تاريخ الأحباس بالمغرب : كتاب للأستاذ محمد المكي الناصري

تقديـــم

        الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين.

        وبعد، فإن موضوع الوقف في الإسلام من الموضوعات التي اهتم بها المسلمون قديما وحديثا، ونالت منهم عناية خاصة واهتماما كبيرا، ذلكم أن عمل الوقف أو التحبيس، يدخل في باب الهبات والعطايا التي يهبها المسلم أو المسلمة، ويخرجها من ماله الخاص، لينفق ريعها ويصرف عائدها فيما يتعلق بالإقامة الشعائر الدينية من بناء المساجد وتشييدها، ورفعها وإصلاحها، وتوظيف القيمين الدينيين عليها، وتحفيظ كتاب الله وطباعة المصاحف القرآنية، وغير ذلك من وجوه البر والإحسان، والأعمال الخيرية والاجتماعية، التي توقف عليها أموال المسلمين.

        وهذا العمل الخيري من الوقف والتحبيس دعا إليه الإسلام وحث عليه ورغب فيه، واعتبره عملا طيبا نافعا يقوم به المرء المسلم ابتغاء فضل الله تعالى ومرضاته، ويقصد به خدمة الدين وإقامة فرائضه وشعائره، فكان بذلك عمل الوقف في الإسلام من الأعمال الصالحة التي تخلد ذكر الإنسان في هذه الحياة، وتعلي درجته وقدره، وترفع شأنه ومقامه عند الله، ويلحقه ثوابها وأجرها باستمرار بعد انتقاله إلى الحياة الأخرى في جوار الله، مصداقا لقول الله تعالى : (وما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه عند الله هو خيرا وأعظم أجرا)، وقول النبي (صلى الله عليه وسلم) : إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث : صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له.

        والمغرب البلد  المسلم الذي ظل محافظا على دينه ومقدساته. منذ أكرمه الله بالإسلام وأعزه به، واستمر معتزا به وبمقوماته، معتصما بحبل الله المتين، متمسكا بشرعه الحكيم، عرف الوقف باعتباره أمرا دينيا وعملا صالحا، وفضيلة من فضائل الإسلام، فكان أبناؤه على مختلف مستويات وشرائحهم الاجتماعية وبقدر استطاعتهم وإمكانيتهم المادية يسارعون إلى ذلك العمل الإحساني، ويبادرون إلى اكتساب فضله وتحصيل ثوابه بما يقومون به من وقف وتحبيس لبعض ممتلكاتهم الخاصة، كلما أمكنهم ذلك واستطاعوا إليه سبيلا.

        وكان ملوك المغرب عبر مختلف العهود والعصور في مقدمة شعبهم المسلم، وأمتهم المغربية المومنة، يولون موضوع الوقف عناية فائقة، ويقفون من أموالهم وممتلكاتهم الهامة، ومن المؤلفات على الخزائن العلمية العامة، ويخصصون عطآت سخية، ويمنحون صلات مستمرة لإنفاقها وصرفها في مجال الأوقاف والشؤون الإسلامية، بوصفهم أمراء المومنين، وحماة الوطن والدين في هذا البلد الكريم.

        وازدادت تلكم العناية وقويت هذه الرعاية مع ملوك الدولة العلوية الشريفة، التي أعطت للعمل الإسلامي والحفاظ على الثوابت الراسخة للأمة المغربية اهتماما خاصا وعناية فائقة، وازدهرت تلك العناية، وتوطدت بكيفية خاصة في عهد جلالة المغفور له محمد الخامس رضوان الله عليه، وفي العهد  الحسني الزاهر لخلفه ووارث سره الغيور على دين الإسلام وشريعته، أمير المومنين، وحامي حمى الوطن والدين جلالة الحسن الثاني، أطال الله عمره وخلد في صالح الأعمال ذكره، وحفظه للبلاد والعباد بما حفظ به السبع المثاني والقرآن العظيم.

        فجلالة الحسن الثاني أعزه الله، ما فتئ منذ ولاه الله مقاليد الأمة المغربية يولي عناية خاصة، واهتماما بالغا بأمور الدين وبشؤون الوقف والأوقاف، ويبادر في كثير من الأوقات والمناسبات إلى وقف ملك من ممتلكاته الخاصة، ويعطي القدوة الحسنة في هذا المجال لشعبه المومن، ولمن بسط الله لهم في المال من أبناء وطنه وبلده المسلم، اقتداء بالنبي الأكرم سيدنا محمد (صلى الله عليه وسلم)، وصحابته الأبرار، ويصدر جلالته الظهائر الشريفة والمراسيم الملكية المتعلقة بالوقف وتنظيمه وضوابطه الحبسية، وتنميته بكيفية مستمرة، وحمايته وصيانته.

        ويعهد جلالته إلى وزيره في الأوقاف والشؤون الإسلامية بالعمل والسهر على تطبيق تلك الظهائر والمراسيم، وتنفيذ التعليمات والتوجيهات المتعلقة بشؤون الوقف والدين في مختلف الميادين، ويدعمها جلالته ويشرفها، ويخصها ويكرمها بالإشراف المباشر والرعاية الخاصة لهذه الوزارة، حتى يكون لها من الدعم والاعتبار، والحرمة والوقار، ما يجعلها في مأمن من أي طمع أو تطاول من أي كان، وتظل سائرة من حسن إلى أحسن في كل ما يتعلق بالأوقاف وشؤون الدين وإقامة شعائره والحفاظ على مبادئه وفضائله ومكارمه، والعناية بالقيمين الدينيين في مختلف أرجاء مملكته المغربية السعيدة.

        وفي هذا الصدد والموضوع كان فضيلة الشيخ محمد المكي الناصري وزير الأوقاف سابقا، ورئيس المجلس العلمي الإقليمي للعدوتين : الرباط وسلا، الأمين العام لرابطة علماء المغرب، وعضو أكاديمية المملكة المغربية، حاليا، كان قد أصدر منذ ما يزيد عن نصف قرن من الزمان (محرم 1354 هـ – أبريل 1935م) بحثا قيما ودراسة مركزة في صورة وصيغة تقرير أعده فضيلته في إطار لجنة الدفاع عن الأحباس الإسلامية، تقدم به للمؤتمر الإسلامي العام آنذاك، وقدم له بإهدائه إلى صاحب الجلالة الملك المعظم محمد الخامس رضوان الله عليه.

        وضمنه وصفا موجزا لما كانت عليه الأوقاف الإسلامية بالمملكة المغربية قبل الحماية الفرنسية، وما آلت وصارت إليه بعد ما بسطت تلك الحماية نفوذها على البلاد، وأعطى فيه نظرة عامة وصورة حقيقية عن توجه السياسة الاستعمارية وسلوكها تجاه الأحباس الإسلامية، سواء في المملكة المغربية أو غيرها من البلاد التي كانت مستعمرة من طرف فرنسا، كالجزائر وتونس وسوريا، وجعل مقدمته محتوية على دراسة علمية لمسألة الوقف والتحبيس من الوجهة الفقهية والتاريخية والاقتصادية والاجتماعية، وغير ذلك من الفوائد والمعلومات التي يجدها القارئ لهذا الكتاب المفيد في موضوعه على صغر حجمه، ويستفيدها من ثنايا صفحاته العديدة بشيء من التوسع والتفصيل.

        وانطلاقا من عناية أمير المومنين جلالة الحسن الثاني بكل ما يتعلق بشؤون الوقف والدين، واسترشادا بتوجيهاته السامية النيرة، واهتماما من الوزارة بكل ما يتصل بهذا الموضوع والمجال، علما وعملا، كتابة وتأليفا، وتلبية لرغبة صاحب البحث ومؤلفه الغني عن كل تقديم وتعريف.

        يسعد وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، ويسرها أن تطبع هذا الكتاب طبعة جديدة، وأن تخرجه طبق صورته الأصيلة التي طبع عليها أول مرة بكل دقة وأمانة، ودون نقصان أو زيادة، أو تعليق أو إضافة، هادفة من وراء ذلك إلى تيسير تداوله من جديد بين يدي العلماء والفقهاء والدارسين الباحثين، وتعميم النفع والانتفاع به للمتخصصين والمهتمين، وأخذ نظرة فقهية تاريخية عن الأوقاف بصفة عامة، وعن واقعها في الوقت الذي ألف فيه هذا الكتاب، وقاصدة إلى استخلاص ما كانت تلقاه الأوقاف والشؤون الإسلامية من العناية والاهتمام من طرف ملوك المغرب الأبرار في مختلف العهود والأجيال. وخاصة في العهد العلوي المبارك المجيد، وعهد واسطة عقده ومفخرة ملوكه راعي الوقف والأوقاف والعلم والعلماء، وسائر شؤون الدين في هذا البلد الأمين جلالة الحسن الثاني حفظه الله وبارك في عمره وأدام له النصر والتمكين.

        وإن الوزارة لتتوجه إلى الله العلي القدير، وتسأله سبحانه، أن ينفع بهذا الكتاب العلماء والمسلمين، وأن يجعله في سجل الأعمال الصالحة، والحسنات الخالدة والمبرات والأيادي الكريمة لأمير المومنين جلالة الحسن الثاني، وأن يثيبه على عنايته بشؤون الأوقاف والإسلام في هذا البلد الكريم وفي غيره من بلاد المسلمين، وأن يجزيه بما جازى به عباده المومنين الصالحين المخلصين، وأن يقر الله عينه بولي عهده المبجل صاحب السمو الملكي، الأمير الجليل سيدي محمد، وصنوه

صاحب السمو الملكي الأمير المجيد مولاي رشيد، وأن يحفظه سبحانه في كافة أسرته الملكية الشريفة

 

إنه سبحانه سميع مجيب.

                                       وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية

                                       الدكتور عبد الكبير العلوي المدغري

 

إهداء الكتاب

ـ ـ

        إلى صاحب الجلالة، مولانا الملك المعظم، سيدي محمد بن يوسف بن الحسن، وإلى صاحب السمو خليفته السلطاني مولاي الحسن بن الحسن بن المهدي بن إسماعيل، حرس الله دولتهما، وأحيى أمتهما، نقدم هذه الوثيقة التاريخية الخطيرة !

        إن جلالة الملك المفدى، وسمو خليفته المحبوب، في نظر الأمة المغربية، ونظر العالم الإسلامي من أقصاه إلى أقصاه، هما الحارسان الأمينان للملة الإسلامية في هذه المملكة، والمسؤلان عن مصيرها بين المواطنين المغاربة أمام الله ورسوله وملائكته والناس أجمعين.

        ولا أحد أجدر بأن يهدى إليه كتاب كهذا الكتاب، غرضه الأساسي حراسة تراث السلف، وحماية الأمة الإسلامية، وضمانة استقلال المسلمين المغاربة في شؤونهم الملية الخاصة، من صاحب الجلالة، الرئيس الأعلى للدولة والأمة، وصاحب السمو، خليفته المفوض العام.

        فليتكرم جلالة الملك، وليتفضل سمو الخليفة، بقبول هذا الإهداء، وليثقا تمام الثقة بما للأمة نحو عائلتهما الشريفة من إخلاص وولاء.

 

                                               لجنة الدفاع عن الأحباس الإسلامية

                                                       بالمملكة المغربية  

 

مطالب الشعب المغربي

في الأحباس

        1 – نقل الاختصاصات الموجودة بإدارة الأحباس للوزارة الحبسية بدار المخزن، وإحياء "المجلس الحبسي الأعلى" على أسس تمثيلية جديدة، مع اختيار أعضائه من بين أهل الكفاءة والنزاهة.

        2 – المحافظة التامة على ثروة الأحباس بأسرها، وعلى جميع المساجد والمعاهد الدينية، والمدارس الحبسية، وسائر المكاتب العلمية، والآثار التاريخية.

        3 – عدم تقصير وزارة الأحباس في القيام بخدمة الثقافة العربية، ونشر التربية الإسلامية، وتشجيع الأعمال الخيرية، وصرف محصولات الأحباس في تحقيق الرغبات التي حبست من أجلها.

        4 – إعفاء الأملاك الحبسية من جميع الضرائب المفروضة عليها من قبل الدولة.

        5 – عدم تفويت الأملاك الحبسية إذا لم تثبت موجبات التفويت الشرعية.

        6 – عدم السماح بتسليف أي شيء من وفر الأحباس.

        7 – تطبيق التشريع الموضوع للأكرية على المستأجرين للأملاك الحبسية.

 

                                                                       كتلة العمل الوطني

 

بسم الله مالك الملك ومحق الحق، والصلاة والسلام على أشرف الخلق

 

مقدمـة

        هذا الكتاب الذي أتشرف بتقديمه إلى المواطنين المغاربة وكافة أبناء العروبة والإسلام يتضمن وصفا موجزا لما كانت عليه الأوقاف الإسلامية بالمملكة المغربية في عهد استقلالها، وما صارت إليه منذ بسطت الحماية الأجنبية على البلاد، ويعطي صورة حقيقية عن اتجاه السياسة الاستعمارية الفرنسية إزاء الأحباس الإسلامية، في البلاد المرتبطة بفرنسا كالجزائر، وتونس، وسوريا، وكل ما فيه من معلومات مستقى، إما من المراجع العامة الموثوق بها، وإما من التجارب والملاحظات التي يصح الاعتماد عليها.

        وعندما كلفت بتقديم هذا الكتاب، فكرت في أن تكون مقدمته محتوية على دراسة علمية للقضية الحبسية، من الوجهة الفقهية، والتاريخية والسياسية، والاقتصادية، وأخذت أدرس ما في الموضوع من مصادر عربية، وفرنسية، وإسبانية، وأراجع ملفات الوثائق في المكاتب الخصوصية، فإذا بي أمام سلسلة من المشاكل والمسائل يرتبط بعضها ببعض، ويتسلل بعضها عن بعض، ووجدتها محتاجة أولا إلى تبيين ما في وضعها من خطأ أو إصابة، وثانيا إلى تبيين ما يناسبها من حل أو إجابة، واجتمع في مذكراتي، من نتائج هذا البحث الطويل المتشعب، ما أصبحت هذه المقدمة لا تسعه مطلقا، ففضلت أن أنشر ذلك في كتاب خاص قائم على دراسة القضية الحبسية دراسة علمية من كافة وجوهها، يكون في طليعة مواده إبطال الشبه التي يوجهها المغرضون ضد تشريع الأحباس في الإسلام، وكشف أكاذيبهم وادعاءاتهم في تاريخ الأحباس بالمملكة المغربية، ولا شك أن هذه غاية أخرى لا يؤديها هذا الكتاب الذي أقدمه اليوم.

        غير أنني لا أغفل هذه المقدمة القصيرة من ملاحظتين أساسيتين :

        الملاحظة الأولى : أن السياسية الاستعمارية الفرنسية قام الدليل التجريبي العملي القاطع على أنها تسعى لتحطيم الأحباس الإسلامية، والتدخل فيها، واستغلالها لمصلحة الاستعمار، كلما وجدت إلى ذلك سبيلا، وسيقف القراء على هذه الحقيقة عندما يطالعون ما في هذا الكتاب عن الأوقاف الجزائرية، والتونسية، والمغربية، والسورية، وعندما يعرفون الموقف الغريب الذي اتخذه الانتداب الفرنسي إزاء السكة الحديدية الحجازية الموقوفة على الحجاج المسلمين، بينما تقف السلطات الاستعمارية الفرنسية من اليهود والمسيحيين موقف العطف والمناصرة والتأييد، وتسمح لهم أن يستقلوا بكافة شؤونهم الملية استقلالا تاما !

        الملاحظة الثانية : أن الجماهير الإسلامية من أقصى الأرض إلى أقصاها في المشارق والمغارب أحست إحساسا عميقا بأن قضية الأوقاف قضية حياة أو موت، وآمنت إيمانا صادقا بأن الأوقاف هي الضمانة الوحيدة الباقية لإقامة الشعائر الإسلامية، وحماية المصالح الملية، ولهذا أعلنت إرادتها الصارمة، ورغبتها الصادقة، في وجوب استقلال المسلمين بشؤونهم الملية، وتخليص أوقافهم من السيطرة الأجنبية، وسيقف القراء على هذه الحقيقة أيضا عند مطالعة ما في هذا الكتاب من أصول وملحقات.

        ومن هاتين الملاحظتين يظهر البون الشاسع الذي يفصل العالم الإسلامي عن فرنسا الاستعمارية، فلمن النصر يا ترى ؟

        أنا مومن أن النصر النهائي سيكون في جانب المطالب العادلة، فمن الخير لفرنسا أن تساير الرأي العام الإسلامي مختارة لا مضطرة، ومن الخير لها أن تلائم سلوكها مع التطور الجديد الذي انتهى إليه المسلمون، ومن الخير لها في هذا الوقت العصيب أن ترضي هذه الملايين الساخطة، الغاضبة، المتبرمة بالحياة، ترضية عاجلة، ويكفيها أن تقلد السياسة الإنجليزية التي كانت متبعة في مصر والعراق، والمتبعة الآن في فلسطين إزاء الأوقاف الإسلامية، فتترك المسلمين المرتبطين بها أحرارا في شؤونهم الملية، وأوقافهم الدينية.

        ورأيي – كسائر زملائي في – "كتلة العمل الوطني" – أن المشكلة الحبسية في المملكة  المغربية، لا يمكن أن تحل حلا مرضيا للعدالة والكرامة، إلا على أساس استقلال الأحباس استقلالا تاما عن كل التدخلات الأجنبية، وإدارتها إدارة انتخابية من جماعة المسلمين، تحت الإشراف الأعلى من جلالة السلطان، الأمر الذي سجلناه وأعلناه رسميا منذ أربعة شهور، للحكومة المغربية والجمهورية الفرنسية باسم هيأتنا الوطنية، في "برنامج الإصلاحات المغربية، ومطالب الشعب المغربي".

        تلك المطالب التي صادقت عليها جملة وتفصيلا، وأيدتها تأييدا تاما، كتلة عتيدة من أحرار الفرنسيين المشاهير في عالم السياسة والقانون. فعلى الأمة المغربية أن تتمسك بهذه المطالب، وأن لا تمل من الدفاع عن أحباسها والمطالبة بتخليصها من السيطرة الأجنبية كيفما كان نوعها !

        أما رجائي الذي أرجوه من العالم الإسلامي وهيأته المركزية العليا – المؤتمر الإسلامي العام – فهو مناصرة المغاربة في هذه الحركة الحبسية العادلة، وتأييدهم في المطالبة بحقوقهم الملية الضائعة، وما ذلك بعزيز على زعماء الإسلام الأحرار، وشبابه الأطهار.

        تطوان – محرم 1345 – أبريل 1935.

 

                                                               محمد المكي الناصري

 

مخصصات الديانة المسيحية

في الميزانية المغربية العامة.

        الميزانية المغربية العامة تضعها حكومة الحماية الفرنسية بالمغرب، ويناقشها مجلس شورى الحكومة، المؤلف من الجالية الفرنسية وحدها، وتصادق عليها جملة وتفصيلا وزارة الخارجية بباريس. وقد جرت عادة الحماية بأن لا ينفق من الميزانية العامة على الديانة الإسلامية التي هي دين المغاربة، ولا على محاكمهم الشرعية الوطنية، سنتيم واحد، بينما تنفق هذه الميزانية على المحاكم الموسوية العبرية، والمحاكم الفرنسية الأجنبية، بغاية السخاء ومنتهى الكرم…

        وزادت فوق ذلك مخصصات سنوية تصرفها على الديانة الكاثولكية من ميزانية "المخصصات السرية للتوغل الفرنسي" تبلغ من الفرنكات أربعة ملايين، ثم مخصصات أخرى علنية، تدفعها باسم "مساعدة الديانات في المغرب"، بعضها للوكالة التبشيرية القائمة بالتبشير الكاثوليكي بين المسلمين المغاربة « Vicariat apostolique » وبعضها لبناء الكنائس الكاثوليكية، وبعضها لبناء المعابد البروتستانية.

        وهذا نموذج لمخصصات الديانة المسيحية العلنية في الميزانية العامة أثناء خمس سنوات، عند اعداد الظهير البربري وبعد صدوره.

ففي ميزانية سنة 1929 :

أ‌)       لمساعدة الوكالة التبشيرية……………………………..160.000

ب‌)  لبناء كنائس كاثوليكية ………………………………..175.000

ت‌)  لبناء معابد بروتستانية ……………………………….40.000

وفي ميزانية سنة 1930 :

أ‌)       لمساعدة الوكالة التبشيرية……………………………..185.000

ب‌)  لبناء كنائس كاثوليكية ………………………………..175.000

ت‌)  لبناء معابد بروتستانية ……………………………….40.000

وفي ميزانية سنة 1931 :

أ‌)       لمساعدة الوكالة التبشيرية……………………………..185.000

ب‌)   لبناء كنائس كاثوليكية ………………………………..175.000

ت‌)   لبناء معابد بروتستانية ……………………………….50.000

وفي ميزانية سنة 1932 :

أ‌)       لمساعدة الوكالة التبشيرية……………………………..246.670

ب‌)   لبناء كنائس كاثوليكية ………………………………..233.330

ت‌)   لبناء معابد بروتستانية ……………………………….66.670

وفي ميزانية سنة 1933 :

أ‌)       لمساعدة الوكالة التبشيرية……………………………..166.500

ب‌)   لبناء كنائس كاثوليكية ………………………………..157.500

ت‌)   لبناء معابد بروتستانية ……………………………….45.000

على أن الديانة المسيحية، المخصصة لها كل هذه المقادير السرية والعلنية، لا يتجاوز الأجانب المنتمون إليها في المغرب مائتي ألف نسمة، ومجموع المغاربة المسلمين يتجاوز ستة ملايين على أقل تقدير، بينما لا يصرف من ميزانيتهم على ديانتهم قليل ولا كثير !

وفوق هذا التحيز والتعصب البارز ضد الإسلام، في بلد، أهله مسلمون، ورئيسه الشرعي الأعلى من سلالة الرسول، فالمراقبة الفرنسية على الأحباس لم تزل تضايق الديانة الإسلامية وجماعة المسلمين في أوقافها الخصوصية، وتحول دون انتفاعها منها انتفاعا كاملا طبقا للمصلحة الإسلامية الحقيقية، وأرادت في هذه السنة الأخيرة، بعد قيام الحركة الحبسية الخطيرة، أن تذر الرماد في العيون، وتحول الحركة إلى سكون، فأخذت تقوم ببعض الإصلاحات الصغيرة في بعض مساجد المدن، ووافقت على بناء بعض المساجد فيها، ولبست رداء جديدا من "النفاق الاستعماري" المعروف، حتى تهدأ الحركة، وتخفت الأصوات، ولكن "المومن لا يلدغ من جحر مرتين"… !.

 

بسم الله الرحمن الرحيم

        إن الأوقاف الإسلامية في المملكة الشريفة، تراث خالص للمسلمين المغاربة، تركه السلف ضمانة مادية لاستقرار الإسلام واستمرار تعاليمه بين المغاربة، إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، ولما عرف ملوكنا، قدس الله أرواحهم، قدسية الأوقاف وحرمتها الدينية، وتيقنوا أنها خير ضمانة ثابتة تحفظ مصير الملة الإسلامية مما يتهددها من أخطار، جعلوا أنفسهم أكبر حراسها، وأحرص الناس على حفظها من عدوان الأيدي الأثيمة، وكانوا يعتبرون النظر في الأوقاف من اختصاصات القضاة الشرعيين الموكول إليهم تطبيق الشريعة والذود عن العقيدة فكان "النظار" بمنزلة نواب عن القضاة يديرون الأوقاف تحت إشرافهم ومراقبتهم الشرعية وكانوا ملزمين أمامهم وأمام الملوك وجماعة المسلمين، بصرف مداخيلها طبقا لإرادة الواقفين.

        ولما رأى السلطان الأعظم المولى إسماعيل، روح الله ضريحه، كثرة الأوقاف بالمملكة وخشي عليها الضياع والنسيان، أمر النظار في كل جهة من الجهات بإحصاء الأوقاف وتسجيلها في دفاتر خصوصية، رسمية، تكون وثيقة قانونية وتاريخية بين أيدي الأجيال القادمة، حتى يتعرفوا منها أملاك الأحباس ومقاصد المحبسين، وكان من ذلك ما يسمى "بالحوالات الإسماعيلية".

        وبعدما توفي المولى إسماعيل سنة 1139، وتوفي ابنه أحمد الذهبي سنة 1140، وأعلنت بيعة أخيه السلطان مولاي عبد الله ابن إسماعيل، كانت النظارة العامة للأحباس "الوزارة الحبسية" من بين الوظائف العليا الموجودة في الحكومة، وكان لتلك "النظارة العامة" من الاختصاصات والنفوذ العام الشامل، كل ما يجب أن يكون لوزارة حبسية حديثة. وقد وقفنا في الأبحاث التاريخية التي نشرت من جديد على ظهير أصدره السلطان مولاي عبد الله، وأسند به هذه الولاية إلى أحد الأفراد الموثوق بهم لديه من أهل الخير والفضل سنة 1143، ونص هذا الظهير بعد الحمدلة والتصلية والطابع الشريف :

        "كتابنا هذا أسماه الله وأعز نصره، وخلد في دفاتر المجد أمره وذكره، بيد خديمنا وحبيب أبوابنا، الأرضى الأخير الأقرب، السيد بلقاسم المسطاسي، ويتعرف منه بحول الله وقوته وشامل يمنه العميم ونصرته أننا جددنا له به ما كان عليه من النظارة في أمور الأحباس في جميع الأقطار والمدن والبلدان والقرى والمداشر، وبسطنا له اليد الطولى على جميعهم، بحيث لا يقصر عن البحث والتفتيش في الأدنى والأقصى، فإن جل مهماتنا هذا الأمر الأكيد، وجعلناه العوض منا في ذلك، وأني بفضل الله تعالى وقوته أقمته هذا المقام، على مر الليالي والأيام، فعليه بتقوى الله ومراقبته في سره وعلانيته، وعليه بمحاسبة النظار وأهل التصرف في هذا الأمر حتى يترك من أراد ويولي من أراد، ومنا إليه في التقصير، وعلى الله المعول وهو حسبنا ونعم المولى ونعم النصير، وفي منتصف جمادى الثانية عام ثلاثة وأربعين ومائة وألف".

        ومن هذا النص الصريح نفهم أن "وزارة الأحباس" كانت موجودة منذ العهود الأولى للعائلة العلوية الشريفة، ونفهم ما كان لها من اختصاصات واسعة ونفوذ عام في عهد السلطان مولاي عبد الله، كما نفهم منه أن هذه الولاية أحدثت من قبله، إما في حياة أبيه المولى إسماعيل، أو حياة أخيه أبي العباس الذهبي، وأنه في عهده إنما أمر بتجديدها فقط. ووقفنا أيضا في الأبحاث التاريخية الحديثة النشر على صورة "محاسبة" أوقعها ناظر الأحباس العام، مع ناظر المسجد الأعظم بمكناس سنة 1149. وبعد تسليمها من "الناظر العام" أدى عليها للتعريف بصحتها من الوجهة الشرعية، قاضي الجماعة بمكناس لذلك العهد، وقد كانت النظارة العامة حينئذ في يد الفقيه السيد الطيب بن أحمد غازي المكناسي، وحلاه العدول في أداء القاضي بقولهم : "من له النظر التام، والتصرف العام في جميع الأحباس بالإيالة السعيدة". إلا أن اسم الوزارة الحبسية لم يكن معروفا في ذلك الوقت، فكان القائم بها معروفا باسم "ناظر النظار"، كما كان وزير المالية أخيرا يدعى أمين الأمناء، ووزير العدلية "قاضي القضاة".

        أما عدد النظار فقد كان كثيرا في المدن والنواحي حتى كان في بعض الجهات لكل وقف ناظر خاص، إما من قبل صاحبه أو من قبل القاضي أو باختيار جماعة المسلمين. فلما استوى على عرش المملكة السلطان سيدي محمد بن عبد الله أخذ يجمع أوقاف الجهة الواحدة في يد ناظر واحد، وتبعه في ذلك المولى عبد الرحمن فقلل عدد النظار، وجعل في كل مركز من المراكز ناظرا أو ناظرين على الأوقاف العمومية، سعيا في لم شعثها وتشديدا في حراستها.

        ولما أخذت تشع معاوضة أملاك الأوقاف بغيرها من الأملاك أصدر المولى عبد الرحمن أوامره الصارمة بمنع المعاوضة في الوقف، وكلف الولاة والقضاة على الخصوص بمنع المعاوضة منعا باتا، فتقرر ذلك في حياته بمراكش عاصمة الجنوب وفاس عاصمة الشمال.

        ثم لما صعد عرش المغرب ابنه المرحوم السلطان سيدي محمد بن عبد الرحمن جرى على سنة أبيه في العناية بالأوقاف، وجدد أوامره إلى العمال والقضاة والنظار بمنع المعاوضة الحبسية.ومما وقفنا عليه من الوثائق في هذا الباب ظهير محمدي شريف بتاريخ 4 صفر عام 1279 وجهه سيدي محمد إلى مندوب خارجيته بطنجة السفير المرحوم السيد محمد بركاش، ومما جاء فيه خاصا بالمعاوضة هذه الفقرات :

"ولما ولانا الله سبحانه هذا الأمر. اقتفينا أثر مولانا المقدس في ذلك، وشددنا الأبواب في وجوه طلابها (المعاوضة)، على أن هذه المعاوضة إنما قال من قال بها من العلماء على شروط، وأين هي تلك الشروط، وما تقرر بهذه المدن (مراكش وفاس) أردنا أن يتقرر بذلك الثغر السعيد (طنجة)، وها نحن أمرنا القاضي هناك وأكدنا عليه في عدم الموافقة على المعاوضة رأسا، كما أمرنا وصيفنا القائد محمد بن عبد الكريم الجبوري بأن لا يساعد أحدا عليها لوجه، وأعلمناك لتكون على بصيرة، وقد توعدنا القاضي والعامل على ذلك".

        وهكذا كان سلاطين المغرب محافظين تمام المحافظة على مبدأ أن الأحباس لا تباع ولا ترهن ولا يضيع منها قليل ولا كثير، إيمانا منهم بأن الملة إذا لم تكن لها أوقاف ثابتة مصونة، تنفق، عليها، وتصرف على القائمين بحفظها ونشر تعاليمها، فإنها تصبح معرضة لكثير من الأخطار، وملوكنا المقدسون بصفتهم "أمراء المومنين" والرؤساء الأعلين، لجماعة المسلمين، كانوا أشد الناس تقديرا لمسؤولية الإسلام الملقاة على عواتقهم، وأحرص الناس على حفظ الأمانة التي ورثوها عن آبائهم !.

        أما النظرية العامة التي كان يطبقها الملوك العلويون الأكرمون، ومن قبلهم من ملوك الدولة المغربية، فهي اعتبار الأوقاف الإسلامية تراثا خاصا لجماعة المسلمين، وتخصيص مداخيلها وأوفارها للقيام بشعائر الإسلام وتعليم الدين ومؤاساة البؤساء والغرباء، فكانت تنفق على المساجد والمدراس والملاجئ والمارستانات، وأحيانا ينفق منها على تحصينات الثغور، وإنارة الدروب، وتنظيف الشوارع وتوزيع المياه العذبة، وكانوا يأذنون بالإنفاق من أحباس جهة على جهة أخرى متى كانت المصلحة الإسلامية تقتضي ذلك، ولا سيما إذا طالبت به جماعة المسلمين. وكانوا فوق ذلك ينفقون من بيت المال الذي هو مال الرعية على كل ما يصلحها ويصون دينها من الانحلال والبوار. ومن الأمثلة في هذا الموضوع ما قام به السلطان المعظم سيدي محمد بن عبد الله من بناء المساجد والمدارس وتجديد أضرحة الأولياء في مراكش وآسفي، والدار البيضاء، وفضالة، ورباط الفتح، ومكناس وتازة، والعرائش، وغيرها من بلدان المغرب. وقد جدد بمراكش وحدها عشر مدارس، وأنشأ مدرسة بآسفي، ومدرسة بالدار البيضاء، ومدرسة بفضالة، ومدرسة بالعرائش، ومدرستين بمكناس، ومدرسة بتازة،  

والصويرة بما فيها من مساجد ومدارس، كما خصص لمارستان فاس ومارستان مراكش أوقافا عديدة للإنفاق عليهما، ثم ما قام به ابنه المولى سليمان إذ بنى بفاس ثلاثة مساجد، وجدد بها مدرسة الواد، والمدرسة العنانية وبنى بصفرو مسجدا، وبوجدة مسجدا، وبوزان مسجدا، وبتطوان مسجدا وبأصيلا مسجدا، وبتادلا مسجدا، وبالرباط مسجدا لا يزال يعرف باسمه إلى اليوم، كما بنى بسلا مسجد الجزارين، ووقف عليه أيضا أوقافا للقيام بلوازمه، ونزلت صاعقة تداعى بسببها منار المسجد الأعظم بسلا فبناه من جديد مولاي عبد الرحمن، وأصدر أمره ببناء بستيون عظيم بسلا فبني كما أراد، وكان صائره كله من أحباس المسجد الأعظم برباط الفتح. كما بنى أيضا بسلا المارستان الكبير بضريح الشيخ ابن عاشر.

