر من ذلك أنه يلاحظ في بعض الأحيان تكبيل يد حدث مع يد متهم رشداء، انطلاقا من كون هيئات الحكم تبث في قضايا كثيرة تثقل كاهلها في كل جلسة على حدة، فيترتب على ذلك إحضار المتهمين المعنيين جميعا بشكل مختلط بمن فيهم المتهمين الأحداث. هذا بالإضافة إلى وجود إشكال آخر يحد من مبدأ سرية محاكمة الأحداث حيث يلاحظ في بعض المحاكم الابتدائية والاستئناف تنشر الأسماء الكاملة للأحداث المتهمين والجرائم المتابعين بها، في جداول الجلسات الورقية وفي الشاشات الحائطية وفي الأجهزة الإلكترونية المتواجدة داخل فضاءات هذه المحاكم مخالفة بذلك لمقتضيات المادة 466 من ق.م.ج.م التي تمنع نشر مثل هذه البيانات التي تؤدي إلى التشهير بقضية الحدث وسمعته، وقد تؤثر على نفسيته ومستقبله[12]، فتحصين الحدث بمبدأ السرية يستلزم بالضرورة توفير الجو المناسب داخل المحاكم وتزويدها بقاعة خاصة بمحاكمة الأحداث، وذلك تحقيقا لمصلحتهم الفضلى[13]. لأن الغاية من إقرار مبدأ السرية يتجلى في حفظ خصوصيته من التشهير بها مما قد ينعكس سلبا على كل الضمانات التي من الممكن أن تمنح له في جميع مراحل الدعوى الجنائية، لذا وجب إعادة النظر في مفهوم السرية كتطبيق عملي وليس فقط كتنصيص نظري لا يؤدي إلى تحقيق غايته.

 

الفقرة الثانية: من خلال الأحكام والقرارات القضائية

إن مصلحة الحدث تعتبر من المصالح الرئيسية التي ترجح على الاعتبارات الأخرى، مع ضمان حقوقه بمساندة محام له وحضور ذويه والمساعدة الاجتماعية ومن تسمح له المحكمة بحضور الجلسات[14]، هذا الأمر لم يكن بالنسبة للقضاء المغربي قاعدة عامة يتم اتباعها في قضايا الأحداث، فمن خلال الاطلاع على مجموعة من الأحكام والقرارات الصادر عن محكمة الاستئناف بفاس[15]، نرى بالملموس وجود إخلالات على مستوى تطبيق مبدأ السرية في قضايا الأحداث.

فمن خلال هذه الأحكام وغيرها نجدها تتضمن عبارة “فإن محكمة الاستئناف بفاس وهي تبث في القضايا الجنحية علنيا ونهائيا وحضوريا…” فهذه العبارة توحي لنا على أن هيئة الحكم المتخصصة نظريا في قضايا الأحداث قد خرقت مبدأ سرية محاكمة الأحداث مما يبين أنها لم تراعي خصوصية الحدث وأخضعته بذلك لإجراءات المحاكمة العادية خروجا في ذلك عن كل ما تم وضعه من ضمانات في هذا الباب.

أما فيما يخص الاجتهاد القضائي المغربي فحتى الآن لم يستقر على توجه معين، فتارة يثير مسألة خرق مبدأ السرية تلقائيا باعتبارها من النظام العام في قضايا الأحداث كما هو معمول به دوليا، كالقرار الصادر عن محكمة النقض بتاريخ 7 يوليوز 1993[16] والذي قضى بنقض وإبطال الحكم الصادر عن غرفة الجنايات بمحكمة الاستئناف بالراشيدية[17]، على اعتبار أن المحكمة خرقت مبدأ السرية الخاص بقضايا الأحداث والمنصوص عليه في الفصل 23 من ظهير 28/09/1974.

إلا أن محكمة النقض لم تشر إلى مسألة خرق مبدأ السرية تلقائيا في كثير من الحالات كما هو الشأن بالنسبة للقرار[18] الذي قضى فيه برفض طلب نقض القرار الصادر عن غرفة الجنايات الاستئنافية بفاس[19] الذي لم تشر فيه محكمة الاستئناف بفاس إلى كون المحاكمة تمت في جلسة سرية كما هو مقرر قانونا الأمر الذي لم تثره محكمة النقض تلقائيا وإبطال الحكم باعتباره خرقا لمبدأ السرية لتعلقه بالنظام العام في قضايا الأحداث.

