“تحسين نظام الحكامة الترابية وآفاق الجهوية المتقدمة بالمغرب”

bakouri


 

 

مقدمة:

يشكل تحسين نظام الحكامة وسيلة وهدف في آن واحد، وسيلة نحو تحقيق دولة القرب، دولة الثقة ودولة الحكامة، وهدف تتوخاه كل دولة تسعى لتجاوز الإختلالات المرصودة على مستوى أنظمة حكامتها . إن كل ذلك يتم عبر إعطاء دفعة جديدة للحكامة العمومية وإضفاء جملة من المبادئ الإيجابية على مساراتها المتعددة.

ومادام المغرب تميز في المنطقة العربية بالإصلاحات التي تسمح للمواطنين بالتعاطي إيجابا مع الفضاء العام ومناقشة الأفكار([1])، وهو الشيء الذي أكد "نظرية الإستثناء" التي جعلت المغرب في منأى عن رياح " الربيع العربي " ، فإنه على ضوء كل ذلك يعد تجديد الحكامة العمومية المدخل العملي للتجديد السياسي،  كما أنها الشرط الضروري لإدماج المغرب في مسار تنمية بشرية رفيعة ومستديمة([2]).  على هذا الصعيد، تتبلور معالم دولة الحكامة ، وهي الدولة التي تجعل من  المؤسسات والأنسجة والمساطر والمعايير والقيم والمبادئ والعلاقات القائمة بين مختلف الشركاء الفاعلين في تحديد إختيارات ومسارات عملية التنمية، أساس وجودها.  وبذلك تشكل الحكامة حاجة ملحة في مجال تدبير السياسات العامة التنموية على الصعيد الداخلي لكل نسق سياسي([3]).حيث تصبح هنا، إستراتيجية الحكامة أمرا غاية في الأهمية ،  لما تتضمنه  من تكامل في الأدوار بين الدولة الليبرالية الجديدة والوحدات الترابية المحلية ومؤسسات المجتمع المدني وكذا القطاع الخاص بل وحتي المواطن، من أجل تحقيق تنمية فعالة وإعادة صياغة نظام إداري وإقتصادي وسياسي وفق مفاهيم الشفافية ، المسؤولية، دولة القانون،  اللامركزية والتنسيق ثم التنافسية. . . وهذه مفاهيم وآليات متضمنة في الحكامة الجيدة وقادرة على إعادة الثقة في دور المؤسسات ومكانة الدولة ومسؤوليتها في تحقيق الرهان التنموي الشامل([4]).

وبالنسبة  للمغرب، ولتحقيق أسس هذا الرهان، فإن دولة الحكامة ترسم معالم تواجدها الممكن والمأمول في مسألة التنمية وعلاقتها بمفهوم التراب من خلال منطلقين إثنين:

  • منطلق المغرب اللامركزي.
  • المنطلق الترابي /التنموي.

أولا: منطلق  " المغرب اللامركزي ":

إن المقصود بالمغرب اللامركزي هو المغرب الذي تسهم فيه مختلف المكونات بطريقة متوازنة من أجل الإرتقاء المطرد بالتنمية البشرية ، وذلك بتثمين تنوعها وإمكاناتها المادية .فالمغرب اللامركزي يتألف من جهات تحظى بسلطات واسعة في الميادين الإقتصادية والثقافية والاجتماعية، مغرب تدار فيه المدن بطريقة عقلانية، لجعلها مؤهلة إقتصاديا وقابلة للإندماج اجتماعيا ومتألقة ثقافيا، مغرب يكون إقتصاده متكاملا وراسخا في فضاء ترابي متوازن نسبيا ( مدن / قرى، ساحلي / داخلي. . .)،مغرب يدمج العالم القروي في سياساته ويأخذ بعين الإعتبار خصوصياته الإقتصادية والبيئية وثقله الديموغرافي،مغرب تتطور فيه الطاقات البديلة ( الهوائية،  الشمسية …) ويستغل ثرواته الطبيعية والمعدنية بطريقة معقلنة([5]) . وبذلك تبرز الجهوية كمجموعة منسجمة تهدف إلى تحقيق تكامل إقتصادي واجتماعي وإداري([6])،يتعزز بناها بتخويل الجهات صلاحيات واسعة تكون مجالا جديدا للحوار والتشاور والتكوين وممارسة تسيير الشؤون العامة([7])، تسييرا ترابيا، لا مركزيا متقدما.

