تاثير جريمتي البيع بخسارة و إعادة البيع بخسارة على قانون حماية المستهلك .

9865

لطروش أمينة

أستاذة مشاركة بكلية الحقوق والعلوم السياسية 

جامعة عبد الحميد بن باديس مستغانم

 

مقدمة

تنص المادة 12 من القانون 03-03 [1]المتعلق بقانون المنافسة على مايلي"يحظر عرض الأسعار أو ممارسة أسعار بيع منخفضة بشكل تعسفي للمستهلكين مقارنة بتكاليف الانتاج او التحويل و التسويق ،إذا كانت هذه العروض أو الممارسات تهدف او يمكن ان تؤدي الى ابعاد مؤسسة او عرقلة احد منتوجاتها من الدخول إلى السوق" .

كما تنص المادة 19 من القانون 04/02[2] المتعلق بالقواعد المطبقة على الممارسات التجارية على انه "يمنع إعادة بيع سلعة بسعر ادنى من سعر تكلقتها الحقيقي،ويقصد بسعر التكلفة الحقيقي،سعر الشراء بالوحدة المكتوب على الفاتورة،يضاف اليه الحقوق و الرسوم،وعند الاقتضاء اعباء النقل" وتسمى هذه الممارسة ايضا بإعادة البيع بالخسارة.

   سعى المشرع الجزائري من خلال هده النصوص القانونية إلى تنظيم العلاقات الاقتصادية تجنبا للتعسفات المحتملة والأضرار التي قد يلحقها الأعوان الاقتصاديين ببعضهم البعض،مما يعطي للتجار على اختلاف مجالاتهم حق الدخول إلى السوق  وممارسة حرية العرض دون قيود وإعطاء بل منح العملاء الحق في طلب البضائع و الخدمات التي توفر إليهم أفضل الأسعار و المواصفات و الشروط[3] ،وفي نفس الوقت حماية المستهلك من هده الممارسة الغير الشرعية  نتيجة لتأثيرها الفعال على توازن السوق .

غير أن معاقبة  العون الاقتصادي المرتكب لهذه المخالفة يبقى مرهون بالحقائق التي يتوصل اليها الموظفون المؤهلون للقيام بالرقابة  والتحقيق .

هذه الأحكام القانونية التي نظم بموجبها المشرع الجزائري جريمتي البيع بخسارة او اعادة البيع بخسارة ستكون السبيل الوحيد الذي يوصلنا للتعريف بهذه الممارستين .فماهي جريمة البيع بخسارة وإعادة البيع بخسارة ؟ وماهي العقوبة الموقعة  على العون الاقتصادي المخالف؟

المبحث الأول: الإطار القانوني لجريمة البيع بخسارة وإعادة البيع بخسارة

سنحاول في هذا المقام التحدث عن مجال الحظر القانوني للبيع بخسارة  كجريمة مخلة بحرية المنافسة و إعادة البيع بخسارة كجريمة مخلة بشفافية الممارسات التجارية.

المطلب الاول:حظر البيع بخسارة كجريمة مخلة بحرية المنافسة

اعتبر المشرع  الجزائري لموجب المادة 12 من القانون 03/03 جريمة البيع بخسارة من الجرائم المخلة بحرية المنافسة ،على اعتبار أنها من الجرائم التي تمس بشفافية الأسعار ،ويرتكب هذه الممارسة العون الاقتصادي الذي ينشط  على مستوى الإنتاج ،حيث يقوم هذه الأخير بعرض منتوجاته للبيع بسعر منخفض  جدا  إلى درجة أنها تقل  عن تكاليف الإنتاج و التحويل و التسويق ،و بالمقارنة مع أعوان اقتصاديين أخريين ينشطون في نفس السوق ،ويعرضون منتجاتهم للبيع بأسعار منخفضة لا تندرج ضمن دائرة الحظر بغرض إبعاد إحدى المؤسسات من السوق ،ذلك أن هذه الممارسة ستؤدي إلى تحويل زبائن عون اقتصادي أخر إلى العون الاقتصادي المرتكب لجريمة البيع بخسارة،وإبعاد المؤسسات ذات رؤوس أموال صغيرة عن سوق السلع و الخدمات نتيجة لكساد منتجاتها آو قرب انتهاء صلاحية استهلاكها ،وكذا عرقلة دخول منتجات بعض المهنيين إلى السوق حيث لا تكون محلا للتداول عن طريق البيع و الشراء ، إذ أنها لا تتمكن من إبرام أي عقد بيع  ،وهنا يبرز عنصر التعسف مما يجعل  العون الاقتصادي  المرتكب لهذه الجريمة يخرق قواعد المنافسة..