        وفي عهد ابنه السلطان سيدي محمد بن عبد الرحمن صدر الأمر بإحياء جامع السنة، وجامع أهل فاس برباط الفتح، وبناء المسجد الجامع بالسوق في الدار البيضاء، وكان الصائر على هذا المسجد من أحباس المسجد القديم.

        وفي عهد ابنه السلطان مولاي الحسن قدس الله روحه بعث مندوب الخارجية المغربية بطنجة، السفير السيد الحاج محمد الطريس، يعرض على جلالته حالة المرستان الطنجي وكونه ضيقا متداعيا للسقوط، وعدم وجود ملجأ آخر يلجأ إليه المرضى، فأجابه مولاي الحسن بظهير حسني شريف مؤرخ بتاسع ذي الحجة سنة 1306 يأذن فيه "ببناء المرستان والزيادة فيه، وجعل مرتب للمرضى تقوم به ضرورياتهم، وجعل مرتب لمن يبر بهم ولمن يعالجهم، والانفاق على ذلك كله من أحباس جامع طنجة"، حيث لا أحباس للمرستان المذكور، وكتب بنفس ذلك لناظر الأحباس كتابا رسميا. وفي سنة 1308 كتب السفير الطريس يعلم السلطان مولاي الحسن "باندثار المقبرة الإسلامية في طنجة"، فأجابه السلطان بظهير حسني مؤرخ بتاريخ 22 جمادى الثانية من السنة نفسها يعلمه فيه بصدور الأمر العالي إلى ناظر الأحباس الطنجية : "أن يقوم على ساق الجد في بناء المقبرة من الأحباس". وكان السلطان مولاي الحسن ينفذ من مداخيل الأحباس رواتب العلماء. وما عرفنا أحدا عبر عن النظرية المخزنية في الأحباس كما عبر عنها السلطان سيدي محمد بن عبد الرحمن في ظهير شريف بعثه إلى مندوب خارجيته بطنجة السفير السيد محمد بركاش بتاريخ 3 جمادى الأولى عام 1290. ففي هذا الظهير المهم يقول السلطان سيدي محمد :

        "والمحبس قصد بما حبسه انتفاع المسلمين بمستفاده، وصرفه في مهماتهم الدينية، فلا وجه لمن يريد أن يحول بينه وبين ما قصده، وهذه أمور دينية ينبغي الاهتمام بها".

        وقد ظل العمل جاريا طبق هذه النظرية طيلة العهد الماضي، والحكومة الفرنسية نفسها كانت تعرف هذه النظرية حق المعرفة وتومن بها شديد الإيمان قبل إعلان الحماية. ففي سنة 1905 حضرت سفارة فرنسية إلى فاس، وقدمت لحكومة مولاي عبد العزيز باسم الجمهورية الفرنسية مشروعا للإصلاحات التي يحسن إدخالها إلى المغرب، فاستدعى السلطان مولاي عبد العزيز "مجلس الأعيان" ليعرض عليه مشروع الجمهورية الفرنسية، وكان هذا المجلس مؤلفا من أربعين شخصا يمثلون مختلف جهات المملكة. وقد كان على رأس الإصلاحات التي أوصى بها السفير الفرنسي وعرضها على الوزراء والأعيان "تنظيم الأحباس تنظيما جديدا، والتصرف فيها تصرفا أحسن من ذي قبل، لينفق منها بالخصوص على التعليم الإسلامي والعلماء الذين ينشرون الدين". وعندما انعقد مؤتمر الجزيرة لدراسة الإصلاحات اللازمة للمغرب لم يدرس مسألة الأحباس ولم يدخلها في برنامجه، لأنها مسألة دينية لا صلة لها بالدول الأجنبية، ولا حق في بحثها والتدخل في شؤونها لغير المغاربة والدولة المغربية، إلا أن المندوبين المخزنيين انتهزوا الفرصة عن أملاك الأحباس التي اعتدى عليها الرعايا الأجانب، وطالبوا بإخراجها من أيديهم لصفتها الحبسية المقدسة في الشرع الإسلامي، فقرر المؤتمر تكليف رجال السلك السياسي في طنجة، بأن يضعوا حلا مرضيا لهذه القضية الخطيرة بالاتفاق مع المندوب الخاص الذي يعينه لذلك جلالة السلطان، وضمن المؤتمر هذا المعنى في الفصل الثالث والستين من العقد العام الذي وقعت عليه الدول بتاريخ 7 أبريل 1906.

        ثم اتفقت الحكومة الشريفة في العهد الحفيظي مع حكومة الجمهورية الفرنسية على أن تدخل فرنسا للمملكة المغربية عدة إصلاحات ضرورية تساعد المغرب على "النمو الاقتصادي"، وأعلنت من أجل ذلك معاهدة فاس بتاريخ 30 مارس 1912، تلك المعاهدة التي قام على أساسها نظام الحكم الحالي والتي صرحت في فصلها الأول باحترام المؤسسات الدينية والأحباس الإسلامية، ولم تعط أي حق من الحقوق لتدخل الغير في شؤونها أو إدارته إياها، لكن المخزن الشريف اهتم بتنظيم الأحباس تنظيما جديدا، فأصدر جلالة السلطان ظهيرا بتاريخ 21 أكتوبر 1912 لتولية المرحوم السيد أحمد الجاي رياسة بنقية الأحباس بدار المخزن الشريف، وتبع ذلك عدة ظهائر شريفة تشرح وسائل التنظيم الحبسي الجديد. نذكر من أهمها : ظهير 11 دجنبر 1912، والظهائر الستة الصادرة سنة 1913 بتاريخ 26 يوينو و13 و18 و21 يوليو و13 غشت، و2 دجنبر، والظهائر الستة الصادرة سنة 1914 بتاريخ 13 و27 فبراير، و12 مايو، وتاريخ 1 و7 يوليو و31 غشت، والظهائر الثلاثة الصادرة سنة 1915 بتاريخ 11 مارس و2 و3 يونيو، والظهائر الخمسة الصادرة سنة 1916، أحدها بتاريخ 3 يناير واثنان منها بتاريخ 4 يوليو، واثنان بتاريخ 8 يوليو، والظهائر الأربعة الصادرة، سنة 1917 بتاريخ 31 يناير، و22 مايو، و12 نونبر، و15 دجنبر، والظهائر الخمسة الصادرة سنة 1918، أحدها بتاريخ 15 يناير، وآخر بتاريخ 11 فبراير، واثنان بتاريخ 25 يونيو، وآخر بتاريخ 24 يوليو، والظهيرين الصادرين سنة 1919 بتاريخ 14 أبريل و8 نونبر، والظهيرين الصادرين سنة 1920 بتاريخ 5 و24 يوليو، والظهير الصادر سنة 1924 بتاريخ 8 أكتوبر. وقد صحبت هذه الظهائر الشريفة، عدة قرارات ومنشورات وزارية، لتفسيرها وتوضيح العمل بها بالنسبة للنظار، كما صدرت مساعدة لها من الإقامة العامة عدة منشورات مقيمية وجهت إلى الأجانب : منها منشوران صدرا سنة 1912 بتاريخ 4 أبريل و23 دجنبر، ومنشوران صدرا سنة 1913 بتاريخ 28 يونيو و10 شتنبر، ومنشور صدر سنة 1918 بتاريخ 14 مايو ومنشور صدر سنة 1921 بتاريخ 21 نونبر.

        والذي كان مفهوما، في السنين الأولى بعد إعلان الحماية، طبقا لتعهدات الدوائر العليا وتصريحات المقيم العام الأول، الممثل للحكومة الفرنسية بالمغرب، هو أن الأوقاف الإسلامية تكون موضوعة تحت إشراف جلالة السلطان إشرافا فعليا، وأن تعيين النظار والمفتشين والمراقبين الحبسيين يكون بظهائر شريفة وفقا للإرادات الملكية، وأن القضايا الحبسية المهمة يرفعها رئيس بنيقة الأحباس إلى جلالة السلطان، ويقرر القرار الفاصل فيها بالاتفاق مع جلالته، وأن إدارة الأحباس ووظائفها تكون بيد موظفين مسلمين تحت السلطة المباشرة والنفوذ المطلق للبنيقة الحبسية بدار المخزن.

        أما اختصاصات البنيقة الحبسية طبقا للظهائر الشريفة والقرارات الوزارية، فهي مراقبة الأحباس العمومية في جميع أطراف المنطقة السلطانية مراقبة تامة، ومراقبة تصرفات النظار وحساباتهم الشهرية والسنوية، ووضع الضوابط التي تتمشى عليها جميع النظارات، وإحصاء الأملاك الحبسية الموجودة في سائر النواحي، ومباشرتها إصلاح الأحباس وصيانتها بواسطة النظار، وملاحظة الدعاوي المرفوعة في المحاكم مما له علاقة بالأحباس ووضع تقرير سنوي عام عن ميزانية الحبس، ولا يعتبر أمر من الأمور المتعلقة بالأحباس نهائيا إلا بعد مصادقة البنيقة الحبسية بدار المخزن.

        وطبقا للظهائر الشريفة يلزم أن تكون ببنيقة الأحباس عدة دفاتر رسمية، لتقييد حسابات النظار السنوية، وتقييد جميع الأملاك الحبسية، وتقييد مطالب الأكرية لأجل بعيد، وتقييد مطالب المعاوضة، وتقييد دراهم المعاوضات المودعة في البنك المخزني مع ما صرف منها في اشتراء أملاك جديدة عوضا عن الأملاك المبيعة، وتقييد الأوفار الحبسية التي تضعها النظارات في البنك المخزني باسم "وزارة الأحباس".

        وطبقا للمنشور الحبسي الصادر بتاريخ 7 ذي الحجة عام 1331 يعتبر "الناظر"وحده ماذونا بالتصرف في الأحباس الموجودة بمنطقته، ومكلفا بصيانتها والمحافظة عليها، ووضع قائمة للإصلاحات اللازمة لها. ويعتبر "المراقب الحبسي" الذي تعينه بنيقة الأحباس من بين المسلمين المغاربة، هو وحده صاحب الحق في المراقبة التامة على تصرفات الناظر، وربط النظارة بالوزارة.

وطبقا للمنشور الوزيري الصادر بتاريخ 27 جمادى الثانية عام 1336 يمنع النظار من إطلاع الغير على المكاتب والأجوبة التي تتبادلها الوزارة معهم في القضايا الحبسية ! وكان المفهوم فوق هذا كله أن بنيقة الأحباس بدار المخزن إنما أنشئت لتصون الأحباس وتجمع مداخيلها ثم توزعها على أصحاب الحق فيها، وأن تنظيم الأحباس الجديد إنما قصد منه حراسة الأحباس من اعتداء المعتدين، وتنمية مداخيلها إلى أقصى حد ممكن، وأن الأحباس ستبقى كما كانت من قبل، جارية على المبادئ والتقاليد الإسلامية.

        نعم أحدثت إلى جانب دار المخزن الشريف إدارة تسمى "إدارة الشؤون الشريفة"، ووضع فيها مقابل كل بنيقة من بنائق دار المخزن قسم خاص يتصل بها، فوضع أمام بنيقة الأحباس قسم يدعى "قسم مراقبة الأحباس" بإدارة الشؤون الشريفة. وكان المفهوم في الدوائر العليا وفي جميع الأوساط الإسلامية أن هذا القسم ليس إلا عبارة عن مكتب فني (Service technique) كل وظيفته أن يجعل بنيقة الأحباس على علم بالأساليب الإدارية الحديثة التي تفيدها في إدارة الأحباس الإسلامية، وأن يكون صلة وصل بينها وبين الإدارات الفرنسية في الأمور التي لها علاقة بالأحباس. وعلى هذا الأساس كان تنظيم الأحباس الجديد، كما تشهد بذلك التقارير الرسمية والكتب العلمية، وتدل عليه التصرفات الأولى التي جرت عليها بنيقة الأحباس بدار المخزن ومراقبة الأحباس بإدارة الشؤون الشريفة.

        والعاطفة الدينية التي كانت تملأ قلب سلطاننا المرحوم مولاي يوسف روح الله روحه، وخشيته لله تعالى، جعلته يحتاط كل الاحتياط في مسألة الأحباس الخطيرة، فأصدر ظهيرا بتاريخ 21 يوليو 1913 ينص فيه على أن أملاك الأحباس لا تستقر بها أية إدارة عمومية من الإدارات، إلا إذا أدت كراءها الحقيقي وصدر لها إذن من بنيقة الأحباس، وسعى قبل ذلك وبعده لإقناع المقيم العام بهذا المعنى، حتى أصدر منشورا مقيميا بتاريخ 28 يونيو 1913، ومنشورا مقيميا آخر بتاريخ 10 شتنبر 1913 يأمر السلطات المدنية والعسكرية الفرنسية بدفع كراء مناسب لأملاك الأحباس التي يقيمون بها، وأصدر جلالته ظهيرا شريفا بتاريخ 7 يوليو 1914 ينص فيه على أن الأحباس لا تباع ولا ترهن، وأصدر جلالته ظهيرا آخر بتاريخ 31 غشت 1914 ينص في الفصل السابع منه على أن الأحباس لا يصح أن تكون محلا لنزع الملكية بدعوى المصلحة العمومية، وأصدر ظهيرا مصحوبا بعدة قرارات ومنشورات وزيرية، يوجب على بنيقة الأحباس إذا رأت المصلحة في بيع ملك من أملاك الحبس، أن تشتري على الفور ملكا جديدا بنفس قيمة الملك المبيع، ووجد عدة أملاك حبسية تحت تصرف إدارة الأملاك المخزنية، فاجتهد في شأنها إلى أن عوضتها للأحباس إدارة الأملاك المخزنية بعشرات من أملاكها. ثم أمر جلالته بحيازة الحبس لهذه الأملاك حتى تصبح موسومة بوسمه، محترمة بحرمته، وأمر بإثبات ذلك في الحوالات الحبسية (كما وقع في أملاك حبسية بمكناس سجلت قضيتها بوزارة عموم الأوقاف سنة 1344 رقم 1495)، وأعلن جلالته في ظهيره الصادر بتاريخ 21 يوليو 1913، حتى يزيل اللبس والإبهام، ويقضي على ما قد تلده الأيام، "أن مدخول الحبس كما يصرف على المحلات المحبس عليها، يصرف على إصلاح الأملاك المحبسة، وعلى إقامة شعائر الدين، وتعليم العلم، وإعانة العلماء، وعلى الأعمال الخيرية والمصالح العمومية العائد نفعها على المسلمين". وفي هذا الظهير ينص صراحة على "أن وزارة الأحباس لها الحق في أن تستعمل الحبس في بناء المساجد والمكاتب والمستشفيات وغير ذلك من الأعمال بقصد نفع المسلمين"، كل ذلك حتى لا تضيع الأحباس بالتفويت أو بالبيع أو بالرهن أو بنزع الملكية أو ترامي الإدارات، وحتى لا تصرف مداخيل الأحباس في غير المصالح الإسلامية العائد نفعها على المسلمين.

        لكن الأمر لم يجر تطبيقه دائما على هذه الأسس الأولى التي حددتها الظهائر الشريفة، فلم تلبث مراقبة الأحباس أن تجاوزت مهمتها الأولى التي كانت منحصرة أولا في مساعدة الأوقاف مساعدة فنية، وربط بنيقة الأحباس بباقي الإدارات العامة، وأصبحت هي الإدارة المكزية الحقيقية للأوقاف الإسلامية، وعلى يدها تتصل بنيقة الأحباس بمختلف النظارات، وأخذت تبعث مناشيرها الرسمية إلى المندوبين المخزنيين، والمراقبين المدنيين، وضباط الشؤون الأهلية، ليتدخلوا في أحباس المسلمين تدخلا فعليا. ومن ذلك منشورها الصادر بتاريخ 11 أكتوبر 1919 نمرة 4160، ومنشورها الصادر بتاريخ 21 فبراير 1922 نمرة 959 اللذان هما أهم منشوراتها بعد الحرب الكبرى. وطبقا لهذين المنشورين أصبح المندوبون المخزنيون ومن يقوم مقامهم من مراقبين وضباط، هم الوسطاء الوحيدين بين موظفي الأحباس وباقي الإدارات المحلية أو إدارات الناحية، وأصبح من اختصاصات المندوبين المخزنيين أن يتدخلوا في جميع القضايا الحبسية التي في دائرتهم، وأن يطلعوا جبرا على جميع المسائل التي تتصل بالإدارة المحلية للأحباس، وأصبح واجبا أن تمر مراسلات النظار وأجوبة الوزارة عنها بأيديهم، فيكتبوا عليها ملاحظاتهم الخاصة ويبعثوها رأسا إلى مراقبة الأحباس لا إلى الوزارة، ثم يأخذوا نسخا من أجوبة الوزارة عنها، وأصبح لأولئك المندوبين الحق في أن يرفعوا إلى الإدارة المركزية مشروعات للإصلاحات الحبسية وأن يتدخلوا في حل مسائل الحبس وفصلها كلما أرادوا التدخل. والتعليل الذي عللت به مراقبة الأحباس هذه التدخلات الجديدة التي ليس لها أساس من الظهائر الشريفة الخاصة بالأحباس، هو إشعار النظار بأنهم ليسوا موكولين إلى أنفسهم، وإجبارهم على أن يحسبوا للمراقبة حسابها في كل وقت ! وبهذا لم يبق للنظار أنفسهم أي عمل حقيقي في إدارة الأحباس الإسلامية التي تخص جماعة المسلمين دون سواهم !

        يضاف إلى ذلك ما قامت به مراقبة الأحباس منذ خمس سنوات، إذ أخذت تبعث إلى مختلف النظارات فريقا من موظفيها الأجانب باسم "التفتيش" على النظار، بينما تفتيش النظارات ليس من اختصاصات الموظفين الأجانب بمراقبة الأحباس، وإنما هو من اختصاصات البنيقة الحبسية بدار المخزن الشريف، طبقا للظهير اليوسفي الصادر بتاريخ 5 ربيع الثاني عام 1335، الذي ينص على وجوب أن يكون المفتشون من "الرعايا المغاربة الأهليين المستخدمين بوزارة الأحباس"، فليس من القانون أن يقوم بوظيفة التفتيش الحبسي من لا يتمتع بالجنسية المغربية، التي هي شرط في جميع الوظائف المخزنية وخصوصا الوظائف الحبسية ! وهذا هو السبب الرئيسي، الذي جعل وزير الأحباس المرحوم السيد أحمد الجاي، يرفض اقتراح مراقبة الأحباس في إرسال مفتشين أجانب إلى مختلف نظارات المملكة.

        على أن رئيس قسم مراقبة الأحباس لم يكتف بهذه التصرفات الجديدة، التي ساعد عليها تساهل وزارة الأوقاف الحالية في حقوقها واختصاصاتها القانونية، فأخذ يضع بنفسه الضوابط، ويبعث التعليمات الخاصة، ويوزع المناشير الرسمية على مختلف النظارات، وأصبحت القضايا الحبسية ترفع باسمه أمام المحاكم، فرنسية كانت أم مغربية، وأصبحت بنيقة الأحباس لا ترفع قضية لجلالة السلطان، إلا بعد أن يضع المراقب قراره النهائي فيها، فإذا حدث خلاف بينه وبين المخزن الشريف أصر حضرته على رأيه ومضى في تنفيذه إلى النهاية. وكثيرا ما تكون مناشيره التي يبعثها للنظار مخالفة مخالفة صريحة لمضمون الظهائر الشريفة الأساسية، وبعد ما كان يدعى رئيس مكتب مراقبة الأحباس أعطى لنفسه لقب "مدير الأحباس"، وأعطى لمكتب المراقبة اسم "إدارة الأحباس"، وبهذا الاسم أصبح معروفا في جميع أطراف المغرب.

        وهكذا انقلبت الأوضاع فأصبحت بنيقة الأحباس فرعا تابعا لإدارة المراقبة، خاضعا لأوامر "المدير" ودكتاتوريته الصارمة. ولأجل القضاء على استقلال بنيقة الأحباس وحذف وظيفتها الأصلية، اجتهد المدير لإخراج موظفيها من الميزانية العامة، وأخذ يدفع لهم رأسا مرتبات خاصة من مداخيل الأحباس نفسها، ولم يبق بالميزانية العامة سوى مرتب الوزير، وتبع هذا كل التدخلات التي تظاهر بها المراقب بالنسبة لبنيقة الأحباس خصوصا، ودار المخزن على العموم، حتى أصبح يعتبرها ويعتبر الموظفين بها من مشمولات نظره واختصاصاته الشرعية. في حين أن دار المخزن بجميع موظفيها المخزنيين يرجع أمرها إلى جلالة السلطان ووزيره الصدر الأعظم، ولها كبقية الإدارات تنظيمات خاصة ومراقب مغربي خاص مكلف من قبل الصدارة العظمى بمراقبة الموظفين المخزنيين في جميع الأوقات. وآخر ضابط وضع للخدمة بها صدر بتاريخ 13 دجنبر 1932، وهو واقع في خمسة فصول. والموظفون الحبسيون يشتغلون في بنيقتهم طبقا لهذا النظام كبقية الموظفين بدار المخزن، ولا حق في التدخل في شؤونهم لغير جلالة السلطان ورياسة الوزراء.

        ثم إن ما أحدثه مراقب الأحباس من الوظائف المتعددة بإدارته وما جلبه لها من الموظفين المتنوعين، وما أصبح يديره فيها من القضايا الحبسية المهمة، وما أنشأه بواسطتها من العلاقات المباشرة مع كل من له صلة بالأحباس، كل ذلك أحال إدارته من "مكتب مراقبة" إلى إدارة حقيقية للأحباس استولت على جميع اختصاصات الوزارة الحبسية وعطلت جميع وظائفها الأساسية.

        هذا وقد كان جلالة السلطان المرحوم مولاي يوسف أصدر ظهيرا شريفا بتاريخ 16 جمادى الثانية سنة 1332 الموافق لتاريخ 12 مايو 1914، يأمر فيه بإنشاء مجلس أعلى للأحباس تحت رئاسة الصدر الأعظم وبحضور وزير العدلية، ووزير الأوقاف، وبعض علماء المسلمين وأعيانهم، ومشاركة الكاتب العام للحكومة الشريفة أو نائبه، ورئيس مراقبة الأحباس، ومندوب من قبل إدارة المالية، ويأذن بأن يحضر في هذا المجلس كل من كانت فيهم أهلية وكفاءة لإبداء الرأي والمشورة، ويوجب انعقاد جلساته بدار المخزن مرة في كل ستة أشهر على الأقل، وأن تكون مناقشات هذا المجلس واقتراحاته بالأكثرية، وتعرض على جلالة السلطان.

        أما اختصاصات المجلس الأعلى للأحباس، طبقا لهذا الظهير الشريف فهي :

1-   المراقبة العليا على سائر أعمال إدارة الأحباس.

2-   بحث كل المسائل العامة التي تتعلق بإدارة الأملاك الحبسية إدارة حسنة.

3-   فحص حسابات الأعمال المنتهية.

4-   بحث الميزانيات العادية والتكميلية التي تضعها بنيقة الأحباس.

وقد اجتمع هذا المجلس فعلا مرتين فقط : المرة الأولى في شهر ذي الحجة سنة 1333 – 1915، وقد حضره في هذه المرة عدة وفود من مختلف جهات المملكة، وألقى الجنرال ليوطي خطبة في جلسته الختامية، والمرة الثانية في شهر شوال سنة 1335 – 1917، وحضره في هذه المرة – زيادة على الوفود المغربية – عدة شخصيات رسمية من تونس والجزائر، وكان ليوطي من الحاضرين في الجلسة الافتتاحية هذه المرة، وألقى بتلك المناسبة خطبة في غاية الأهمية. وفي كل من هاتين الدورتين، ألقيت بيانات، ودارت مناقشات، ووقع البحث في ميزانية الأحباس وإدارتها، وقدمت فيما يتصل بهذا الموضوع عدة اقتراحات وملاحظات نافعة.   

ولكن الميول الجديدة التي ظهرت في الإدارة الفرنسية منذ سنة 1918، واستبداد مراقب الأحباس الحالي، وضعف الوزارة الحالية، كل ذلك أدى إلى الاستغناء عن المجلس الأعلى للأحباس، وتعطيل الأوامر الشريفة الموجبة لاستدعائه وعقده مرة في كل ستة أشهر، رغبة في التمكن من إدارة الأوقاف إدارة مباشرة دون رقابة ولا مسؤولية !

* * *

        نعم عندما تمكن مراقب الأحباس من الاستيلاء على مقاليد الأوقاف الإسلامية. والتصرف فيها دون محاسبة حقيقية، ولا مراقبة فعلية، لا من جانب المخزن الشريف، ولا من قبل الإقامة العامة، ولا من قبل الحكومة الفرنسية بباريس، ولا من قبل جماعة المسلمين المغاربة، أصحاب الحق في الأحباس الإسلامية بهذه المملكة، ظهرت منه عدة تصرفات عجيبة، وأحوال غريبة، ونسي تمام النسيان أن هنالك رأيا عاما مختمرا في جميع البلاد المغربية، يحصي عليه الأنفاس ويلاحظ عليه جميع الحركات والسكنات، ولكن المسلمين كانوا مستيقظين منتبهين، واستخلصوا من تصرفاته سياسة خطيرة، لها مبادئ أساسية متبعة تجري عليها سائر تصرفات الأحباس.

        وأهم المبادئ التي تجري عليها مراقبة الأحباس تنحصر في خمسة :

1-         التبذير في كل ما لا حاجة بالأحباس إليه، ولا ضرورة تجبرها عليه، وسوء التصرف في أموالها وأملاكها.

2-         استغلال ضعفاء المسلمين واستثمارهم بأقصى وجوه الاستغلال والاسثمار.

3-         مطاردة العنصر الإسلامي من الأعمال الحبسية والجري فيها على قاعدة التحيز.

4-         التقتير في كل المصالح الإسلامية التي أنشئت الأحباس من أجلها.

5-         مقاومة النفوذ السلطاني وتضييق دائرته بكل ما في الإمكان.

أما تبذير مراقبة الأحباس فيما لا مصلحة للأحباس فيه، وسوء تصرفها في الأموال والأملاك الحبسية، فللمسلمين عليه شواهد كثيرة :

1-         أن إدارة الشؤون الشريفة التي هي من بناءات الحكومة تحتوي على قسم خاص لمراقبة الأحباس منذ بدء الحماية إلى اليوم، وذلك القسم كاف كل الكفاية لأعمال المراقبة وموظفيها، ولكن رئيس هذا القسم بعد ما اتسعت أطماعه وأخذ يفكر في نقل جميع اختصاصات الوزارة الحبسية إلى مكتبه الخاص، أصدر قراره بأن يبني لنفسه من جديد إدارة خاصة على آخر طرز في البناء، ليتمتع فيها بجميع وسائل الراحة والرفاهية، فبنى إدارة جديدة متصلة بمباني إدارة الشؤون الشريفة، ثم تبرع بالقسم الأعلى منها على رئيسه مدير الإدارة الشريفة، اعترافا له بالجميل، وكانت مصاريف بناء هذه الإدارة الجديدة من مالية الأحباس الإسلامية، لا على حساب الميزانية العامة، بينما بنيقة الوزارة الحبسية بنفسها، والتي هي الإدارة المركزية للأحباس من الوجهة القانونية، إنما بناها المخزن الشريف، وصرف عليها كما هو الواجب من ميزانية الدولة المغربية لا من الأحباس.

2-         أن مراقبة الأحباس اشترت من أموال الأحباس الإسلامية سيارة خاصة وسمتها "السيارة الحبسية"، وهذه السيارة حسب المشاهدة لا تستعمل أبدا في أية مصلحة من مصالح الأحباس، وإنما تستعمل في مصالح المراقب الشخصية، ومصالح عائلته الخصوصية. ولم تكتف المراقبة بشراء السيارة الحبسية وتجديدها على حساب الأحباس ما بين حين وحين، بل إنها حازت من أملاك الحبس ملكا خاصا فجعلته محطة ثابتة "كاراج" للسيارة الحبسية، وزادت فوق ذلك كله فيما هو شائع أجرة قائد السيارة "شفور"، الذي أصبح مرتبه الشهري يوجد أيضا من ميزانية الأحباس، في حين أن وزارة الأحباس نفسها لا تملك سيارة واحدة من هذا النوع.

3-         أنها أنشأت عدة وظائف إدارية وفنية دائمة بالرباط وخارجه مما لا حاجة بالأحباس إليه، ففي إدارتها عدة مهندسين، ومحامين وكتاب، ومترجمين، يثقلون كاهل الميزانية الحبسية، ولا مصلحة للحبس في الإنفاق عليهم على الدوام، وجعلت الأكثرية الساحقة من الموظفين بها من الأجانب الذين تدفع لهم أجورا شهرية في غاية الارتفاع.

4-         أنها تبني عدة أماكن دون ضرورة لبنائها فتبقى المباني خالية، لأنه لا يوجد سكان يرغبون في كرائها، كما هو واقع الآن في القرية الحبسية بالدار البيضاء، التي لا يزال نحو ثلثها فارغا، ورغما عن ذلك لا تزال ماضية في توسيعها وإضافة بنايات جديدة إليها، إرضاء لأصدقائها الخواص من المهندسين والمقاولين !

5-         أنها تفوت كل سنة من أملاك الأحباس القيمة وأراضيها الجيدة قسما كبيرا دون موجب ولا ضرورة. وقد فوت في سنة 1928 أراضي تبلغ مساحتها 10.000 عشرة آلاف هكتار سجلت كلها في مساحات الاستعمار. وفي سنة 1930 فوتت بقصد الاستعمار أيضا 160 قطعة من أجود أراضي الأحباس، كما باعت في السنة نفسها لبعض الملاكين مائتي عقار وثمانية وثمانين عقارا، وسلمت للإدارات العامة أيضا في نفس الوقت مائتي عقار وست عقارات، طبقا لما في التقرير الرسمي الصادر عن "سير إدارات الحماية أثناء سنة 1930". وعلى هذه النسبة تجرى تصرفات مراقبة الأحباس كل سنة، يضاف إلى ذلك أنها تبيع هذه الأملاك والأراضي بأثمان بخسة طفيفة، كما وقع في أراضي حمرية الواسعة بمكناس، التي حبسها على الحرمين الشريفين السلطان المولى إسماعيل، ثم جدد تحبيسها عليهما السلطان سيدي محمد بن عبد الله، فقد ضاع على الأحباس من تلك الأراضي المبخوسة مال كثير، بينما الضوابط الحبسية، وفتاوي اللجنة العلمية، التي كانت انعقدت لتحرير هذه المسألة، تجعل شرط البيع والاستبدال "غبطة" الأحباس وحصول منفعة محققة واضحة لها من البيع !

6-         أنها بعد ما تأذن ببيع الأملاك الحبسية وتحوز أثمان المبيعات تضع تلك الأثمان في البنك المخزني ولا تشتري بها أملاكا تعويضا عن المبيعة إلا نادرا، بينما الظهائر الشريفة، والمنشورات الوزيرية الصادرة بتاريخ 16 شعبان 1331، وتاريخ 7 رمضان 1334، وتاريخ 24 رجب 1336، وتاريخ 7 ربيع الأول 1338 وتاريخ 25 رجب 1340 تجعل "اشتراء العوض شرطا أساسيا في عقد المعاوضة الحبسية"، وتوجب "اشتراء العوض بدراهم المعاوضة في أقرب وقت ممكن"، وتوجب أن يكون العوض المشترى، من "الأملاك النفاعة لجانب الأحباس"، والمنشورات الوزيرية أيضا توجب على النظائر "توجيه قائمة في كل ثلاثة أشهر تحتوي على بيان ما عقدوه من المعاوضات، وما اشتروه لجانب الأحباس عوضا عن الأملاك المفوتة".

    ومن جملة المنشورات الوزيرية المهمة في هذا الباب، المنشور الصادر بتاريخ 7 ربيع الأول عام 1338، فقد جاء فيه :"طالما كتبنا في شأن دراهم المعاوضات والتعجيل بشراء عوضها، وعددنا الكتب في ذلك، زيادة على ما يتضمنه كل كتاب شريف يصدر بمعاوضة نقدية، بل ما من أمر يتوجه بعقد أية معاوضة كانت، إلا وفيه التأكيد على التعجيل بشراء العوض، مصحوبا بكتابنا بزيادة الحرص في شراء العوض فورا من غير تأخير. على أنه من المعلوم أن من شرط كل معاوضة أن تجعل بشراء عوضها". والكلمة المخزنية التي تصدر في جميع ظهائر المعاوضة النقدية هي هذه الصيغة : " فلتحوز دراهمه ولتشتر بها العوض فورا" وإليها أشار وزير الأوقاف السابق في منشوره الوزيري الصريح الواضح.