فتدبدب موقف القضاء المغربي في شأن مبدأ سرية الأحكام والقرارات يعبر عن عدم وجود تخصص فعلي لقضاء الأحداث في كل درجات التقاضي وهذا ما يعبر عنه موقف محكمة النقض[20]، حينما قامت بنقض قرار صادر عن محكمة الاستئناف بآسفي[21] تلقائيا لكون القرار تم النطق به بصفة سرية رغم كونه يتعلق بحدث إلا أن محكمة النقض رأت خلافا لذلك حينما اعتبرته خرق لمقتضيات المادتين 364 و370 اللتان ترتبان البطلان على الأحكام والقرارات الصادرة بصفة غير علنية لتعلقها بالنظام العام، ومع أن المادة 364 تنص صراحة على وجود استثناء للمحاكمة العلنية “ما لم تنص على خلاف ذلك مقتضيات خاصة”. والمعلوم أن قواعد الأحداث الإجرائية تشكل في ذاتها مقتضيات خاصة والمادة 478 و490 تدخل ضمن هذه المقتضيات الأمر الذي لا يفهم من خلال موقف محكمة النقض في هذا القرار، مما يعزى إلى جانب انعدام التكوين والتخصص داخل الهيئات القضائية الخاصة بالأحداث لأن الفهم السليم للقواعد الخاصة بالأحداث يقتضي جعل سمعته وعدم التشهير به أساسا لعدم وصمه اجتماعيا لأن من شأن ذلك أن يعيق اندماجه داخل المجتمع الذي يعيش فيه.

 

المطلب الثاني: إشكالات السرية ما بعد المحاكمة

 

يعد مبدأ السرية الخاص بالأحداث من أهم الضمانات الأساسية التي تشكل في جوهرها خصوصية الحدث في كل الإجراءات المسطرية المتبعة خلال جميع مراحل المحاكمة وما يتبعها من إجراءات التنفيذ حيث أن الأصل هو عدم المساس بخصوصية الحدث وعدم التشهير به لكي لا يتصف بالوصم الاجتماعي الذي يعيق اندماجه داخل المجتمع.

ولكن على المستوى القانوني نجد المشرع المغربي ترك وراءه عدة ثغرات تضرب في عمق الحماية المخولة للحدث الجانح، وفي مبدأ السرية الذي راهن عليه من خلال المصادقة على الاتفاقيات والمواثيق الدولية والتي تعتبر مبدأ السرية من أهم الضمانات التي تأتت لخصوصية الحدث.

وتتجلى هذه الثغرات في مرحلة المحاكمة وما بعدها سواء من خلال المسطرة الغيابية (الفقرة الأولى) وتطبيقها في حق الحدث أو من خلال السجل العدلي (الفقرة الثانية) وما يشكله من عقبة في إدماج الحدث الجانح.

 

الفقرة الأولى: تطبيق المسطرة الغيابية في حق الحدث الجانح

يتميز قضاء الأحداث بقواعد إجرائية مغايرة لتلك المتبعة أمام المحاكم التي تنظر في قضايا البالغين، إذ تستطيع محكمة الأحداث إعفاء الحدث من حضور جلسات المحاكمة كلها أو بعضها، وذلك لأسباب موضوعية وشخصية تتعلق بمصلحة الحدث ليس لأسباب تتعلق بأمن ونظام الجلسات كما هو الحال بالنسبة للبالغين[22].

مما يبين خصوصية قضاء الأحداث فمصلحة الحدث الفضلى تقتضي وجود معاملة خاصة، الأمر الذي ليس متوفرا في شأن تطبيق المسطرة الغيابية في حق الحدث التي يتم الإحالة من خلالها على القواعد الخاصة بالرشداء[23] أمام غرفة الجنايات بما في ذلك من إجراءات الإعلان والنشر[24] للقرار الصادر عن المحكمة في حالة عدم حضور الحدث أو فراره بعد تعذر الإتيان به إلى المحكمة.

الأمر الذي يتعارض مع مبدأ السرية الذي يشكل أساس الخصوصية المضمنة للأحداث خلال كل مراحل المحاكمة والذي يقتضي حظر نشر أية بيانات عن الجلسات بأي وسيلة من وسائل الإعلام أو النشر[25].