إلا أننا باستقراء نص المادة 12 من القانون 03/03  نلاحظ أن العون الاقتصادي يعتبر مرتكبا لهذه الممارسة بمجرد عرضه بيع السلعة  ،حتى و لم تتم عملية البيع .

كما أننا نجد بحسب هذا النص القانوني أن هذا الحظر اقتصر فقط على عقود بيع المنتوجات ،فقد اغفل العقود التي تكون محلها  خدمات، بالرغم من أن حاجة الفرد العادي إلى الخدمات مثل حاجته إلى السلع سواء ا كانت مادية أو عقارية،خصوصا أن المجتمع المعاصر يشهد اهتماما بالغا بقطاع الخدمات و التي تنوعت أصنافها و تطورت أشكالها،و لعل الكثير منها كان ثمرة التطور التكنولوجي الحديث كخدمات البنوك مما جعل قطاع تداول الخدمات يتفوق على قطاع تداول السلع و المنتجات حجما و قمة في الكثير من الأحيان[4] وبالتالي فان كل عون اقتصادي يعرض خدماته عن طريق أسعار منخفضة بشكل تعسفي سيفلت من العقاب ،مما يجعل قطاع الخدمات يندرج ضمن الإطار القانوني لحظر البيع بخسارة.

كما اقتصر هذا الحظر المنصوص عليه في نفس المادة على عرض الأسعار آو ممارسة أسعار بيع بشكل تعسفي الموجه للمستهلكين ،فحسب هذا التعريف فان البيع بخسارة لا يكون مجرما إلا إذا كان موجها للمستهلك مباشرة .إلا أننا بالرجوع إلى المادة الأولى من القانون 03-03 السلف الذكر نجدها تقضي بان المشرع الجزائري سعى من خلال هذا القانون إلى تحديد شروط ممارسة المنافسة في السوق ،قصد زيادة الفعالية الاقتصادية وتحسين ظروف معيشة المستهلكين،غير انه لا يمكننا الحديث عن وجود مناخ تجاري تنافسي سليم يحقق التطور الاقتصادي دون تجريم هذه الممارسة مهما كان الطرف الثاني في العلاقة التعاقدية.

المطلب الثاني:حظر إعادة البيع بخسارة

لقد حظر المشرع الجزائري من خلال المادة19 من القانون 04-02 إعادة البيع بخسارة بهدف ضبط قواعد النزاهة في السوق ،وتجنبا للإخلال بالعلاقات التجارية فيما بين الأعوان الاقتصاديين و فيما بين هؤلاء و المستهلكين،وما يجدر التنبيه إليه أن المشرع الجزائري قد أورد هذه جريمة إعادة البيع بخسارة ضمن الممارسات المنافية للمنافسة في  الأمر 95/06 المتعلق بالمنافسة[5]،الا أن المشرع الجزائري في الأمر 03-03 السالف الذكر لم يتطرق إلى جريمة إعادة البيع بخسارة و إنما أدرج جريمة البيع بخسارة فقط ضمن الممارسات المقيدة للمنافسة ،مما جعل المشرع الجزائري يتدارك الأمر ليقضي بتجريم هذه الممارسة في المادة19 من القانون 04-02 لكن بوصفها ممارسة تجارية غير شرعية.[6] وعند مقارنتنا لجريمة إعادة البيع بخسارة المنصوص عليها في القانون 04-02 بجريمة البيع بخسارة المنصوص عليها في الامر03-03 المتعلق بقانون المنافسة نتوصل إلى ثلاثة نقاط مفادها:

-1 –باستقرائنا للمادة19 من القانون 04-02 نلاحظ أن المشرع الجزائري لم يجرم عرض إعادة البيع بخسارة وهذا بخلاف المادة12 من القانون 03-03 الذي يجرم عرض البيع و البيع بخسارة على حد سواء ، وإنما العبرة بتمام عملية البيع .مما يدعونا للتساؤل حول إمكانية تجريم عرض إعادة البيع بخسارة طالما هناك نص المادة 12من القانون03-03؟[7]

2-تطبق المادة19 من القانون 04-02 على جميع التجار الذين يمارسون عملية الشراء من اجل البيع أي كل من المستوردين،تجار الجملة ،تجار التجزئة،الخ،باستثناء نشاطات الإنتاج و الخدمات التي من الممكن تطبيق نص المادة 12 من القانون03-03 عليها.