7-          أنها تؤجر للمعمرين كثيرا من أراضي الأحباس لمدة طويلة وبثمن بخس، وقد سلمت للمعمرين في سنة 1928 مائة قطعة من الأراضي تبلغ مساحتها نحو ألف وخمسمائة 1500 هكتار لمدة عشر سنين وعشرين وثلاثين عاما. وهكذا يجري العمل في كل سنة، بينما الظهائر الشريفة الصادرة بتاريخ 3 رمضان 1334، وتاريخ متم رجب 1335، أباحت أولا كراء الأراضي لمدة عامين فقط، ثم أباحت كراءها لمدة 3 أو 6 أو 9 سنين لا غير ولا يوجد ظهير معروف يبيح لمراقبة الأحباس تأجير الأراضي الحبسية لمدة أطول من تسع سنين. وتفاديا من أن تجدد العقدة مع نفس المكتري عند تمام التسع سنين، نص الظهير الصادر بمتم رجب 1335 في الفصل الحادي عشر منه على أنه "عند كمال التسعة أعوام، يفرغ المكتري المحل بجميع ما اشتمل عليه من بناء أو غرس أو منهما"، وكذلك نص هذا الظهير على أن عقدة كراء الأراضي الحبسية "تسلم لآخر زائد".

والغرض من هذا التشريع المخزني هو خدمة الأحباس، والدفاع عن مصالح المحبس عليهم، فإن إيجار الوقف لمدة طويلة يحول دون الانتفاع من الظروف المقبلة، وكثيرا ما ترتفع أكرية الأراضي ضعف أو أضعاف ما كانت عليه حين العقدة، فيضيع الوقف فيما يستحقه من الكراء، ولا يتمكن الموقوف عليهم من استيفاء حقوقهم بسبب ذلك، وكثيرا ما ينقلب الاستيجار إلى ملكية أو شبهها عندما يستولي المستأجر على الوقف مدة طويلة. وهكذا يعتبر المعمرون اليوم سائر الأراضي الحبسية، التي استأجروها لعشرات السنين !

8-         من المتواتر بين المسلمين أن مراقبة الأحباس أقرضت باسم الأحباس عدة قروض عظيمة الأهمية، منها ما هو للمعمرين، ومنها ما هو لصندوق الاتحاد الفلاحي، ومنها ما هو لجامع باريس. ومن الشائع شيوعا عظيما أنها رهنت تلقاء تلك القروض ما يعادلها من الأملاك الحبسية، وأنها لم تسترجع من هذه القروض قليلا ولا كثيرا !

9-         من التصرفات المسجلة على مراقبة الأحباس أنها تأذن في سحب الآثار الإسلامية من معاهد المسلمين، وتسمح للأجانب بحوزها والاستيلاء عليها، كما حدث في "منبر" مسجد المدرسة البوعنانية، الذي وضعت إدارة الآثار يدها عليه بإذن من مراقب الأحباس، وسحبته فعلا إلى مركزها الخاص بقصد الاستيلاء عليه، حتى ثارت ثائرة المسلمين بفاس، وأبرقوا محتجين على ذلك لجلالة السطان والمقيم العام السابق، كما تسمح للأجانب بنقل نفائس الكتب المحبسة إلى الخارج !

10-     من الضوابط الحبسية الأساسية، القيام بالسمسرة العمومية في جميع الأعمال الحبسية، ولكن مراقبة الأحباس، لا تستعمل السمسرة العمومية على حقيقتها طبقا لنص الضوابط وروحها، بل كثيرا ما تفضل الذي هو أغلى على ما هو أرخص دون مبرر مشروع، سوى تفضيل المهندس الذي لا يخلو من الأغراض في هذا الموضوع ! فتقضي المراقبة تبعا لهوى المهندس، بتقديم الغالي على الرخيص، وإن كان المقاول الأرخص ملتزما نفس الشروط التي التزمها الآخر، وعنده من الضمانات المالية ما يكفي للقيام بالعمل، وفي هذا الباب حكايات كثيرة، وقضايا متعددة، معروفة بين البناءين والنجارين والزلايجية. هذه بعض الشواهد التي تشهد للمسلمين على تساهل المراقبة في حقوق الأحباس وتبذيرها لأموال الحبس وتشتيتها للأملاك الحبسية والآثار الإسلامية.   

* * *

أما ما تقوم به مراقبة الأحباس من استغلال فقراء المسلمين واستثمار ضعفائهم بأقصى وجوه الاستغلال والاستثمار، وما تسعى إليه من احتكار كثير من المصالح دون بقية السكان فللمسلمين عليه دلائل واضحة :

1- إن القرى التي بنتها الأحباس حوالي المدن المستبحرة العمران كالرباط والدار البيضاء، بنيت على أساس أنها ستكون بأثمان مخفضة، مساعدة لضعفاء المسلمين الذين لا يستطيعون تحمل أجور الكراء المرتفعة داخل المدن، كما يوجد ذلك بالتقارير الرسمية وفي تصريحات الدوائر العليا، وقد طبق ذلك في أول الأمر فكان كراء المنزل فيها يبلغ 40 فرنكا. وحدث أن مر المقيم ليوطي على القرية الحبسية بالرباط، فوجد في بعض دكاكينها بعض الأوربيين، فأمرهم بإفراغها لأنها بنيت للمسلمين خاصة، لكن الواقع اليوم، طبقا لأوامر مراقب الأحباس، هو أن أكرية القرى الحبسية تفوق أكرية المدن نفسها، وكراء المنزل الصغير في القرية الحبسية بالرباط مثلا، يبلغ الآن من 500 إلى 600 فرنك، ورغما عن سقوط الأكرية في السنين الأخيرة لضعف الحركة العامة، وتأثير الأزمة الاقتصادية، فإن أكرية القرى الحبسية لم تخفض مطلقا، ومنذ بضعة شهور أخذ كثير من المكترين يفارقها إلى غيرها من المساكن المناسبة، فلم تفكر مراقبة الأحباس في تخفيض الأكرية بها مراعاة للظروف، بل التزمت إبقاء المساكن الفارغة خالية من السكان، حتى لا يطالبها بقية المكترين بالتخفيض (كما هو واقع في القريتين الحبسيتين بالرباط والدار البيضاء).

2- إن أكثرية الدكاكين التي بيد أهل الحرف والصنائع وصغار التجار، جميعها من أملاك الأحباس، كما أن أكثرية المنازل التي تسكنها الطبقة الصغرى والطبقة الوسطى من المسلمين هي أيضا أملاك حبسية.

       وغير خاف ما أصيبت به هاتان الطبقتان من التدهور والبوار وضيق وسائل العيش، حتى أصبح من الصعب عليهما القيام بالواجبات العائلية، بل تحصيل المعيشة اليومية، ومع ذلك فإن إدارة الأحباس لم تزل تتجاهل هذه الحقيقة المرة، ومضت على عادتها في استغلال ضعف فقراء الأمة والزيادة عليهم في الأكرية باستمرار، رغما عن سقوط الأكرية في الأحياء الإفرنجية، والأملاك غير الحبسية، بنحو خمسين في المائة، والقوانين المعروفة لا تبيح استغلال الملاكين للمكترين استغلالا فاحشا كما تستغلهم مراقبة الأحباس، بل هناك حدود وضمانات قانونية، تحمي ضعفاء المكترين من عدوان الملاكين الأقوياء، ولا سيما بالنسبة للتجار وأرباب الحرف والصنائع. وقد استقبل المسلمون بدهشة عظيمة ما قامت به مراقبة الأحباس أخيرا من تقويم الأملاك الحبسية تقويما جديدا، أملا منها في الزيادة على المكترين داخل السنة القادمة، لأنها لم تكتف بالأكرية الفاحشة التي تأخذها منهم مضطرين مكرهين. وبين يدينا عريضة رفعها تجار القيسارية الجديدة بالرباط، بتاريخ 12 شوال عام 1352، إلى ناظر الأحباس الكبرى، طالبين فيها تخفيض أكرية الحوانيت التي بأيديهم، نظرا لتوالي الكساد، واشتداد الوطأة، ووقوف الحركة التجارية، ورجوا من الناظر رفعها إلى وزير الأحباس ليحيط بها علم جلالة السلطان، حتى ينظر في قضيتهم بعين الشفقة، فما كان من الناظر إلا أن أرجع نفس العريضة إلى موقعيها، وحال بينهم وبين الوزارة وجلالة السلطان بدعوى أنه " لا يسوغ له رفع هذه القضية للوزارة، لأن عنده أوامر إدارية تمنعه من ذلك، وأن الطريق الوحيد الذي في إمكانه هو سمسرة الحوانيت عند انتهاء عقدتها"، وتاريخ هذا الجواب 18 شوال 1352 عدد 3865. هذا في حين أن الشركات الرأسمالية، التي غرضها الأساسي وغايتها الرئيسية هي الاستغلال والاستثمار، تضطر في كثير من الأحيان لملاحظة زبنائها ومراعاة ظروف المكترين منها، وتضطر إلى التخفيض لهم والتساهل معهم، كلما ضعفت مقدرتهم، وساءت حالتهم.

       على أنه يوجد ظهير يوسفي شريف صادر بتاريخ 3 رمضان 1334، ينص صراحة على "أن الحوانيت المعدة لأرباب الحرف كالحدادة والصباغة والخرازة والسمارة تكرى لمن هي بيدهم من المحترفين بدون سمسرة، نظرا لضعف حالتهم ووحدة سماطهم". ولا شك أن أهل القيسارية في معنى المحترفين، بحيث تجري عليهم أيضا نصوص هذا الظهير، وقد أرسل وزير الأحباس السابق منشورا عموميا لجميع النظار بمضمون هذا الظهير بتاريخ 14 رمضان  من تلك السنة نفسها، عدد 5283.

       كما أنه يوجد ظهير يوسفي آخر صدر بفاتح ربيع الثاني عام 1332 ينص على "إعفاء المكترين لأملاك الأحباس، من كل زيادة عن القدر الذي يؤدون، مدة من عامين اثنين"، وينص على أن العلة في ذلك هي "مراعاة الحالة الوقتية، والمصلحة العمومية، لما هو حاصل من غلاء الأسعار". ولكن الفكرة الرأسمالية التي تسيطر على مراقبة الأحباس قضت على ما في نصوص هذين الظهيرين من إنسانية وعدالة، ونسخت ما قصده المحبسون قصدا أوليا من التوسعة على الفقراء والتخفيف على الضعفاء، يضاف إلى ذلك ما تقوم به مراقبة الأحباس من مطاردة ضعفاء المكترين الذين لا يجدون ما ينفقون وما يقوم به نظارها، طبقا لأوامرها الخاصة، من إهانتهم وتهديدهم بكل وسائل التهديد، وإلقائهم في السجون، إما مباشرة وإما بواسطة الباشوات والعمال، حتى اضطر أخيرا بعض ضعفاء المكترين من أشراف سلا وأبناء الزوايا إلى رمي نفسه في البحر والانتحار، تخلصا من شر الناظر وقسوة مراقبة الأحباس، وقد كتبت عن هذه القضية المحزنة كثير من الجرائد الفرنسية بالمغرب مثل المساء المغربي (Le Soir Marocain) وجريدة الصحافة المغربية (La Presse Marocaine) وصرحت بأن المكترين البؤساء الذين لهم علاقة بالأحباس أصبحوا بفضل مراقبة الأحباس في جحيم مستمر، وأن معاملة المكترين هذه المعاملة القاسية، أخذت تدفعهم جبرا إلى الخراب والدمار، وصرحت بأن واجب الأحباس هو أن يكون الدور الذي تلعبه في المجتمع دورا إنسانيا قائما على الإحسان والمعروف بكل معاني الكلمة، لأن ذلك هو القانون الأساسي للأحباس والغرض المقصود من إنشائها.

3- إن مراقبة الأحباس أخذت تستعمل كل الوسائل للترامي على أملاك المسلمين الخصوصية، وتسعى إلى نزع ملكيتهم من أراضيهم وأملاكهم المجاورة لأملاك الأحباس، حتى تحول بينهم وبين الانتفاع بها والبناء عليها، وتحتكر وحدها استغلال تلك الجهات، الأمر الذي أصبحت به مراقبة الأحباس تمثل حكومة داخل حكومة، لأن نزع الملكية من خصائص الدولة، ولا يبيحه القانون إلا للمصلحة العامة وحدها، وبتعويض مناسب عن الملك المنزوع. ومن جملة القضايا المشهورة في هذا الباب، قضية الأراضي والأملاك المجاورة للقرية الحبسية بالرباط، التي راج أمرها في البلدية الرباطية، والتي لولا احتجاج أصحابها ودفاعهم الشديد لاستولت عليها مراقبة الأحباس باسم "المصلحة الحبسية" !

4- إنها ترامت فعلا على "الأحباس المعقبة" التي لا حق للأحباس العامة في التمتع بها واستثمارها إلا بعد فناء آخر شخص من الأشخاص الذين حبست عليهم، وبنت هذا العمل على الظهير الصادر بتاريخ 13 يناير 1918، ولكن هذا الظهير يعطي لوزارة الأوقاف حق "مراقبة الأحباس المعقبة" لا غير. والقصد من ذلك أن لا يقع فيها نقص، ولا تفويت، ولا إضرار بحقوق المحبس عليهم، وليس الغرض من ذلك مشاركتهم في الأحباس المعقبة نفسها، غير أن مراقبة الأحباس تدعي أنها إنما شاركت المحبس عليهم في الانتفاع والاستغلال لتصلح بذلك ما بيدهم من الأحباس، ولكن الإصلاح لا يكون كل شهر ولا كل سنة، بينما هي تأخذ ربع المدخول أو نحوه بصفة دائمة، الأمر الذي أدى إلى مضايقة المحبس عليهم في معايشهم مضايقة لا تطاق. ومن الشائع الذائع أنها هددت بعض العائلات التي لها أحباس معقبة، بسحب تلك الأحباس من يدها نهائيا إن لم تدفع ما فرضته عليها مراقبة الأحباس، وهكذا فعلت في "الأوقاف المعينة" لوظائف دينية.

5- إنها ترامت على الأوقاف الخاصة التي هي أوقاف الزوايا، وهذه الأوقاف بقيت مستقلة منذ القدم، لا يتدخل فيها أحد سوى أصحابها من أبناء الزوايا وفقرائها، ومنها يصرف عليهم وعلى الزوايا. ويوجد ظهير شريف مؤرخ بتاريخ 8 شعبان عام 1331 ينص على أن وزارة الأوقاف "تحافظ على أحباس الزوايا والأحباس الخاصة" وليس معنى المحافظة الحيلولة بين أبناء الزوايا والتصرف في زواياهم، كما أن "المحافظة" ليس معناها استيلاء الأحباس على مدخولات الأوقاف الخاصة بالزوايا، وترك أبناء الزوايا عالة يتكففون الناس، بينما أوقافهم قائمة العين ولم توقف على أحد سواهم. وقد وقعت في هذا الباب عدة حوادث محزنة تخربت بها بيوت، وسقطت من أجلها عدة عائلات في أحضان البؤس والفاقة، بفضل ترامي مراقبة الأحباس وسوء تأويلها للظهائر المخزنية.

6- إنها سعت إلى رفع أكرية الحمامات الإسلامية، ورفع أجرة الاستحمام على المسلمين، دون ملاحظة للشريعة الإسلامية، ولا لحالة الفقراء الذين هم السواد الأعظم من الأمة، ذلك أن الحمامات يرجع أكبر عدد منها في المدن المغربية إلى الأحباس، ورأي المحبسين فيها أنها مراكز للطهارة الإسلامية بنيت ليتطهر فيها المسلمون، وليتمكن الرجال والنساء من القيام بواجباتهم الدينية، ولذلك كانت أكريتها دائما مخفضة، وأجرة الاستحمام بها رخيصة، نظرا لارتباطها بالدين، الذي يوجب الغسل على كافة المسلمين. ولكن مراقبة الأحباس أصبحت لا ترى في الاستحمام إلا شيئا كماليا يقصد منه النظافة فقط، وأصبحت تتجاهل ارتباطه بالدين، ووجوب تسهيله على فقراء المسلمين، فرفعت أكرية الحمامات إلى أثمان باهضة، وتبع ذلك ارتفاع أجرة الاستحمام، وأصبح فقراء المسلمين وضعفاؤهم في شر مستطير من هذه الحالة، فلا هم يرضون ترك واجباتهم الدينية، ولا هم يستطيعون أداء أجور الاستحمام الذي بفتقرون إليه بحكم دينهم عدة مرات في كل أسبوع، ودفعت الغيرة الدينية بعض المسلمين إلى تأسيس حمامات جديدة لكفاية حاجات فقراء المسلمين، فقدموا طلبهم لرئيس البلدية، ووضع لهم المهندس البلدي صورة لبناء الحمام (بلان خصوصي)، وأخذوا في بناء جدرانه، وبعد ما أنهوا منه قسما كبيرا قامت مراقبة الأحباس وتدخلت لأجل منعهم من البناء بواسطة القاضي، ثم استدعتهم البلدية وسحبت منهم رخصة البناء، إرضاء لمراقبة الأحباس، لأنها لا تريد أن يشاركها في هذا "الاحتكار" أحد من الناس. ولا يخفى ما في هذا من قضاء على حرية الأفراد ومحاربة لمصالحهم الخصوصية. ومن قضايا هذا الباب قضية السيد الحاج الطاهر ضاكة الذي هدم منزله بالسويقة ليبنيه حماما، وأذنت له البلدية الرباطية ومهندسها، وبعد أن شرع في هدم المنزل وبنائه أوقفته مراقبة الأحباس فأصيب بخسارة لا تقل عن ثلاثين ألف فرنك.

* * *

أما ما تقوم به مراقبة الأحباس من مطاردة العنصر الإسلامي وما تجري عليه من التحيز في الشؤون الحبسية فللمسلمين شواهد كثيرة :

1- إن أكثرية "الوقافين" المغاربة الذين كانوا يقومون بمهمة التفتيش على العمال أثناء القيام ببناء أو إصلاح، طردتهم مراقبة الأحباس ووضعت بدلهم أجانب بأجور باهضة.

2- إن المطاهر والمراحض التي كانت منذ طويلة بيد بعض المساكين المسلمين يقومون بتنظيفها وغسلها، ويتعيشون من أجرة قيامهم بها، سلمتها مراقبة الأحباس لإدارة البلدية، وطردت منها جميع أولائك المساكين ووضعت بدلهم مفتشا أجنبيا تدفع له شهريا مقدارا باهضا من ميزانية الحبس يفوق مجموع الأجور التي كان يعيش بها أولائك الضعفاء. على أنه ما كان من حق البلدية التدخل في هذا الأمر، ولا من حق الأحباس تسليم المطاهر إليها، حيث إن المطاهر العمومية في المغرب هي من قبيل الأحباس ومن توابع المساجد والمعابد للمساعدة على الطهارة وإقامة الصلاة. وقد أصدرت الإقامة العامة منشورا عموميا للبلديات بتاريخ 23 دجنبر 1912 ينص صراحة على أن "البلديات لا يسوغ لها التدخل في أمور الأحباس التي يرجع النظر فيها لإدارة خاصة".

3- إنها تترك المعلمين المغاربة وتستدعي المهندسين الأجانب وإن كان عمل أولائك رخيصا وعمل هؤلاء شديد الغلاء والارتفاع، كما وقع عند هدم حمام أكدال بالرباط وعند بناء فندق بالمواسين، وبناء السوق الجديد بالرباط وعند بناء فندق بالمواسين، وبناء السوق الجديد بجامع الفناء في مراكش وغير ذلك من الأعمال بالجهات الأخرى.

4- إن مراقبة الأحباس إذا عقدت سمسرة مناقصة عمومية وحضرها عدة معلمين مغاربة، وكان ثمن بعضهم أنقص وثمن البعض الآخر أزيد، فإنها تفضل الأزيد على الأنقص رغما عن التزام نفس الشروط الأساسية ووجود الضمانات الكافية، وتبني ذلك على اعتبارات خصوصية يدعيها المهندس الحبسي، والمعلمون البناءون يذيعون حكايات كثيرة في هذا الباب، وينقمون على مراقبة الأحباس والمهندس الحبسي تحيزهما لاثنين أو ثلاثة من المعلمين المغاربة، واحتكار جميع الأعمال الحبسية لهؤلاء الأفراد دون من عداهم، لأن في ذلك ضررا على الأحباس من جهة، وقضاء على حرية العمل التي يلزم حفظها لجميع الناس. ومما وقع في هذا الباب أن كثيرا من النظار تعرضوا ضد أعمال وبناءات سلمها المهندس، ولكنهم أمروا بتسليم ذلك وعدم التعرض أصلا لأي أمر من هذه الأمور !

5- إن مراقبة الأحباس إذا عقدت سمسرة مزايدة عمومية لبيع ملك أو أرض من أراضي الأحباس وحضر السمسرة أجانب ومغاربة، وبذل المغربي للأحباس قيمة أعلى من القيمة التي بذلها الأجنبي، فإن المراقبة تتخذ كل الوسائل لصرف المغربي عن رغبته، وتسليم الملك أو الأرض للأجنبي، ولو كان ذلك بأبخس ثمن. ولا يخفى ما في هذه السياسة المتحيزة من القضاء على الحرية الفردية وإثارة الضغائن والأحقاد مع ما في ذلك من تضييع حقوق الأحباس التي تجب صيانتها.

والأمر الذي يقابله المسلمون باستغراب أشد هو تسليم كثير من الأعمال الحبسية الخاصة بالمحلات الدينية إلى يد أجانب أو مغاربة، متدينين بإحدى الملل الأخرى، ففي كثير من الجهات يدخل إلى المساجد عمال ومهندسون غير مسلمين باسم إصلاح النور الكهربائي أو باسم التبييض وغير ذلك من الأمور، كما يذهبون أيضا إلى مكاتب القرآن العظيم التي هي محلات دينية مقدسة باسم الهندسة والإصلاح، وهذا مخالف للدين وعادات المسلمين، كما أنه مخالف للمنشور العمومي الذي أصدرته وزارة الأوقاف بتاريخ 16 جمادى الثانية عام 1335 رقم 7102 والذي ينص على أن "المحل إذا كان دينيا فلا يدخل في سمسرة بنائه أو إصلاحه إلا المعلمون المسلمون".

* * *

أما تقتير مراقبة الأحباس في كل ما أنشئت الأحباس لأجله، وتفريطها في سائر المصالح الإسلامية التي أنيطت بالوزارة الحبسية فللمسلمين عليه حجج قاطعة، وبراهين ساطعة :

    1- تعطيل وسائل الطهارة التي هي أساس الدين الإسلامي والشرط الأساسي لإقامة الصلاة وذلك بأمرين :

 الأول قلة الماء أحيانا وانعدامه بالمرة أحيانا أخرى، فالمسلم الذي كان في إمكانه أن يدخل إلى المسجد ويتوضأ في أي وقت أراد ليؤدي الفريضة أو النافلة، أصبح اليوم لا يجد ماء كافيا لعبادته، وإن وجده في بعض الدقائق كان الماء قليلا لا يكفي جمهرة المتوضئين، وفي كثير من الأوقات وخاصة في شهر رمضان المعظم يضطر المصلون إلى اشتراء قرب الماء من مالهم الخاص، وحملها إلى المساجد لتفريغها في الخصات، وتوزيعها بين المتوضئين في أوقات الجماعة. والسبب في ذلك أن مراقبة الأحباس تحول دون إطلاق الماء الكافي للوضوء، وهذا الأمر عام في جميع مدن المغرب، إلا أنه توجد بالرباط قضية غريبة في هذا الموضوع، فقد كانت العيون الجاري ماؤها داخل المدينة محبسة على مساجد الرباط ومطاهرها، فصدرت الأوامر بتسليم المياه الحبسية لإدارة البلدية مقابل فرنك واحد عن كل سنة من السنين. ومنذ ذلك الوقت أصبح الماء يقل شيئا فشيئا من المساجد والمطاهر الرباطية إلى أن أصبح اليوم كمية ضئيلة لا تغني حاجات المسلمين. وهذا رغما عن القيود التي وضعها الأمر المقيمي الصادر بتاريخ 28 أبريل 1914. ذلك الأمر الذي ينص على "وجوب إعطاء البلدية المياه الكافية تمام الكفاية للمعاهد الدينية والمطاهر العمومية والحمامات المغربية". وقد اضطرت الأحباس أخيرا لاشتراء الماء من الشركة التي تستثمر المياه بالرباط وإدخاله إلى بعض المساجد والمطاهر التي أسست من جديد، ثم أصدرت مراقبة الأحباس، باسم الاقتصاد، أوامرها الصارمة إلى المؤذنين تأمرهم بعدم إجراء الماء للمصلين إلا بأقل كمية، وفي بعض الدقائق المحدودة من أوقات الصلاة لا غير، بحيث لا يجد الماء من تأخر عن ذلك الوقت المحدود وتلك الدقائق المعدودة… الأمر الثاني ضيق المطاهر والمياضي وتغليقها في الأوقات التي يحتاج إليها المسلمون، وقذارتها قذارة لا نظير لها في أكثر مدن المملكة. فالمطاهر التي تعتبر من الأحباس الإسلامية العامة، والتي حبسها الأسلاف مساعدة للضعفاء على الاستراحة، والنظافة، والاستعداد للواجبات الدينية، والتي كانت طيلة العهد الماضي تفتح ليلا ونهارا طبقا للمصلحة العمومية والشريعة الإسلامية، التي تبيح العبادة في كل وقت من ليل أو نهار، أصبحت الآن تغلق في أكثر الأوقات، وخاصة بالليل وعند طلوع الفجر الذي تجب فيه صلاة الصبح على المسلمين، وأصبحت لا تفتح إلا نهارا على الطريقة الإفرنجية، أما العمال والضعفاء الراغبون في النظافة والطهارة، وكل المسلمين الذين يقومون لصلاة الصبح، فلا يجدون محلا يقصدونه للاستراحة والطهارة. وقد أصبح الفقراء الذين ليست لهم مساكن خصوصية، والوافدون على المدينة من الجهات الأخرى، يضطرون  قسرا إلى التستر في الدروب ومفارق الطرق للاستراحة بأي شكل كان، وقد نشأت عن هذا الأمر مشكلة صحية يفكر فيها جميع السكان اليوم. ونظرا لازدياد عمران المدن، ونمو سكانها، وكثرة الوافدين إليها بالنسبة للعهد القديم، كان المسلمون ينتظرون بناء مطاهر جديدة تناسب عدد السكان، وترضي حاجات الفقراء والوافدين، إذ سكان الرباط اليوم مثلا هم أضعاف سكانه من قبل، ولكن بينما هم ينتظرون بناء الأحباس لمطاهر جديدة، إذا بمراقبة الأحباس أصدرت أمرا بتهديم المياضي والمطاهر، وإراج عدة دكاكين منها بقصد الإيجار، فأدى ذلك إلى إخراج المطاهر عما وضعت له في الأصل، وأدى إلى تقليل بيوتها، وتضييق أماكن الاستراحة فيها، وتعطيل العبادات الإسلامية، والحيلولة بين الناس وبين الطهارة، حتى إن الوافدين للمطاهر اليوم، يضطرون إلى الانتظار ربع ساعة، وأحيانا نصف ساعة، ويضطرون إلى التناوب في الاستراحة، يضاف إلى هذا أن أكثرية المطاهر في أغلب المدن المغربية كمراكش بلغت من القذارة وعدم التنظيف حدا جعلها مضرب المثل بين الناس، الأمر الذي له أسوأ أثر على صحة المسلمين المجاورين لتلك المطاهر، وخاصة على طبقة الفقراء والعمال التي ترد إليها، فتنقل معها الأمراض الفتاكة، والميكروبات المعدية، وفوق هذا كله لا يوجد الماء الكافي للتنظيف، بينما المراحض الافرنجية التي لا يستعمل قاصدوها الماء مطلقا يجري بها الماء في كل اللحظات، سواء كانت مفتوحة أو مغلقة. وبالإجمال فقذارة "المطاهر" التي عليها الآن قد صيرتها جديرة باسم "المناجس" وقد كان موجودا في مدينة مراكش بجوار المياضي والمطاهر أماكن خاصة لتسخين الماء للمتوضئين تدعى باسم (تخربشت) فهدمتها مراقبة الأحباس، وأحدثت بدلها دكاكين للإيجار، وكان لذلك تأثير كبير على المسلمين.

 

 

     2- إهمال المساجد في المدن، وذلك بعدة طرق :

       أولا : لا تفرش المساجد إلا بعد مضي مدة طويلة على الحصر حتى تبلى وتصبح مضرب المثل في الرثاثة.

       ثانيا : إذا فرشت المساجد تختار لها حصرا غير مناسبة وفي غاية الانحطاط، ويجتهد أن تكون بأبخس ثمن، وفي كثير من الأوقات لا يفرش المسجد كله، وإنما تفرش بعض أجزائه.

       ثالثا : لا تنار المساجد إلا في أوقات محدودة من الليل، وفي تلك الأوقات لا ينار إلا بعض أقسام المسجد، وبأقل عدد ممكن من المصابيح الكهربائية الضعيفة النور، حتى إن المصلين في أكثر مساجد المملكة لا يستطيع أن يميز بعضهم بعضا. وفي غير الرباط وفاس، أصبحت العادة أخيرا هي إطفاء أنوار المسجد بمجرد انتهاء قراءة "الحزب" وأصبح علماء الدين لا يجدون نورا يقرؤون عليه، اللهم إلا بعض الشموع التي يتبرع بها الراغبون في سماع الدروس الدينية، وقد انتقمت أخيرا بعض النظارات من مؤذن أنار المسجد بضعة دقائق، زيادة على ما حددته مراقبة الأحباس، فأسقطت له من أجرته الشهرية 15 فرنكا مقابل الإنارة الزائدة التي خالف بها القانون.

       رابعا : في فصل الشتاء تتعرض المساجد لكثير من الأخطار، وخصوصا في هذه السنة، فتسيل سقف المساجد بالمياه الغزيرة وتصاب حيطانها بالبرودة، ويتعذر على المسلمين وجود محل صالح للصلاة وترفع الشكايات بذلك إلى الأحباس، فلا تهتم الأحباس بها أقل اهتمام، ويمضي الشهر والشهران والثلاثة دون جواب منها ولا إصلاح (كما حدث في كثير من مساجد سلا وفي جامع القنيطرة، الذي كتب في شأنه ناظر سلا وقاضي القنيطرة منذ شهر شعبان الماضي ولا زال لم يصلح إلى الآن)، بل تمضي السنون تلو السنين من غير أن تفكر مراقبة الأحباس في الإذن بإصلاح المساجد المحتاجة للإصلاح (كما هو واقع في جامع السنة بالرباط، والمسجد العتيق بتازة، ومسجد سيدي مصباح، الذي تلاشى منذ مدة، وطالب التازيون بإصلاحه، فلم تجب الأحباس طلبهم، إلى أن تهدم أخيرا بما معه من مكتب وضريح، وبقي إلى الآن دون إصلاح، بل لا تزال أنقاضه ساقطة على الأرض منذ تهدم)، وهذا التصرف من مراقبة الأحباس مخالف تمام المخالفة للظهير الشريف الصادر بتاريخ 8 شعبان عام 1331، الذي يوجب "الإصلاح" فورا لكل بناء أشرف على السقوط دون تأخير، ولا يطالب النظار بشيء سوى إرسال قائمة الصوائر وموجب القاضي إلى الوزارة.

       خامسا : تمر الأسابيع والشهور على المساجد، وهي مهملة دون كنس ولا تبييض ولا تنظيف حتى تمتلئ بالغبار والأقذار، وتصبح ثياب المصلين معرضة للإتساخ والفساد، زيادة على ما في ذلك من تعريض الصحة العامة للأخطار والأمراض المعدية، حيث إن كثيرا من الفقراء الذين لايجدون ملجأ يلجؤون إليه في المدن، يذهبون إلى المساجد وينامون في رحابها بثيابهم الرثة، ثم يخلفون وراءهم ما يضر بالمصلين، ويبقى ذلك في مكانه دون تنظيف، فيعلق بثياب الوافدين إلى المساجد ويوذيهم إذاية فاحشة، وفي كل مدينة حوادث كثيرة معروفة بين المسلمين من هذا القبيل.