و لقد كرس الدستور الجديد المغرب " الجهوي" أو المغرب " اللامركزي"، من خلال  التأكيد وبإلحاح  شديد في الفقرة الرابعة من الفصل الأول، على أن  "التنظيم الترابي للمملكة تنظيم لا مركزي، يقوم على الجهوية المتقدمة"، وكذا من خلال التنصيص في الفصل 136 على كون التنظيم الجهوي والترابي يرتكز على " مبادئ التدبير الحر، وعلى التعاون والتضامن" كما يعمل على " تأمين- وفق نفس الفصل – مشاركة السكان المعنيين في تدبير شؤونهم والرفع من مساهمتهم في التنمية البشرية المندمجة والمستدامة".كما أن الفصل 137 من الدستور يبرز الدور الريادي للجهات، وكذا باقي الجماعات الترابية الأخرى في " تفعيل السياسة العامة للدولة" . مع اعطاء الفصل 143 مكانة الصدارة للجهة كجماعة ترابية. ([8])

 وهو ما أكدته المادة  الخامسة من  القانون التنظيمي المتعلق بالجهات،  رقم 111.14 الصادر في 7يوليوز2015. ([9])   إن إعادة النظر في مسار اللامركزية والجهوية بالمغرب، وبالتالي ترسيخ أسس حكامة ترابية جيدة، تبلورت في واقع فعلي وفعال مع النداء الملكي ليوم 03 يناير  2010 لبناء معالم جهوية متقدمة،ذات جوهر ديمقراطي وتنموي ،ستمثل ورشا هيكليا كبيرا،ظلت هناك رغبة ملكية تواقة لجعله تحولا نوعيا في أنماط الحكامة الترابية.ومن هذا المنظور " فالجهوية الموسعة المنشودة ،ليست مجرد إجراء تقني أو إداري،بل توجها حاسما لتطوير وتحديث هياكل الدولة والنهوض بالتنمية المندمجة…"([10]) كما أنها ستعبر في تطبيقاتها المتعددة عن إنبثاق لدينامية جديدة للإصلاح المؤسسي العمييق"([11]) . 

إن هذا العمق الإصلاحي المتبلور بشكل أساسي بالإعلان عن تكوين اللجنة الإستشارية الجهوية يوم 03 يناير 2010 كمبادرة تهدف تشجيع المشاركة المواطنة في تدبير الشؤون الجهوية ووضع آليات ديمقراطية لتدعيم التنمية الإقتصادية والإجتماعية والثقافية لجل جهات المملكة وكذا تحديث هياكل الدولة وتحسين الحكامة الترابية([12])،يجد مرجعياته في خطابات ملكية عديدة من قبيل:

  • الخطاب الملكي لعيد العرش30 يوليوز 2006، حيث جاء فيه أنه " يتعين إعطاء نفس جديد لمسار اللامركزية والجهوية والعمل على أن يصبح  التدبير اللامتمركز بوصفه لازمة لخيار اللامركزية،قاعدة أساسية في جميع القطاعات العمومية ومقوما ضروريا للحكامة الترابية الجيدة".
  • الخطاب الملكي لعيد العرش 30 يوليوز 2007،والذي أكد أنه " ترسيخا للحكامة الترابية، فإننا مصممون على توطيد اللاتمركز والجهوية مع وجوب تلازم الجهوية الناجعة مع تفعيل نظام اللاتمركز الواسع والملموس في إطار أقطاب محددة تفوض لها السلطات المركزية،الصلاحيات والموارد اللازمة من خلال مقاربة جهوية مندمجة".
  • الخطاب الملكي بمناسبة الذكرى الثالثة والثلاثين للمسيرة الخضراء ل 6 نونبر 2008،ومما جاء فيه " لذلك قررنا بعون الله،فتح صفحة جديدة في نهج الإصلاحات المتواصلة الشاملة التي نقودها،بإطلاق مسار جهوية متقدمة ومتدرجة،تشمل كل مناطق المملكة وفي مقدمتها الصحراء المغربية. إن مشروع الجهوية إصلاح هيكلي عميق يقتضي جهدا جماعيا لبلورته وإنضاجه. . . فطموحنا الكبير من هذا الورش الواعد هو ترسيخ الحكامة المحلية الجيدة وتعزيز القرب من المواطن وتفعيل التنمية الجهوية المندمجة ،الإقتصادية والإجتماعية والثقافية" .
  • الخطاب الملكي لعيد العرش ل 30 يوليوز 2009 ،والذي تم النص فيه على أنه " وفي سياق تصميمنا على الإرتقاء بالحكامة الترابية قررنا فتح ورش إصلاحي أساسي بإقامة جهوية متقدمة نريدها نقلة نوعية في مسار الديمقراطية المحلية. ولهذه الغاية، سنتولى قريبا تنصيب اللجنة الإستشارية للجهوية،منتظرين منها أن تعرض على سامي نظرنا، في غضون بضعة أشهر تصورا عاما، لنموذج مغربي لجهوية متقدمة  تنهض بها مجالس ديمقراطية،بما يلزم من التوزيع المتناسق للإختصاصات بين المركز والجهات …وإننا لنعتبر  الجهوية المتقدمة   واللاتمركز الواسع،محكا حقيقيا للمضي قدما في إصلاح وتحديث هياكل الدولة".