علاوة على ذلك فإن الأمر بإجراء المسطرة الغيابية يعلق بباب مسكن المتهم الحدث وعند عدم معرفة هذا المسكن يعلق بباب المحكمة الجنائية، وفي كلا الحالتين ترسل نسخة منه إلى مدير الأملاك المخزنية ويذاع هذا الأمر أيضا ثلاث مرات في الإذاعة الوطنية، فإذا لم يحضر شخصيا الحدث المتهم داخل أجل الثمانية أيام الموالية لهذا الإعلان فإن غرفة الجنايات تباشر محاكمته بدون حضور أي محام[26].

مما يؤدي إلى الاختلال على مستوى الضمانات المخصصة للأحداث والتي هي استثناء من القواعد العامة تشكل خصوصية الحدث الأمر الذي لا يبقى له أي وجود مع تطبيق المسطرة الغيابية.

وبالتالي فإن الإحالة على القواعد العامة في شأن المسطرة الغيابية للحدث المتغيب عن المحاكمة يتعارض ومقتضيات المادة 466 من ق.م.ج.م. بخصوص حماية الحدث الجانح من كل ما من شأنه أن يمس سمعته بنشر بيانات عن جلسات الهيئات القضائية في الكتب أو الصحف أو الإذاعة أو أي نص يتعلق بهوية وشخصية الأحداث الجانحين.

فالمشرع المغربي لم يحدد إجراء آخر والذي على المستشار المكلف بالأحداث اتخاذه في حالة تخلف الحدث عن حضور المحاكمة، ويجعل الحدث بعيدا عن تطبيق المسطرة الغيابية في حقه مما يجعل المستشار المكلف بالأحداث غالبا ما يلجأ إلى اعتماد المسطرة الغيابية عملا بمقتضيات المادة 490 من ق.م.ج.

فالعدالة تتطلب استدراك النقص الحاصل في مواد المسطرة الجنائية بإجراء نصوص قانونية تنظم قضايا الأحداث مستقلة عن القانون المنظم للرشداء[27].

كما أن إشكالية تطبيق المسطرة الغيابية في حالة تخلف الحدث المتهم بارتكاب جناية عن الحضور، وتعارضها مع المادة 466 من ق.م.ج، جعل القضاة على مستوى محكمة الاستئناف بفاس تختلف وجهات نظرهم حول تطبيق هذه المسطرة من عدمها في حق الحدث، فهناك من أكد على أنه لا يلجأ إلى تطبيق المسطرة الغيابية في حق الحدث مستندا في ذلك للمادة 478 من ق.م.ج وهي مادة صريحة في هذا الشأن في كون الإجراءات المتعلقة بالحدث تكون سرية، في حين يرى البعض على أنه يوجد تعارض بين غاية المشرع بعدم التشهير بالجرائم المرتكبة من طرف الأحداث وسرية الجلسات، وبين تطبيق المسطرة الغيابية للأحداث المتغيبين أو مجهولي العنوان، فالنص غير واضح وساكت مما سمح للقضاة بتطبيق المسطرة الغيابية[28] في كثير من القرارات القضائية[29].

فتطبيق المسطرة الغيابية في حق الحدث لا يحقق بتاتا مصلحته الفضلى سوى أنها تعمل على التشهير بالحدث ووصمه اجتماعيا، وبالتالي تكون سدا مانعا بينه وبين الاندماج في المجتمع، إضافة إلى قصور الحكم الغيابي عن تحقيق الأهداف المتوخاة منه وتأثيره السلبي على سير العدالة الجنائية[30]، خاصة عندما يتعلق الأمر بحدث، ذلك أن حضور هذا الأخير وطريقة جوابه والبحث الذي يبين كل الظروف المرتبطة به يجعل صورة الحدث واضحة أمام القاضي المكلف[31]، مما يتيح لهذا الأخير الاختيار بين التدبير المناسب للحدث الماثل أمامه لتحقيق الإصلاح والتهذيب المنشود من المحاكمة.

لأن تطبيق المسطرة الغيابية يتعارض مع مبدأ الحفاظ على خصوصية قضايا الأحداث وإذاعتها للعموم، وبالتالي يؤدي حتما إلى المساس بالمبدأ المذكور ويفرغه من محتواه.