       سادسا: توجد عدة مساجد في جهات مختلفة تعرضت فعلا للاندثار فعلا والسقوط، إما بسبب طبيعي، أو بتهدم نشأ في أوقات حربية كما حدث أثناء الحرب الريفية وفي عمليات السنين الأخيرة، ولتلك المساجد المندثرة أوقاف خاصة بها، ومع ذلك لا تجدد إدارة الأحباس بناءها وعمارتها، ولا يجد المسلمون معبدا يقيمون فيه شعائر دينهم المقدس.

       على أن الأحباس التي من خصائصها مراقبة المعاهد الدينية، وحراستها من كل عدوان، أظهرت تجاهلها وتغافلها عن حوادث خطيرة في هذا الباب، لا يمكن أبدا تسليمها والسكوت عنها، فهي تعلم علم اليقين أن كثيرا من المساجد أصبح إدارات أو مخازن أو معسكرات أو متاحف أو قاعات للرقص والحفلات العامة، وأنه على منارات تلك المساجد ترفع الرايات الأجنبية في الأعياد الافرنجية (مثل مسجد قصبة القنيطرة الذي كان قبل الحماية معبدا للمسلمين، ثم اتخذ بعدها قشلة عسكرية، وسلخ حكم المسجدية، والمسجد الملكي بقصر البطحاء بفاس الذي كان متعبد جلالة السلطان السابق مولاي عبد الحفيظ، واتخذته البلدية قاعة للحفلات والسهرات الراقصة، والمسجدين القائمين بقصبة تادلا اللذين احتلهما العسكريون، واللذين ترفع فوق منارتهما الرايات الأجنبية، والمسجد الذي لا يزال قائم العين بمحرابه في مدرسة الودايا بالرباط، والذي يستعمل في أغلب الأحيان متحفا ومعرضا للفنون المغربية، وفي بعض الأحيان قاعة لسماع الموسيقى وشرب الأتاي المغربي، وتنظم فيه إدارة الفنون الجميلة عدة حفلات عمومية للأجانب، ومثل مسجد الحديقة المعروفة في الرباط باسم "ملينه" الذي حازته الأحباس بما معه من أرض، بصفته حبسا، ثم أصبح الآن مسكنا لبعض الأجانب وفوق منارته أسلاك الراديو). وهذه أمور لا يمكن للإسلام أن يقبلها، ولا تتفق مطلقا مع قداسة الأحباس الإسلامية.

       وكذلك يوخذ على مراقبة الأحباس أنها تسمح بإقامة خمارات وأماكن للفساد، ملاصقة للمساجد أو بجوارها (كما هو واقع في جامع ابن يوسف بمراكش وجامع سيدي مصباح بتازة وغيرهما من مساجد المدن المغربية)، بل أنها لا تتورع عن تأجير الأملاك الحبسية لمن يقومون فيها بالمحرمات والمنكرات، بينما تمنع ذلك عدة تعليمات مخزنية صريحة. منها القرار الوزيري الصادر بتاريخ 20 شتنبر 1924، وقد وقع في العهد العزيزي أن مخزنا حبسيا من المخازن التجارية بطنجة قرب الجامع الكبير دخل بيد أحد اليهود المحميين بأنجلترا، فأضاف إليه بعض البنايات ووضع به عدة شرفات، (بالكونات) وفتح فيه شبابيك مشرفة على المسجد الأعظم، لكن ممثل الأحباس والمخزن الشريف لم يلبثوا أن ألزموه بهدم شرفاته، وتغليق شبابيكه، وأن لا يكون به فندق (أوتيل) ولا مقهى ولا مركز للتهريج والضوضاء، وتم هذا الاتفاق بحضور مندوب الخارجية المغربية، النائب السلطاني السيد الحاج محمد بن العربي الطريس وباشا طنجة في مفتتح ذي القعدة عام 1311، وسجل في القنصلية الإنجليزية بتاريخ 7 مايو 1894، وكان ذلك كله احتراما للمساجد التي هي بيوت الله ومعابد المسلمين المقدسة.

     3- مقاومة بناء المساجد في البادية، وذلك بأمرين :

       أولا : مدافعة الطالبين للمسجد، بدعوى أن الأحباس لا تبني المساجد مطلقا، وأن المساجد الموجودة في المملكة المغربية، إنما بناها قديما ملوك المغرب وأغنياء المغاربة، وهذه الدعوى التي تذيعها مراقبة الأحباس بين المسلمين والفرنسيين مخالفة تمام المخالفة للحقيقة، مناقضة كل المناقضة للواقائع التاريخية، فإن كثيرا من المساجد بناها الملوك من أموال الأحباس، لأن أموالها كانت تحت رقابتهم، وبصفتهم "أمراء المومنين" كان في إمكانهم دائما أن ينفقوا منها على كل ما فيه مصلحة إسلامية، ولا سيما في أوقات الأزمات الاقتصادية، التي لحقت المغرب في عهوده الماضية. على أن هذه القاعدة التي اخترعتها مراقبة الأحباس في عهد رئيسها الحالي، مخالفة كل المخالفة لمضمون الظهير الشريف الصادر بتاريخ 16 شعبان عام 1331 (موافق 21 يوليو 1913)، فقد جاء فيه طبقا "لمجموعة الضوابط الحبسية" التي أذاعتها بالعربية وزارة عموم الأوقاف : "إن الوزارة لها الحق في أن تستعمل الحبس في بناء مسجد أو مكتب، أو مستشفى، أو غير ذلك من الأعمال بقصد نفع المسلمين". كما أن مراقبة الأحباس في المنطقة الخليفية الموضوعة تحت حماية إسبانيا، جرت على قاعدة إنشاء المساجد في جميع مراكز المنطقة من مالية الأحباس نفسها، حتى امتلأت سهول المنطقة وجبالها بالمساجد، والمعابد، والمنارات السابحة في الفضاء، وكان ذلك نوع مساعدة من الحماية الاسبانية على ازدهار الشعائر الإسلامية بين الجبليين والريفيين. ومنذ شهر قدم أحد السكان بالمنطقة الخليفية طلبا بإنشاء مسجدين جديدين في الناضور والحسيمة، وبعد يومين من طلبه وضعت الأحباس تصميم المسجدين، وأذن بالشروع في بنائهما من الأحباس، في نفس الوقت الذي لا تزال مراقبة الأحباس بهذه المنطقة تراوغ في بناء المساجد بالبادية، وتختلق الأعذار والمبررات التي لا أساس لها.

       ثانيا : بعد ما تدافع مراقبة الأحباس طالبي المسجد بدعواها السابقة ولا تنفعها المدافعة، تأمرهم أمرا تعجيزيا بالاكتتاب الفردي لبناء المسجد، بينما أكثر الطالبين فقراء لا يملكون ما يدفعونه للاكتتاب، فإذا لا حظت أنهم نجحوا في الاكتتاب الأساسي طالبتهم باكتتابات أخرى لاشتراء أملاك خصوصية وتحبيسها على المسجد المراد إنشاؤه، فإذا استطاع الطالبون للمسجد أن يكتتبوا اكتتابا كافيا لشراء الأرض وبنائها، واستطاعوا أن يكتتبوا لشراء أملاك خصوصية تحبس على القيام بوظائف المسجد الدينية، أذنت لهم مراقبة الأحباس في بناء المسجد، وإلا عرقلت طلبهم وبقوا دون مكان للعبادة، بالرغم من مساعدة المراقبة المحلية على ذلك، وتدخلها لمصلحة الطالبين، نعم عندما تهيأ قيمة الأرض ونفقة البناء وأملاك المسجد الخاصة تأتي المراقبة الحبسية لتضع يدها على المسجد وأملاكه وتصرف مداخيلها كما تشاء…

       ومن بين الحكايات المعروفة في هذا الباب قضية مسجد الخميسات الذي طالب المسلمون ببنائه واكتتبوا من أجله منذ أربع سنوات قبل القضية البربرية، ولم تأذن مراقبة الأحباس ببنائه إلا بعد حدوث الحوادث المعروفة من أجل الظهير البربري، وقضية مسجد الرماني بزعير، الذي اكتتب المسلمون لبنائه ولا يزالون منذ سنوات ينتظرون إذن المراقبة الحبسية بالشروع فيه إلى الآن، وقضية مسجد ميدلت الذي وقعت المطالبة ببنائه منذ ثلاث سنين، وقضية مسجد خريبكة الذي طلب ببنائه العملة المسلمون المشتغلون بمعادن الفسفاط، فامتنع مراقب الأحباس من بنائه واضطرت شركة الفسفاط إلى بنائه من ماليتها الخاصة، إرضاء لعمالها المسلمين. وبعد بنائه أصبح مفتقرا للإمام والمؤذن والخرابة والحصر، فطالبوا مراقبة الأحباس بأن تفرشه وتنفق على الوظائف الدينية الضرورية للمسجد، ولكنها رفضت باتا وبقي المسجد معطلا ليس به مؤذن ولا إمام إلى اليوم، بدعوى أن الشركة التي بنته لم تحبس عليه أحباسا خصوصية ! وتقرت قرية في قبيلة بني عمير بتادلا، فطلب سكانها بناء مسجد، وساعدتهم المراقبة المحلية، وجمعوا اكتتابا بلغ 50.000 خمسين ألف فرنك، ولكن مراقب الأحباس منع من بنائه، حيث إنهم لم يجعلوا للإنفاق عليه أحباسا جديدة، فبقي بناؤه معرقلا إلى الآن بفضل مراقبة الأحباس ! وهكذا توجد في كل مركز من مراكز العمران الجديدة، التي تكاثرت بالمملكة في هذا العهد الأخير، عدة قضايا ومشاكل من هذا النوع، وسببها الأساسي هو معاكسة مراقبة الأحباس في بناء المساجد لا من أوفارها الخاصة، ولا من اكتتابات الأفراد وتبرعا ت المحسنين… !

       بينما توجد البيع حيثما وجد اليهود، وتقام الكنائس حيثما أقامت فئة من المسيحيين، بل أكثرها قائم في جهات لا يقيم بها مسيحي واحد. وإذا كانت مراقبة الأحباس قد أجبرتها بعض الظروف، وأثرت عليها بعض العوامل الخارجية، وساعدت على بناء بعض المساجد أو إصلاحها كتجديد المسجد السلطاني في أكدال بالرباط، وبناء مسجد القنيطرة الذي جعل عوضا عن مسجد القصبة القديم، المحتل بالعسكريين، فإن ذلك لم يكن إلا نادرا، وعلى طريقة الاستثناء، وكل نفقاتها في هذا الباب منذ إعلان الحماية إلى اليوم، لم تكد تبلغ حتى مليونين من الفرنك، القدر الذي لو قارناه بما أنفق طيلة هذا العهد على بناء الكنائس والديانة المسيحية، للجاليات الأجنبية التي هي أقلية ضئيلة في هذا البلد، لما بلغ حتى عشر معاشره.

       يضاف إلى هذا كله ما جرت عليه مراقبة الأحباس في المدن التي استبحر فيها العمران وضاقت مساجدها عن السكان المسلمين، حيث لا توجد بها مساجد كافية، كالدار البيضاء والقنيطرة التي لا توجد بها سوى مسجد واحد صغير، فقد امتنعت من إجابة رغبة المسلمين وأصرت على عدم توسيع المساجد التي ضاقت عن المصلين، وخصوصا في أيام الجمع، حيث يضطر نحو الألفين من الناس إلى الصلاة في الشوارع المجاورة، معرضين للمطر إبان الشتاء، والقيظ إبان المصيف. وقد رفع سكان الدار البيضاء عريضة رسمية إلى جلالة السلطان نصره الله بتاريخ 27 ذي القعدة 1352 موقعا عليها بأكثر من 300 توقيع، فكان مما ضمنوه فيها تبيين هذا الأمر وحاجة الدار البيضاء إلى بناء مسجدين داخل المدينة وبناء مسجدين في القرية الحبسية، نظرا للعمران المتزايد بالدار البيضاء. وحضر وفد من أعيان القنيطرة يحمل معه عريضة إلى صاحب الجلالة، ورسالة إلى الإقامة العامة بتاريخ 3 ذي الحجة 1352 موافق 19 مارس 1934، وقد صحب معه عدة صور فتوغرافية تبين بالمشاهدة ضيق المسجد القنيطري واضطرار الجماهير إلى الصلاة في الشوارع معرضين للحر والقر، هذا والقنيطريون يطالبون بتوسيع هذا المسجد وإنشاء مسجد آخر منذ ثلاث سنوات.

       ويضاف إلى ذلك أيضا ما جرت عليه مراقبة الأحباس في كثير من جهات البادية، حيث توجد مساجد قديمة مؤسسة قبل الحماية، لها أوقاف خصوصية في غاية الغنى والثروة، ولكنها لا تنفق عليها أوقافها الخاصة طبقا لإدارة الواقفين، وإذا أنفقت فإنها لا تنفق من مدخولاتها إلا أقل مقدار، حتى أصبح المسلمون الساكنون بتلك الجهات مضطرين إلى القيام بلوازمها الضرورية من فرش وإنارة ووظائف دينية، مما لا تسمح به مراقبة الأحباس (كما هو واقع منذ إعلان الحماية إلى الآن في بني مزكلده ومداشر زرهون).

    4- إهمال المدارس العلمية وتعطيل الدروس الدينية:

   وذلك أنه يوجد في كثير من مدن المملكة وبواديها عدة مدارس علمية مجيدة التاريخ، لها أوقاف خاصة، وفيها مساكن معدة لسكنى الوافدين من طلبة العلم، ومن المعتاد التدريس داخلها وخارجها نشرا للثقافة الإسلامية التي هي ثقافة الأمة المغربية. غير أن مراقبة الأحباس أهملت هذه المدارس كل الإهمال، حتى أصبح أكثرها معرضا للانهيار والخراب كمدارس مراكش، ومدارس مكناس، ومدارس سلا. ونذكر من بينها في العاصمة المراكشية مدرسة باب دكالة، ومدرسة القصبة، ومدرسة الزاوية، والمدرسة اليوسفية. على أن كثيرا من المدارس فقد صفته الأساسية، وأصبح محتلا بمصالح خصوصية أخرى، إما بصفة فنادق، وإما بصفة إدارات، وإما بصفة ملاجئ، كما هو واقع في الرباط وسلا وتازة والصويرة.

       ونذكر بالخصوص نظارة الأحباس الرباطية، فهي من الوجهة الحبسية مدرسة خاصة لطلبة العلم ولا تزال بها البيوت إلى الآن، والفندق المعروف في سلا باسم فندق أسكور، فهو مدرسة بناها المرينيون للطلبة، وقد أصبح اليوم فندقا لربط البهائم تستغل كراءه أحباس الرباط وسلا، وملجأ الجمعية الخيرية بالصويرة، فهو في الأصل مدرسة علمية.

       وقد حاولت مراقبة الأحباس أن تحول مدرسة المشور في تازة منذ أربع سنوات إلى نظارة للأحباس ومركز للمندوب المخزني، ولكن التازيين احتجوا على تلك المحاولة. وفي الأيام الأخيرة حضر وفد تازي يحمل عريضة إلى جلالة السلطان، مضمنها المطالبة بإرجاع مدرسة المشور إلى حالتها وجعلها من جديد مركزا لتدريس العلم وسكنى الطلبة.

       يضاف إلى ذلك أن الأوقاف الخاصة بالطلبة في كثير من المدن أصبحت لا تصرف عليهم طبقا لشروط المحبسين، وما تسمح به مراقبة الأحباس بالخصوص، بالنسبة لطلبة فاس، هو جزء بسيط من مدخولات أوقافهم الخاصة، التي لو صرفت عليهم كما يجب، لأغنتهم من الفقر الذي هم فيه الآن، ولشجعتهم على مواصلة الدراسة والبحث العلمي.

       على أن التدريس الديني أصبح منعدما في أكثر جهات المملكة، إما لانعدام المدرسين الذين يجب على الأحباس تعيينهم للقيام بتعليم الدين، وإما لقلة ما يدفع لهم من الأحباس، وكونه لا يكفي لمعيشتهم اليومية، وتكاليفهم العائلية فلا يستطيعون وجود الوقت الكافي للتدريس وتعليم الطلبة. وفي العاصمة الرباطية نفسها لا يوجد اليوم سوى درس أو درسين ذلك في فصول السنة كلها، ولكن في بعض فصولها فقط، لعدم إعطاء الأحباس مرتبات كافية للمدرسين. أما غير الرباط من مدن المغرب وبواديه، سوى العاصمة الفاسية، فلم يبق بها بعد الحماية أي أثر من آثار العلم الديني ولا قبس من نور المعرفة، بينما الظهير الشريف الذي بموجبه نظمت كلية القرويين، يقضي باتباع نفس ذلك التنظيم في مدن المغرب الأخرى كالرباط وسلا ومراكش. وحاجة المسلمين إلى دراسة ثقافتهم وتاريخهم وشريعتهم تقوى كل يوم، ولا معنى لأن يبقى ذلك مقصورا على فاس وحدها في مملكة لها من الاتساع والامتداد مثل ما للمملكة المغربية.

    5- إهمال مكاتب القرآن العظيم :

    من المعلوم أن مكاتب القرآن العظيم هي من الأحباس العامة، يعمها ما يعم المساجد، وفيها يتعلم أطفال المسلمين كتاب الله العزيز ويدرسون مبادئ الدين الإسلامي واللغة العربية المقدسة، وهذه المكاتب مضت عليها القرون الطويلة، فأصبحت، زيادة على ضيقها، محتاجة لكثير من الإصلاحات الوقتية التي تقضى بها الصحة العامة، ولكن مراقبة الأحباس أبقت هذه المكاتب مهملة كل الإهمال، فلا تساعد على فرشها ولا على تنظيفها ولا على إصلاحها، اللهم إلا في مدينة الرباط، وفي هذه الأيام الأخيرة فقط، حيث أخذت تتسامح قليلا في إصلاح بعضها. أما بقية مدن المملكة، وخصوصا في مراكش فلا تزال مكاتبها القرآنية على أسوأ حال، ولا يزال تلامذتها معرضين لكثير من الأمراض بسبب ضيقها ورثاثة فرشها وبرودتها وعدم وجود النور والهواء الكافيين فيها، وفقدها لمطاهر خصوصية تضطر إليها حاجة التلامذة والأساتذة. وقد صدر بشأنها منشور وزيري رقم 23572 بتاريخ 15 شعبان عام 1341 مما جاء فيه : "وبعد، فلأجل ما لنا من المحافظة على الأحباس وشؤونها، والاهتمام بأمورها، وكون مكاتب الصبيان التي يقرأ بها القرآن العظيم من جملة الأحباس، يعتنى بها ويهتم بأمرها، قد اقتضى النظر أن تحصى ويبحث فيما عسى أن يوجد لها من الأوقاف، حفظا لتلك المكاتب وأوقافها إن كانت، وعدم استعمالها في غير ما حبست لأجله". وفي علمنا أن نتيجة هذا البحث، أدت إلى وجود كثير من الأوقاف الخاصة بمكاتب القرآن العظيم، ولكن مراقبة الأحباس فكرت أخيرا في استغلال هذه المكاتب وتضييقها من جديد، وأن تخرج منها مساكن وبيوتا للإيجار. ومن محاولاتها في هذا الباب ما قامت به في مكتب الفقيه السيد محمد الأزرق بالرباط، الأمر الذي دفعه وكثيرا من سكان المدينة إلى الاحتجاج ضد مشروع الأحباس الغريب.

       6-  تقليل الموظفين الدينيين وبخسهم في الأجور :

    بقدر ما كان عدد الموظفين الدينيين بالمساجد كثيرا في العهد الماضي، أصبح عددهم قليلا في هذا العهد، فالحزابة والمؤذنون والأئمة والوعاظ أصبحوا اليوم أقلية لا تذكر، على خلاف شروط المحبسين المعروفة، وبقدر ما كانوا أغنياء ذوي كفاف وعفاف في العهد الماضي بفضل ما كانوا يأخذونه من الأحباس العامة والمعينة لمعاشهم، أصبحوا اليوم فقراء مدقعين لا يجدون ما تكفيهم حتى للنعال التي يمشون بها من مساكنهم إلى المساجد، بل لا تكفيهم حتى للتطهر بالحمامات، ليقوموا بوظائفهم في بيوت الله متنظفين طاهرين، وهذا البخس الذي أصيب به هؤلاء الموظفون، أدى إلى قلة الإقبال على دراسة القرآن العظيم وعلوم الدين، وكيف يقبل الناس على أشياء لا تكفل لهم معاشا ولا تريحهم من تكاليف الزمان ؟

       يضاف إلى ذلك أن كثيرا من المساجد قد حذف منها الوعظ الديني، الذي عليه أوقاف خصوصية، ففقد العامة من أجل ذلك وسيلة عظمى من وسائل تفقيههم في الدين، وتعريفهم بأخبار السلف الصالحين، وهذا زيادة على تصرفات مراقبة الأحباس في "الأحباس المعينة" المخصصة مداخيلها في الأصل للإمام، أو الواعظ، أو قيم المسجد، أو مؤذنه، أو هلاله، تلك الأحباس التي أصبحت لا تصرف في وجوهها ويحال بينها وبين أهلها في أكثر نواحي المملكة.

      

       7- إهمال المحاكم الشرعية :

    جرت العادة أن تقام المحاكم الشرعية في المحلات الحبسية. وقد لوحظ أن مراقبة الأحباس مهملة كل الإهمال للمحاكم الشرعية، فلا تقوم بإصلاحها عند التضعضع، ولا بتوسعتها عند الضيق، ولا بإنارتها وتهويتها عندما تحتاج إلى النور والهواء، اللهم إلا في بعض مدن المملكة، وقد طالب بعض القضاة بإصلاح محاكمهم، وألحوا في الطلب مدة طويلة، حتى سقطت عليهم المحكمة، لامتناع المراقبة من إصلاحها، وكادوا يموتون ضحية من ضحايا مراقبة الأحباس ! (مثل قضية محكمة سطات التي كتبت في شأنها جريدة السعادة نفسها في العددين الصادرين بتاريخ 21 نونبر وتاريخ 30 نونبر 1933، ولم تأذن مراقبة الأحباس بإصلاحها رغما عن ذلك، حتى تهدمت بالأمطار التي سقطت هذه السنة). أما المتداعون من المسلمين فيظلون على الدوام معرضين للحر والقر والمطر الشديد، ولا يملكون ولو قاعة واحدة للانتظار في المحاكم الشرعية.

       على أن أكثر القضاة الشرعيين الموجودين بالمملكة، لا يجدون محلا يأوون إليه وقت الحكم، ويضطرون إلى فصل الدعاوى داخل المنزل وتحت الخيام، ولم تفكر مراقبة الأحباس مطلقا في أن تبني لهم محاكم خاصة يستقرون بها ويفد إليها المتداعون مطمئنين مستريحين.

       8- تعطيل أحباس الحرمين الشريفين :

في كثير من مدن المغرب وبواديه توجد عدة أحباس موقوفة على الحرمين الشريفين، وخصوصا بمكناس، والرباط، والدار البيضاء، ومراكش.

       ومن بين هذه الأوقاف، أوقاف حبسها السلطان مولاي إسماعيل، والسلطان سيدي محمد بن عبد الله، وكانت غلاتها تذهب كل سنة إلى سكان الحرمين الشريفين، طبقا لإرادة المحبسين، لكن مراقبة الأحباس حالت دون تسليم مداخيلها إلى أهلها ومستحقيها منذ أعلنت الحماية إلى اليوم، وزيادة على ما في هذا العمل من مخالفة صريحة لشروط المحبسين، فقد تسبب عنه ضرر عظيم بضعفاء المسلمين في الحجاز، وخصوصا في هذه الأزمة الطاحنة التي يمر بها الحجاز اليوم.

       أما "جمعية أوقاف الحرمين الشريفين" بالشمال الإفريقي التي يرأسها رئيس التشريفات السيد قدور بن غبريط، فلا علاقة لها بأحباس الحرمين الشريفين مطلقا، ومهمتها الوحيدة، منحصرة في القيام بملجإ خيري في مكة، يقيم به الحجاج الأفارقة، الذين لم يتمكنوا من الرجوع حالا لبلادهم، وفي الإشراف على أوقاف فرنسية مخصصة لهذا الملجأ، وتسهيل وسائل الحج لأبناء المغاربة الثلاثة، كما صرح بذلك رئيس هذه الجمعية، في الدورة الثانية التي عقدها "مجلس الأحباس" بالرباط سنة 1917، وفي الصحافة المغربية أخيرا بمناسبة الحركة الاحتجاجية الكبرى التي قام بها الشعب المغربي ضد مراقبة الأحباس. غير أنه كان من الواجب أن لا يطلق هذا الاسم على جمعية محدودة أغراضها في هذه الأمور، إذ لا يخفى ما في هذا الاسم من اللبس والإيهام !

       ثم إن هذا الموقف الذي اتخذته مراقبة الأحباس إزاء أحباس الحرمين الشريفين، هو نفس الموقف الذي اتخذته إزاء أحباس أخرى موقوفة على مشاهد آل البيت كالمشهد الحسيني بمصر، إذ لا تبعث إليه من ريع أوقافه قليلا ولا كثيرا.

       9- تعطيل أحباس الفقراء والمنقطعين :

    في كثير من مدن المملكة وبواديها أحباس خاصة بالفقراء، يجب شرعا أن لا تصرف لسواهم، وأن ينفق عليهم ريعها بالتمام والكمال، وفي رباط الفتح ومراكش الحمراء عدة أوقاف من هذا النوع، ورغما عن اشتداد الأزمة، وازدياد عدد الفقراء في المغرب ازديادا متواصلا، فإن مراقبة الأحباس لم تسمح بصرف مداخيل أحباس الفقراء على الفقراء طبقا لشروط المحبسين، ومنعتهم من حقوقهم الشرعية المقدسة، وعرضتهم بذلك للأمراض الخطيرة والموت السريع (مثل ما فعلت في أحباس سيدي محمد بن سليمان الجزولي وأحباس الشيخ أبي العباس السبتي)، بل إنها أكرت بعض أحباس الفقراء بثمن بخس للبلديات، ثم شرعت البلدية تؤجر تلك الأراضي نفسها للفقراء أنفسهم بأثمان باهضة لا يؤدونها إلا بشق الأنفس (مثل أرض بلا فريج المحبسة على فقراء الرباط، أكرتها مراقبة الأحباس للبلدية بخمسمائة فرنك مشاهرة، بينما البلدية تجمع من كرائها الشهري نحو أربعة عشر ألف فرنك، وهذه الأرض هي المعروفة اليوم باسم دوار الدبغ. ومن الشائع الذائع أن البلدية تصرف هذا المدخول الشهري على الفقراء المسيحيين، فتدفع يوميا عشر فرنكات للعازب وخمسة عشر فرنكا للمتأهل…)، وفي العهد الأخير توفي الأمين المرحوم السيد الحاج أحمد بناني، وترك أوقافا خاصة بالفقراء ليصرف ريعها عليهم بالخصوص، وقيمة هذه الأوقاف، حسب تقدير مراقبة الأحباس، نحو المليونين من الفرنكات، وريعها يكفي لمساعدة 300 عائلة فقيرة، طبقا لتصريح المراقبة نفسها، ولكن ريعها لا يصرف منه على الفقراء حتى الخمس. مثال ذلك أن مدخولها في أربعة أشهر بلغ تقريبا نحو 150 ألف فرنك، صرف منها على الفقراء 24 ألف فرنك، بحساب ستة آلاف فرنك لكل شهر، وفضلت عن ذلك 126 ألف فرنك بصندوق المراقبة الحبسية لم يصرف منها شيء مطلقا، ولا يخفى ما في هذا من الإضرار بالفقراء ومضايقتهم في معيشتهم المتواضعة.

       10- إهمال المقابر الإسلامية :

    في كل مدن المملكة وبواديها توجد مقابر إسلامية خاصة، والإسلام يعتبر قبور المسلمين حبسا لا ينبش ولا يمشى عليه، ولا ينقل منها رفاتهم أبدا بحال. وطبقا لروح الشريعة الإسلامية تعتبر المقابر الإسلامية من قبل الأحباس، ولا يصح أن تكون محلا لنزع الملكية، ولهذا صدر ظهير شريف بتاريخ 31 غشت 1914 ينص على استثناء الأحباس من نزع الملكية باسم المصلحة العمومية، وصدر منشور مقيمي بتاريخ 12 شتنبر 1915 ينص على اعتبار مقابر المسلمين أحباسا راجعة للأحباس الإسلامية، ولكن مراقبة الأحباس تجاهلت هذه التعليمات، وأباحت الاستيلاء على المقابر في سبيل خدمة مصالح أخرى، فبعثرت قبور الأموات، وأخرجت منها أشلاؤهم لتوضع بدلها سكك حديدية، أو تفتح بها طرق، أو تقام بها حدائق وبنايات، أو تبنى بها إدارات ومعسكرات، أو تجعل ساحة للمناورات، أو مراعي للحيوانات.

        وبين أيدينا عدة أمثلة تنطق بهذه التصرفات الغريبة، منها :

        1) مقبرة العلو بالرباط : بعثرت قبورها وأنشئ فيها نفق طويل عريض لمرور سكة حديدية ظهر بعد أنها لا فائدة منها مطلقا، ومدت فيها طرق وشوارع، وأقيمت فيها ساحة لسياحة الأوروبيين، وقد كان هذا التهجم على المقبرة الرباطية سببا في قيام حركة كبيرة، صحبتها احتجاجات، ومظاهرات، وشكايات قدمت إلى جلالة السلطان مولاي يوسف في ذلك الحين، ولكن الإدارة استمرت في عملها، ولم تعبأ بشعور المسلمين.

        2) مقبرة الدار البيضاء : أخذت البلدية القسم المجاور منها لسيدي بليوط من جهة البحر، وفي القسم المقابل لسيدي بليوط فتحت عدة طرق، والقسم الذي فضل عنها باعته مراقبة الأحباس لتقام عليه البناآت.

        3) مقبرة وزان : فتحت بها طرق عامة، فانشطرت نصفين، وجمع المسلمون اكتتابا لإصلاح الفساد الذي وقع فيها بفتح الطرق، فحازته البلدية ولم تصلحها إلى الآن، وفي علمنا أن هذا الاكتتاب بلغ عشرين ألف فرنك.

        4) مقبرة سلا : فتحت عدة طرق في المقبرة السلوية، الواقعة أمام باب فاس، بعد ما أخرجت منها أشلاء المسلمين، ويوجد قبر لأحد أولياء سلا يعرف باسم سيدي بوحاجة، فأخرج من قبره ونقلت قبته إلى مكان آخر.

        5) مقابر تازة : مقبرة الحافة (سيدي الحاج علي بن أبر) نبشت قبورها وبنيت فوقها إدارة المراقبة الفرنسية، وعدة حدائق لفسحة الموظفين، فيها أيضا قشلات لجيش الاحتلال، وفتحت بها طريق عامة للسيارات، وأصبحت مجمعا لسوق الخميس وسوق الإثنين حيث يباع الغنم، والبقر. ومقبرة بياضة (التحتية) يقوم فيها العساكر بالمناورات والامتحانات العسكرية، ويحفرون فيها الخنادق، وفيها مراع خاصة للخنازير، وأكواخ لمبيتهم، وعدة خيام للسكنى.

        وفي هذه الأمثلة ما يكفي للدلالة على مبلغ عناية مراقبة الأحباس بمقابر المسلمين، ومبلغ ما عندها من اهتمام بتطبيق الأوامر المخزنية، والتعليمات المقيمية، فيما يخص المصالح الإسلامية الخالصة !؟

        على أن مراقبة الأحباس تقدمت خطوة أخرى في هذا السبيل، فأخذت تسلم بعض مقابر المسلمين إلى أفراد لها معهم صلات صداقة ووداد، فحفروها وأخرجوا منها جميع الأموات، وأخذوا يزرعون بها الخضر والبقول ليبيعوها ويستفيدوا من مدخولاتها (كما وقع بمقبرة تامجاج بالرباط التي سلمت إلى طبيب البلدية ليزرع بها الخضر ويبيعها لتمويل المساجين. وكما وقع في مقبرة أولاد حميد بنواحي بهت (مراقبة بتيجان)، فقد حفرها أحد المعمرين الفرنسيين، وأخرج منها رفات المسلمين وغرسها بأشجار الليمون. وقد أصبحت اليوم من أملاكه الخاصة…).

        وفوق هذا كله فإن المقابر الإسلامية أصبحت في جميع الجهات مهملة إهمالا لا حد له، فهي الآن تقوم مقام المراحض بالنسبة لعدد عظيم من السكان (مثل مقبرة بني دغوغ في رياض العروس بمدينة مراكش)، وهي اليوم مركز لوقوع كثير من المنكرات والفواحش التي لا يبيحها الإسلام، وهي اليوم مباح لا يقدسه أهل الملل الأخرى، بل إن المقابر الإسلامية أصبحت في هذا العهد مجمعا للأوساخ والأقذار، وتكويم الأتربة المنقولة والأحجار، الأمر الذي لا يوجد له نظير لا في المقابر المسيحية ولا في المقابر اليهودية….