إن هذه المرجعيات الملكية،كانت بمثابة خارطة طريق أمام اللجنة الإستشارية للجهوية،والتي أعدت في ختام أشغالها تقريرا،حرص على تقديم جملة من الإقتراحات ،من قبيل التأسيس لجهوية ديمقراطية الجوهر ولإختصاصات جهوية موسعة وأحسن تمفصلا،جهوية مكرسة للتنمية المندمجة،ولجهات جديدة ذات طابع مؤسساتي ووظيفي([13])،تعزز أسس المغرب اللامركزي المتطور وتجعله المنطلق الأساسي نحو جهوية متقدمة. وهو ماكرسه دستور 2011 ، من خلال متن وروح الفصل الأول السابق الذكر(الفقرة الرابعة) "التنظيم الترابي للمملكة تنظيم لا مركزي، يقوم على الجهوية المتقدمة". وكذا المادة الثالثة من  القانون التنظيمي رقم 111.14 المتعلق بالجهات ، والتي تنص على كون "الجهة جماعة ترابية  خاضعة للقانون العام،  تتمتع  بالشخصية  الاعتبارية والاستقلال  الإداري والمالي، وتشكل  أحد مستويات التنظيم الترابي للمملكة،  باعتباره  تنظيما  لامركزيا  يقوم على الجهوية المتقدمة".

    ثانيا : المنطلق الترابي / التنموي :