وفي مسألة غاية في الخطورة خاصة وأن الهدف من المسطرة الغيابية هو تهديد المتهم الذي يرفض المثول أمام المحكمة الجنائية لمحاكمته فيجب على المشرع استبعاد المعاملة التهديدية في تعامله مع الأحداث المتهمين[32]، لأنها تتنافى ومصلحتهم الفضلى[33] ولا تحقق ما هو منشود من المقتضيات الخاصة بالأحداث والتي راهن عليها المشرع المغربي من خلال مصادقته على الاتفاقيات والمواثيق الدولية الخاصة بالأحداث.

فتطبيق المسطرة الغيابية في حق الحدث يحرمه من أهم الضمانات الجوهرية للمحاكمة العادلة في الاستعانة بمحام للدفاع عنه.

لذا نرى ضرورة إعادة النظر في التنصيص القانوني الخاص بتطبيق المسطرة الغيابية في حق الأحداث رغم أن مشروع قانون المسطرة الجنائية الجديد لم تتم الإشارة فيه لأي إجراء بهذا الخصوص، فيبقى الأمر بيد محكمة النقض من أجل إصدار اجتهاد قضائي يحمي الحدث من آثار المسطرة الغيابية، ويجعل من المحاكم الأقل درجة تقتضي به في ظل تضارب الآراء والاجتهادات الحالية.

 

الفقرة الثانية: إخلال السجل العدلي بالسرية

المعلوم أن السجل العدلي هو أداة لتسجيل جميع الأحكام الصادرة في حق الحدث سواء كانت أحكاما بعقوبات سالبة للحرية، أو أوامر بتدابير الحماية والتهذيب لضبط سوابقه الجنائية، إلا أن خطورته لا تكمن في كونه يسجل ويحصي السوابق، ولكن في ما يتم التنصيص عليه[34] ولكون وكيل الملك يشهد بصحة هذه البطاقة رقم 1 بعد التأكد من محتواها، ولأنها تستعمل على الخصوص لتطبيق العقوبات في حالة العود، ولإلغاء إيقاف التنفيذ، كما يتم استعمالها  لتمكين مختلف الإدارات من منع المجرمين من ولوج الوظائف العمومية والانخراط في القوات المسلحة الملكية مما يقلص من حقوق المتهم الأساسية المتمثلة في الحق في العمل[35].

إن الآثار الوخيمة التي ترتبها هذه المؤسسة على حقوق الأحداث تضرب عرض الحائط حقه في افتراض براءته كما تخيب كل أمل في إعادته إلى المجتمع من خلال الوصم الذي يلحقه، والمعاملة المتسمة بنوع من التهميش والاحتقار من لدن أفراد المجتمع ومختلف مؤسساته لا لشيء سوى لكونه تعرض لعقوبة في مرحلة عمرية معينة.

فالمشرع يتحمل كامل المسؤولية في هذا الشأن، إذ كان ينبغي إعفاء هذه الفئة من الخضوع لأحكام السجل العدلي أو ابتكار آلية أخرى أكثر استجابة لخصوصية الحدث[36].

كما أن الحديث عن التنظيم القانوني للسجل العدلي يكتسي أهمية بالغة في حياة الحدث الذي تقسو عليه الظروف في مراحل لاحقة من حياته فيجد نفسه مضطرا لارتكاب جريمة أخرى في مرحلة الشباب، فيواجه سوابقه الجنائية ويسقط بذلك في حالة العود التي تبرر تشديد العقوبة في حقه، خاصة وأن هذه السوابق قد تؤثر على قناعة القاضي الذي يصنف الماثل أمامه في زمرة المجرمين المتمرسين ودون اعتبار للحجج المعروضة أثناء المناقشات. وهذا هو الدافع وراء إقرار التشريعات المقارنة استبعاد أحكام العود في قضايا الأحداث كالتشريع السوري والتشريع الكويتي.

كما أن السجل العدلي يولد متاعب كثيرة للمحكوم عليه فهو يعتبر بمثابة عقوبة جديدة قد تكون أكثر قسوة وخطر في حياته من العقوبة الأصلية بذاتها، لأن تسجيل الأحكام الجنائية في بطائق السجل العدلي تعد تدنيسا يستحيل محوه أو تقادمه مادامت تطارده في سمعته ومستقبله، وحرمانه من الحرية الخاصة وأن حدة آثاره تتسع عند التمييز بين فئة الشرفاء وفئة الأشخاص من الدرجة الدنيا الموصومين بسوابقهم الجنائية كيفما كانت طبيعة الجريمة المرتكبة[37].