        وهذا كله ناشئ من إهمال مراقبة الأحباس للمقابر الإسلامية، حيث لم تبن لها الأسوار اللازمة، ولم تصلح ما تخرب منها، مما هو محتاج إلى الإصلاح العاجل، ولم تجعل للمقابر حراسا يصونونها من كل ما لا يبيحه الإسلام ولا تقبله شريعة المسلمين، مثل الحراس الموجودين بمقابر أهل الملل الأخرى. وفي العاصمة الرباطية نفسها، بقيت المقبرة الإسلامية بباب العلو عدة سنين مفتقرة إلى التحويط والصيانة، واهتم بأمرها المجلس البلدي الرباطي، فكتب لمراقبة الأحباس مرارا عديدة.

        وبعد تعب شديد وإلحاح طويل، التزمت مراقبة الأحباس بدفع عشرة آلاف فرنك من مجموع المصاريف اللازمة لتحويط المقبرة، بينما البلدية خصصت لذلك من ميزانيتها نحو ثمانين ألف فرنك، بينما الأحباس الإسلامية هي التي كانت دائما تنفق على المقابر، وكان الأمر السلطاني يصدر للنظار بالإنفاق عليها من مدخول نظاراتهم.

        ومن الوثائق في هذا الباب ظهيران حسنيان : أحدهما مؤرخ بتاريخ 22 جمادى الثانية عام 1308، صدر فيه الأمر لناظر الأحباس الطنجية "بأن يقوم على الجد في بناء المقبرة من الأحباس"، وثانيهما بتاريخ 2 رجب من السنة نفسها (1308) موجه إلى ناظر الأحباس الكبرى بالدار البيضاء، جاء فيه بعد الحمدلة، والتصلية والطابع الحسني الشريف، وتحلية الناظر. "وبعد، فروضة المقابر ثمة، نأمرك أن تحوطها بالسور تحصينا لها حتى تكون محفوظة من السكنى بها، والمرور عليها، والرعي فيها، لأن القبر حبس لا ينبش ولا يمشى عليه".

        وقد صدر في هذا الموضوع أمر مقيمي بتاريخ 12 شتنبر 1915 يؤيد هذه النظرية تمام التأييد.

        ففي فصله الأول يعلن أن جميع المقابر الإسلامية الموجودة في المغرب هي من قبيل الأحباس، وفي فصله الثاني يلزم إدارة الأحباس بتقديم الأرض المناسبة عند احتياج المسلمين لإنشاء مقبرة جديدة، وفي فصله الرابع يلزم إدارة الأحباس إن لم تكن عندها أرض مناسبة، بشراء الأرض والإنفاق عليها لاتخاذها مقبرة، وفي فصله الخامس يلزم إدارة الأحباس بأن تضمن صيانة المقابر القديمة والجديدة، وتقوم بحراستها ومراقبتها، ولو كانت مراقبة الأحباس مخلصة في تطبيق الأوامر والتعليمات، لكانت مقابر المسلمين على غير ما هي عليه الآن.

        وهذه النقط العشرة التي بيناها، كافية لإقامة الدليل على سوء نية مراقبة الأحباس، وسعيها في تعطيل المؤسسات الإسلامية، وتهديم معالم الإسلام، وسلوك سياسة التقتير والإهمال في كل ما يتصل بمصالح المسلمين.

        والأغرب من هذا كله أن مراقبة الأحباس لم تكتف بما فعلته ضد الإسلام وجماعة المسلمين، بل إنها اتجهت أخيرا في أعمالها اتجاها علنيا صريحا ضد نفوذ جلالة السلطان، فأخذت تعمل لمقاومة النفوذ السلطاني من جهة، وتضييق دائرته من جهة أخرى :

        أما مقاومتها للنفوذ السلطاني فتتجلى في مقاومتها المستمرة لبناء المساجد في سهول المغرب وجباله، لأن تلك المقاومة، زيادة على ما فيها من محاربة للشعائر الإسلامية، هي في الباطن مقاومة لنفوذ المخزن الشريف، حيث إن الجوامع متى أسست تكون مركزا لإلقاء الخطب الدينية الجمعية، وهذه الخطب جرت العادة بأن يذكر فيها اسم جلالة السلطان بأنواع التبجيل والتعظيم، وأن يوجه له أثناءها الدعاء الصالح من كافة المومنين، ومن فوق منابر الجوامع المقدسة، تبث الطاعة المخزنية في النفوس، وخصوصا بالنسبة للقبائل والمقاطعات التي كانت ثائرة في السنين الأخيرة، والتي لم تدخل في طاعة السلطان إلا في العهد الأخير، فإقامة المساجد بينها ضرورية لتقوية ميولها نحو جلالة السلطان، واستمالة قلوبها نحو المخزن الشريف، وتثبيتها على الطاعة، وتعويدها على النظام. ومراقبة الأحباس عندما تمتنع من بناء المساجد، لا يفهم المسلمون معنى لامتناعها سوى أنها تعمل قصدا لمحاربة النفوذ السلطاني حتى لا يظهر فيما وراء أسوار المدن !

        وأما تضييقها لدائرة النفوذ المخزني، فبإخراجها من اختصاصات الوزارة الحبسية ما يوجد من أحباس في "القبائل البربرية"، بينما الضوابط الأساسية للأحباس، وجميع الظهائر الشريفة تعتبر من اختصاصات الوزارة الحبسية بدار المخزن، جميع الأحباس العمومية، الموجودة داخل المنطقة السلطانية والمنطقة الطنجية، ولم تضع أية تفرقة بين ما هو موجود منها في الجهات التي تسميها الإدارة "نواحي عربية" والجهات التي تسميها الإدارة "نواحي بربرية". والظهير البربري نفسه، على ما فيه من شذوذ وغرابة، لم يشر مطلقا ولو أدنى إشارة إلى هذا الموضوع، فكل مداره على المسألة القضائية وحدها، ولا علاقة له مطلقا بالمسألة الحبسية، التي يريد مراقب الأحباس أن يتبرع ويقيسها باجتهاده الخاص على المسألة القضائية.. ! والمسلمون يعرفون عدة نظار ونواب كانوا متولين النظر في الأحباس بنواحي بربرية فعزلتهم مراقبة الأحباس، وسلمت من تلقاء نفسها جميع الأحباس الموجودة، بتلك الجهات إلى يد المراقبات والجماعات، وأرادت إدارة المحافظة تحديد أرض، لها صلة بالأحباس في إحدى قبائل البربر، ووقوف ممثلي الأحباس على عملية التحديد، فكان رأي مراقبة الأحباس ووزارتها أن الأحباس هنالك أصبحت من خصائص جماعة البربر، وجواب المراقبة بذلك مسجل موجود، بينما الواجب، طبقا للضوابط والظهائر الحبسية، هو أن تكون الأحباس في تلك الجهات راجعة إلى أيدي "نظار" يتصرفون فيها من قبل وزارة عموم الأوقاف، ويتولون النظر فيها باسم جلالة السلطان وبظهيره الشريف.

* * *

        وهذه التصرفات التي شرحناها مما قامت به مراقبة الأحباس، خير شاهد على أنها، حقيقة، تقاوم النفوذ السلطاني، وتضايق العنصر الإسلامي في الأعمال الحبسية، وتستغل ضعفاء المسلمين شر استغلال، وتبذر أموال الحبس فيما لا مصلحة للأحباس فيه، وتقتر شديد التقتير في كل ما أنشئت الأحباس لأجله، وكل واحد من هذه التصرفات، فضلا عن مجموعها، كاف لأن يقلق الرأي العام الإسلامي في هذا البلد، وأن يدفعه إلى استماتة في سبيل الدفاع عن الأحباس الإسلامية إلى النهاية.

        ومتى قدر الإنسان، دون تحيز ولا عناد، ما لتصرفات مراقبة الأحباس من الخطورة العظيمة والخطر الشديد، بالنسبة لإحساسات المسلمين وعواطفهم الدينية والقومية، استطاع أن يفهم حق الفهم أسباب القلق العظيم الذي يسود الأوساط الإسلامية في هذا العهد، خوفا على مصير الإسلام المهدد في سائر أطراف المملكة، واستطاع أن يفهم مغزى العرائض التي أخذ المسلمون يرفعونها لجلالة السلطان، بصفته أمير المومنين، والرئيس الروحي لجماعة المسلمين.

        ويجب أن نسجل في هذا المقام، أن جمهرة المسلمين المغاربة، قد بلغ بها الفقر والبؤس درجة لم يسبق لها نظير في عهد من عهودها، ولم يبق في استطاعتها أن تنفق على أمر من أمور دينها، لأن النظام القائم قد أثقل كواهلها بضرائب فادحة، أصبحت تحول بينها وبين القيام حتى بضرورياتها المادية الأساسية ! فالإسلام اليوم، دين الأكثرية في المملكة المغربية، لا ينفق عليه الأفراد، ولا تنفق عليه الميزانية العامة قليلا ولا كثيرا، وإن كانت تخصص مبالغ باهضة سنوية، لبناء الكنائس وللإدارة التبشيرية، والأعمال اليسوعية، وهذا ما جعل المسلمين المغاربة يقومون عن بكرة أبيهم، ويلجأون إلى الأحباس الإسلامية، التي أوقفها أجدادهم للاستفادة منها والانتفاع بها في مثل هذا الوقت العصيب… !

        وإذا كان المسلمون المغاربة قد فقدوا الثقة بمراقبة الأحباس، ولفتوا نظر الدوائر العليا إلى تصرفاتها الغريبة، فهم محقون في ذلك، لأن جميع الأعمال التي قام بها نحوهم رئيس قسم مراقبة الأحباس، دلتهم على أنه لا يفهم مطلقا مقاصد المحبسين ولا الأغراض السامية، التي من أجلها وضعت الأحباس الإسلامية، كما دلتهم على أنه لا يستطيع التخلص من عاطفته المسيحية المتوارثة، وأنه يتجه بالغريزة دائما في اتجاهات معارضة للإسلام، وأنه يعمل باستمرار لتعطيل معالمه، وإهمال شعائره، الأمر الذي أقنع المسلمين شديد الإقناع بأن وجود رئيس "مسيحي" على رأس مؤسسة دينية إسلامية، مهمتها الأساسية هي خدمة الإسلام، وتقوية الشعائر الإسلامية، من شأنه أن يعرقل مصالح المسلمين، ويعرضها للإهمال والضياع.

        وإذا كان المسلمون المغاربة يطالبون باستقلال الأوقاف الإسلامية وإبعادها من التدخلات الإدارية الأجنبية المسيحية، فإن مطالبهم في هذا الباب قائمة على الحق، والعدل، والمنطق، ويسندها القانون الدولي المعروف.

        وعقد جمعية الأمم، الذي يعترف للأقليات بحقوقها الدينية، ويعطيها حق الاستقلال بشؤونها الملية، لا يمنع مطلقا أكثرية ساحقة في مملكة عظيمة كالمملكة المغربية من التمتع بمثل هذه الحقوق، في حين أن الأقلية الإسرائيلية مستقلة بشؤونها الملية لا يتدخل فيها أحد داخل هذه المملكة…

        على أن عقد الحماية المنعقد بين حكومة المملكة المغربية وحكومة الجمهورية الفرنسية، يلتزم صراحة بإبقاء الأوقاف الإسلامية خارج التدخل الأجنبي. ورجال الدبلوماسية والسياسة الفرنسية الرسميون في ذلك العهد، يحدثوننا عن المناقشات والرسائل التي كانت دائرة بين السلطان مولاي عبد الحفيظ والسفراء الفرنسيين في موضوع الأحباس، لاستثنائها من جميع التدخلات الإدارية الأجنبية، خوفا من أن يحل بها ما حل بأحباس الجزائر، وهذه الفكرة هي التي فهمها المسلمون المغاربة من مساعي المقيم العام الأول الجنرال ليوطي في السنين الأولى للحماية، ومن تصريحاته الرسمية العلنية، التي صرح بها أمام الوفود المغربية، بمناسبة انعقاد الدورة الأولى"لمجلس الأحباس" سنة 1333-1915، وانعقاد دورته الثانية سنة 1335 – 1917. فقد أعلن أمامهم في الأولى "أن له غرضا أكيدا في المحافظة على جميع الشعائر الدينية، والتقاليد الإسلامية، وأن هذه السياسة نحو الإسلام ليست سياسته الشخصية وحده، ولكنها سياسة الدولة الفرنسية نفسها"، وأعلن لتلك الوفود "أن الوظيفة التي جاء ليقوم بها في المغرب إنما هي إعانة جلالة السلطان في المحافظة على أمور ثلاثة :

        1- تأسيس النظام الذي أخذ في الاضمحلال من قبل.

        2- إصلاح الأمور المتلاشية في المملكة الشريفة.

        3- "المواظبة على صيانة الشعائر الدينية". وخطب أمامهم في الدورة الثانية، بحضور وفود من الجزائر وتونس، فقال : "لتعلموا أن جميع أعمال الحبس وتنظيماته موكولة إلى نظر الجلالة الشريفة، وما لنا من يد في أمور الأحباس كلها إلا المساعدة لجلالة السلطان والتعضيد لوزارته الوقفية". وقد اضطر م. مارك مستشار الحكومة الشريفة أن يبين هذه الفكرة ويشرحها في عدة منشورات للمندوبين المخزنيين، والمراقبين المدنيين، وضباط الشؤون الأهلية وعرفهم "أن عقد الحماية نفسه قد ضمن للمغاربة احترام المؤسسات الدينية والأحباس، وأنه يجب الابتعاد عن كل عمل من أعمال الإدارة المباشرة، والانصراف عن التدخل العميق في هذا الميدان، حذرا من هيجان المسلمين" كما ورد ذلك في منشوره الصادر بتاريخ 21 فبراير عام 1922.

        والمسلمون المغاربة عندما ينظرون إلى البلدان الإسلامية الأخرى التي وقعت تحت الانتداب الأجنبي، أو الحماية الأجنبية، يجدون أن أوقافها بقيت بيد أهلها المسلمين مستقلة تمام الاستقلال، بحيث لا تتدخل فيها الإدارة الأجنبية مطلقا. فهذه فلسطين الواقعة تحت الانتداب البريطاني لا تزال أوقافها بيد هيأة إسلامية مستقلة، ولا تزال مداخيلها تصرف في مصالح المسلمين طبقا لشروط المحبسين وروح الشريعة الإسلامية. وهذه مصر كانت تحت الحماية البريطانية. ثم أعلن استقلالها وبقيت بها إلى الآن مندوبية إنجليزية، على رأسها المندوب السامي البريطاني، ولم يعرف مطلقا أن الحكومة البريطانية تدخلت من قريب أو بعيد في مسألة الأوقاف الإسلامية، فالأوقاف الإسلامية بمصر، لها وزارة خاصة بعيدة عن كل التدخلات الأجنبية، بحيث لا يوجد فيها بريطاني واحد بصفة مستشار. وإذا كان مسلمو المغرب يطالبون اليوم باستقلال أوقافهم عن الإدارة الفرنسية فإنهم لا يطالبون إلا بشيء موجود، معترف به سياسيا ودوليا لعدة شعوب إسلامية منذ زمن طويل.

        لهذه الأسباب كلها يريد المسلمون المغاربة :

        1- إنشاء وزارة حبسية، مستقلة، مسؤولة أمام جلالة السلطان، وخاضعة لمراقبته المباشرة، تنتقل إليها جميع الأعمال والاختصاصات التي بيد مراقبة الأحباس الآن، ويقوم بإدارتها وتنظيم شؤونها موظفون مسلمون مغاربة، وتكون صاحبة القول الفصل في المسائل الوقفية، والقضايا الحبسية، ومراكز خاصا لخدمة المجتمع الإسلامي ورفع مستوى الطبقات الإسلامية، من الوجهة الدينية، والخلقية، والعلمية، والاجتماعية، والعمل لتخفيف آلام البؤساء، ومساعدة الضعفاء، الذين يتزايد عددهم يوما فيوما بالمملكة المغربية، على نمط وزارة الأوقاف المصرية، التي كانت ولا تزال تواصل بناء المساجد في كل مركز من المراكز، والتي تبعث وعاظها ومرشديها يجولون في أطراف المملكة المصرية، لمحاربة المسكرات والمخدرات، والقضاء على روح الجريمة والاعتداء، ونشر فضائل الدين، وتثبيت العقيدة المحمدية في النفوس، والتي تنشر من محطات الإذاعة في كل أسبوع، عددا من العظات الدينية، والمحاضرات الإسلامية، والتي تنفق كل سنة ملايين الجنيهات على المعاهد الدينية، والعلماء الدينيين، والطلبة المسلمين، مصريين وغرباء، والتي تؤسس المدارس والملاجئ العديدة لتعليم أبناء الضعفاء وتهذيبهم وصيانتهم من كل الأخطار، والتي تقوم – على وجه الإجمال – بتحقيق الأغراض الأساسية، التي من أجلها أنشئت الأحباس في الإسلام.

        2- إحياء "المجلس الحبسي الأعلى" وإقامته على أسس تمثيلية جديدة، حيث إنه لم ينعقد منذ سنة 1335 – 1917، وحيث إن تمثيل المسلمين فيه غير مضمون ضمانة كافية، فالأعضاء المستشارون فيه كانوا جميعا من الموظفين، ولم تمثل فيه إلا بعض المدن، كفاس، ومكناس، وزرهون، وسلا، والرباط، وآسفي، ومراكش، وبعض الزوايا، كالزاوية الناصرية، والسيايسية، والشرقاوية، ولم يكن فيه أحد منتخبا من قبل جماعة المسلمين في أية جهة من جهات المملكة، فواجب أن يقوم إلى جانب الوزارة الحبسية الآن، مجلس حبسي أعلى لا يتألف إلا من أعضاء منتخبين، يمثلون، عن حق، سائر الأحباس الإسلامية الموجودة بالمدن، والقرى، والقبائل، لا فرق في ذلك بين القبائل التي تسميها الإدارة "قبائل عربية" والتي تسميها "قبائل بربرية" حتى يتمكن المسلمون داخل هذا المجلس من الدفاع عن المصالح الحبسية العليا، ومراقبة شؤون الأحباس مراقبة تامة، نظرا لأن الأحباس مؤسسة إسلامية عامة، يحق لكل المسلمين الاهتمام بها، والنظر في مصالحها، وواجب أن يكون لكلامهم وملاحظاتهم الاعتبار التام في شؤونها.

        3- إنشاء مجالس حبسية محلية إلى جانب "نظارات الأحباس"، فكما أن للمدن والنواحي هيآت بلدية للنظر في شؤونها المحلية الخاصة يجب تكوين مجالس منتخبة بكل مدينة وكل ناحية، لمساعدة نظار الأحباس في القيام بواجباتهم، وإرشادهم في مهمات المسائل، والإشراف على سير الأحباس في كل جهة من الجهات، والدفاع عن مصالح جماعة المسلمين أمام النظار المحليين، ورياسة هذه المجالس الحبسية المحلية يمكن أن تكون للنظار، أما عضويتها فتكون بالانتخاب من جماعة المسلمين.

        4- إنشاء لجنة مستعجلة لتفتيش مراقبة الأحباس، وبحث تصرفاتها منذ سنة 1918 إلى الآن، وتأليف هذه اللجنة من شخصيات معروفة بالنزاهة واستقلال الرأي وحسن التدبير، وفي طليعة ما يلزمها بحثه الموضوعات الآتية :

        أ- أراضي الأحباس : كم كانت مساحتها حين إعلان الحماية، وماذا بقي الآن ؟ وكم بيع منها؟ وما هي الأراضي التي عوض بها المبيع ؟ ولمن سلمت تلك الأراضي المبيعة ؟ وهل بيعت مقابل أثمانها الحقيقية الوقتية ؟ وما هي الأراضي المبيعة للاستعمار ؟

        ب- دراهم المعاوضات : هل يوجد لها حساب خاص منفصل إلى الآن ؟ وما مبلغها ؟ وكم أنفق منها ؟ وفيم أنفق ؟ وهل طبقت الأوامر الشريفة، القاضية باشتراء العوض حالا عن كل ملك حبسي مبيع ؟ وهل في البناءات الجديدة مصلحة حقيقية للأحباس ؟ وما هي القيمة الحقيقية لهذه  البناءات، حسب الوقت الذي بنيت فيه ؟

        ج- حسابات النظارات : ما هي الحسابات الحقيقية الشهرية والسنوية لكل نظارة ؟ وما هو مبلغ "الأرباح" التي يدفعها البنك عن أموال الأحباس الموضوعة فيه ؟ وهل لها حساب خاص ؟، وأين تصرف عادة هذه الأرباح ؟، وكم بقي منها الآن في الخزينة ؟، كما تبحث غير هذا من المسائل الأساسية، التي أقلقت الرأي العام الإسلامي منذ عدة سنين، وتنشر نتيجة ذلك كله في تقرير مفصل يبين للمسلمين كافة، على من تقع مسؤولية ضياع المصالح الإسلامية، وإهمال المؤسسات الحبسية ؟

        غير أن أوقافا كالأوقاف الإسلامية بالمغرب الأقصى، في الكثرة، والاتساع، وتشعب القضايا، يجب أن لا يكون على رأسها إلا من كان من الأفراد الممتازين، الحائزين على ثقة جماعة المسلمين، من أهل العلم، والحزم، وبعد النظر، والغيرة الدينية، والخلق المتين. وفي المملكة المغربية بحمد الله من يقوم بهذه المهمة أحسن قيام، ومن يرضي المسلمين ويبيض وجه الإسلام، فعسى أن تتنبه الحكومة إلى واجبها في هذا الباب، فتضع مطالب المسلمين العادلة موضع الاعتبار والتقدير، وتحل مشكلة الأحباس حلا مرضيا للحق والضمير، حتى تعود المياه إلى مجاريها، وتصل الحقوق إلى مستحقيها، وتطمئن خواطر المسلمين، ويبتسم ثغر الدين، وما ذلك على الله بعزيز.

                                               لجنة الدفاع عن الأحباس الإسلامية بالمملكة المغربية

 

ملحقات  

 

الملحق الأول

عرائض حبسية

رفعتها الأمة المغربية إلى جلالة سلطانها

        عندما ضاقت الأمة المغربية ذرعا بالتصرفات الغريبة التي جرت عليها مراقبة الأحباس، استقر رأيها على رفع عرائض شعبية إلى السدة الملكية تتضمن وصف الأخطار التي تهدد الإسلام وتقلق المسلمين. وفعلا رفعت إلى جلالة السلطان ثلاث عرائض تتضمن مئات من التوقيعات الممثلة لسائر طبقات الأمة، من علماء، وتجار، وأشراف وموظفين، وعدول، وصناع، وشيوخ وشباب، وهذه العرائض قدمتها العواصم الثلاثة في المملكة المغربية :

        1- رباط الفتح، عاصمة المغرب الإدارية.

        2- الدار البيضاء، عاصمة المغرب التجارية.

        3- فاس، عاصمة المغرب الدينية والعلمية.

        وقد أرسلت نسخ من هذه العرائض إلى مندوب فرنسا في المغرب، المسيو بونسو، وأذيع نصها في جريدة "الحياة" لسان حال الوطنية المغربية باللغة العربية في المنطقة الخليفية، كما أذيعت خلاصتها في جريدة "عمل الشعب" لسان حال الوطنية المغربية باللغة الفرنسية في المنطقة السلطانية :

 

                1 العريضة الرباطية

الحمد لله الولي الناصر                 والصلاة على المختار من أشرف العناصر

يا صاحب الجلالة المعظم !

         إن الملة الإسلامية في خطر، وإن رعايكم المسلمين في غاية القلق والضجر. يا صاحب الجلالة، إن الأحباس التي تركها السلف الصالح والتي أوقف قسما كبيرا منها أجدادكم، قدس الله أرواحكم، أصبحت تصرف في غير مصاريفها، وتبذل في غير وجوهها، ويحال بينها وبين الوصول إلى أهلها وأصحاب الحق فيها، ويفوت منها في كل سنة عدة أملاك وأراض لا موجب لتفويتها. وقد أصبحت بيوت الله في جميع المدن، سوى فاس والرباط، لا تنار إلا في لحظات معدودة، وتعطلت وسائل الطهارة والنظافة وإقامة الدين، وضيق بكل أنواع التضييق على المدرسين والأئمة والخطباء والقراء والمؤذنين، وتقهقرت المؤسسات الإسلامية إلى الوراء، حتى كادت تشرف على الفناء، فلا علم يدرس بالمدن ولا بالبوادي، ولا دين ينشر بين طوائف العامة، ولا مساجد تقام في القرى والمداشر، ولا خطبة جمعة أو عيد يسمعها أبناء القبائل، فيسمع فيها رعاياكم الملسمون إسمكم الكريم، ويذكر فيها بالتبجيل والتعظيم عرشكم الفخيم. وكيف تعرف العامة دينها وقد أصبحت، بتقصير إدارة الأحباس، عن دينها محجوبة، وكيف ترضى أو تطمئن وقد أصبحت، بتصرفات مدير الأحباس وتدخلاته، من جميع حقوقها الدينية مسلوبة !  

يا صاحب الجلالة.

لقد اتسع العمران في عصركم الزاهر بكثير من جهات المملكة، وعم الأمن سائر أطرافها، فتكونت قرى جديدة، وتأسست مراكز عديدة، والعمران يستلزم حاجات كثيرة، وأهم الحاجات في نظر رعاياكم المسلمين، هو وجود مساجد كافية في كل المراكز لأداء العبادة وتعلم الدين، والقيام بصلاة الجمعة والعيدين، ولذلك انهالت طلبات رعاياكم من جميع الجهات على إدارة الأحباس، فكان جوابها إما بالعرقلة وإما بالرفض التام، الأمر الذي يعتبره المسلمون سعيا خصوصيا من مدير الأحباس في مقاومة شعائر الإسلام، هذا مع أن أسلافكم المقدسين يا جلالة الملك، ما حرسوا الأحباس وبسطوا عليها حمايتهم حتى بقيت مصونة إلى اليوم، إلا لتصرف في مصالح الجماعة الإسلامية وتنفق على صيانة الشعائر الدينية.

يا صاحب الجلالة.

لا يخفى علمكم الشريف ما أصيبت به رعيتكم من الفاقة والإملاق، حتى كادت روحها تصل إلى التراق، بما انتزع من أراضيها وأملاكها، وفرض عليها من الضرائب المتعددة التي أدت لتحطيمها وإنهاكها، حتى أصبحت أكثرية القبائل جائعة عارية، وهاجرت إلى المدن عسى أن تتخلص من نار الجوع الحامية، فكثر بالمدن عدد المعوزين والسائلين، وأصبح إنقاذهم من أهم الواجبات على جماعة المسلمين. وفعلا ساعد سكان المدن ضعفاء البادية، وحييت من جديد روح التعاون الإسلامية، ولكن المدن لم تستطع القيام بكل ما يلزم لأولئك المهاجرين البؤساء، وبقي الكثير منهم في إبان الشتاء المتواصل والبرد القارس، وطاؤه الأرض وغطاؤه السماء، هذه إدارة الأحباس تتصرف في جميع الأوقاف الخاصة بالفقراء، تصرف المالك في ملكه، وهي تعلم علم يقين حاجة الفقراء إلى أوقافهم الموقوفة عليهم في هذا الوقت العصيب، ولكنها لا سامع بها ولا مجيب.

يا صاحب الجلالة.

إن حالة الصناع والمحترفين وصغار التجار من رعيتكم حالة بائسة محزنة، وقد أصبحوا جميعا لا يكتسبون معيشتهم اليومية إلا بشق الأنفس، وفي غفلة من الدهر القاسي، ومع ذلك كله فإن إدارة الأحباس تعاملهم أقبح معاملة، ولا تزال تستغلهم أشنع استغلال، بما تضع في أعناقهم من قيود الأكرية الثقيلة والأغلال وفي هذا الوقت الشديد الذي سقطت فيه خمسون في المائة من أكرية الأحياء الإفرنجية أخذت إدارة الأحباس تضاعف الكراء على المكترين من فقراء الرعية، ورغبة في الزيادة عليهم داخل السنة القادمة، أخذت تقوم الآن جميع الأملاك الحبسية، ونسيت الإدارة أن أجدادنا لم يتركوا الأحباس إلا لمساعدة أبنائهم القادمين، والرفق بضعفاء المسلمين، وخدمة مصالح الدين.

يا صاحب الجلالة.

إن مدير الأحباس مسؤول في نظر المسلمين عن عدة أشياء خطيرة نشأت عن تصرفاته وأوامر الخاصة :

1) مسؤول عن إهمال المساجد المبنية، بتقليل نورها، وقطع مائها، ورثاثة فرشها، وإهمال تنظيفها.

2) مسؤول عن المساجد العديدة التي حال دون بنائها في سائر جهات المملكة.

3) مسؤول عن إسقاط الوعظ في كثير من المساجد.

4) مسؤول عن تقليل عدد الموظفين الدينيين وبخسهم في أجورهم الشهرية.

5) مسؤول عن تعطيل كثير من الدروس الدينية، والمدارس العلمية، التي لا يسمح لمدرسيها وطلبتها بأجور ومرتبات كافية.

6) مسؤول عن عدم تسليم الأحباس المعينة إلى أهلها ومستحقيها في كثير من الجهات، وتراميه على الأوقاف الخاصة بالأشراف وأبناء الزوايا.

7) مسؤول عن مضايقة ضعفاء الأمة، المكترين من الأحباس، واستغلاله إياهم استغلالا فاحشا.

8) مسؤول عن بؤس الفقراء الذين حال بينهم وبين التمتع بأوقافهم الخاصة.

9) مسؤول عن التبذير والإسراف في بناء الإدارات، وشراء السيارات وإنشاء عدد كثير من الوظائف التي لا حاجة بالأحباس إليها…

10) مسؤول عن تفويت الأملاك والأراضي الحبسية، دون موجب لتفويتها، ولا تعويض لها بغيرها في كثير من الأوقات.

11) مسؤول عن عدم تنفيذ شروط المحبسين وتطبيق العقود الحبسية، وصرف أموال الأحباس في غير مصارفها الشرعية.

12) وهو مسؤول فوق ذلك، عن القلق الكبير الذي يسود الآن جميع الأوساط الإسلامية، والهلع العظيم الذي أصاب المسلمين المغاربة، خوفا على مصير ملتهم بهذا الوطن.

يا صاحب الجلالة.

إن مدير الأحباس بتصرفاته وتدخلاته العجيبة الغريبة، أقام الحجة القاطعة على أن مراقبة الأحباس يلزم أن لا تكون بيد غير يد المسلمين، لأن أحباسنا أمور دينية ملية خاصة، لا يمكن أن يقوم بها، ويخلص لها، ويصرفها، ويحرسها من التفويت والضياع، طبقا للشريعة الإسلامية، إلا من كان يحمل في قلبه نور الهداية المحمدية. وجماعة المسلمين التي هي وحدها صاحبة الحق في الأحباس الإسلامية، ترغب من جلالتكم، وأنتم محط أملها وموضع ثقتها، إلغاء إدارة الأحباس إلغاءا تاما، وإرجاع الأحباس كما كانت في جميع عهودها الماضية إلى يد المسلمين وحدهم، تحت المراقبة الدقيقة والإشراف الأعلى من جلالتكم الشريفة، بصفتكم "أمير المومنين" والرئيس الروحي الأعلى لجماعة المسلمين، وترغب من جلالتكم إعطاء وزارة الأحباس جميع الاختصاصات التي أخذتها الإدارة وانتزعها المدير، ووضعها بين يدي خدام مخلصين، عرفوا من بين رعايكم بالكفاءة والدين المتين، والعزيمة النافذة، والضمير الحي، والخلق القويم.

يا صاحب الجلالة.

إن "الأقلية اليهودية" من رعايكم متمتعة بحريتها الدينية تمام التمتع، فهي التي تتصرف في مصالحها الدينية، وأوقافها الملية، تصرفا حرا لا مراقبة عليه في قليل ولا كثير، فمن حق رعاياكم المسلمين، الذين يكونون الأكثرية الساحقة من سكان مملكتكم، والذين يبلغ عددهم عدة ملايين من النفوس، أن يتمتعوا، بفضل مساعدتكم الفعالة، بأوقافهم الإسلامية، ويسيطروا على شؤونهم الدينية، ومصالحهم الملية، تحت رعاية جلالتكم ومراقبة المخزن الشريف، لا سيما ومعاهدة الحماية نفسها تضمن بنصوصها الصريحة، عدم مس المسلمين في حقوقهم الدينية، ولا يسمح أي لفظ من ألفاظها بالتدخل في الأوقاف الإسلامية، لا خفية ولا علانية.

يا صاحب الجلالة.