3- لم يبين لنا نص المادة19 من القانون 04-02 الطرف الثاني في العلاقة التعاقدية ،مما يسمح لنا بالقول أن هذا الحظر القانوني يطبق على جميع العلاقات التعاقدية سواء تلك التي يبرمها الأعوان الاقتصاديين فيما بينهم أو بين هؤلاء و بين المستهلكين.

وما يجدر بنا الإشارة إليه انه لا مجال للحديث عن البيع بخسارة إلا إذا كان سعر إعادة البيع اقل من سعر التكلفة الحقيقي،مما يعني أن سعر التكلفة الحقيقي هو المقياس الذي يؤخذ به لاحتساب الحد الأدنى لإعادة البيع بخسارة.

يحرص المشرع الجزائري على تكريس الحماية القانونية ا للازمة للعون الاقتصادي على مستوى السوق وكذا المستهلك من الممارسة الغير الشرعية لإعادة البيع بخسارة التي يستعملها بعض المحترفين متى كان سعر إعادة البيع اقل من سعر التكلفة الحقيقي ،بغرض تحقيق مصالحهم الاقتصادية على حساب المصلحة الاقتصادية العامة ،و الإضرار بالمنافسة في السوق   ،ولابد من التذكير أن المادة 19 قد جاءت باستثناءات تمثلت فيما يلي:

-لقد منح المشرع الجزائري للعون الاقتصادي إمكانية ممارسة إعادة البيع بخسارة على السلع السهلة التلف و المهددة بالفساد السريع،أو تلك السلع التي بيعت بصفة إرادية أو حتمية ،بسبب تغيير النشاط أو إنهائه أو كأثر لتنفيذ حكم قضائي.

وتجيز المادة19 كذلك للعون الاقتصادي بإعادة بيع سلعه بخسارة متى كانت هذه السلع موسمية ،وكذلك السلع المتقادمة أو البالية تقنيا،أو كل سلعة تم التموين بها ،أو يمكن التموين منها من جديد بسعر اقل ،وفي هذه الحالة ،يكون السعر الحقيقي لإعادة البيع ،يساوي إعادة التموين الجديد،وكل منتوج يكون فيها سعر إعادة البيع يساوي السعر المطبق من طرف الأعوان الاقتصاديين الآخرين ،بشرط ألا يقل سعر البيع من طرف المتنافسين حد البيع بخسارة.

المبحث الثاني:- قمع جريمتي البيع بخسارة وإعادة البيع بخسارة

    إن السماح للسلطات العمومية من الكشف و معاقبة الممارسات المقيدة للمنافسة و المخلة بنزاهة المعاملات التجارية ،يقتضي إتباع جملة من الإجراءات الصارمة تسمح بإثبات المخالفات ومتابعتها ،بما يحفظ حقوق الدفاع ،وقد راعى المشرع عندما قرر عقوبة  جريمتي البيع بخسارة وإعادة البيع بخسارة،خصوصيات هذا النوع من المخالفات ،حيث أنها صدرت بمناسبة ممارسة النشاط الاقتصادي ومرتبطة بمحيط الحياة الاقتصادية ،فكان من الملائم أن تكون العقوبات المقررة لها ،مناسبة لهذا النشاط ،وذات طبيعة اقتصادية .

المطلب الاول:-قمع جريمة البيع بخسارة

   إن متابعة جريمة البيع بخسارة كممارسة مقيدة للمنافسة متجسدة في وضعية هيمنة اقتصادية أو اتفاقات محظورة تتم إداريا وذلك أمام جهاز إداري مكلف بقمعها و الذي يسمى مجلس المنافسة ،حيث خصص المشرع الجزائري لها مجموعة من الإجراءات القانونية التي تتعلق وتهتم بالتحقيق و التحري عن مدى توفر الأدلة وذلك لإدانة المتورطين فيه وتطبيق العقوبات المقررة في هذا المجال.