وإذا عدنا للمقتضيات التي تنظم السجل العدلي بالنسبة للأحداث نجد المادة 507 من ق.م.ج تنص على أنه “إذا تأكد حسن سيرة الحدث يمكن لقاضي الأحداث، بعد انصرام أجل ثلاث سنوات ابتداءا من يوم انتهاء تدبير الحماية أو التهذيب أن يأمر بإلغاء البطاقة رقم واحد التي تنص على التدابير المتخذة في حقه إما تلقائيا أو بطلب من النيابة العامة أو من الحدث…”.

يتضح أن المشرع المغربي لم يضع الشروط الكفيلة بمساعدة الحدث الجانح على إعادة الاندماج في محيطه، فبالرغم من تحسن سلوكه، لا يمكن إلغاء البطاقة رقم 1 من سجله العدلي إلا بعد انصرام أجل ثلاث سنوات من يوم انتهاء مدة تدبير الحماية أو التهذيب، فلماذا اشترط المشرع هذه المدة؟ فيكفي أن يتحسن سلوك الحدث الجانح لإلغاء هذه البطاقة، كما أن الإلغاء يقتصر فقط على البطاقات التي تسجل فيها التدابير. أما البطاقات التي تتضمن العقوبات فلا يطالها هذا الإجراء وبالتالي تظل موجودة في سجله العدلي، وتحتسب كسابقة إجرامية بالنسبة للحدث وتكون عائقا أمام إعادة إدماجه في محيطه الاجتماعي بشكل سوي، مما يجعله يؤدي العقوبة مرتين مرة في السجن ومرة بعد خروجه منه عن طريق الوصم الذي يلحقه من جراء هذه العقوبة[38].

إن السجل العدلي بالشكل الذي هو عليه في التشريع المغربي، يعتبر عائقا حقيقيا يواجه الحدث الجانح بعد تنفيذ العقوبة، بحيث يحرمه من العمل في مؤسسات الدولة، وهذا ما يتناقض مع السياسة الجنائية الخاصة بالأحداث[39].

أما في التشريع الفرنسي فيتم سحب التدبير من السجل العدلي للحدث بعد مرور مدة ثلاثة سنوات من النطق بدون حاجة إلى تقديم طلب بذلك، أما بالنسبة للعقوبة فيشترط تقديم طلب لشطبها من السجل العدلي بعد مرور مدة ثلاثة سنوات من تاريخ انتهائها إذا أثبت الحدث أن سلوكه تحسن[40].

وفي حالة إذا كانت العقوبة هي الغرامة أو الحبس ما دون شهرين فيتم سحبها من السجل العدلي تلقائيا بعد وصوله سن الرشد الجنائي.

وبالتالي فالدولة تساهم عبر مؤسساتها الرسمية بالمغرب من عرقلة إعادة الإدماج، من خلال رفضها التعامل مع الشخص الذي سبق له قضاء عقوبة سالبة للحرية فهي تتناقض مع نفسها إذ أنها تدعي أن المؤسسات السجنية هدفها هو إعادة الإدماج، ثم ترفض إدماج هؤلاء بعد خروجهم من السجن[41]. مما يؤدي لا محال إلى تكريس الوصم الاجتماعي بالنسبة للحدث الجانح بعد قضائه مدة العقوبة وما يكون قد تلقاه من برامج إصلاحية وتحسن في سلوكه، الأمر الذي قد يدفعه في مرحلة ثانية بعد انغلاق آماله في الاندماج مرة أخرى في مجتمعه إلى العود للإجرام كرد فعل طبيعي بالنسبة له لتحقيق ذاته وإبراز شخصيته في مجال معين. وبالتالي فعدم ترشيد التنظيم القانوني للسجل العدلي الخاص بالأحداث الأمر يدعو إلى القلق ويفرغ كل الضمانات التي جاء بها المشرع في مجال التأهيل وإعادة الإدماج من محتواها.