إن رعاياكم المسلمين ينتظرون بتلهف شديد ذلك اليوم السعيد، الذي تلغى فيه إدارة الأحباس، وتقوم مقامها في جميع اختصاصاتها وأعمالها بنيقة الأحباس، بدار المخزن الشريف، تحت سلطتكم المطلقة، ونفوذكم الشامل العام، وينتظرون بفارغ الصبر، ذلك اليوم الذي ترجع فيه الأحباس سيرتها الأولى، فتعود كما كانت أداة صالحة لنشر الدين، وتهذيب المسلمين، طبقا لروح الشريعة الإسلامية، ورغبات المحبسين، وينتظرون بشوق عظيم، ذلك اليوم الذي ترفع فيه المآذن في أجواء الفضاء، وتملأ بيوت الله جبال المغرب وسهوله الفيحاء، وإنكم يا جلالة الملك – إن شاء الله – لفاعلون. ولتحقيق رغبات رعيتكم، المتعلقة بأهدابكم، والملتفة بسائر طبقاتها حول عظيم عرشكم، بحول الله عاملون فليحيى الإسلام، تحت حماية مولانا الإمام.

29 شوال عام 1352 هـ.

هذه العريضة ذهبت، وفيها، زيادة على توقيعات الرباطيين، توقيعات تضامن وتأييد، من خواص الفاسيين والسلويين، وزعماء النهضة في العاصمة الفاسية، والعدوة السلوية، وقد رفعت إلى دار المخزن صبيحة يوم الثلاثاء 5 ذي القعدة موافق 20 فبراير1934، رفعتها لجنة مختارة من أهل المروءة والفضل والعلم، مؤلفة من السادات المحترمين: الحاج محمد الناصري، السيد محمد بن العياشي، الحاج محمد فرج، مولاي أحمد الرفاعي، السيد عبد النبي كراكشو، الحاج عمر القباج، السيد محمد التازي.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 2 العريضة البيضاوية

         بمجرد ما وصلت العريضة الرباطية إلى يد جلالة السلطان، وأخذت الدوائر العليا في دراستها، قام سكان العاصمة التجارية بتعضيدها وتأييدها، مناصرة للمدافعين عن الأحباس الإسلامية التي أصبحت في خطر عظيم، وكتبوا في ذلك عريضة على نمط العريضة الرباطية، ختموها "بنداء خاص" يتعلق بحالة الأحباس في الدار البيضاء بالخصوص :

         نداء خاص من سكان البيضاء.

            يا جلالة الملك.

         إليك نرفع المشتكى، إليك نوجه النداء، فأنت خليفة الرسول، وأنت حامل لواء الدين.

         يا صاحب الجلالة.

         إن مسلمي البيضاء قد ضاقت عليهم الأرض بما رحبت، وقد صارت الدنيا أمام أعينهم مظلمة حالكة الظلام !

يا صاحب الجلالة.

         إن المسلم من حيث إنه مسلم، لا يرضى بالتهاون في أمر دينه، الذي خلق لأجله، والذي يؤثر الموت على الحياة في سبيله.

         يا صاحب الجلالة.

         كيف لا تغلب المومن دموع الأسى والأسف، وكيف لا يذوب قلبه كمدا وحزنا حين ينادي المنادي للصلاة، ولا سيما في يوم الجمعة، فيهرع للوضوء، فيجد المياضي في غاية العفونة والقذارة، ولا يجد ما يكفي لطهارته من الماء. وبعد التعب الشديد، يذهب إلى المسجد لأداء الصلاة، فلا يلقى مكانا للجلوس من كثرة الضيق، ولا يسعه إلا أن يجلس في الشارع العام حيث يمر عليه كل مار، وفي إبان المطر لا يستطيع الجلوس في الشارع، ولا في صحن المسجد، حتى أدى الحال بكثير من المسلمين إلى أن يتركوا فريضة الجمعة…

         يا صاحب الجلالة.

         أين الأحباس، هل لا زالت في الوجود أم صارت إلى العدم…؟

         يا صاحب الجلالة.

         إن مسلمي البيضاء يرجون من فضلكم تلبية طلبهم لبناء مسجدين كبيرين داخل المدينة، وآخرين مثلهما بالقرية الحبسية، نظرا للعمران المتزايد في كل يوم بمدينتنا.

         يا صاحب الجلالة.

         إن ناظر الأحباس بالبيضاء، يتراخى في القيام بواجبه، مع إطلاعه على هذه الحالة الأسفية، حتى أصبحت إقامة شعائر الإسلام متعسرة متعذرة بالدار البيضاء.

يا صاحب الجلالة.

         إننا نتقدم إلى جنابكم العالي بكل احترام، راجين من فضلكم إجابة مطالبنا ورفع الضرر عنا. أدامكم المولى حارسين للدين الحنيف، رافعين مناره في كل حين، أبد الله ملككم، وخلد ذكركم.

         وقد انتخب سكان البيضاء لرفع عريضتهم وفدا من خيرة المواطنين وأفاضلهم مؤلفا من :

1-   الشريف سيدي محمد بن أحمد العلمي، عضو في الغرفة التجارية.

2-   السيد الحاج عبد الواحد بن جلون، عضو في الغرفة التجارية.

3-   السيد الحاج علال بن جلون، عضو في المجلس البلدي.

4-   السيد سيد بن الحاج الطيبي، من كبار التجار.

5-   السيد عبد القادر بنيس، من كبار التجار.

6-   السيد مصطفى الغرباوي، من علماء الشباب البيضاوي.

فقام الوفد بمهمته وقدم العريضة إلى جلالة السلطان بتاريخ 27 ذي القعدة 1352 موافق 13 مارس 1934.

 

3 العريضة الفاسية

بسم الله الرحمن الرحيم

              وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم

        إلى جلالة مولانا الإمام، الشريف العلوي الهمام، السلطان الأعظم، والملاذ الأفخم، سلالة العترة الطاهرة النبوية، وياقوتة عقد الدولة الشريفة العلوية، الماجد الأسعد، والمنجد الأرشد، أبي عبد الله سيدي محمد، أحمد الله في الصالحات ذكره، وأدام بمنه وفضله تأييده ونصره، وسلام عاطر على ذلك الجناب، وباقة غضة من الثناء العذب المستطاب، ورحمة الله تعالى وبركاته عن خير سيدنا أدام الله نصره وعلاه.

        وبعد فلا يخفى على شريف علم مولانا القيمة التي للأحباس في نظر المسلمين، والقداسة التي تعطيها الشريعة الإسلامية، وكل الشرائع السماوية والوضعية لمعاهدها ومئاثرها، تلك القداسة التي حالت بين سائر الأجيال السابقة وبين التفريط فيها وإضاعتها، والتي تجبر المسلمين اليوم على أن يلتجئوا لجلالتكم  ليعربوا لكم عن مخاوفهم الكبيرة على هذه البقاع الشريفة من مساجد ومعاهد، إذ لا حياة لها ولا بقاء إلا بالاحتفاظ بموادها الوقفية، وعدم تحويلها عن الناحية المرادة لها.

        إن هذا القلق الذي يساور رعيتكم المخلصة في طاعتكم، لم يكن جديدا الآن، ولكنه منذ أخذت الوزارة الحبسية غير الشكل الذي كان ينتظر منها، ومنذ اعتادت المراقبة الغير القانونية تصرفا مباشرا في أحباس المسلمين وولاية لغيرهم عليها، في الحين الذي تتمتع فيه سائر الطوائف بحريتها الواسعة النطاق في هذا السبيل، وفي الوقت الذي توجب فيه الشريعة الإسلامية عدم ولاية غير المسلمين على المساجد والقيام بشؤونها، وفي الظروف التي تعلن فيها الحماية التزامها بعدم التدخل في الشؤون الدينية التي من جملتها الأوقاف لا بوجه ولا بحال.

        وحقيقة، أن ذلك القلق ساورنا من ذلك الحين، ولكن ثقتنا بالوعود المعطاة، وإيماننا بأن هذه المراقبة لم يقصد منها إلا تدريب موقت لنا على تسيير الشؤون، واستطلاع ما سبق ضياعه من مالية الأحباس، كل ذلك جعلنا نصبر على مضض، وننتظر الساعة التي تتم فيها هذه المهمة التدريبية وتزول تلك الرقابة الأجنبية، غير أن الأمد طال، والأحباس أصبحت في خطر، فالعدد العديد من البلادات المهمة فوت، والكثير من المعاهد والمساجد عطل، والملايين المجموعة من هنا وهناك استسلفت، وشتى المآثر التاريخية الغالية بيع أو نقل. أليس مما يقلق البال يا مولانا أن تنزع لبلاد من حوالة المحبس لتعطى للمعمر بثمن بخس لا يساوي عشر معشارها ؟ أليس مما يبعث الحسرة ويدمي القلب، أن تسمح الإدارة الحبسية بالاستيلاء على كثير من المساجد، وتحويلها إلى إدارات أو قشلات عسكرية يطؤها الجند بنعالهم بعد أن وطئها آلاف المومنين بجباههم ؟ (كالمسجد الاسماعيلي والسليماني بقصبة تادلا ومسجد القصبة بالقنيطرة وغيرها).

        أليس مما يفتت الكبد أن تعطل كثير من الدروس العلمية، والكراسي الوعظية، وتصرف أحباسها المعينة لها في غير مصارفها ؟

        أليس من العار أن يبنى العديد من القرى الجديدة، ثم يريد سكانها المسلمون بناء مساجد من ماليتهم فتأبى مراقبة الأحباس مساعدتهم عليها ؟

        أليس مما يندى له الجبين أن تتحول بعض المساجد إلى كنائس ؟ (كالمسجد الذي بنيت في موضعه الكنسية الكبرى بالرباط)، كل هذا وأضعاف أضعافه قد وقع ونفذ تصرفا من مراقبة الأحباس وعلى مرأى ومسمع من وزيرها، فهل يعقل أن يظل المسلمون ساكتين على هذه الحالة وتحت يدهم من الشواهد والأدلة ما يفوت الحصر ويجاوز العد ؟

        وكيف يسكتون وهم مسؤولون أمام الله، وأمام رسوله، وأمام أرواح أولئك الأسلاف، الذين قتروا على أنفسهم، وضيقوا ليوسعوا على من يأتي بعدهم من المسلمين في شؤون عبادتهم ومرافقها.

        لقد برهن هذا التصرف الذي لا شفقة فيه ولا رحمة، على أن غير المسلم الذي لا يشعر بواجب التقديس والاحترام لمقاصد أولئك المحبسين لا يصلح أن يتدخل فيما أوقفوه، وعلى أنه يجب ألا يكون هناك تصرف لغير المجلس الطائفي الذي تقوم بوظيفته بنيقة الوزارة بالأعتاب الشريفة، ولا رقابة أو تدخل لغير جلالتكم الفخيمة، بصفتكم أميرا للمومنين، ومجمع سلطة هذه الأمة الملتفة حول سلطانها المحبوب.

        فلهذا وذاك نرفع إلى سدتكم العلية، باسم سائر الرعية، هذه المخاوف المتعددة، ونطلب من جلالتكم أن تعيروها التفاتكم العظيم، وتختصوا جلالتكم بهذه الرقابة، حتى لا يكون لغير المسلمين على مقدساتهم الدينية سلطان، ونذكركم بقول الله تعالى في كتابه الكريم : (إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر وأقام الصلاة وآتى الزكاة ولم يخش إلا الله فعسى أولئك أن يكونوا من المهتدين). ولنا وطيد الأمل وكبير الثقة في أن جلالتكم متضامن مع الأمة في إرجاع ما ضاع، والاحتفاظ بما بقي.

        والله تعالى يبقيكم ذخرا وملاذا، ومفزعا ولواذا، ويحرسكم بعين رعايته التي لا تنام، ويحفظ سمو نجلكم الأمير مولاي الحسن، ويقر بكما عين هذه الأمة، إنه ولي ذلك بمنه، وعلى خالص المحبة والخدمة والطاعة، والسلام.

        وفي يوم السبت 22 من ذي الحجة الحرام 1352 حضي الوفد الفاسي بمقابلة سمو الخليفة السلطاني بفاس، مولاي المامون العلوي، وقد قدم إليه العريضة الفاسية، ليرفعها بواسطته إلى جلالة الملك، وكان هذا الوفد مؤلفا من أفراد، لهم حيثية وشخصية ممتازة في الأوساط الفاسية، وهم :

        الشريف سيدي إدريس بن محمد الوزاني أحد الأعضاء المنتخبين في وفد القضية البربرية.

        والسيد الطاهر بن مسعود ناظر الأحباس بمدينة زرهون سابقا.

        والسيد إدريس بن محمد برادة من قدماء التجار المغاربة بمنشيستر.

        فاستقبلهم سمو الخليفة استقبالا حسنا، ووعدهم بالعمل لتحقيق مطالب الأمة في أوقافها الإسلامية.

 

الملحق الثاني

الكتاب الأسود !  

        في شهر صفر الخير 1353 – مايو 1934، أذاع المواطنون المغاربة في المنطقة الخليفية، بمناسبة ذكرى الظهير البربري "احتجاج شمال المغرب على السياسة البربرية" في "كتاب أسود" مجلل بسواد الحداد، ومذيل بإمضاءات نخبة السكان في مختلف المدن، وذلك بعد الاجتماع الأكبر الذي عقدوه بالعاصمة التطوانية لإعلان احتجاجهم الصارخ ضد السياسة المتبعة في المنطقة السلطانية، ورفعوه إلى المقيم العام المسيو بونسو الذي كان إذ ذاك في باريس ليقدمه إلى وزارة الخارجية "بصفتهم جزءا لا يتجزأ من الأمة المغربية، التي تسعد بالانضواء تحت لواء رمز وحدتها جلالة السلطان أيده الله".

        ومن أهم المسائل التي سجلوا احتجاجهم عليها : مسألة "منع الأوقاف من بناء المساجد"، ومسألة "عرقلة بناء المساجد على المسلمين الذين يتبرعون لبنائها من مالهم الخاص"، ومسألة "وضع الأحباس الإسلامية تحت تصرف مراقبين فرنسيين"، وطالبوا بالمحافظة على إقامة شعائر الدين، وتثبيت الإسلام في الأوساط المغربية، واحترام المؤسسات الإسلامية، و"إرجاع الأحباس إلى أيدي المسلمين المغاربة الذين هم أصحابها الشرعيون".

        وأخيرا أعلنوا "تضامنهم التام مع مطالب الكتلة العاملة في جنوب القطر المغربي" داخل المنطقة السلطانية.

 

الملحق الثالث

أحباس المنطقة الخليفية

        في نفس الوقت الذي قامت فيه الحركة الاحتجاجية الحبسية بالمنطقة السلطانية، التفت الرأي العام من جديد في المنطقة الخليفية إلى مشكلة الأحباس، وأخذت تتوارد على إدارة الأحباس ونيابة الأمور الوطنية بتطوان عدة شكايات في هذا الموضوع.

        ومن أهمها "عريضة القصر الكبير" المؤرخة بتاريخ 5 ذي الحجة 1352 – 21 مارس 1934، والموقع عليها باسم القصريين من السادة الأفاضل :

        محمد بن عبد القادر الطود، عبد الكريم بن عبد السلام الشاوش، عبد السلام الحسيسن، التهامي بن جلون، عبد السلام عمور، محمد المراكشي، عبد السلام بن الحاج المصطفى الرميقي، أحمد سليمان، بوسلهام بوعجاج، عبد الرحمن عدة.

        فقد أشاروا فيها إلى "أن الأحباس مشرفة على الإفلاس بسبب ما انتابها من الضياع، وأن المطوقين بالوظائف الدينية والعلمية أصبحوا لا يتسلمون رواتبهم، وأن للأحباس ديونا على كمبانية كرارية، وعسكر الريكولارس، والمجلس البلدي" ولفتوا نظر الحكومة إلى العناية بالقضية الحبسية كما يجب.

        وبمناسبة هذه الحركة كتبت جريدة "الحياة" مقالين شديدي الأهمية، يشرحان وجهة النظر المغربية في إدارة الأحباس الإسلامية، أحدهما بقلم رئيس تحريرها السؤول، الزعيم الوطني الشهير، الأستاذ السيد عبد الخالق الطريس الذي استدعاه سمو الخليفة أخيرا ليكون على رأس إدارة الأحباس الإسلامية بهذه المنطقة، وثانيهما بقلم مديرها العلامة المتفنن السيد محمد الطنجي الذي تولى وظيفة الكتابة بهذه الإدارة العليا :

 

1 مقال الأستاذ الطنجي

مجلس للأحباس

        لأجدادنا رحمهم الله – مبرات بالإنسانية في مختلف المظاهر، تنبئنا بعظيم اهتمامهم بأمر المسلمين، فقد تغلب في مجتمعهم عنصر الخير فطمس مساوئ الأنانية الممقوتة، ورفع من قيم أنفسهم، فجعل هممهم تتجه صوب المصالح العامة، يجودون في سبيلها بما يخلد ذكرهم في سجل المصلحين، وينيلهم الزلفى يوم تجد كل نفس ما علمت من خير محضرا.

        في كل أساس من الأسس التي قام عليها مجتمعنا المغربي الإسلامي نجد لهم أثرا بارزا ومفخرة باقية بقاء الدهر، وكأنما كانوا سواعد قوية تسند الهيئة الحاكمة العامة حتى تؤدي مهمتها دون عجز أو إهمال. قام مجتمعنا على العبادة لله والعناية بالعلوم، وبالأخص علوم الدين، وعلى الإحسان إلى الضعفاء والمساكين، وعلى حماية الوطن من المعتدين. وكان لأسلافنا الفضل الذي لا ينكر في هذه الميادين كلها، فازدهرت العلوم بهذا الوطن المغربي أزمانا متطاولة، وكان الناس يبسطون أيديهم بالإحسان لمن فقدوا المنفق أو المعين، ويوطئون كنفهم للضعيف فيالفون ويؤلفون، وحفظوا هذا الوطن المقدس من كل يد عاتية حتى سلموه لنا مصون الكيان محفوظ الكرامة، وبعد ما ملأوا صحائف أعمالهم بالمساعي المشكورة أرادوا أن لا تنقطع أعمالهم بالموت، فخلفوا جزءا من ثروتهم لحفظ مستوى مجتمع أبنائهم من تطرق عوامل الاضمحلال إلى أسسه الصالحة التي عملوا طيلة حياتهم من أجلها.

        نعم أراد جدودنا أن يحتفظ مجتمعنا بميزة مجتمعهم الراقي في شتى مظاهره، فحبسوا أحباسا كثيرة على جميع شؤون الدين، فالمدرسون، والطلبة، والخطباء، والوعاظ، والأئمة، والمؤذنون، وحاجيات المساجد، كل ذلك له حظ وافر من ثروة الأجداد المحبسة تسنده وتمده، ففي كل ناحية من مدن المغرب أو قراه تجد مبرة من مبرات الجدود بالدين وما يرجع إلى الدين، وكذلك القول في باب الإحسان إلى الضعفاء والمساكين، فأحباس الكسوة والإطعام وافرة في هذه البلاد، والملاجئ التي أحدثوها في نواحي المغرب خاصة بضعفاء الأبدان أو بضعفاء العقول متعددة، ومزودة بالأحباس الكافية، حتى لا تتعطل فائدتها في أي زمن من الأزمان. ومثل هذا يقال في القلاع والحصون والأبراج، وخصوصا في الثغور، فقد أسسوا هذه المعاقل لحراسة أرضنا الإسلامية وصد كل من يرومها بسوء، وتكفلوا بإمداد القائمين بها بالأحباس المقتطعة من أموالهم الخاصة، بل نجد سمو نفسيتهم جاوز مبرة الإحسان بالإنسان إلى الإحسان بالحيوان، فعندنا حبس من أسلافنا الكرام خاص بمداواة اللقلق (بلارج) ومعالجته عند ما تصيبه آفة، فلتسمع جمعية الرفق بالحيوان مزية سبق أجدادنا لما لم تفكر فيه بعد.

        هذا صنيع أجدادنا وقصدهم النبيل، وقد مضوا إلى ما قدموا من عمل صالح، راجين أن نسير على أثرهم في تتميم ما أسسوا، أو – على الأقل – أن نحسن النظر فيما خلفوه حسب وصيتهم التي جعلوها أمانة في أعناقنا، فبقيت أحباسهم تقوم بالمهمة التي حبست من أجلها زمنا طويلا. وفي هذه الأزمنة الأخيرة اعتراها اختلال وإهمال، ومحاباة واستئثار، أفقدتها كثيرا من قيمتها، فلا إصلاح لأبنيتها، ولا عناية بترميمها، حتى تهدم كثير منها وتعطلت منفعته، وخصوصا بهذه المنطقة الخليفية، ولا عمل لإصلاح ميزانيتها وتعديلها حتى يتوصل المحبس عليهم بكامل حقوقهم. ويأخذ الإنسان عجب ممزوج بالأسف، إذ يرى كثيرا من وفر الأحباس يوضع في البنوك مع احتياجها الشديد إلى الإصلاح أو التجديد ومع حرمان المحبس عليهم من التوصل بحقوقهم.

        فحقوق الضعفاء والمساكين، وإعانات المتعلمين، وأجور المدرسين، ومرتبات القائمين بشؤون وظائف الدين، غالبا ضائع أو مجحف بأصحابه إجحافا كبيرا.

        وهناك زيادة على هذا، مسألة شرعت لصالح الأحباس، فانقلبت عليها شرا مستطيرا، وهي مسألة المناقلة مع الأحباس، شرعت بشرط حصول الغبطة وإثبات جميع الموجبات، حتى تتيقن منفعة الحبس، فانقلبت إلى مصانعة على ظهر الحبس لا يجيزها أي قانون، فكثير من أمكنة الحبس المهمة، أخذت وعوض عنها ما لا يعتد به عند المقابلة الصادقة، بل ما يعد أكبر غبن للمحبس عند من يراعي مصلحته، ونحن لا نمانع في إصلاح الحبس وإدخال التسحينات اللازمة عليه ولو مع مخالفته لفظ المحبس، ولكن بشرط التمشي مع روح الشريعة في الإصلاح. فقد ذكر الإمام أبو عبد الله العبدوسي "أنه يجوز أن يحدث في الحبس ما يغلب على الظن أن لو كان المحبس حيا وعرض عليه ذلك لرضيه واستحسنه" ويغلب على ظني أن لو كان المحبسون أحياء وعرضت عليهم تصرفات هؤلاء، أو أخبروا بها، لفعلوا ما لا تحمد عقباه، فإن غيرتهم على حقوقهم كانت حادة، وإذا تملكتهم الرزانة استعدوا عليها قوانين العالم ورفعوا قضيتهم إلى محاكم الدنيا !!

        والرأي العام المغربي لم يرض في يوم من الأيام عن هذه التصرفات، وكان دائما يرى التطاول على مؤسساته الدينية، وتعطيل المصالح التي حبست من أجلها هذه المؤسسات، هدما لأركان المجتمع المغربي ، وسيرا به إلى طريق الفناء والانحلال، وكان الجمهور المغربي يعلن ظلامته ويبسط شكواه في كل حين، فيملأ صدى شكواه كل مكان، فإذا رأينا اليوم طلبات إصلاح هذه المؤسسات تنهال على بساط الجلالة السلطانية حرسها الله، لم نعد هذا تطورا جديدا في رأي الأمة نحو الأحباس، بل ليس هناك غير إعلان هذه القضية الهامة – التي شغلت بال الأمة من قديم – بصفة رسمية، لجلالة رئيس الأمة الأعلى، ليكون خير حافظ يصون ويحفظ، ما صانه وحفظه أسلافه الكرام قدس الله أرواحهم ومتع المسلمين بمساعي حياته.

        ونرى في هذه المنطقة فوضى لا حد لها في هذه المؤسسات، والخراب يسري فيها يوما بعد يوم، والتعليم الديني الذي كثرت أحباسه مختل النظام لا يقوم به غير أفراد، غالبهم متبرعون، والوظائف الدينية من إمامة وأذان ونحوهما، أجورها مجحفة، وكثيرا ما تمنع عن أصحابها، كما وقع في القصر. فهذه مشاكل تجعل مستقبل هذه المصالح ومستقبل الأحباس مظلما، ولا نرى حلا لهذه المشاكل المتنوعة المختلفة إلا جعل هذه الأحباس بيد الأمة نفسها، وذلك بإنشاء مجلس لها خاص بطريق الانتخاب العام من كل طبقات الأمة، وتكون له فروع في سائر نواحي المنطقة، ولا شك أن الأمة لا تضع ثقتها إلا فيمن هو كفؤ لما تختاره له، وأعتقد أن هذا الحل سيكون أكبر عون لإسبانيا على أداء مهمتها في إصلاح حالة المنطقة، الذي من جملته تنظيم التعليم الديني، المحتاج إلى ميزانية ضخمة لا يسمح لميزانية المنطقة أن تقوم بها كما يجب، إذا لم تسندها الأحباس، والأحباس إذا بقيت على شكلها الحالي لا تقوم على الوجه الأكمل بالمساعدات المطلوبة، فهي مبعثرة في القبائل، والمداشر، والمدن، ومهددة بالأخطار، والتصرف فيها تدخله محاباة لا حد لها، فيتمتع بها من لا يستحق التمتع في نظر المحبسين، ويحرم منها صاحبها الشرعي.

        فلماذا لا يضم شمل هذه الأحباس في دفتر واحد، ويوكل النظر فيها إلى هيئة إسلامية ينتخبها جمهور الأمة انتخابا حرا ؟  وأي مصلحة تعطل للغير إذا أسند النظر للمغاربة في تدبير شؤونهم الملية الخاصة، التي لا مدخل للغير فيها بأي وجه من الوجوه المشروعة، ولا يجوز التعرض لها بأية صفة قانونية مطلقا ؟ لأن الالتزامات الدولية والعهود التي أخذتها إسبانيا على نفسها في صك الحماية، لا تسمح بمس الشؤون الدينية، وبالأخص الأحباس، إذ نص على لفظها.

        الحق أن هذه المشكلة تتطلب حلا سريعا يرضي الأمة، وإلا فستظل محور نزاع وخصام شديد في مختلف الظروف، ولا ينتظر من المغاربة السكوت عن ضياع هذه المؤسسات، أو عن تعطيل المصالح المعلقة بها، لأنها من مفاخر الأسلاف التي يجب أن ترعى حرمتها، وأن تحفظ أعيانها، والتي وكل إلينا أجدادنا النظر فيها بما يتطلبه الإصلاح، ويأمر به الدين، ومن جهتنا أيضا لا يمكننا أن نسكت، لأن منفعة هذه الأحباس لأمتنا، وخيرها يعود على مجتمعنا ما دامت محفوظة مرعية، ولأن حاجات الأمة الضرورية تتطلب جهودا كبيرة للإصلاح المنشود لتغذية نهضتنا الحاضرة. وفي إصلاح هذه المؤسسات مساعدة كبيرة للمصلحين على النهوض بحاجات الأمة، ولا يخطر ببال أن الأمة ستتكل عليها وحدها، وإنما تريد أن يتناولها الإصلاح أولا، لأن إصلاح الموجود مقدم في الأهمية على إيجاد المفقود، ثم تتوجه روح الأمة إلى العناية بكل المقومات المادية والمعنوية للإصلاح، وتبذل في سبيلها كل ما يلزمها من تضحية وإخلاص، فقد عرفت الأمة موقفها، وأرادت حقيقة أن تحافظ على مركزها في الوجود…

        ثم هناك حقيقة لا نحب كتمها عن رجال الإدارة الحاليين- ما دمنا نسعى للتفاهم في جو الثقة والصفاء- وهو أن روح المجتمع المغربي روح إسلامية قد تطبعت على خلق البر والإحسان، حتى كاد التحبيس يصبح من طبيعة الأخيار في أمتنا الكريمة، فكلما أحس أحد منهم بقرب أجله عمد إلى جزء من ثروته فأوقفه على وجوه الخير السالفة الذكر، ولكن عند تدخل رجال الإدارة في الأحباس، وعند اختلال إدارتها، وحجز أموال دخلها في البنوك، والإجحاف بمرتبات الوظائف الدينية، وعدم العناية بإصلاح ما يحتاج إلى الإصلاح منها، أصبح الناس يرون قضية التحبيس عديمة الأهمية، لفقدان الثقة في وكلائهم، بل ربما رأوا منها جانب إلحاق الضرر بالوارثين لا غير، ما دامت الأحباس لا تصرف في الوجوه التي حبست من أجلها على وفق إرادة المحبس، فإذا مضت الإدارة في تدخلها، وإدارة الأحباس في إهمالها، فسيقضى على هذا الخلق النبيل في أمتنا بهذه التصرفات الغير المشروعة…

        ويعز علينا القضاء على هذه الروح الكريمة التي اكتسبتها أمتنا في أجيال طويلة، ولا شك عندنا أن رجال إسبانيا المنصفين يوافقوننا على وجهة نظرنا، بل يرون مصلحة كبيرة لإسبانيا في إسعاف أمتنا بهذا الطلب، لأن إسبانيا إذا فعلت ذلك حافظت على عهودها، وأرضت شعورنا في شؤون ديننا، وساعدت على إصلاح ناحية كبيرة في المنطقة التي اختارت مساعدتها، وأعادت الطمأنينة إلى النفوس في شأن مؤسسات أسلافنا.

 

2 مقال الأستاذ الطريس

        بدأنا نرى في هذه الأيام حركة من الحكومة في الاهتمام بقضية الأحباس، وعناية جديدة بالشكاوي العديدة، التي تقدم من بعض مدن المنطقة الخليفية وقبائلها، بإهمال الأوقاف وترك صرفها في النواحي التي خصت بها، وهذا شيء حميد من الحكومة تشكر عليه، ولكن نحن لا نتأخر مطلقا عن عرض وجهة نظرنا في كيفية تنظيم الأحباس، والدفاع عن هذه الوجهة إلى ما شاء الله، لأننا نعتقد أننا على حق في هذا الرأي، ولدينا الدلائل القاطعة التي تثبت صوابه :

        الأوقاف الإسلامية هي المؤسسة الوحيدة التي نصت على تعيينها معاهدة الحماية المعقودة بين فرنسا وسلطان المغرب في 30 مارس سنة 1912، والتي وافقت عليها الحكومة الإسبانية في 27 نوبر من نفس السنة، عند التعرض لمحافظة هذا النظام على الحالة الدينية في البلاد. ومعنى احترام هذه المؤسسات الحبسية، تركها في أيدي المسلمين، لأنها ملك لعمومهم، ومنها يصرف على تعليم قواعد دينهم، ومعاهده المنتشرة في كل أطراف المغرب. ويشهد لهذا التفسير الطريقة التي سلكها المشير ليوطي في أوائل الحماية، إذ كان يمتنع شديد الامتناع عن التدخل في شؤون الأحباس، كما تشهد له أيضا المعاملة التي عوملت بها الجالية الاسرائلية منذ أعلن نظام الحماية إلى الآن. فهذه الجالية تتصرف في أوقافها تصرفا مستقلا لا يد للحكومة في قليل ولا كثير منه، فهل ما ينطق على الاسرائليين، وهم من رعايا جلالة السلطان، لا ينطبق على المسلمين الذين هم الأغلبية الساحقة في هذه البلاد، وعليهم في الواقع تنبني كل المعاهدات وكل الالتزامات الدولية ؟

        كانت العادة قبل إعلان الحماية بمدة، كما يذكرها كثير من مسني المغاربة، أن يسند لسكان مدن المغرب حق تعيين النظار الذين يشرفون على الأوقاف ويصرفونها في وجوهها، وأن كل هؤلاء النظار يخضعون لوزارة الأوقاف التي أسسها المولى إسماعيل، عليه رحمة الله. ومن المعلوم أن سلطان المغرب هو صاحب السلطة الروحية والسياسية، وأن كل شيء يرجع إليه، أيا كان مصدره، فلهذا كانت الأوقاف كغيرها من المؤسسات الدينية والمخزنية تحت نفوذه ورهن إرادته، ولكن بعد إعلان الحماية، رغم بقاء حق جلالة السلطان أكبر من كل حق، ونفوذه أشمل لكل سلطة، أعلنت مراقبة تامة على كل شؤون المخزن وعلى مؤسسة الأحباس، فلم تبق إذن تحت تصرف المسلمين، المباشر، بل أصبحت عليها مراقبة هي في الواقع ذات الحل والعقد في كل شيء يتعلق بها، فما هو الشكل الذي يتناسب مع التزام المحافظة على مؤسسات الأحباس ؟، هل هو الذي تجري عليه الحكومتان الحاميتان اليوم أم لا ؟. نظن أن الشكل الحالي هو أبعد الأشكال عن روح معاهدة الحماية للأسباب التي أشرنا إليها في بداية هذه العجالة، وأن خير طريق يمكن به صيانة الأحباس وإبقاؤها في يد المسلمين يصرفونها حسب ما تقتضيه مصلحة دينهم وبلادهم هو تأسيس مجالس فرعية في كل مدن المنطقة وقبائلها، منتخبة من عموم سكانها، ومن تلك المجالس ينتخب مجلس مركزي يكون له التصرف المطلق في جميع الأحباس العامة.