   وتبدأ المتابعة بإخطار مجلس المنافسة باعتباره المكلف بقمع الممارسات المقيدة للمنافسة الذي له صلاحية قبول الإخطار أولا،حيث يستوجب توافر مجموعة من الشروط، كما يمكن لمجلس المنافسة أن يبادر بالتحقيق من تلقاء نفسه ،وبعد المرحلة الإجرائية الأولى أي الإخطار، تأتي المرحلة الثانية المتمثلة في مرحلة التحقيق ويتم التحقيق في القضية المرفوعة إلى مجلس المنافسة عبر مرحلتين:

-مرحلة التحري الأولية و التي يقوم فيها المقرر وغيره من المحققين بالبحث و الكشف عن قيام الممارسة المقيدة للمنافسة المتجسدة في رفض البيع ورفض أداء الخدمات،وذلك

قبل أن يتم إبلاغ الأطراف المعنية.

-مرحلة التحقيق أمام مجلس المنافسة التي تبدأ بتبليغ المأخذ إلى الأطراف المعنية وتختتم بانعقاد جلسة المنافسة في القضية المطروحة.

  يملك مجلس المنافسة سلطة في إصدار القرارات المختلفة من اجل ضبط المنافسة، والسماح له بالحفاظ على حريتها ،وانطلاقا من هنا عندما تعرض عليها منازعة تتعلق بإحدى الأعمال المقيدة للمنافسة وتتأكد من وجودها ،فله أن يتخذ القرارات المناسبة بهدف قمعها .

   فبعد إجراء المداولة يصدر مجلس المنافسة  قراره وعند إثبات جريمة البيع بخسارة فله أن يتخذ القرار المناسب بهدف قمعها ،والمنصوص عليه في المادة 56 من القانون 08-12 "يعاقب على الممارسات المقيدة  كما هو منصوص عليها في المادة14 من هذا الأمر ،بغرامة لا تفوق12/° من مبلغ رقم الأعمال من غير الرسوم،المحقق في الجزائر خلال آخر سنة مالية مختتمة ،أو بغرامة تساوي على الأقل ضعفي الربح المحقق بواسطة هذه الممارسات،على ألا تتجاوز هذه الغرامة أربعة أضعاف هذا الربح ،وإذا كان مرتكب المخالفة لا يملك رقم أعمال محدد ،فالغرامة لا تتجاوز ستة ملايين دينار (6.000.000دج)."

   وإذا كان مجلس المنافسة يتمتع بصلاحيات واسعة لفرض عقوبات قصد منع هذه الممارسات ،إلا انه يشارك هذه الصلاحيات ولو بصفة هامشية ،مع الهيئات القضائية "المدنية ،التجارية"والتي تتمتع دون مجلس المنافسة بصلاحية إبطال التزام أو اتفاقية أو شرط تعاقدي المتعلق بالممارسة المقيدة للمنافسة أو الفصل في طلب التعويض .[8]

المطلب الثاني:-قمع جريمة اعادة البيع بخسارة

     إن إثبات هذه الممارسة الغير الشرعية المنصوص عليها في المادة 19 من القانون0402 ومعاينتها، يتم بواسطة الأعوان المذكورين في المادة 49 من هذا القانون وهم ضباط وأعوان الشرطة القضائية المنصوص عليه في قانون الإجراءات الجزائية المنصوص عليهم في المادة 15 منه والتي تشمل: كل من رؤساء المجالس الشعبية البلدية ،ضباط الدرك الوطني ، محافظو الشرطة و ضباط الشرطة، وكذلك ذو الرتب في الدرك ورجال الدرك الذين امضوا في سلك الدرك ثلاثة سنوات على الأقل و المعينين بموجب قرار مشترك صادر عن وزير العدل ووزير الدفاع الوطني بعد موافقة لجنة خاصة، ولكل من مفتشو الأمن الوطني الذين قضوا في خدمتهم بهذه الصفة ثلاثة سنوات على الأقل، وعينوا بموجب قرار وزاري مشترك صادر عن وزير العدل حافظ الأختام، ووزير الداخلية و الجماعات المحلية بعد موافقة لجنة خاصة، ولكل من ضباط وضباط الصف التابعين لمصالح الأمن العسكري الذين تم تعينهم خصيصا بموجب قرار وزاري مشترك بين وزير الدفاع الوطني، ووزير العدل حافظ الأختام ،وكذا ضباط وضباط الصف التابعين لمصالح الأمن العسكري الذين تم تعينهم خصيصا بموجب قرار وزاري مشترك بين وزير الدفاع الوطني ووزير العدل حافظ الأختام.     أما أعوان الشرطة القضائية وهي الفئة التي نصت عليها المادة19 من ق أج وتشمل هذه الفئة: موظفو مصالح الشرطة و ذو الرتب في الدرك الوطني و رجال الدرك الوطني و مستخدمو مصالح الأمن العسكري وضباط وضباط الصف التابعين للسلك النوعي لإدارة الغابات الذين لم تشملهم المادة 62مكرر من قانون90/20.   كما أوكل المشرع الجزائري مهمة التحقيق و المعاينة كذلك لكل من :-المستخدمون المنتمون إلى الأسلاك الخاصة بالمراقبة التابعون للإدارة المكلفة بالتجارةوالأعوان المعنيون التابعون لمصالح الإدارة الجبائية.و-أعوان الإدارة المكلفة بالتجارة المرتبون في الصنف 14 على الأقل المعينون لهذا الغرض.    وقد الزم المشرع الجزائري الموظفين المذكورين أعلاه، بصفة عامة ،بتبيان وظيفتهم وان يقدموا تفويضهم بالعمل ،خلال القيام بمهامهم.   كما فرض على الموظفين التابعين للإدارة المكلفة بالتجارة و الإدارة المكلفة بالمالية،تأدية اليمين وان يفوضوا بالعمل طبقا للإجراءات التشريعية و التنظيمية المعمول بها.