خاتمة

خلاصة القول ان مبدأ السرية الذي يطبع قضايا الاحداث في جميع مراحل الدعوى الجنائية لايعدو ان يكون مجرد مبدأ نظري  بعيد عن التطبيق العملي فلا يكفي أن يأتينا المشرع المغربي بنصوص قانونية تحمل في طياتها مبادئ عامة ومصطلحات فضفاضة بدون توفير الوسائل المادية والبشرية والبنيات التحتية الكفيلة بإنجاح العملية التأهيلية خلال جميع مراحل المحاكمة فوجود نص قانوني بدون تطبيق أو بدون إمكانية وجوده على أرض الواقع لا يغير من الوضعية المحرجة لمعالجة جنوح الأحداث، اللهم إذا كان المشرع المغربي يعمل فقط لإرضاء ما التزم به المغرب دوليا في شكل قواعد واتفاقيات دولية بدون تفعيلها على المستوى العملي والواقعي.

 

[1] – أحمد سلطان عثمان، “المسؤولية الجنائية للأطفال المنحرفين”، المؤسسة الفنية للطباعة والنشر، القاهرة، 2002، بدون طبعة، ص. 484.

[2] – أحمد عبد اللطيف الفقهي، “القضاء الجنائي وحقوق ضحايا الجريمة”، دار الفجر للنشر والتوزيع، 2003، الطبعة الأولى،  ص. 135.

[3] – مصطفى العوجي، “الحدث المنحرف أو المهدد بخطر الانحراف في التشريعات العربية”، مؤسسة نوفل، بيروت، 1986، الطبعة الأولى، ص. 217.

[4] – المادة 8 من القواعد النموذجية لإدارة شؤون قضاء الأحداث.

[5] – إبراهيم التشيم، “عدالة الأحداث الجانحين المحاكمة والإشراف على التنفيذ، على ضوء العمل القضائي لمحاكم الأحداث بفاس”، رسالة لنيل دبلوم الدراسات العليا المتخصصة في القانون الخاص، وحدة التكوين قضاء الأحداث، كلية الحقوق، فاس، جامعة سيدي محمد بن عبد الله، 2008-2009، ص. 31.

[6] – المادة 478 من ق.م.ج.

[7] – المادة 479 من ق.م.ج.

[8] – المادة 494 من ق.م.ج.م.

[9] – المادة 490 من ق.م.ج.م.

[10] – قرار رقم 19/06 في ملف رقم 11/05 الصادر عن الغرفة الجنائية الاستئنافية بفاس في تاريخ 27/4/2006.

[11] – رشيدة أوبراهيم، “ضمانات المحاكمة العادلة للحدث الجانح، دراسة مقارنة”، رسالة لنيل دبلوم الدراسات العليا المتخصصة في القانون الخاص، وحدة التكوين قضاء الأحداث، كلية الحقوق، فاس، جامعة سيدي محمد بن عبد الله، 2007-2008، ص. 144.

[12] – عبد الرحمان الصافي، “مبدأ السرية في قضايا الأحداث الجانحين ضمانات المحاكمة العادلة”، بحث لنيل دبلوم الماستر في القانون الخاص، وحدة التكوين والبحث العدالة الجنائية للأحداث كلية الحقوق، فاس، جامعة سيدي محمد بن عبد الله، 2012-2013، ص. 95.

[13] – زينب أحمد كوين، “قضاء الأحداث دراسة مقارنة”، دار الثقافة للنشر والتوزيع ,القاهرة، 2009، الطبعة الثانية، ص. 212.

[14] – نجاة جرجس جدعون، “جرائم الأحداث في القانون الدولي والداخلي، دراسة مقارنة”، منشورات زين الحقوقية، 2010، الطبعة الأولى، ص. 621.

[15] – من بين الأحكام التي لم تشر فيها المحكمة إلى كون المحاكمة تمت سرية نجد:

– قرار صادر عن غرفة الجنايات للأحداث بمحكمة الاستئناف بفاس رقم 30 في 8/3/2010 غ.م.

– قرار صادر عن غرفة الجنايات الاستئنافية بفاس رقم 47-08 أ عدد 04/09 في 5/2/2009 غ.م.

– قرار صادر عن غرفة الجنايات الاستئنافية بفاس رقم 419/07 ملف عدد 346/07 أ في 7/12/2007.

– قرار أ صادر عن عرفة الجنايات الابتدائية للأحداث بفاس  رقم 339/07 بتاريخ 14/12/2007.