        هذا هو المشروع الذي ينبغي للحكومة أن تدرسه دراسة مستفيضة وتسعى لإخراجه إلى حيز الوجود لتزيل من ظهرها حمل الأحباس الثقيل.

        وإذا ألقينا نظرنا خارج المغرب ونظرنا مثلا إلى فلسطين فإننا نجد مسألة الأوقاف تابعة لنفس اقتراحنا، وسيرها الصالح دليل قاطع على أصلحية رأينا، فهل ستتخذ الحكومة من اهتمامها الآن بمسألة الأحباس فرصة تنظم فيها القضية من أصلها ؟ هذا أملنا في الحكومة الاسبانية التي تريد أن تجري قواعد الحماية على أصولها، خصوصا وأنها لا تستطيع إنكار الفوضى التي أصابت الأوقاف الإسلامية في بلادنا، ولا نرتاب في أن الأوقاف إذا نظمت وفق مقترحنا، فسوف تكفي لإصلاح كثير من الشؤون. 

الملحق الرابع

أحباس المنطقة الطنجية

        منذ عشرين سنة قدم سكان المنطقة الطنجية المغاربة عريضة شعبية تتضمن مطالبهم الشرعية، إلى نواب الدول بطنجة، وقد كانت محتوية على اثني عشر مطلبا، ومذيلة بإمضاءات الأعيان والوجهاء ومختلف الطبقات، وبعد رفعها إلى ممثلي الدول سافر وفد طنجي إلى إسبانيا للمفاوضة مع الحكومة الإسبانية في تلك المطالب، فقابل ملك إسبانيا الفونسو الثالث عشر ورئيس الوزارة في ذلك الحين، ورجع مزودا بوعود طيبة.

        وقد كان في طليعة المطالب الطنجية مطلب إسناد الأوقاف الإسلامية، داخل هذه المنطقة، إلى هيئة دينية ينتخبها المسلمون المغاربة انتخابا مباشرا، وتكون مستقلة في أعمالها بحيث لا تخضع لتأثير أية جهة من الجهات، ولكن هذا المطلب كغيره أهملته المصالح الاستعمارية، التي تفاهمت في طنجة على قفا سكانها المسلمين.

 

الملحق الخامس

محاضر المجلس الحبسي الأعلى

منذ ثمانية عشر عاما !

         في أواخر ذي الحجة عام 1333 انعقد "المجلس الحبسي الأعلى" لأول مرة بدار المخزن في العاصمة الرباطية، وفي جلسته الختامية خطب المقيم العام ليوطي خطبة بين فيها سياسة حكومته نحو المؤسسات الإسلامية، وأنها قائمة على احترامها وتعضيدها !

        ثم انعقد للمرة الثانية بالأعتاب الشريفة في أواخر شوال عام 1335 واستمر أربعة أيام، (غشت 1917) وحضره، زيادة على الوزراء وكبار الموظفين، فريق من علماء المملكة وأعيانها ورؤساء الزوايا والطرق، وكانوا مدة انعقاد المجلس في ضيافة وزارة الأوقاف، واستقبلهم جلالة السلطان المقدس المرحوم مولاي يوسف قبل افتتاح الجلسات ودعا لهم بالتوفيق. وفي بنيقة الصدارة قدمهم وزير الأوقاف المرحوم السيد أحمد الجاي إلى الجنرال ليوطي الذي جاء ليحضر حفلة افتتاح المجلس الحبسي في دورته الثانية، وفتحت جلسات المجلس تحت رياسة الصدر الأعظم المرحوم السيد محمد الجباص الذي ألقى الخطبة الافتتاحية، وأعطى الكلمة لوزير الأوقاف، فلم يلبث المقيم العام ليوطي أن قام وألقى خطبة على الأعضاء، ترجمها في الحين رئيس التشريفات السيد عبد القادر بن غبريط، ثم ودعهم المقيم وانصرف، فشرع المجلس في أعماله، وأخذ وزير الأوقاف يعرض على الأعضاء تقريره الأول عن حالة الأحباس في سنة 1333، وتمكن من إنهائه في الجلسة الأولى، ثم عرض تقريره الثاني عن حالة الأحباس في سنة 1334 فاستغرق فيه الجلسة الثانية بأكملها، ثم قسما من الجلسة الثالثة، وتخللت ذلك عدة ملاحظات قيمة، كما أعقبته عدة خطب وأحاديث مهمة، من بعض الوزراء وبعض الأعضاء، وبعد انتهاء أعمال المجلس قابل أعضاؤه جلالة السلطان فسألهم عما راج فيه، واستفسرهم عن حالة الأحباس بكل اهتمام، ثم ودعهم وأنعم عليهم بصلات ملوكية طبق العادة.

        أما التقرير الأول فقد قسمه الوزير إلى أربعة أبواب وهو محتو على النقط الآتية:

        حالة الأحباس في مختلف أطراف المملكة من جهة تنظيمها وتصرف الوزارة فيها- التدابير الوزارية والإدارية التي اتخذت لإحصائها وتقويمها – ترتيب النظارات حسب مدخولاتها- ترتيب النظار والعدول الحبسيين في الرواتب السنوية، حسب الأقدمية وأهمية الأعمال المكلفين بها- تنظيم مسلك الدفاتر في سائر النظارات بكيفية واحدة- عمل الوزارة الحبسية بالنسبة لأملاك الزوايا والأضرحة- النظارات الجديدة المحدثة في القبائل والمدن- عرض الميزانية الحبسية لعام 1333: الداخل وأنواعه، والصائر وأنواعه، والوفر الفاضل- مقارنة نتائج عام 33 مع نتائج عام 32- المعاوضة النقدية والأملاك المشتراة منها.

        وأما التقرير الثاني فقد قسمه الوزير إلى خمسة أبواب، وهو محتو على النقط الآتية:

عرض الضوابط الصادرة أثناء عام 1334 – تنظيم الأملاك الحبسية التي فيها منفعة مسلمة للغير- ضبط الأملاك التي فيها جزاء أو استيجار – قضايا المنافع التي ليست مسلمة دفع الأوفار للبنك المخزني على وجه الحفظ والأمانة – شراء أملاك للأحباس من دراهم المعاوضات – تنظيم أحباس الأضرحة والزوايا – التحبيسات الجديدة- إحصاء الأوقاف في بعض القبائل كراء الأراضي الحراثية كراء حوانيت أصحاب الحرفحفظ خزانات الكتب الحبسية – تحسين رواتب الموظفين الدينيين – بيان المدخولات المالية من أحباس الجهة الشرقية والجهة الغربية في المملكة – عرض أرقام الداخل وأرقام الصائر وأرقام الوفر – مبلغ المعاوضات وما اشتري بأثمانها من الأملاك، وهكذا عرضت وزارة الأوقاف سنة 1335 على أعضاء المجلس الحبسي الأعلى جميع ما أصدرته من التنظيمات، وأسسته من الضوابط، وبلغته من النتائج، أثناء سنة ثلاثة وثلاثين وسنة أربع وثلاثين، وقدمت لكل عضو من أعضاء المجلس قائمة تفصيلية لداخل عام 33، وقائمة تفصيلية لخارجه، وقائمتين أخريتين عن الداخل والخارج عام 34 بغاية الضبط والتفصيل، وهذه القوائم لا تزال محفوظة كذكرى لعهد مضى وانقضى، لأن هذا المجلس قد دخل في خبر كان، وأسدل عليه رداء النسيان، منذ ثمانية عشر عاما…

        ومن المفيد جدا للفائدة، الإتيان ببعض القطع والفقرات من تقريري وزير الأوقاف، ومن الخطب والأحاديث التي ألقيت في هذه الدورة الثانية، حتى يقارن المسلمون بين الحالة في ذلك العهد والحالة اليوم: فمن الخطبة الافتتاحية للصدر الجباص:

        "أيها السادات – لازلت أذكر كما تذكرون ذلك اليوم البهيج، الذي افتتح فيه هذا المجلس الأعلى لمرته الأولى، وتذكرون تلك النتائج الحسنة، الناشئة عن صيانة الأملاك الحبسية وتوفير مدخولاتها، وتمهيد القواعد الصحيحة المبادئ لإجراء عواملها ومعمولاتها، بوجود مولانا أيده الله، الذي مهد السبيل لذلك وأسسه، وأحيى معالمه الدارسة، ومن أحيى حبسا فكأنما حبسه، وبهمة واجتهاد أخينا وزير الأوقاف، الذي بذل كل مجهود في استنتاج مقدمة هذا العمل المحمود.  ولا شك أن كل من تذكر ذلك مثلي تحركه عوامل السرور، وتنشرح منه الخواطر والصدور، لتيقنه بانتشار روح الحياة في أمته المغربية، بسبب ما يراه من إحياء شعائرها الدينية. على أني أتيقن أن فرح الجميع في هذه المرة يكون أقوى، لمواصلة الاجتهاد في تحسين حالة الأوقاف، وتنمية مدخولها وحياطتها من التلف والإتلاف".

        ومن خطبة المقيم العام ليوطي :

        "أيها السادات – بعد تقديم تحياتي إليكم، أعرب لكم عما أنا مغمور فيه من السرور الذي بلغ الغاية، من أجل ترقي حالة الأحباس بالإيالة الشريفة، وإني أقول : إن الفضل في ذلك كله راجع للجلالة الشريفة، التي التفت نظرها إلى الأحباس، فأناطت التكليف بها لوزيرها الوقفي، وستسرون سرورا عظيما بما تشاهدونه وتطلعون عليه في هذا المجلس، من تحسن حالة الأحباس تحسنا يتسنى لها معه أن تقوم استقبالا بجميع الوظائف الدينية، والمشروعات الإسلامية، ولتعلموا أن الحبس محترم، لا تصرف مداخليه إلا في أمور الدين الإسلامي، ولا يغير بحال عن مقصود المحبسين، وأعماله وتنظيماته كلها موكولة لنظر الجلالة الشريفة، وما لنا في أموره إلا المساعدة للحضرة الشريفة، والتعضيد لوزارتها الوقفية.

        وإني لفي انشراح من كلية القرويين، القائمة اليوم بتعليم الشرع الإسلامي وحسن حالتها، وأتمنى لها الزيادة حتى يكون نورها ساطعا على سائر الأنحاء المغربية.

        وحيث كان لا يسمح لي الوقت أن أحضر ختام هذا المجلس، حضرت افتتاحه بقصد مشاركتي في عواطفكم، والائتناس بكم، وبصفتي وزير خارجية الجلالة الشريفة، أخبركم أنني سأحيط علم صاحب الجلالة بما لهذا الاجتماع من رونق وحفاوة".

        ومن التقرير الأول لوزير الأوقاف :

        "أيها السادات – لا يعزب عن علمكم أن الأحباس بها قوام المعاهد الدينية، والشعائر الإسلامية، ولذلك التفتت لها الحضرة الشريفة أعظم التفات، فأمرت بضبط مداخلها ومخارجها من سائر الجهات، وأنتج ذلك ما انعقد له المجلس الأول، وقد اقتضى نظر الحضرة الشريفة انعقاد هذا المجلس الثاني لتقرير ما سلكته الوزارة الوقفية عام ثلاثة وثلاثين وعام أربعة وثلاثين".

        ومن التقرير الثاني لوزير الأوقاف :

        "أيها السادات – إن الشؤون المتعلقة بالأمور الدينية، والشرع المطاع، ورواتب تعليم العلوم الإسلامية العالية، ستلاقي في الأحباس كل تسهيل، إذ ستؤسس قريبا في كل مدينة ميزانية خاصة تتكفل بمباشرة هذه الشؤون التي عليها مدار الهيأة الإسلامية، وبها قوامها، كما سيتسنى إن شاء الله للأحباس بعد بضع سنين، أن تكون خير مساعد ومعاضد لكافة المشروعات الخيرية الإسلامية. وقد حصلت الثقة التامة بما تصدره الجلالة الشريفة من الأوامر في تنظيمات الأحباس، حيث إن كل من له بصيرة صالحة، وشعور ديني، قد تحقق بمصالحها وحسن مقاصدها. ولا شك أنه يتحقق لكم – أيها السادات – من الإيضاح المتلو على مسامعكم، أن أحباس الإيالة الشريفة المغربية، بوجود مولانا السلطان أيد الله ملكه، صارت ذات أهمية كبيرة، ودخلت في حيز الفوز والنجاح، بما خولها أن تذكر في مصاف غيرها من أحباس الشعوب الإسلامية، وذلك بفضل نهضة مولانا الإمام، الذي أعتنى بشؤونها الاعتناء التام، مع تأكيده – أيده الله – بالمحافظة على لفظ المحبس، وعدم العدول عنه بحال، وقد تمشت الوزارة الوقفية على مقتضى نظره السديد، ومقصده السعيد، حيث أنها تعلم أن أملاك الأحباس ما هي إلا للأوقاف على المساجد، أو ما عينت له، وبذلك عظم شأنها، وتأسست ضوابط المحافظة عليها، وأني أتمنى لها زيادة الترقي، سيما وهي من الدين بمكانة كبرى، ولها في الشعائر الإسلامية والشعائر المقدسة حظوة من الاعتبار مكينة عليا".

        وبينما كان وزير الأوقاف يعرض ميزانية عام 1334 تكلم وزير العدلية في ذلك الحين، العلامة المحدث والرواية المغربي الشهير، السيد بوشعيب الدكالي وقال: "إننا لا زلنا نرغب من الوزارة الوقفية المساعدة على الزيادة في رواتب العلماء" وذكر سعادته "أنه طالما اتجه فكره إلى عقد مجلس للنظر في تحسين رواتب العلماء، ووضع قانون لكيفية الدروس العلمية إلقاء وتعليما، وأنه بمقتضى هذه الفكرة يطلب من الوزارة الوقفية النظر في حلة القرويين".

        وعقب إنهاء وزير الأوقاف لتقريره، ألقى وزير العدلية العلامة خطبة خاصة مما جاء فيها: "أيها السادات لقد شاهدتم بالعيان ما صارت إليه حالة الأوقاف الآن من نماء المدخول وإصلاح الأملاك، وما وضع لذلك من القوانين والضوابط الكفيلة بحفظها من الضياع، بحيث لا يخشى عليها بحول الله احتيال محتال أو ارتكاب خداع، فعظم أمل رجال الدين. إذ لا يخفى عليكم أن ثمرة ذلك كله ونتيجته، هو التوسع والزيادة في رواتب الموظفين القائمين بفروض الدين، والناشرين للعلم بين أكناف المسلمين، من علماء ومتعلمين، وقد وعدتنا الوزارة الوقفية، بإجراء ذلك بعد تعديل الميزانية، والقيام بالحقوق المرعية، لجميع أهل الوظائف الدينية والدروس العلمية. وبسبب ذلك تحصل فائدتان عظيمتان: إحداهما قيام أمور الدين، والثانية نشاط المعلمين والمتعلمين، فما هي إلا أموال أوقاف أسلافكم، تجمع وتحفظ لتصرف عليكم في أمور دينكم، وليس للقائمين بذلك إلا السعي فيما يعود بخيري الدنيا والآخرة عليهم.

   ومما يجمل به تذييل الكلام في هذا المقام، أننا يجب علينا معشر المغاربة أن نكون يدا واحدة، وذاتا متحدة، فيما فيه صلاح الدنيا والدين، وعلى البر وحب الخير متعاونين، ونسعى جميعا فيما فيه هناء الأوطان، وتوسيع دائرة العمران، قال تعالى : (وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان)،  فرحم الله امرءا اشتغل بما يعنيه، واهتم بمصالح وطنه وأمته، وأبقى الذكر الجميل مخلدا بعد موته.

        وهذا أميرنا الهمام، أيد الله به الإسلام، منذ ولي أمر المسلمين، وهو مثابر على إحياء مآثر الدين، محافظ على ما رسمه أسلافه الكرام أمراء المومنين، جاد في إصلاح البلاد والعباد، متبع آراء ذوي العقل والإرشاد، فعلينا أن نخلص له الطاعة، ونجتهد في الدعاء للمولى جل وعلا بإدامة ملكه".

        وفي ختام جلسات المجلس الحبسي الأعلى، ألقى المرحوم الجباص، صدر الدولة إذ ذاك، كلمته الأخيرة قائلا :

        "أيها السادات الكرام – قد ثبت لديكم، والحمد لله، من تقريرات وزير الأحباس، منذ افتتاح هذا المجلس السعيد إلى الآن، ما شوقناكم إليه في خطابنا الأول من تقدم شؤون الأحباس، ونمو مواردها المالية، وضبط إجراءاتها الإدارية في الحواضر والبادية، وقد علمتم أن الفضل في ذلك كله، ماضيا وحاليا، واستقباليا، إنما هو للجلالة الشريفة، والحضرة العالية المنيفة، بإعانة جناب المقيم العام، الذي علمتم من خطابه السابق، إخلاصه وشعوره نحو المسلمين والإسلام.

        وبناء على ذلك فليبلغ الشاهد الغائب، لتعلم الخاصة والعامة، تفاصيل الأحباس التامة، ويشكر الجميع جلالة سلطاننا المعظم، الذي لا همة له إلا إصلاح شؤون رعيته، والذب عن كيان ملته، أبد الله نصره وخلد في الصالحات ذكره".

 

الملحق السادس

امتيازات بني إسرائيل

في مناطق المملكة المغربية !

        توجد في المغرب أقلية من اليهود تبلغ نحو مائة ألف وعشرين ألفا، منها نحو ثمانين ألفا في المنطقة السلطانية وباقيها موزع بين المنطقة الخليفية والمنطقة الطنجية، ومنذ بسطت الحماية الأجنبية في البلاد أصبح العنصر اليهودي فيها هو العنصر الممتاز على حساب العنصر المغربي الإسلامي، وأعطي لليهود نظام جديد في غاية القوة والمتانة، مطبوع بطابع الحرية والتسامح والثقة إلى أقصى حد ممكن…

        ففي المنطقة السلطانية لم تكد تنتهي ست سنوات بعد إعلان الحماية الفرنسية، حتى أنشأت فرنسا لليهود محاكم دينية يهودية "Tribunaux Rabbiniques" في مرتبة المحاكم الأخرى القائمة بالمملكة المغربية منذ عهد قديم، لتفصل بينهم في قضايا الأحوال الشخصية والمواريث طبقا للفقه الإسرائيلي (التلمود وشروحه والعمل اليهودي بالمغرب)، وجعلت كل محكمة مؤلفة من أربع حاخامات:

        واحد رئيس، وواحد كاتب ضبط، وإثنان قضاة، وسمحت بأن تصدر هذه المحاكم أحكامها باللغة العبرية، وأنشأت في نفس الوقت محكمة يهودية عليا بالرباط لاستئناف أحكام المحاكم الحاخامية مؤلفة من أربع حاخامات أيضا. ولتبيين اختصاصات هذه المحاكم، وتحديد مسطرتها القانونية، وتنظيم التوثيق الإسرائيلي وأجور الموثقين صدر ظهير 22 مايو 1918، وظهير 17 مايو 1919، وظهير 31 مارس 1920 وأدخلت المحاكم اليهودية في الميزانية العامة، بينما المحاكم الشرعية الإسلامية بقيت مهملة دون تجديد ولا تنظيم، وأصبحت خارج الميزانية غير معترف بها من حكومة الحماية…

        وفي  المنطقة الطنجية ظهرت عناية خاصة باليهود، فوقع التنصيص عليهم في الفصل السابع والعشرين من اتفاقية باريس، الموضوع لتحديد النظام الطنجي، المؤرخة بتاريخ 18 دجنبر 1923، يقول هذا الفصل : "إن الدول الثلاث المتعاقدة تتعهد بأن تضع في أقصر أجل ممكن، النظام الإداري والقضائي للطائفة الإسرائلية بطنجة". ووفاء بهذا التعهد صدر ظهير يحدد اختصاص القضاء اليهودي والتوثيق الإسرائيلي، مقتبس من نظام اليهود في المنطقة السلطانية، وظهير يحدد القواعد الواجب اتباعها عند حضور الإسرائيليين أمام محكمة المندوب "ممثل جلالة السلطان بالمنطقة الطنجية" وصدر ذلك بتاريخ 4 يناير 1927.

        وفي المنطقة الخليفية تأسست محكمة حاخامية عليا مؤلفة من ثلاث أعضاء سنة 1924 ثم وضعت الحكومة الاسبانية تنظيما كاملا للقضاء اليهودي وحددت اختصاصه ومسطرته وتوثيقه، وأعادت تنظيم محكمته العليا بتطوان، وسمحت أن تصدر الأحكام اليهودية باللغة العبرية مع تسجيل ترجمتها بالاسبانية، وأصدرت في ذلك ظهيرا طويلا محتويا على سبعة وثلاثين فصلا بتاريخ 20 مارس 1928، نشرته الجريدة الرسمية في عددها الثالث عشر من تلك السنة، وأصدرت قرارا وزيريا بتاريخ 21 مارس من نفس السنة يعين أجور الموظفين في المحاكم اليهودية : فلرئيس المحكمة الحاخامية العليا سنويا ستة آلاف بسيطة إسبانية والقضاة أربعة آلاف بسيطة، ولكاتب المحكمة العليا ثلاثة آلاف بسيطة، ولكتاب المحاكم الأخرى ألفان وخمسمائة بسيطة، ولكل محكمة يهودية ألف بسيطة مقابل مصاريف المواد التي تحتاجها، وفي سنة 1928 أعطى لجميع المحاكم اليهودية مصاريف التأثيت من الميزانية العامة.

        إلى جانب هذا الامتياز الأساسي الخطير، الذي تتمتع به اللغة العبرية والشريعة الموسوية وحدها يوجد امتياز آخر هو ألصق الامتيازات الإسرائيلية بهذا الكتاب وملحقاته، ذلك هو امتياز "المجالس الطائفية اليهودية"، فقد كانت لليهود قبل الحماية لجان طائفية، مهمتها فقط جمع الضرائب الموضوعة على اللحم ومدخولات الأحباس وتوزيعها على الأعمال الخيرية الخاصة بطائفتهم، فلما أعلنت الحماية الأجنبية في البلاد اعترفت الحكومات الحامية لهذه اللجان بوجود قانوني خاص، ووسعت دائرة اختصاصها، وحولتها إلى مجالس حقيقية، لها سيطرة ونفوذ في كثير من المسائل الملية اليهودية، الأمر الذي ليس له نظير عند المسلمين الذين يكونون أكثرية الوطن الساحقة…

        ففي المنطقة السلطانية صدر بتاريخ 22 مايو 1918 (شعبان 1336) لتنظيم لجان الطائفة الإسرائيلية وتسيير أعمالها بطريقة منظمة جديدة، وطبقا لهذا الظهير حسب فصله الأول، أصبح اختصاص اللجان اليهودية مساعدة المحتاجين، وإدارة الأحباس (التي يسيمها العبريون هكديش Heqdesh). وملاحظة القيام بالشعائر الدينية، وتأليف هذه اللجان حسب الفصل الثاني، يكون من رئيس المحكمة الحاخامية أو حاخام مندوب من قبله، ومن أعيان إسرائيليين يعينون طبقا للقوائم التي يقدمها اليهود، وعدد الأعضاء يختلف حسب أهمية الجهة من أربعة إلى عشرة، وقوائم التشريح يلزم أن يكون فيها من الأسماء ضعف العدد الواجب تعيينه، ويسمى الأعضاء  في هذه اللجان لمدة سنتين مع إمكان تجديد تسميتهم عدة مرات كما في الفصل الثالث، أما رياسة اللجان فهي موكولة للأعضاء، ولهم أن يختاروا من بينهم كل سنة رئيسا. ووظائف الجميع مجانية لا تتكلف بها الميزانية العامة طبقا للفصل الخامس، وميزانية الطائفة تتألف حسب الفصل الرابع من متحصل الهدايا والصدقات ومدخول الضرائب الإسرائيلية ومستفاد الأحباس، وبعد تقديمها في كل سنة يصادق عليها الصدر الأعظم. وعلى هذا النمط تقريبا صدر ظهير بتاريخ 15 فبراير 1925 (21 رجب 1343) ينظم الطائفة الإسرائيلية بطنجة طبقا للفصل السابع والعشرين من اتفاقية باريس المنعقدة سنة 1923.

        أما المنطقة الخليفية فقد وجدت فيها الأقلية اليهودية تسامحا عظيما من جانب السلطة الإسبانية، واكتسبت حقوقا لم تنلها إلى الآن لا في المنطقة السلطانية ولا في المنطقة الطنجية، وحصلت مجالسها الطائفية على اختصاصات واسعة لم تنلها أية أقلية يهودية في أي بلد من البلدان، وانتهزت الفرصة لذلك في عهد المقيم العام السنيور خوردانا فأصدر لها ظهيرا طويلا يقع في اثنين وعشرين فصلا بتاريخ 28 يناير 1930 (27 شعبان 1348).

        وفي مقدمة هذا الظهير "إعلان رغبة الحكومة في تسيير الطوائف الإسرائيلية تسييرا حسنا، ووضع أسس متينة ثابتة لإدارة شؤونها والمحافظة على نفوذها، وإعلان رغبة الحكومة في نمو المؤسسات اليهودية وتقدمها ونجاح أعمالها". والظهير يعطي للجان الطائفة الإسرائيلية إسما غير مستعمل في المنطقتين الأخريتين فيسميها باسم "المجالس الطائفية الإسرائيلية "Consejo comunal Israelita" ويعطي الحق في تأسيسها للإسرائيليين حيثما وجدوا، ويجعل عدد أعضائها تابعا لنسبتهم العددية في مختلف الجهات، كما في الفصل الثاني، ويمنحها الحرية التامة في وضع لوائحها الداخلية كما في الفصل الثالث، ويمدد مدة بقائها إلى ثلاث سنوات ثم يقع تجديدها كما في الفصل السادس، ويعتبر المجلس الطائفي بتطوان مجلسا مركزيا بالنسبة لبقية المجالس الطائفية الأخرى، وممثلا لها عند غيبة رؤسائها أمام الدوائر العليا، مع إعلان أن هذه المركزية لا تمس استقلال أي مجلس في نظامه الداخلي كما في الفصل السادس عشر، ويحتم على كافة المجالس الطائفية أن ترفع سائر قضاياها ومشاكلها إلى المحكمة الإسرائيلية بتطوان كما في الفصل الثامن عشر، وأن تنشر كل سنة تقريرا مفصلا عن حساباتها السنوية داخلا وخارجا كما في الفصل العشرين، وينص الفصل الرابع عشر على أن وظائف الأعضاء في هذه المجالس مجانية.

        وأهم فصل في هذا الظهير هو الفصل السابع عشر الذي أعطى للمجالس الطائفية اليهودية الاختصاصات المهمة الآتية :

        أ- إسعاف المحتاجين.

ب- إدارة المدارس اليهودية، ومراكز التعليم، والمستشفيات، والملاجئ، ودور الولادة، والمياتم، والأحباس، وباقي الشؤون الدينية من بيع، ومقابر، وتلقين المحتضرين، ودفن الموتى.

        ت- جمع الضرائب والصدقات الإسرائيلية.

        ث- إدارة مداخيل الطائفة اليهودية من الأملاك الخاصة والضرائب ومحصل الصدقات والأحباس والوصايا.

        ج- مراقبة الجمعيات الخصوصية التي لها صبغة دينية أو خيرية.

        ح- حق إنشاء ضرائب طائفية جديدة وتخفيض الضرائب الموجودة.

        خ- إعطاء الإذن بتأليف جمعيات جديدة خيرية أو دينية أو ثقافية وبجمع صدقات خصوصية.

        وبهذا الفصل أصبحت الطائفة اليهودية تعيش داخل المنطقة الخلفية في مملكة إسرائيلية مستقلة تمام الاستقلال دينيا واجتماعيا وثقافيا…

        يزاد على ذلك أن هذه المجالس مجالس انتخابية على طريقة الانتخاب المباشر، فكل إسرائيلي، مقيم بإحدى جهات المنطقة يصح أن يكون ناخبا ومنتخبا في هذه المجالس ولو كان يحمل جنسية أجنبية، ولا يشترط فيه سوى أن يكون من أصل مغربي كما في الفصل الأول، ويشترط في الناخب أن يجاوز عمره العشرين سنة، وفي المنتخب أن يكون بالغا 25 سنة وليست له سوابق جنائية في الفصل الرابع والفصل الخامس.

        ولضمان حق الناخبين وحريتهم وتنظيم عملية الانتخاب اشترط الظهير أن يكون الاستدعاء للانتخاب في البيع، وأن تحرر في كل البيع قائمة بأسماء التابعين لها البالغين ما فوق العشرين سنة، وتوضع نسخة منها في أبرز مكان من كل بيعة قبل حلول موعد الانتخاب بعشرين يوما حتى يقدم الناخبون ما لهم من الشكايات المناسبة، ويتمكنوا من الاعتراض على ما يرونه مجحفا بحقوقهم، كما في الفصلين السابع والثامن، واشترط الظهير أيضا أن توضع بطائق خاصة تعطى للناخبين تدعى "بطاقة ناخب Tarjeta de elector" كما في الفصل الرابع، وأن يكون الانتخاب سريا وبأوراق متماثلة في حجمها ولونها كما في الفصل العاشر، وأن توضع أوراق التصويت في صندوق مختوم عليه بطابع رئيس المحكمة الإسرائيلية أو الحاخام الأكبر كما في الفصل التاسع، وأن تعين لجنة بالتصويت الشفهي لإحصاء أصوات الناخبين، ووضع قائمة الأشخاص المنتخبين كما في الفصل الحادي عشر.

        وقد نشر هذا الظهير الخطير في الجريدة الرسمية للمنطقة الخليفية بعددها الرابع الصادر سنة  1930 وعرضنا لمضمونه كاف لتبيين الاتجاه اليهودي الذي جرت عليه سلطات الحماية في حين أن مصالح المسلمين الملية لا تزال في فوضى وارتباك، والمسلمين المغاربة لا يزالون محرومين من كل هذه الحقوق…

 

الملحق السابع

أحباس الجزائر وتونس

        كان بالجزائر قبل عصر الاحتلال الفرنسي أحباس وفيرة غنية، فلم  تكد تستولى فرنسا على الجزائر حتى مدت يدها إلى أحباس المسلمين، ووضعت قرارا بتاريخ 8 شتنبر 1830، من جملة ما تضمنه ضم الأحباس الإسلامية إلى أملاك الدولة، واستمر الأمر كذلك إلى أن أعلنت الجمهورية "فصل الدين عن الدولة" في القانون الشهير الصادر سنة 1905، فضيقت الخناق على المؤسسات الدينية أكثر من ذي قبل، وتم توزيع أراضي الأحباس على المعمرين الفرنسيين، ولم يبق ببلاد الجزائر شيء من الأوقاف الإسلامية، اللهم إلا ببلاد ميزاب حيث تقيم الأقلية الإباضية !

        أما تونس فقد نظم أحباسها وزيرها الوطني المرحوم خير الدين، وصدر أمر سام سنة 1291 هجرية قبل إعلان الحماية الفرنسية بتأسيس جمعية للأوقاف، تكون هي الإدارة المركزية التي ترجع إليها سائر الوكالات (النظارات)، وتقوم بضبط الأوقاف وحصر أعيانها، وحمايتها من التفويت، ومراقبة من هو مكلف بالأحباس الخاصة من المقدمين، ويكون لها نواب خارج العاصمة، وعينت الحكومة التونسية إذ ذاك معتمدا من قبلها داخل "جمعية الأوقاف" خولته النظر في ماليتها، وكلفته بإدخال التراتيب الحديثة في حساباتها، وجعلت إدارة جمعية الأوقاف مؤلفة من رئيس وأعضاء ثلاثة وكاتب أول، وتحت هذه الإدارة تسعة أقسام إدارية مختلفة على رأس كل منها رئيس، وجميع الوكلاء (النظار) يرجعون إلى نظرها الخاص، أما الواسطة بين الجمعية والحكومة فهو الرئيس الأعلى للجمعية.