وما ينبغي التساؤل من شانه هو هل صعوبة الإثبات المطروحة بهذه الصورة من الممكن أن تثار لو أن مجلس المنافسة هو القائم على مسالة البحث و المعاينة ،نظرا لامتلاكه على وسائل قانونية تمكنه من التأكد من عدم شرعية  اعادة البيع بخسارة،غير انه من المسلم به أن إشكالية إثبات مخالفة اعادة البيع بخسارة لا تطرح فقط بالنسبة للأشخاص المؤهلين للقيام بالبحث و التحقق عن المخالفات المنصوص عليهم في المادة49 رقم 04-02 فقط إنما تمتد لكل متضرر يرغب برفع دعوى التعويض، فرفع مثل هذه الدعوى يتطلب توفر شروط المسؤولية التقصيرية، حيث يجب على طالب التعويض أن يثبت الخطأ"الممارسة الغير الشرعية"و الضرر و العلاقة السببية،ويجب الاعتراف انه إلى جانب عدم وعي المواطن الجزائري سواء كانوا شركاء اقتصاديين أو مستهلكين  بممارسة حقه في اللجوء إلى القضاء متى واجهوا هذه المخالفة، فان صعوبة إثباتها تعتبر السبب المباشر لقلة أو انعدام الدعاوى المرفوعة أمام القضاء، وذلك بالرغم من خطورتها على السير الحسن للسوق .

   لقد خول القانون للموظفين المكلفين بالتحقيق مجموعة من الصلاحيات الواسعة تسمح لهم بالقيام بمهام التحقيق في مخالفة اعادة البيع بخسارة على الوجه الأمثل من تتمثل في سلطة فحص الوثائق و المستندات وحجزها وهذا بموجب المادة  50من قانون 04-02 المتعلق بالقواعد المطبقة على الممارسات التجارية وكما منحت المادة 52 للموظفين المكلفين سلطة تفتيش المحلات وحرية الدخول إلى المحلات التجارية و المكاتب و الملحقات و أماكن الشحن و التخزين ،وبصفة عامة أي مكان باستثناء المحلات السكنية التي يتم دخولها طبقا لأحكام قانون الإجراءات الجزائية ،أي بترخيص من وكيل الجمهورية وفي حضور ضابط الشرطة القضائية ونهارا أي قبل الساعة الثامنة ليلا وبعد الساعة السادسة صباحا.[9]أما عن كيفية معاينة هذه المخالفة فنص المشرع الجزائري من خلال المادة55 من القانون المذكور، على كيفية معاينة المخالفات، حيث قضى بان التحقيقات المنجزة تختتم بتقارير تحقيق و تثبت المخالفات في محاضر. و  لقد حدد من خلال المادة 58 من نفس القانون القيمة القانونية للمحضر حيث قضت هذا النص القانوني أن:" مع مراعاة أحكام المواد من 214إلى 218 [10]من قانون الإجراءات الجزائية وكذا أحكام المادتين 56و57 من هذا القانون ،تكون للمحاضر وتقارير التحقيق [11]حجة قانونية حتى يطعن فيها بالتزوير". وتبلغ المحاضر المثبتة للممارسة الغير الشرعية لاعادة البيع بخسارة إلى المدير ألولائي للتجارة بمقتضى المادة 55 من القانون 04-02 السالف الذكر.