يتمثل هذا المنطلق في كون إرساء البعد الترابي في إدارة السياسات والبرامج العمومية يعد السبيل الواعد للرفع من نجاعة تدخلات الدولة. وهنا، تنبثق غائية الحكامة العمومية،التي تعني بشكل عام، التدبير الفعال للشؤون العامة،عن طريق تعميم نظام مقبول،بإعتباره نظاما مشروعا لتنمية وتحسين القيم الإجتماعية التي يستوحيها الأفراد والجماعات([14])،خاصة على مستوى الأبعاد التنموية.حيث أنه في ميادين التنمية الإجتماعية  ومحاربة الفقر وولوج الخدمات الأساسية، يشكل إرساء البعد الترابي في إدارة الشأن أكثر من كونه مجرد خيار، بما أنه يمثل الآلية الناجعة للتحديد الدقيق للمستهدفات،  ولتحقيق أفضل النتائج في مجالات التنمية البشرية. ويشكل المنطلق الترابي/ التنموي إحدى الرهانات الأساسية، المعول عليها في مسار تعزيز المؤسسات الديمقراطية، كمسلسل يتعين أن يراعي الخصوصيات التاريخية والثقافية والسياسية لكل بلد على حدة([15])،وكمسلسل يجعل نصب عينيه التنمية كنتاج للديمقراطية التشاركية،التي يكمن جوهرها في جعل المواطن  في صميم أي فعل مجتمعي تعاقدي.ويأتي تدبير الشأن العام المحلي على رأس أولويات هذا الفعل.في هذا الصدد، تشكل الحكامة التشاركية شرطا من الشروط التي لامحيد عنها لبلورة الحكامة المحلية الديمقراطية([16])،إذ أنه بدون إشراك فاعل وفعال لجميع المكونات وعلى رأسها المواطن،في تدبير الشؤون الوطنية والمحلية تفرغ الديمقراطية من محتواها.وهو الأمر الجوهري، على إعتبار أن كنه الديمقراطية هو حكم الشعب للشعب بواسطة الشعب([17]).ومن ثم،يرسم تدبير الشأن العام المحلي توجهات السياسة التنموية،وذلك عبر أدبيات التنمية البشرية، التي أضحت أكثر من أي وقت مضي مؤشرا أساسيا للتقويم في مختلف المجالات،كما أصبحت هدفا لم يعد من الممكن إستحضاره([18])، بحكم أهميتها على مستوى تحديد نجاعة تدخلات مختلف الفاعلين، بما فيهم الفاعلين الترابيين([19])  . وسوف يتعمق هذا البعد التنموي في تماهية مع البعد الترابي، من خلال تبني نهج الجهوية المتقدمة،  والتي تشكل بالإضافة إلى اللاتمركز الإداري أساس دولة الحكامة،كما يؤكد ذلك الملك محمد السادس في إفتتاحه للدورة الأولى من السنة التشريعية الأولى لسنة 2007،بأن  "التفعيل الأمثل – للأوراش التنموية – لن يستقيم إلا بالجهوية المتقدمة واللاتمركز الإداري، اللذين نعتبرهما عماد الدولة العصرية"([20]) . إن المنطلق الترابي / التنموي سيزداد ترسخا من خلال التنصيص في الدستور الجديد  على أهمية الجماعات الترابية في تفعيل السياسة العامة للدولة والرفع من مساهمة المواطنين في التنمية البشرية المندمجة والمستدامة.وعلى رأس هذه الجماعات الترابية توجد الجهة، والتي ما فتئت تعتبر " أداة رئيسية ومجددة للتنمية الإقتصادية  الإجتماعية" ([21])،والتي سيتعزز دورها الريادي من منطلق تبني نظام للجهوية المتقدمة.  وهو  الدور  الذي يمكن  أن تجسد معالمه  تطبيقات  وممارسات   القانون التنظيمي رقم 111.14 المتعلق بالجهات على أرض الواقع . الشيء الذي سيفضي بالتالي إلى التدبير العقلاني والحديث للمعطى المجالي وتحرير إمكانه الترابي والبشري، بالشكل الذي سيكون له نتائج إيجابية على مستوى تقوية كيانها الوطني وإستثمار المقومات الترابية والإختلافات الجهوية في تحقيق التنمية الشاملة([22])،مما سيشكل في نهاية المطاف نهجا متقدما لإعادة الترتيب الترابي داخل الدولة([23]).إن الهدف من وضع نظام جديد للجهة، بصفتها جماعة ترابية جديدة هو تجريد الدولة من كافة الأعباء ذات الطابع المحلي أو الجهوي،حتى تتفرغ لممارسة وظائفها الأساسية التي تتجسد في التحفيز والتنظيم والمراقبة وإسناد المسؤوليات وتدبير المصالح العمومية وتنشيط التنمية المحلية والوحدات الترابية على مختلف مستوياتها،مع تدعيمها بالموارد العمومية الضرورية لذلك([24]). ومن شأن كل ذلك ،تحسين الحكامة الترابية والدفع بها نحو عجلة التطور وإيجاد بنية علائقية ناظمة مترابطة ومتراصة بين الجهوية المتقدمة وسياسة القرب. فالتجارب المقارنة،أكدت تحت وقع التجريب والممارسة جدوائيتها وغايتها،وبرهنت بالملموس على أنها ثنائية تشكل معادلة الصعب المحيد عنها في سياقات التفكير، في أي تنمية جهوية بديلة بأبعادها الشمولية ،وحتى لا تظل المؤسسات الجهوية المنتخبة تعمل خارج الزمن الإجتماعي،وفي إنعزالية عن المواطن الذي يحتل محورية الرهان بالنسبة إلى الجهوية المتقدمة، حيث تنطلق التنمية من المواطن ومن أجل المواطن، فإن وجوبية إعتماد سياسة القرب لامناص منها ،لإعطاء الفعل الجمعوي الدافعية والدعامات الأساسية للوصول إلى التطلعات التنموية المنشودة والمرجوة، بعيدا عن المنهجية البيروقراطية في عملية صنع القرار الجهوي،وبمنأى عن ركام القواعد الإجرائية التعقيدية ([25]). فالتدبير الترابي الجهوي،يعد أحد الآليات الناجعة لتدبير المجال التنموي الجهوي الذي يعد من ضروريات الدولة المعاصرة والحجر الرئيسي لبناء دولة الحق والقانون، التي تمكن من مساهمة المواطنين في تدبير شؤونهم الجهوية وقضاياهم اليومية([26]).