[16] – قرار صادر عن محكمة النقض عدد 6454 ملف جنحي 26145/21.

[17] – قرار صادر عن محكمة الاستئناف الراشيدية عدد 1/91 أ بتاريخ 31/05/1991.

[18] – قرار صادر عن غرفة الجنايات بمحكمة الاستئناف بفاس، رقم 998/10 ملف جنحي عدد 6128/6/07، 28/06/2007.

[19] – قرار صادر عن غرفة الجنايات الاستئنافية بفاس عدد 23 ملف عدد 06/2005 أ، 6/2005.

[20] – قرار صادر عن محكمة النقض رقم 1426 في ملف عدد 1439 بتاريخ 6/10/2010.

[21] – قرار صادر عن غرفة الجنايات الاستئنافية للأحداث بآسفي رقم 43/09 بتاريخ 28/04/2010.

[22] – محمود سليمان موسى، “قانون الطفولة الجانحة والمعاملة الجنائية للأحداث، دراسة مقارنة”، منشأة المعارف، الإسكندرية، 2006، بدون طبعة، ص. 85.

[23] – المادة 490 من ق.م.ج.

[24] – المادة 443 من ق.م.ج.

[25] – أسماء العلوي، المرجع السابق، ص. 109.

[26] – عبد الرحيم الصافي، المرجع السابق، ص. 78.

[27] – إدريس ماحي، “العدالة الجنائية بين التفعيل والإحالة”، مجلة المعيار، العدد 43، يونيو 2010، ص. 107.

[28] – عبد الإلاه يوري، المرجع السابق، ص. 118.

[29] – من بين القرارات التي تم تطبيق المسطرة الغيابية فيها نجد:

– قرار صادر عن غرفة الجنايات للأحداث بفاس، رقم 109/42، ملف عدد 14/4/15، بتاريخ 2014/07/31.

– قرار صادر عن غرفة الجنايات الاستئنافية بفاس، رقم 106/41 بتاريخ 2014/07/24.

– قرار صادر عن غرفة الجنايات الاستئنافية بفاس، رقم 90/24 بتاريخ 2014/06/19.

[30] – جعفر العلوي، “إشكالية جريان المحاكمة الجنائية في غياب المتهم”، مجلة ندوات محاكم فاس، العدد الثاني، يناير 2005، ص.34.

[31] – أسماء العلوي، المرجع السابق، ص. 110.

[32] – محمد هشام البصلي، “قضاء الأحداث الجانحين بين المكتسبات والإكراهات”، رسالة لنيل دبلوم الدراسات العليا المتخصصة في القانون الخاص، وحدة التكوين قضاء الأحداث، كلية الحقوق فاس، جامعة سيدي محمد بن عبد الله، 2008-2009، ص. 90.

[33] – عبد الرحمان الصافي، المرجع السابق، ص. 79.

[34] – المادة 659 من ق.م.ج.م.

[35] – فاطمة أزمي حسني، “قرينة البراءة دراسة في ضوء القواعد الخاصة بالأحداث وفي ق.م.ج.م والعمل القضائي”، بحث لنيل دبلوم الدراسات العليا المتخصصة في القانون الخاص، وحدة التكوين قضاء الأحداث، كلية الحقوق بفاس، جامعة سيدي محمد بن عبد الله، 2008-2009، ص. 145.

[36] – لحسن فضل الله، “دور المؤسسات السجنية في إعادة تأهيل الحدث الجانح، دراسة مقارنة”، بحث لنيل دبلوم الدراسات العليا المتخصصة في القانون الخاص، وحدة التكوين قضاء الأحداث، كلية الحقوق بفاس، جامعة سيدي محمد بن عبد الله، 2005-2006، ص. 103.

[37] – محمد بن جلون، “السجل العدلي وإشكالية حقوق الإنسان”، أطروحة لنيل دكتوراه الدولة في القانون الخاص، كلية الحقوق، أكدال، الرباط، جامعة محمد الخامس، 2001-2002، ص. 188-189.

[38] – محمد هشام البصلي، المرجع السابق، ص. 153.

[39] – لحسن فضل الله، المرجع السابق، ص. 111.

[40]www.caparis.justice.fr l’heure 10 :50, date 05/10/2014.

[41] – محمد هشام البصلي، المرجع السابق، ص. 152.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

التخطي إلى شريط الأدوات