   بمقتضى أحكام المادة 55/2من القانون 04-02 التي نصت على أنه تثبت المخالفات للقواعد المنصوص عليها في هذا القانون في محاضر تبلغ إلى المدير الولائي المكلف بالتجارة الذي يرسلها إلى وكيل الجمهورية المختص إقليميا مع مراعاة الأحكام الواردة في المادة60 من هذا القانون التي تجيز لكل من المدير الولائي و الوزير المكلف بالتجارة ،اقتراح غرامة مصالحة على مرتكب المخالفة حيث تنص هذه المادة على أن تخضع مخالفات أحكام هذا القانون لاختصاص الجهات القضائية، غير انه يمكن المدير الولائي المكلف بالتجارة أن يقبل من الأعوان الاقتصاديين المخالفين بمصالحة ،إذا كانت المخالفة المعاينة في حدود غرامة تقل أو تساوي مليون دينار،وإذا كانت تلك الغرامة تزيد عن ذلك وتقل عن ثلاثة ملايين دينار ،يمكن لوزير التجارة أن يقبل من الأعوان الاقتصاديين المخالفين بمصالحة ،وعندما تكون المخالفة المسجلة في حدود غرامة تفوق ثلاثة ملايين دينار ،فان محضر المعاينة ،يرسل مباشرة من طرف المدير الولائي المكلف بالتجارة ،إلى وكيل الجمهورية قصد المتابعات القضائية، غير انه لا يتوجب علينا إنكار دور مجلس المنافسة متى تشكلت هذه الممارسة الغير الشرعية عن طريق التعسف في وضعية الهيمنة على السوق أو في إطار الاتفاقات المحظورة قانونا، كما أننا من خلال المادتين 55/2 والمادة60/1 نستنتج انه إذا تم إثبات المخالفات، فان الفصل فيها يكون عن طريقتين:الطريق القضائي و الطريق الودي الذي يعتبر طريقا بديلا للفصل في النزاع عن الطريق القضائي،ويقترح المصالحة الموظفون المؤهلون ،الذين حرروا المحضر على مرتكبي المخالفات في حدود الغرامات المالية المنصوص عليها في القانون .ولهم قبول العرض ،أو قبوله مع التحفظ على مبلغ الغرامة المقترحة،ولهم رفض المصالحة، وكل هذه الخيارات ترفع إلى السلطة المختصة بمنح المصالحة.        تجدر الإشارة إلى أن المادة 60 أغفلت الحالة التي تكون فيها المخالفة معاقبا عليها بغرامة تساوي ثلاثة ملايين دينار ،كما هو الحال بالنسبة للممارسات التجارية الغير الشرعية مثل اعادة البيع بخسارةوالمعاقب عليها في المادة35 بغرامة من 100.000دج الى3.000.0دج ،إذ تعرض النص المذكور إلى الحالتين فقط وهما:

-الحالة التي تكون فيها العقوبة اقل عن ثلاثة ملايين دينار"3.000.00دج"،وتجوز فيها المصالحة*الفقرة الثالثة*.