لا شك أن بناء أي إستراتيجية لتدبير الشأن الجهوي، لن يتأتى دون التوظيف الجيد لمرتكزات سياسة القرب،لتكون جل مؤسسات اتخاذ القرار على المستوى الجهوي تشتغل عن قرب مع المواطنين،ويمكنها تشخيص وتحديد إحتياجاتهم والإستجابة السريعة لمتطلباتهم في سياق تفاعلي ذي منحى  إيجابي دائم([27])، وفي إطار تقوية البعد التشاركي للمواطنين، مع تحديد شروط تفعيل مبدأ الإستقلال الذي يرقى إلى مستوى شروط إشراك المواطنين في جميع القرارات ذات العلاقة وذات المساس أو الأهمية بالنسبة لهم. وهكذا ،فإنه من الضروري السعي نحو حالة للأمور،تكون فيها الحياة السياسية -المنظمة ديمقراطيا -من حيث المبدأ ،جزءا مركزيا من حيوات جميع الناس.([28])  إن غرس هذا الطابع الجمعي،التشاركي في السلوك السياسي المغربي ،هو الكفيل بتجاوز ما وصفه تقرير الخمسينية ب " عدم ارساء تقاليد قوية لتناظر أيديولوجي وعملي وزان وبناء  ومؤسس بشكل ممنهج ،على تبادل القول الحجاجي الموضوعي والمعقلن"([29]).فوضع تدابير من شأنها غرس البعد الديمقراطي التشاركي ضمن البنيات الصغرى للتسيير، من شأنه تدشين دينامية جديدة وإضفاء نجاعة أكثر على تصوراتنا وقدراتنا البرمجية ومنظوميات قرارتنا([30]).إن الجهة كوحدة ترابية وكمكون أساسي في المجتمع، ستصبح في ظل هذه الشروط مالكة لحقها في ممارسة الإختلاف والتميز في حاجياتها وأولوياتها وإهتماماتها ،وفي نهج مختلف أساليب الديمقراطية للتعبير عن مطالب وخصوصيات هذا الإختلاف والتميز، بل ولهيكلة وتدبير هذا الإختلاف أيضا،وفق ما تمليه ظروفها الإجتماعية والإقتصادية والبشرية الخاصة([31]).وعموما،فالإهتمام المتزايد والملحوظ في الوقت الراهن بالتنظيمات الجهوية من قبيل مختلف دول العالم،يجد مبرر قيمته في كون هذه الجهات غدت الإطار الملائم للمساهمة في بلورة إستراتيجيات جديدة للتنمية المحلية، بإعتبارها أحد الركائز الأساسية للعمل والتدبير الإقتصادي والإجتماعي وتكريس الديمقراطية المحلية، وكذا الإستجابة للتحولات الدولية والإقليمية المتسارعة،خاصة في وقت يتميز بإحتدام  المنافسة والسرعة لمواكبة روح العصر في ميدان التنمية. كل هذه العوامل حتمت على  المغرب  إعادة النظر في البنيات والهياكل المكونة للديمقراطية الترابية،بالسعي الحثيث نحو إقرار منظومة جديدة للجهوية داخل التنظيم الإداري المغربي، تستجيب لمختلف المطالب الدولية والوطنية . وهو التنظيم، الذي  يحمل في طياته خصوصية متعددة الأبعاد والمضامين. إن الحكامة الترابية كمقاربة تحاول الجهوية المتقدمة ترسيخها،تستدعي وضع تصور مفاهيمي لما يراعي الخصوصيات الثقافية والعرقية واللغوية المكونة للمجتمع المغربي، وبالتالي فهي تبرز  كمقاربة تفرض نفسها لإيجاد حلول أو أجوبة مندمجة([32]).