        وبعد ذلك ببضع سنوات هجمت الجيوش الفرنسية على العاصمة التونسية، وقدم قائدها معاهدة إلى باي تونس تتضمن إعلان الحماية الفرنسية على الإيالة التونسية، فاضطر الباي إلى توقيعها بتاريخ 12 مايو 1881 تحت اسم "معاهدة الضمانة". ثم قدمت فرنسا إلى باي جديد معاهدة أخرى أوسع من الأولى، فتم توقيعها بتاريخ 8 يونيو 1883، وهي المعروفة باسم "معاهدة المرسى". وعقب هذه المعاهدة أخذت فرنسا تمد يدها إلى أوقاف المسلمين بتونس، كما مدتها من قبل إلى أوقاف الجزائريين. ففي سنة 1884 شرعت الإدارة الفرنسية في توزيع أراضي "الأحباس العمومية"، وفي سنة 1898 صدر قرار يوجب على "جمعية الأوقاف" أن تسلم لإدارة الفلاحة (الاستعمار) كل سنة ما لا يقل عن ألفي هكتار من أراضي الأحباس ابتداء من تلك السنة فصاعدا، وفيما بين سنة 1884 وسنة 1908، أي في مدة أربع وعشرين سنة، أخرجت الإدارة الفرنسية بتونس من يد "جمعية الأوقاف" ما يزيد على سبعة وثلاثين ألف هكتار من أراضي "الأحباس العمومية".

        وعندما كان الفرنسيون يقومون بالدعاية لنفوذهم في المملكة المغربية قبل الحماية، كانوا يخفون سياستهم المتبعة في تونس ضد المقدسات الإسلامية، وكانوا يذيعون بين المغاربة أن أوقاف التونسيين محفوظة بأيديهم لا يتعدى عليها أحد. ومما وقع في هذا الباب أنه لما ذهب المرحوم السيد محمد الجباص إلى الجزائر سفيرا من قبل الحكومة المغربية بمناسبة الاتفاقات الجزائرية، قدم إليه الوالي العام ريفوال عدة أنظمة وقوانين، مدنية وعسكرية، بصفتها معمولا بها في الجزائر وتونس ليطلع عليها جلالة السلطان الأسبق مولاي عبد العزيز، وكلف بترجمتها وتصحيحها مصحح المطبوعات العربية في إدارة الولاية العامة بالجزائر السيد الكمال محمد بن مصطفى بن الخوجة، وأمر الوالي العام بطبعها في الجزائر لهذا الغرض سنة 1902 تحت عنوان "مجموع مشتمل على قوانين مفيدة وتنظيمات سديدة".

        وفي هذه المجموعة ورد الكلام على "الأوقاف وتنظيماتها في تونس" بشكل يوهم أن هذه المؤسسة مستقلة عن النفوذ الفرنسي تمام الاستقلال، وأنها بيد المسلمين ولا تخدم إلا مصالحهم، بينما كانت الأوقاف التونسية في ذلك العهد نفسه قد ضاع منها قسم كبير في سبيل الاستعمار والمعمرين، ولم تكد تصل سنة 1919 حتى كانت أراضي الأحباس العمومية بتونس كلها موزعة بين الفرنسيين…

        غير أنه كانت لا تزال هنالك "أحباس خصوصية" تبلغ نحو ثلث الأرض الفلاحية، فوضعت الإدارة الفرنسية مشروعا جديدا يقضي بالاستيلاء على هذه الأراضي الحبسية الخاصة توسيعا للاستعمار، وكان ذلك سنة 1920، فقانت ضجة عظيمة في الأوساط الإسلامية ضد هذا المشروع اضطرت معها الإدارة الفرنسية إلى حفظ مشروعها في سجل الملفات، ولكنها أثارته من جديد حوالي سنة 1927، فثارت من أجله عدة قلاقل، جعلت الكتاب الاستعماريين ينصحون الإدارة الفرنسية في المملكة المغربية، بأن تتروى في تطبيق السياسة الاستعمارية داخل مراقبة الأحباس…

        وفي هذه المدة الأخيرة ثارت على صفحات الجرائد التونسية "مشكلة الأحباس الخاصة" من بعض نواحيها، كما ثارت داخل "المجلس الكبير" بين الأعضاء التونسيين، وأخذ الرأي العام التونسي يطالب بإلغاء أمر سنة 1913، وأمر سنة 1919، المتعلقين بهذا الموضوع، وهم بعض الأعضاء بالاستعفاء من "المجلس الكبير"، احتجاجا على موقف السلطة الفرنسية، الأمر الذي اضطرها إلى أن تعد الأعضاء التونسيين بتأليف لجنة خصوصية لدراسة المشكلة قبل خامس عشر مايو الماضي، ولكنها أخلفت الوعد فلم تؤلف لجنة، ولم تحل مشكلة…

        وبالإجمال، فالأحباس التونسية الآن قد عجزت ميرانيتها عجزا تاما، وقد اضطرت "جمعية الأوقاف" أخيرا إلى إسقاط تسعين من موظفيها، واضطرت لتسليم المستشفى الصادقي الذي قائمة به كغيره من الأعمال الخيرية إلى الحكومة. وللإنفاق على مصاريفها الضرورية لجأت إلى الاقتراض والسلف، وهي الآن، بفضل سياسة الحماية الفرنسوية، على أبواب الإفلاس !

 

الملحق الثامن

الأوقاف الإسلامية تحت الانتداب الفرنسي

        بعد مضي زمن قصير على تقديم العريضة الحبسية الأولى المؤرخة بتاسع وعشري شوال 1352 (فبراير 1934) قامت حركة احتجاجية كبرى من أجل الأوقاف الإسلامية في البلاد السورية، الموضوعة تحت الانتداب الفرنسي، تتشابه في أسبابها وغاياتها مع الحركة الحبسية بالمملكة المغربية تشابها كبيرا، وذلك بمناسبة قرار أصدرته المفوضية الفرنسية العليا بتاريخ 3 فبراير 1934 يقضي بتعيين مجالس الأوقاف الإسلامية، وهذا  القرار يحمل رقم 35 أصدرته المفوضية، بعد المحاولة التي فشلت فيها في العام الماضي حيث دعت إلى انتخاب مجالس الأوقاف وحشدت بالخصوص جميع الهيئات الرسمية للقيام بذلك الانتخاب، الأمر الذي أثار استياء عظيما بين مسلمي سوريا وأدى تأجيل الانتخاب، وتعيين مجلس للأوقاف طبقا لأوامر المفوضية العليا !

        وقد كانت حلب ودمشق على رأس البلاد السورية في القيام بهذه الحركة الوقفية، فنظم الحلبيون والدمشقيون إضرابات عامة، كما نظموا عدة اجتماعات في المساجد الكبرى، كالجامع الأموي، وجامع سيدي هشام، وألقوا خطبا عظيمة الأهمية في الدعوة إلى الدفاع عن الأوقاف، واسترجاعها ليد المسلمين دون تدخل من السلطة الانتدابية، ولم يلبث المسلمون السوريون خارج حلب ودمشق أن اقتفوا الحلبيين والدمشقيين، فحررت عرائض (مضابط)، وألفت وفود، وتكونت لجان للدفاع عن الأوقاف الإسلامية هنا وهناك، وعقدت لجنة العلماء الدمشقيين بالخصوص اجتماعا لهذه القضية مساء 17 فبراير، كما عقدت جمعية الهداية الإسلامية بدمشق اجتماعا للغاية نفسها، وقد أعلن العلماء "أن الشريعة والقانون لا يبيحان تدخل الحكومة في تعيين مجالس الأوقاف الإسلامية باعتبار أن الأوقاف الإسلامية دائرة مستقلة لا علاقة لغير المسلمين بها، ولأن نص الواقف كنص الشارع، كما أعلنوا "أن موقفهم من مجالس الأوقاف المعينة، هو عدم التقيد بها، واعتبار تعيينها كأن لم يكن، لأنه مخالف للقانون والشريعة" وأعلنوا "أنهم سيعملون كل ما في وسعهم لحمل المراجع المسؤولة على انتخاب مجالس الأوقاف مهما كلفهم الأمر".

        ووقعت مقابلات بين المدافعين عن الأوقاف وبين ممثلي السلطة الفرنسية، فقابلوا المندوب فيبر، ووعدهم بتأجيل تنفيذ القرار رقم 35 مدة شهر كامل، ريثما يدرس أولو الأمر قضية الأوقاف درسا وافيا، وقابلوا المندوب لا فاستر، فحول القضية إلى قضية أغراض ! وطلب من الوافدين عليه تعيين أسماء الأشخاص الذين يستحقون أن يملأوا كراسي مجلس الأوقاف، فأفهموه أن المسألة ليست مسألة أشخاص، ولكنها مسألة تسليم الأوقاف لأصحاب الحق فيها، وإعطاء المسلمين السوريين حق الانتخاب الحر لمجالسها، واضطر رئيس الوزراء إلى مفارقة دمشق والذهاب لبيروت، حتى يتفاوض مع المفوضية العليا في قضية الأوقاف، التي أصبحت شغل المسلمين الشاغل في سوريا، ثم انعقد مجلس الوزراء بدمشق لبحث هذه القضية خاصة، بحضور المندوب فيبر وجيناردي مفتش الأوقاف العام، ولكنه لم ينته إلى قرار يرضي المسلمين…

        وعندما تم الاجتماع العام الذي انعقد في جامع سيدي هشام، والذي حضره ما يزيد على ألف نسمة، وقع المجتمعون الاحتجاج الآتي :

        "الأمة الإسلامية تستنكر الوضع الشاذ الذي تدار بموجبه الأوقاف الإسلامية، وهي تطلب تحقيق ما يلي :

1-  جعل الأوقاف الإسلامية بسائر حقوقها في يد الأمة الإسلامية، عملا بمنطوق المادة 114 من القانون الأساسي.

        2- وللوصول إلى هذا الحق الصريح والقضية المسلمة، نطلب إلغاء القرار رقم 35 الصادر في 3 شباط (فبراير) سنة 1934 عن المفوضية، والمرسوم الجمهوري اللبناني، القاضي بضياع حقوق الأمة الإسلامية في أملاكها الموقوفة في أراضي الجمهورية اللبنانية، مع إلغاء كل وضع لا يتفق مع حقوق الأمة الإسلامية.

        وكتبت جريدة "النداء" افتتاحية في هذا الموضوع بقلم صاحبها ورئيس تحريرها الأستاذ الكبير كاظم الصلح بتاريخ 19 ذي القعدة 1352 موافق 4 مارس 1934 مما جاء فيها :

        "إذا كانت قضايا الأوقاف – إدارتها وارتباطاتها – موضع عناية من جميع الأفراد والهيئات، فما ذلك إلا لأنها منذ الأصل تمت إلى مصالح الناس – أفرادا وجماعات – بصلة وثيقة، كما تتصل الأرزاق الخاصة بأصحابها ومديريها، أو لأنها كالمؤسسات العامة، والشركة ذات السهام، لكل مساهم أن يعنى بأمرها ويبحث، ويناقش، ويخاصم، ويدافع، ولعل الأوقاف – فوق ذلك – أكثر هذه الأموال صلة بالأخلاق وبالحرمة، فهي بهذه النسبة تأخذ من عناية الملإ ورعايته.

        لذلك رأينا مدينة حلب منذ أيام تغلي بالهياج، إذ رأت أوقافها مهددة "بالتنظيم" غير المرغوب فيه، وظلت على هياجها حتى نالت الطمأنينة كما تريد، وهي عدم اللجوء إلى طريقة التعيين في أعضاء مجالس الأوقاف.

        وبالأمس أيضا قامت دمشق لشيء من هذا، فأضربت أسواقها عن العمل، تبيانا عن إرادتها في قضية أوقافها، وهي ساعية في استكمال مطالبها بطرق أخرى نظن أنها تؤدي إلى غرضها المطلوب، وهكذا تسعى جميع الجهات إلى استخلاص سيادتها على الأوقاف.

    الحق أن مشكلة الأوقاف عموما – ولاتها ونظمها ومرجعها – ما زالت منذ وقوع الاحتلال عقدة لم تحل، ساورها الجهل تارة، والكسل تارات، فهل تظل عقدة معقدة، رغما عن جميع هذه الرغبات التي مازال أصحاب الأوقاف الشرعيون يبدونها منذ سنين ؟".

        أما العرائض التي حررت بهذه المناسبة فقد وقعها مسلمو سوريا من سائر الطبقات، وفي مقدمتهم شيوخ الإسلام وعلماء الدين، بقصد توجيهها إلى المراجع العليا وجمعية الأمم بالخصوص، وهي تتضمن المطالبة "بتسليم الأوقاف الإسلامية إلى المسلمين أسوة بأوقاف الطوائف الأخرى، ونزع السلطة الحكومية عنها بكل معاني الكلمة، وترك الأوقاف الإسلامية حرة دون أدنى مراقبة حكومية"، والمطالبة "بأن تديرها هيأة إسلامية ينتخبها المسلمون هي التي تعين موظفي الأوقاف، وتحدد رواتبهم بصورة تتفق مع شروط الواقفين ومع مصلحة الوقف".

        ومما جاء في إحدى العرائض "أن السلطة استولت على أوقاف جامع السلطان إبراهيم في جبلة، وعلى أوقاف الحرمين الشريفين، وأنها تدير هذه الأوقاف مباشرة وتستغل ريعها لخزينتها الخاصة، دون أن يكون لدوائر الأوقاف أو للمسلمين أية علاقة بها".

        وفي طليعة العرائض التي وجهت، عريضة حلب، ويحسن هنا الاتيان بنصها كنموذج للعرائض السورية في هذه المسألة. تقول العريضة الحلبية.

        "إن الأوقاف هي حق خاص للطائفة التي وقفت لها وليست مؤسسة حكومية، فلا يجوز للسلطة أن تتدخل في شؤونها وتنظيم إدارتها، لأن ذلك حق خاص للطائفة وحدها، كما لا يجوز تسلط الحكومة على شؤون التاجر في تجارته، أو على رب البيت في شؤون بيته، وأن لكل أمة من الأمم أوقافا لمعاهدها الدينية، وملاجئها الخيرية، تحفظ بها دينها، وتصون يتيمها وفقيرها وعاجزها، وهذه الأوقاف احترمتها الشرائع، وصانت الاتفاقات الدولية حرية تصرف الأمة بها، وأن الأمة الإسلامية تملك هذا الحق الطبيعي كما تملكه سائر الطوائف.

        لكن الواقع في سوريا هو أن سائر الطوائف حرة في أوقافها، مطلقة اليد فيها، تتمتع بهذا الحق المقدس بدون أدنى تدخل لسلطة محتلة، أو حكومة محلية، إلا الأمة الإسلامية وحدها، فإنها مسلوبة ذلك الحق، فقد أقامت السلطة على الأوقاف الإسلامية مراجع عليا في الحكومة المحلية تتولى تعيين مدير الأوقاف ومأموريها، وتصدر قوانينها، وتتدخل في انتخاب لجان إدارتها، وبذلك حرمت الأمة الإسلامية من استعمال إرادتها الحرة في تشكيلات أوقافها، وتنظيمها، وكيفية انتخاب لجان إدارتها، مما أدى إلى اختلاس شطر من تلك الأوقاف، وحصول الفوضى فيها، والقضاء على أكثر حقوق الجوامع والمدراس، والفقراء والعجزة، وسائر وجوه الخيرات العمومية، وصار ريع الأوقاف يوضع أكثره ما بين رواتب ضخمة لموظفي الأوقاف ومراجعها العليا يتنعمون بها كأن الأوقاف وقفت لهم !

        إن كل ذلك لم يعد خافيا على أحد، ولم يعد يطيق المسلمون أن يصبروا عليه، لقد آن للسلطات أن تضع حدا لهذه المهزلة المخجلة، وأن تنفذ بصورة جدية ما أجمعت عليه الاتفاقات الدولية، وأقرته جمعية الأمم، ونص عليه صك الانتداب في المادتين السادسة والتاسعة، وأيدهما الدستور السوري في المادة 114 من حرية الأوقاف، لأنها من الشؤون الدينية، وقد تكررت المواعيد بذلك وطال أمد الانتظار، وكل شيء على ما هو عليه، فنحن – مسلمي حلب – نستنكر كل الاستنكار من السلطات الحاكمة شدة التمسك بالمنهج الحاضر، الذي لا يدل على عاقبة محمودة، ونطلب تسلم المسلمين أوقافهم، لأنهم أصحاب الحق فيها، وخيرها وضرها عائد عليهم، ليديروها بصورة تؤمن منافعهم، وينتخبوا من قبلهم انتخابا حرا من يريدونه للقيام بإدارة شؤونها ومراقبتها، دون تدخل أية سلطة حكومية أو فردية فيها، أسوة ببقية الطوائف في سورية، كما أننا نعلن أن الأمة الإسلامية لا تعترف بكل ما بيت في شؤون أوقافها بدون إرادتها".

        وهذه الحركة التي ابتدأت منذ أوائل ذي القعدة 1352 (منتصف فبراير 1934 تقريبا) قد استمرت متصلة إلى جمادى الأولى 1353 (أواخر غشت 1934) أي أكثر من نصف سنة، وفي أوائل شهر جمادى الأولى سافرت وفود حلب، ودمشق، وحمص، وحماة، وطرابلس، واللاذقية إلى بيروت لرفع مضابط الاحتجاج إلى المفوضية العليا، وانضمت إليهم اللجنة البيروتية للدفاع عن الأوقاف، ولم تلبث الوفود أن اتصلت بالمفوضية فاعتذر سعادة المفوض بأنه مريض، واعتذر سكرتيره العام بأنه لا يرى حاجة لمباحثة الوفود في هذه المسألة…

        فأذاع ممثلو لجان الدفاع عن الأوقاف الإسلامية في سوريا من أعضاء الوفود المذكورة البيان التالي :

        "إن ممثلي لجان الدفاع عن أوقاف المسلمين وصلوا بيروت هذا اليوم الأربعاء، واتصلوا فورا بالمفوضية العليا لطلب موعد من العميد السامي، بغية مقابلته وتقديم العرائض التي يحملونها من الأمة الإسلامية على اختلاف طبقاتها، المتضمنة مطالبهم بإدارة أوقافهم إدارة طائفية محضة، وإقامة البراهين والأدلة الساطعة على أحقية هذه المطالب، وعلى ما أصابهم من حيف في أوقافهم، وقد أجيبوا على طلب المقابلة بأن فخامة المفوض مريض، فطلبوا حينئذ مقابلة السكرتير العام، فأجيبوا أن المفوضية لا ترى حاجة لمباحثة خصوصية في هذا الشأن، وترى أن تودع العرائض المذكورة لها لتنظر في جوابها !

        واضطر المندوبون أن يرسلوا عرائض الأمة الإسلامية إلى المراجع الإيجابية بالبريد، قياما بالأمانة المعهودة إليهم من قبل موفديهم.

        وإن ممثلي الدفاع لا يسعهم والحالة هذه إلا الاحتجاج على رفض المفوضية العليا مقابلتهم، لسماع شكوى المسلمين ومطالبهم الحقة في أوقافهم، أسوة بغيرهم من الطوائف، ولا سيما أن وجود مستشار للمفوضية العليا على رأس هذه الأوقاف لا يبرر هذا الرفض، ولا يبقي مجالا للقول بأن هذه القضية طائفية لا دخل للسلطان فيها".

        ثم قرروا جمع مؤتمر عام وعقده في حلب بحضور ممثلين من سائر المناطق السورية، لاتخاذ خطة حازمة إزاء موقف السلطات الفرنسية في الأوقاف الإسلامية.

 

الملحق التاسع

مؤتمر عن الأوقاف الإسلامية

        في أوائل جمادى الثانية من هذا العام (1353) انعقد بسوريا مؤتمر للدفاع عن الأوقاف الإسلامية، حضره ممثلون من سائر الطبقات، ونواب عن لجان الدفاع عن الأوقاف التي تألفت في مختلف المدن السورية منذ بضعة شهور، وكان اجتماعه في حلب الشهباء، ووقع افتتاحه يوم الجمعة صباحا بتاريخ 5 جمادى الثانية في بيت المحامي المعروف الأستاذ أحمد منير الوفاءي، وانتخب لرياسته فضيلة الشيخ عبد الحميد الجابري، وعقب انتهاء الجلسة الافتتاحية، توجه أعضاء المؤتمر إلى الجامع الأموي الكبير، الذي احتشدت فيه جماهير المسلمين، وما كادت تنتهي صلاة الجمعة، حتى أخذ الخطباء يتسابقون إلى منبر الخطابة واحدا بعد واحد، وكانت خطبهم كلها دائرة حول قضية الأوقاف وموقف السلطة الانتدابية الغريب في هذه القضية.

        وفي الجلسة الثانية، عرضت اللجنة التحضيرية على هيأة المؤتمر أبحاثا سبعة للمناقشة فيها :

        1- استقلال إدارة الأوقاف بشكل طائفي.

        2- طلب تأليف مجلس طائفي إسلامي ليضع نظاما للتمثيل الديني ولإدارة الأوقاف.

        3- طلب إعادة الخط الحجازي للأوقاف.

        4- الاحتجاج على سلب حرية الانتقال للحجاج المسلمين وتقييدهم بالسفر في شركة خاصة.

        5- الاحتجاج على رفض مقابلة المفوض السامي لوفود المسلمين، الذين حملوا مطالب الأمة في أوقافها.

        6- الاحتجاج على القرارات والأنظمة الوقفية الجديدة، المخالفة لأحكام الدين الإسلامي.

        7- انتخاب لجنة تنفيذية لإنقاذ مقررات المؤتمر.

        وفي الجلسة الثالثة، تم الاتفاق على نصوص المطالب والاحتجاجات، ثم أذاعت اللجنة التنفيذية بيانا ضافيا عن مؤتمر حلب طبقا للصيغة الآتية : 

        "إن الأوقاف الإسلامية ركن ركين لمصالح المسلمين من عدة نواح، أهمها ما يلي :

        فأولا تنظيم التعليم الديني تحصيلا وإرشادا، فقد وقفت على ذلك أوقاف كثيرة ليخرج في المسلمين علماء تجمعهم وحدة العلم والعقيدة، يتشربون حقائق الدين وأسراره وتعاليمه، ليقوموا بإرشاد الناس إلى مناهج الدين العلمية والعملية، وغرس التربية الإسلامية في نفوسهم، بالحض على فضائل الأعمال حتى تصبح فيهم خلقا ثابتا.

        وثانيا إقامة الشعائر الدينية والعبادات المفروضة وسائر ما يتعلق بها.

        وثالثا تنظيم المصالح الطائفية، وسد عوز الفقراء والأرامل والأيتام والمحتاجين، الذين يوجب الدين على مجموع الأمة أن تهتم بشأنهم، وكل ذلك قد ضمنته الأوقاف الإسلامية التي هي الثروة الدينية الوحيدة.

        ومن البديهي أن هذه المقاصد الشريفة، لا تتحقق إلا إذا كانت الأوقاف بيد الأمة الإسلامية، تديرها هيئات منتخبة منها انتخابا حرا، لتكون حريصة على صلاح الأوقاف الذي يكسبها ثقة الأمة وائتمانها، لأن الإنسان إنما يحرص على صيانة الشيء وصلاحه بقدر ماله فيه من علاقة حيوية، فتفويض أمر الأوقاف إلى غير الأمة صاحبة الحق، يؤدي حتما إلى عكس الغاية المتوخاة منها، ولذا وجب أن تستقل الأمة في أوقافها دون أي سيطرة أو تدخل لسلطة حاكمة أو إدارة فردية عليها.

  

 

         تدخل السلطات في أوقافنا :

         غير أن هذا الحق المشروع لا تتمتع به فعلا في البلاد السورية إلا الطوائف غير المسلمة، أما المسلمون فإن أوقافهم قد تدخلت فيها السلطات الحاكمة، فحرمتهم من حق إدارتها على وفق إرادتهم ومصالحهم التي راعاها الواقفون، واستأثرت تلك السلطات بتعيين مجالس الأوقاف الإسلامية وموظفيها خلافا لقواعد الحقوق العامة وللقوانين الخاصة.

        كما أنها من جهة أخرى انتحلت لنفسها، دون أي مسوغ، حق التشريع في أحكام الأوقاف الإسلامية فأوجدت قوانين تصادم أحكام الشرع الإسلامي، ومن شأنها أن تؤدي إلى محق الأوقاف والقضاء عليها بقرارات الاستبدال (المعاوضة النقدية) الصادرة عن المفوضية العليا، حيث فسح هذا الاستبدال المخالف للشرع، مجالا كبيرا لسوء الاستعمال فيه، وأثبت الإحصاء أن معظم أموال الاستبدال قد تبعثر في سبل غير مرضية، أو أنه موضوع في صندوق أحد المصارف، ينتظر آفة تجترفه، بعد أن كان عقارات ثابتة تدر الغلة الدائمة، التي تحمي مصالح المسلمين.

 

        – قرار الاستبدال :

        وأغرب ما ظهر من التفرقة بين أوقاف المسلمين وأوقاف غيرهم، تفرقة يتجلى بها قصد محق الأوقاف الإسلامية خاصة دون غيرها، قرار الاستبدال ذو الرقم 80 الذي تنص المادة 12 منه على أن العقار المستبدل إن كان من الأوقاف الإسلامية فإن بدله تسري عليه أحكام الميزانية السنوية لدائرة الأوقاف، فيجوز توزيعه في مصارف الغلة، مع أن الحكم الشرعي أن قيمة العقار المستبدل يجب أن يشترى بها عقار آخر، حفظا لعين الوقف، لأن توزيع قيمة العقار هو استهلاك للوقف.

        أما إن كان العقار المستبدل من أوقاف الطوائف غير المسلمة، فقد أوجبت المادة المذكورة أن يشترى ببدله عقارات حتما، عوضا عن العقارات المستبدلة.

 

       – الإهمال وسوء التصرف :

        وقد نشأ من استئثار السلطات بالأوقاف الإسلامية إدارة وتشريعا، وحرمان المسلمين من حقهم فيها، أن انقطعت مراقبة الأمة الإسلامية عما يجري في دوائر أوقافها، وأصبحت هذه الدوائر سرا من الأسرار الحكومية، وفسح فيها ميدان واسع لسوء الاستعمال، وإهمال الأعمال، وسوء التصرف في إنشاءات الأبنية وفي الإيجارات، وفي غير ذلك مما لم يعد خافيا على أحد.

        كما أنها أصبحت مرتعا خصبا لتعيين المحاسيب والمتزلفين في وظائف الأوقاف الإدارية، المحلية والعليا، التي تجترف قسما عظيما من واردات الأوقاف.

       

      – لماذا عقد مؤتمر الأوقاف ؟

        فلهذه المآسي المؤلمة، والحيف الواقع على الأوقاف الإسلامية، ضاق المسلمون ذرعا، ورأت لجان الدفاع أن تضاعف جهودها، وتوسع ميدان العمل المشترك، الذي يجب أن يحتوي تحت لوائه كل مسلم في نفسه ذرة من الغيرة الدينية، فدعت إلى عقد مؤتمر عام باسم "مؤتمر الدفاع عن الأوقاف والمصالح الإسلامية" يمثل الأمة الإسلامية بجميع طبقاتها، فتم عقده بحلب، ودام من خامس إلى ثامن جمادى الأخيرة 1353 (14 أيلول 1934 إلى غاية 17 منه) ووجدت فيه عناصر نواب الأمة، والوزراء السابقون، ورجال القضاء الشرعي، وعلماء الدين، والوجهاء، والمحامون، والتجار، والأطباء، وغيرهم، وتمثلت فيه المدن التالية : دمشق، حماة، حلب، طرابلس، اللاذقية، دير الزور، وقد بحث المؤتمر قضية الأوقاف الإسلامية من سائر وجوهها، وقرر ما يجب عمله وسلوكه لرفع الظلم عن أوقاف المسلمين، وإنقاذ البقية الباقية منها.

     

        – مبدأ استقلال الأوقاف :

        وقد رأى المؤتمر أن جميع ما تشتكي منه الأوقاف الإسلامية من ضرر، وضياع، وسوء تصرف وإهمال، إنما نشأ من تدخل السلطات الحاكمة في هذه الأوقاف إدارة وتشريعا وتوظيفا، فقرر المؤتمر قبل كل شيء مبدءا عاما هو وجوب التمسك باستقلال الأوقاف الإسلامية عن سيطرة السلطات الحاكمة، وتحقيق إدارة طائفية منتخبة، تقوم على نظام طائفي يوضع خصيصا لذلك، حسبما تشير إليه المادة 114 من الدستور السوري، بحيث يكون هذا النظام ضامنا لمصالح المسلمين في أوقافهم، وتمثيلهم حقا في إدارتها، وقد جعل المؤتمر هذا المبدأ هدفا له.

       

       – المجلس التأسيسي للأوقاف :

        وبما أن مثل هذا النظام الطائفي العام لشؤون الأوقاف الإسلامية وإدارتها يجب أن يضعه مجلس إسلامي عام منتخب ممثل للأمة الإسلامية جميعا، لا كمجلس الأوقاف الأعلى الذي عين تعيينا سنة 1930 وعهد إليه بوضع قرار التنظيمات الجديد، المعروف بقرار 10، فقد قرر المؤتمر تقديم طلب إلى المراجع الإيجابية، لتأليف مجلس تأسيسي إسلامي ينتخب أعضاؤه من مسلمي سائر البلدان على درجة واحدة، تنحصر مهمته في وضع هذا النظام الطائفي المنشود لإدارة الأوقاف الإسلامية والتمثيل الديني الإسلامي، ليكون للأمة الإسلامية كيان ديني منظم معتبر، وقد وضع المؤتمر نص هذا الطلب، كما وضع لائحة نظام لكيفية انتخاب هذا المجلس وفق رغبات المسلمين. هذا وقد رأى المؤتمر أن المطالبات الإدارية برفع هذا الظلم عن أوقاف المسلمين مما قام ويقوم به المسلمون لم تثمر شيئا، وأن هناك طرقا قانونية أخرى يمكن التشبث بها لإلقاء المسؤولية على عاتق السلطات المسببة للأضرار الواقعة في أوقاف المسلمين فقرر المؤتمر اتباعها.

       

      – الخط الحجازي :

        وقد بحث المؤتمر قضية الخط الحجازي الذي هو من أعظم الأوقاف الإسلامية وتتعلق به مصالح الحج الشريف، والذي كان أخذ من الأوقاف وسلم إلى شركة خط دمشق – حماة وتمديداتها بقرار من المفوضية العليا بدون مسوغ مشروع، فوضع المؤتمر احتجاجا ومطلبا يرفع إلى المراجع، متضمنا طلب إعادة هذا الخط الحجازي الموقوف إلى المسلمين.

 

        – الحجاج ينقلون كالأمتعة :

        وبما أنه قد أعقب سلب هذا الخط الحجازي أن أصبح الحجاج السوريون يجبرون على الركوب في بواخر شركات معينة، تلتزم نقلهم كالأمتعة التزاما، بموجب اتفاقات تعقد سنويا بينها وبين المفوضية ولا يسوغ لهم الركوب في غيرها، مما لا يتفق مع حرية المسافر، وقد أوجب ذلك ضغطا عظيما على الحجاج وإعداما لراحتهم، فقد قرر المؤتمر إصدار احتجاج ضد هذا الحجر على حرية الحجاج، وقد وضع نص الاحتجاج.

       

 

       – رفض مقابلة الوفد :

        وقد رأى المؤتمر أن رفض المفوضية العليا مقابلة الوفد الإسلامي، الذي اختارته لجان الدفاع عن الأوقاف من رجال العلم والدين في مختلف البلدان، والحامل شكاوي المسلمين ومطالبهم المشروعة إلى المفوضية العليا بشأن الأوقاف الإسلامية، بتاريخ آب 1934، بينما لم يسبق للمفوضية أن رفضت وفد طائفة من الطوائف، يعد خرقا لقاعدة المساواة بين الطوائف ومسا لكرامة الأمة الإسلامية، وهي أكثرية هذه البلاد، فقرر المؤتمر أن يحتج على ذلك ووضع نص الاحتجاج.

 

        – كتاب عن الأوقاف :

        وقد لا حظ المؤتمر أن جميع ما قيل وطلب وكتب وخطب عن الأوقاف الإسلامية لم يكن من الممكن التفصيل فيه، ولا بيان جميع صور الحيف الواقع على هذه الأوقاف، ولا جزئيات الأضرار اللاحقة بها، والاختلال وسوء الاستعمال الواقع في دوائرها من جراء التدخل غير المشروع من قبل السلطات فيها، وأنه يجب تنوير الرأي العام الإسلامي عن ذلك فقرر المؤتمر وضع كتاب تفصل فيه حالة الأوقاف الإسلامية في سوريا داخلا وساحلا.

       

       – اللجنة التنفيذية للمؤتمر :

        وقد انتخب المؤتمر بالاقتراع السري لجنة تنفيذية تتألف من سبعة أعضاء حلبيين، مركزها حلب، ليسهل اجتماعها كل آن، وعهد إليها بأن تمثله لدى الأمة والسلطات، وأن تقوم بتنفيذ مقرراته وسلوك الطرق التي تراها، للوصول إلى الغاية المنشودة، وفوضها أن تنتخب مفوضين عنها يمثلونها في سائر البلدان.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

التخطي إلى شريط الأدوات