-الحالة التي تكون فيها العقوبة أكثر من ثلاثة ملايين دينار"3.000.00 دج" ولا تجوز فيها المصالحة "الفقرة الرابعة و الأخيرة".وأمام هذا الوضع ،وعملا بقاعدة التفسير الأصلح للمتهم،نرى إن هذا الإغفال لا يجب أن يضر بالمتهم ومن ثم فطالما أن المشرع الجزائري ابعد المصالحة صراحة في حالة ما إذا كانت العقوبة المقررة للمخالفة أكثر من ثلاثة ملايين دينار"3.000.00دج"،فليس ثمة ما يمنع إجراء المصالحة إذا كانت العقوبة المقررة للمخالفة تساوي هذا المبلغ ،وهنا تثار مسالة اختصاص التصالح ،علما أن القانون وزع هذا الاختصاص بين المدير الولائي المكلف بالتجارة وبين الوزير المكلف بالتجارة دون الإشارة إلى الحالة التي تكون فيها العقوبة تساوي 3.000.00 دج .فالأصل ،في هذه الحالة ،أن يكون الاختصاص للوزير،باعتبار أن سقف اختصاص المدير الولائي قد حدد بمليون دينار"1.000.00 دج"،ومع ذلك يثور التساؤل حول ما إذا كان بإمكان إجراء مصالحة بدون ترخيص صريح من المشرع.[12] ولقد كفل القانون للعون الاقتصادي و للمستهلك الحماية القانونية اللازمة من كل عون اقتصادي اعتدى على مصالحهم الاقتصادية عن طريق ارتكابه لمخالفة اعادة البيع بخسارة، كما أعطى الضمانات الكافية لحصوله على محاكمة عادلة  تحدد مسؤوليته الجنائية و المدنية    وأن قيام هذا الأخير بممارسات لا تتسم بالمشروعية  وتخل بالقواعد المطبقة على الممارسات التجارية ،ترتب عليه عدة جزاءات مدنية تتمثل في قيام المسؤولية المدنية لهذا الأخير ،وكذا المسؤولية الجزائية  مادامت أن العقوبات المنصوص عليها في القانون 04-02 ذات طابع جزائي،حيث وضعت المادة 35 من القانون رقم04-02 العقوبة المناسبة لمخالفة اعادة البيع بخسارةو التي تتمثل في غرامة من مائة ألف دينار "100.000 "دج إلى"3.000.00"دج .وتتميز هذه العقوبات بأنها غرامات مالية.و نصت المادة 48 من القانون السالف الذكر انه "يمكن للوالي المختص إقليميا ،وكذا القاضي أن يأمر على نفقة مرتكب المخالفة أو المحكوم عليه نهائيا ،بنشر قراراتهما كاملة أو خلاصة منها في الصحائف الوطنية أو لصقها بأحرف بارزة  في الأماكن التي يحددانها".   كما أقرت المادة 47 الفقرة الثالثة من نفس القانون بمضاعفة العقوبة في حالة العود، حيث يمكن للقاضي أن يمنع العون الاقتصادي المحكوم عليه من ممارسة نشاطه بصفة مؤقتة أو شطب سجله التجاري ،كما يمكن للقاضي أن يضيف إلى هذه العقوبات ،عقوبة الحبس من ثلاثة اشهر إلى سنة واحدة .

خاتمة 

  إن تجريم كل من ممارستي البيع بخسارة و اعادة البيع بخسارةيعتبر في حد ذاته موضوعا حديثا نسبيا،وقد دعا الاهتمام به أكثر هو ما يصاحب هذين الممارستين من تأثيرات سلبية على تدعيم وجود منافسة كافية في السوق وعلى حماية مصلحة المستهلك في الحصول على السلعة،حيث أن المشرع في أي دولة،عادة ما يسعى إلى تحقيق هذه الوفرة في السلع و المنتجات عن طريق تجريم بعض الأفعال التي من شانها الإخلال بالكمية المطروحة من السلع في الأسواق لضمان تموين البلاد ولتحقيق العدالة في التوزيع تيسيرا على المستهلكين.

أما بالنسبة لقمع هاتين الممارستين فبالرغم من توفر كل من النصوص القانونية التي تبين الحدود القانونية الموضوعة من قبل المشرع لمراقبة السوق والممارسات التجارية و كذا الأجهزة المكلفة بمتابعة ورقابة النشاط الاقتصادي ،فلا يزال إلى غاية الآن البحث عن الآليات القانونية السليمة لمواجهة هذه المخالفة التي أصبحت تهدد التوازن في السوق من اجل حماية المصالح الاقتصادية لكل من العون الاقتصادي والمستهلك ،والعمل على إيجاد طرق القمع المثلى من اجل القضاء على الظاهرة من خلال تحقيق الاحترافية على مستوى الهيئات الإدارية و القضائية المكلفة بحماية السوق،وتفعيل دورها في محاربة هذه الجريمة الاقتصادية وذلك بالقيام بالتحقيقات المعمقة واكتشافها والسرعة في تنفيذها،حيث لحد الآن لم تفتح الدولة على مستوى هذه الجهات القضائية أقسام تتولى الفصل و البحث في النزاعات التي يكون المستهلك احد أطرافها.  هذا وتم التوصل إلى أن حماية العون الاقتصادي و المستهلك مرهون بتنظيم المنافسة و ضبطها،كما هو مرهون بكفاءة و نزاهة الأعوان الاقتصاديين المكلفين بقمع هذه الممارسات الغير الشرعية ومدى جدية المشرع الجزائري في إصدار نصوص قانونية جديدة  تتضمن تطوير مهمة الرقابة و التصدي لهذه المخالفات خاصة مع تطور أساليب الحيل و الغش التي قد يستخدمها العون الاقتصادي و العمل على توعية المستهلك بخطورتها والضرر الذي قد يصيبه من جرائها ذلك أن مسؤولية حماية المستهلك تقع بالدرجة الأولى على المستهلك .