إن البحث عن إنجاز حكامة ترابية قوية،يستلزم إعداد خطة لإعادة تشكيل التراب إنطلاقا من مسلسل منهجي جديد، تفسح فيه مركزية المجال لأنماط جديدة للتنظيم والأداء الترابي، ترتكز على منح إستقلالية ومسؤولية أعمق لمجموعة من الفاعلين العموميين المحليين، وتحفيزهم للدفع بالعملية التنموية إلى أقصى حدودها. من هنا،  تبرز ضرورة إخضاع الشأن الترابي للمبادئ الحديثة للتدبير والتسويق،وذلك من خلال إعداد نموذج إداري فعال ، أكثر تأقلما مع متطلبات المغرب المعاصر وقادر على تبني تصورات جديدة وترك مجال واسع للتفاوض والمشاركة الجماعية([33]).                                                                                                                                           

خاتمة                                      

   إجمالا، تتبلور الحكامة الترابية  كمقاربة تتداخل فيها الأدوار والوظائف والمصالح وتتقاطع فيها الثقافات والقيم والأيديولوجيات. الأمر الذي يستلزم وفي إطار نوع من التحسين المستمر والمتواصل، إخضاع تدبيرها لتخطيط إستراتيجي، بغية إشراك كل الفاعلين، للوصول إلى تحقيق فضاء منسجم ومندمج ومتوازن، يراعي مصالح الأفراد ويحترم خصوصياتهم ويجعل منهم آلية من آليات التنمية الترابية([34]). وبالتالي، ستشكل الجهوية المتقدمة عبر ذلك، نقلة نوعية نحو منظومة متكاملة للحكامة الترابية  ومحطة متميزة في مسار الإصلاحات المؤسساتية  التي يعيش على إيقاعها مغرب الحكامة، "مغرب الجهات الصاعدة".

 

الهوامش 


[1]  جوزيف كريبوسكي الرئيس المؤسس للمعهد الأمريكي للدين والسياسات العمومية ، في قصاصة اخبارية ل و م.ع بتاريخ 20/02/2011 في اطار مقابلة له مع القناة التلفزية " المهاجر كوم" السبت 19/02/2011.

 

[2]  محمد البكوري "الحكامة الجيدة والمجتمع المدني بالمغرب" أطروحة لنيل الدكتوراه في القانون العام، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية ، جامعة محمد الخامس ، أكدال ، الرباط،  السنة الجامعية 2013/2014، ص 696.

 

[3]  خالد فريد "الحكامة والسياسات العامة مساهمة في نقد البعد المعياري للمفهوم" مجلة الدولية ، العدد الخامس2009 ، ص 103.

 

[4]  رشيد السعيد ، كريم لحرش " الحكامة الجيدة بالمغرب ومتطلبات التنمية البشرية المستدامة" طوب بريس ، الرباط الطبعة الأولى 2009 ، ص 31.

 

[5]  "المغرب الممكن اسهام النقاش العام من أجل طموح مشترك "تقرير الخمسينية ، اللجنة المديرية (مطبعة دار النشر المغربية 2006)، ص 256.

 

 

[6]  صالح المستف " التطور الاداري في أفق الجهوية بالمغرب" ( مطبعة دار النشر، الدار البيضاء 1989 ) ،ص 272.

 

[7]  المصطفى القاسمي " الجهوية بين متطلبات التنمية ومستلزمات الحكامة"  مجلة مسالك ،عدد مزدوج15/16 سنة  2011 ،ص 33.

 

[8]   حيث ينص هذا الفصل على مايلي :" لا يجوز لأي جماعة ترابية أن تمارس وصايتها على جماعة أخرى.

تتبوأ الجهة، تحت إشراف رئيس مجلسها، مكانة الصدارة بالنسبة للجماعات الترابية الأخرى، في عمليات إعداد وتتبع برامج التنمية الجهوية، والتصاميم الجهوية لإعداد التراب، في نطاق احترام الاختصاصات الذاتية لهذه الجماعات الترابية.

كلما تعلق الأمر بإنجاز مشروع يتطلب تعاون عدة جماعات ترابية، فإن هذه الأخيرة تتفق على كيفيات تعاونها".

 

[9]      المنشور بالجريدة الرسمية  عدد6380 بتاريخ 23 يوليوز2015 ص6585.

 

[10]  مقتطف من الخطاب الملكي ل 03 يناير 2010.

 

[11]  نفس المرجع.

 

 

 [12] كما هو مشار اليه في موقع :

                                                                                                  avancee.ma www.regionalisation

[13]  أنظر في هذا الصدد التقرير الخاص بالجهوية المتقدمة والصادر في اللجنة الاستشارية للجهوية والمقسم لثلاثة كتب والممكن تحميله على موقع avancee.ma   www.regionalisation    

 

[14] Ahmed lamaalem « Développement durable et gouvernance publique » Massalik .Numéro 15/16.Année 2011.p 7.

 

[15]   جوزيف كريبوسكي، مرجع سابق.

 

[16] Fatima Zidouri« les collectivités locales:Démocratie de proximité et gouvernance sociale » Massalik. Numéro 9/10. Année 2009.p 78.

 

[17]  محمد زين الدين "التدبير الجماعي والديمقراطية التشاركية "مجلة مسالك ،العدد 11/12 ،سنة 2009، ص 25.

 

[18]  في الملخص التركيبي لتقرير " المغرب الممكن :اسهام في النقاش العام من أجل طموح مشترك" مجلة عدالة جوست ،العدد16، نونبر 2011،ص 84.

 

[19]  محمد البكوري،مرجع سابق ، ص 703.

 

[20]  مقتطف من نص الخطاب الملكي في افتتاح الدورة الأولى من السنة التشريعية الأولى في 12 أكتوبر 2007.

 

[21]  "قانون رقم 47.96 المتعلق بتنظيم الجهات : بيان الأسباب" التنظيم الاداري المحلي ،سلسلة نصوص ووثائق  ،منشورات المجلة المغربية للادارة المحلية والتنمية ،العدد 161 ، سنة 2006 ،ص 207.

 

[22]  رشيد الحاضي " الجهوية و الحكم الذاتي:  سؤال الثقافي والرهان التنموي " وجهة نظر، العدد 43 ، شتاء 2010، ص 58.

 

[23]  كريم لحرش" دور الجهوية المتقدمة في تحقيق الحكامة الترابية : نحو تصور جديد لحكامة ديمقراطية للشأن الجهوي بالمغرب "ضمن" الجهوية المتقدمة بالمغرب : رهان للحكامة التشاركية "(طوب بريس ،الرباط ،الطبعة الثانية 2012 ) ،ص12.

 

[24]  "اللاتركيز لازمة اللامركزية" نشر وزارة الداخلية، مطبعة فضالة،الدار البيضاء 1998 ،ص7.

 

[25]  نجيب جيري " الجهوية الموسعة بالمغرب : الدينامية ورهان التنمية المحلية "مجلة رهانات ،العدد 21 ،  شتاء  2201، ص 18.

 

[26]  ابراهيم الزمهري " الجهوية المتقدمة واستراتيجية التنمية الجهوية المندمجة "ضمن" الجهوية المتقدمة بالمغرب : رهان للحكامة التشاركية"مرجع سابق، ص 55.

 

[27]  محمد غالي "سياسة القرب مؤشر على أزمة الديمقراطية التمثيلية "المجلة  المغربية للادارة المحلية والتنمية ،سلسلة مواضيع الساعة ،عدد 53 ،سنة 2006، ص 29.

 

[28]  ديفيد هيلد "نماذج الديمقراطية "الجزء الأول والثاني، ترجمة فاضل حتكر، (معهد الدراسات الاستراتيجية ، بغداد بيروت الطبعة الأولى 2006 ) ، ص 528.

 

[29]  اللجنة المديرية  "50 سنة من التنمية البشرية وآفاق سنة 2025." (دار النشر المغربية ،الدار البيضاء 2006)، ص 87.

 

[30]  يحي بوافي"جدوى الديمقراطية التشاركية في مغرب اليوم" مجلة رهانات ،العدد 11/12 صيف وخريف 2009،ص 22.

 

[31]  جواد الرباع "الجهوية وسؤال التنمية المحلية بالمغرب." مجلة رهانات، نفس المرجع السابق،ص 43.

 

[32] كريم لحرش "الجهوية الموسعة  وأي مستقبل للحكامة الترابية للمغرب؟ "ضمن "الجهوية الموسعة بالمغرب أي نموذج مغربي على ضوء التجارب المقارنة ؟"سلسلة اللامركزية والادارة المحلية ،جمع وتنسيق سعيد جفري وكريم لحرش (طوب بريس ،الرباط ،الطبعة الأولى فبراير1020 ) ، ص 2019.

 

[33]  جمال خلوق "التدبير الترابي بالمغرب .واقع الحال ومطلب التنمية "(طوب بريس، الرباط ،الطبعة الاولى 2009 )،ص 150.

 

[34]  كريم لحرش "الجهوية الموسعة .وأي مستقبل للحكامة الترابية بالمغرب ؟"مرجع سابق ص225.

 

التخطي إلى شريط الأدوات