 

 

 

 

 


[1] – الامر03-03 المؤرخ في 19 جويلية سنة 2003 يتعلق بالمنافسة ،ج ر ،العدد43،الصادرة في 20جويلية 2003

 

-قانون رقم 04-02 مؤرخ في 23 يونيو سنة 2004 ،يحدد القواعد المطبقة على الممارسات التجارية ،الجريدة الرسمية عدد41.[2]

 

[3] – عبد الفتاح الشهاوي قدري،قانون حماية المنافسة ومنع الممارسات الاحتكارية و لائحته التنفيذية وقانون حماية المستهلك ومذكراته الإيضاحية في التشريع المصري،العربي،الأجنبي،دراسة مقارنة، الطبعة الأولى ،دار النهضة العربية ،القاهرة ،2006،ص.20.

 

 

— بودالي محمد،الالتزام بالنصيحة في نطاق عقود الخدمات، دراسة مقارنة،الطبعة الأولى،مكتبة الرشاد للطباعة و النشر و التوزيع،الجزائر 2005،ص.6.[4]

 

– الأمر رقم 95-06 ،المؤرخ في25 جانفي1995 يتعلق بالمنافسة ،ج ر ،العدد09 لسنة 1995[5]

 

– كتومحمد الشريف ،قانون المنافسة و الممارسات التجارية وفقا للامر03-03 والقانون04-02 ،دار بغدادي للطباعة و النشر والتوزيع،الجزائر،ص.101 [6]

 

 -سميحة علال،جرئم البيع في قانوني المنافسة والممارسات التجارية،مذكرة لنيل شهادة الماجيستر في القانون،السنة الجامعية:2004-205ص78[7]

 

[8] -قوسم غالية،التعسف في وضعية الهيمنة على السوق في القانون الجزائري على ضوء القانون الفرنسي،مذكرة لنيل درجة الماجيستر في القانون ،فرع قانون الأعمال، كلية الحقوق و العلوم التجارية،جامعة امحمد بوقرة بومرداس ،2006-2007،ص84.وتواتي محند الشريف،قمع الاتفاقات في قانون المنافسة، مذكرة لنيل درجة الماجيستر في القانون ،فرع قانون الأعمال،كلية الحقوق و العلوم التجارية،جامعة امحمد بوقرة بومرداس،2006-2007،ص71.

 

[9] تنص المادة 47 الفقرة الأولى من قانون الإجراءات الجزائية على أن:" لا يجوز البدء في تفتيش المساكن  ومعاينتها قبل الساعة الخامسة 5صباحا ،ولا بعد الساعة الثامنة مساءا إلا إذا طلب صاحب المنزل ذلك أو وجهت نداءات من الداخل و في الأحوال الاستثنائية المقررة قانونا".

 

 

[10] -تنص المادة 214 من قانون الإجراءات الجزائية على أن:*لا يكون للمحضر أو تقرير قوة الإثبات إلا إذا كان صحيحا في الشكل ويكون قد حرره واضعه أثناء مباشرة أعمال وظيفته أو ورد فيه عن موضوع داخل في نطاق اختصاصه ما قد رآه أو سمعها و عاينه بنفسه*أما المادة218فتقضيبان:*أن المواد التي تحرر عنها محاضر لها حجيتها إلى أن يطعن فيها بالتزوير تنظمها قوانين خاصة .وعند وجود نصوص صريحة تتخذ إجراءات الطعن بالتزوير وفق ماهو منصوص عليه في الباب الأول من الكتاب الخامس.*

 

 

[11] -يختلف المحضر عن تقرير التحقيق من حيث أن هذا الأخير هو عبارة عن وسيلة إخبار لاغير يكتسي طابعا شخصيا يظهر فيه رأي كاتبه عكس المحضر الذي يكون مجاله محصور في معاينة الجريمة ويقتصر على المشاهدة والتسجيل.

 

[12] – بوسقيعة  احسن، الوجيز في القانون الجزائي الخاص،جرائم الفساد،جرائم المال والأعمال،جرائم التزوير ،المرجع السابق،ص.287.

 

 

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *