تفعيل دور المرأة في الحياة السياسية ومعوقاتها

   الطالبة الباحثة: عتيق حبيبة

السنة الثانية دكتوراه/ تخصص: القانون العام المعمق

الملخص

     إن المشاركة السياسية كأساس للديمقراطية هي ذلك التصرف الذي يخول الفرد التأثير في الحياة السياسية لمجتمعه من خلال صنعه للقرار السياسي الذي يتيح له تغيير بنية المجتمع ونظام السلطة فيه، كما تهتم المشاركة السياسية بالشأن العام وبمشاركة المواطنين والمواطنات في إنجازه، وبالتالي فهي تعبير عن المواطنة التي يجب أن تقوم على الحقوق المتساوية للجماعات نساءا ورجالا, ومن تم تعد مشاركة المرأة في الحياة السياسية أحد أهم عناصر العملية الديمقراطية التي تعكس طبيعة النظام السياسي والاجتماعي في دولة ما, وعليه فإن ضعف الآليات والقوى الديمقراطية في المجتمع يساهم في تهميش مشاركة المرأة السياسية, إذ تقاس درجة نمو المجتمعات بمقدار قدرتها على دمج النساء في قضايا المجتمع العامة والخاصة، وتعزيز قدراتهن للمساهمة في بناء المجتمع سياسيا. مع العلم أن تطور المشاركة مر بمراحل كثيرة ومتباينة تأرجحت بين التقدم والتقهقر حسب حجم المشاركة الذي يتوقف على جملة معوقات تعترض سبل المضي فيها.

المداخلة كاملة

مقدمة

    إن المكان الطبيعي – في الماضي- للمرأة هو المنزل, إذ لم تكن أهلا لتشارك الرجل في إدارة شؤون البلاد, وهو ما أكدته مختلف الأبحاث والكتابات التي أثبتت حرمانها في بعض الأقطار من حق الانتخاب والترشح وغيرها من الحقوق السياسية المختلفة, وأنه لا ولاية للمرأة على الرجل وفقا للمنهج الشرعي, وأنه يصعب معرفة الواجبات الأساسية للمرأة في ظل الأمية الشائعة بين النساء والتفاوت في الفرص التعليمية بين المرأة والرجل.

   لكن سرعان ما تغير الوضع في العصر الحديث, حيث تقررت لها العديد من الحقوق في جميع المجالات بما فيها المشاركة في الحياة السياسية باعتبارها العصب الحيوي للممارسة الديمقراطية وقوامها الأساسي, مما يبين مدى تطور النضج السياسي للأمم, وهذا ما زاد الاهتمام بمشاكل المرأة في المجال الدولي أهمها تقرير مبدأ المساواة في الحقوق السياسية مع تقرير بعض التحفظات أو الضوابط لهذه المساواة وفقا لثقافة كل مجتمع[1].

    وعليه, إن التطور الذي شهدته المرأة لم يكن وليد اللحظة, وإنما وصلت إليه بعد أن عانت الأمرين, حيث كان ينظر إليها على أنها أدنى من الرجل أو تابعة له مما يفقدها أو يحرمها من كثير من الحقوق السياسية, إلى أن تنفست الصعداء فنهضت بها الأمم المتحدة وكذا باقي الدول والتي رأت في تلك المساواة أمرا لا يمكن التهرب منه, وهذا بعد أن أثبتت التجارب مدى  كفاءتها العالية وأنها تحقق في كثير من الأحيان ما لم يحققه الرجل, ومن تم لا معنى من حرمان المرأة من هذه الحقوق أو إغفالها حقها في هذا الجانب.

    ونتيجة لما سبق, تقلدت المرأة في مجال المشاركة المجتمعية مناصب حساسة ومرموقة في الدولة كمنصب وزيرة, قاضية, نائبة وغيرها من المناصب التي وصلت إليها بموجب المشاركة السياسية للمرأة كإطار عام ومبدأ تطبيقي للحقوق والحريات الأساسية[2].

    تقتضي دراسة تفعيل دور المرأة في الحياة السياسية ومعوقاتها الإجابة على مجموعة من التساؤلات: هل تم تجاوز فكرة أن المرأة ككائن حي مجرد ربة بيت أم أن لها حقوق وعليها التزامات مثلها مثل الرجل؟ إلى أي مدى يمكن أن تتقرر الحقوق السياسية للمرأة؟ وهل تتقرر لها كل الحقوق السياسية دون استثناء أم البعض منها؟ كيف ينظر فقهاء القانون إلى اقتحام المرأة غمار الحياة السياسية كتجسيد لمبدأ المساواة بينها وبين الرجل؟ متى أقر المؤسس الدستوري الجزائري الحقوق السياسية للمرأة؟ ما الهدف من تكريس المشاركة السياسية للمرأة دوليا ومتى؟ وهل تصلح المرأة لأن تقوم بكل ما تقتضيه الحياة السياسية أم هناك عوائق وعقبات تحول دون تفعيل دورها في بناء المجتمع سياسيا؟

    على ضوء التساؤلات المطروحة تم التصدي لموضوع تفعيل دور المرأة في الحياة السياسية ومعوقاتها من خلال محورين:

في المحور الأول  نتعرض لمفهوم المشاركة السياسية للمرأة

أما في المحور الثاني فنتطرق لتكريس المشاركة السياسية للمرأة والمعوقات التي تحول دون ذلك.

المحور الأول: مفهوم المشاركة السياسية للمرأة

    تقتضي الحياة السياسية أن يساهم ويشارك كل مواطن في إدارة بلاده, وهذا ما يؤكده ويقوم عليه المبدأ الديمقراطي الذي يمنح كل شخص جزءا من السلطة السياسية[3].

    ويقصد بالمشاركة participation المساهمة أو الاشتراك, ومنه مصطلح participant بمعنى مشارك أو مشترك, وتشير المشاركة إلى المساندة الشعبية, و صورها عديدة منها حق الترشح, حق الانتخاب وحق ممارسة العمل العام كأهم الحقوق السياسية[4]. ومن تم يكون من الضروري تعريف الحقوق السياسية (أولا), خصائصها (ثانيا), وأنواعها (ثالثا).

أولا: تعريف الحقوق السياسية

    إن الحقوق السياسية هي الوسيلة الوحيدة للتعبير عن إرادة وضمير الرأي العام وسيادة الشعب, تثبت للفرد باعتباره مواطنا في مجتمع سياسي معين, تخوله مباشرة أعمال معينة يساهم من خلالها في إدارة شؤون مجتمعه, أو بعبارة أخرى الحق في المشاركة المجتمعية, وأمثلة ذلك: حق إنشاء الجمعيات, الحق في التجمع, الحق في الانتخاب, الحق في الترشح لتقلد الوظائف العامة في البلاد….[5].

    ويمكن تعريف الحقوق السياسية أيضا بأنها الحقوق التي تسمح للمواطنين بالمشاركة في ممارسة السلطة العامة في الدولة[6].

    إن كفالة الحقوق السياسية تمثل حجر الأساس أو نقطة الارتكاز لضمان الممارسة الفعلية لكافة الحقوق والحريات, فالتلازم واضح بين ممارسة الحقوق السياسية والتمتع بالحريات العامة الأخرى[7].

ثانيا: أنواع الحقوق السياسية

    تتمثل الحقوق السياسية في حق تكوين الأحزاب السياسية وحق الانتخاب والترشح وكذا الحق في تولي الوظائف العامة.

  1. حق تكوين الأحزاب السياسية أو الدخول في عضويتها

     إن من أبرز الحقوق السياسية الحق في تكوين الأحزاب السياسية, لأن هذه الأخيرة من أهم أدوات الصراع السياسي وإحدى أهم المنظمات المكونة للإرادة الشعبية, والأحزاب هي أدوات تنوير الرأي العام وإعداد الناخبين والنواب, إذ تهدف إلى جمع المواطنين الذين يؤيدون نفس الأفكار ويتابعون نفس الأهداف السياسية, كما وتعمل على تثقيف الناخبين من خلال التوفيق بين الآراء المختلفة وصهرها في رأي واحد, كما وتمكن الأحزاب السياسية أيضا المواطنين من المشاركة والمساهمة في الحياة السياسية[8].

     لذلك, لا يمكن تصور وجود الديمقراطية دون أحزاب سياسية, وهو ما عبر عنه الفقيه الفرنسي  "إيزمن" بقوله: " لا حرية سياسية بدون أحزاب"[9].

     ومن أجل هذا كله حصرت الدساتير المختلفة على تقرير حق تكوين الأحزاب السياسية أو الدخول في عضويتها, حيث نص الدستور الفرنسي الصادر سنة 1958 في مادته الرابعة على أنه: " تسهم الأحزاب السياسية في التعبير عن الرأي……وهي تتكون وتباشر نشاطها بحرية, وعليها احترام مبادئ السيادة الوطنية والديمقراطية", أما في الجزائر فقد نصت المادة 52 من قانون 16-01 المتضمن التعديل الدستوري على مايلي:" حق إنشاء الأحزاب السياسية معترف به ومضمون"[10].

  1. حق الانتخاب وإبداء الرأي في الاستفتاء

     لما كانت المشاركة السياسية هي مساهمة الفرد في أحد الأنشطة السياسية التي تِؤثر في عملية صنع القرار أو اتخاذه من خلال  التعبير عن رأي معين في قضية عامة ، فإن التصويت و الانتخاب هما أحد جوانب المشاركة السياسية.

     والانتخاب هو حق الشخص في التصويت لاختيار أحد المرشحين في الانتخابات بمستوياتها المتعددة رئاسية كانت أو برلمانية أو محلية ، وهذه الأخيرة يمارسها الشخص عن طريق الإدلاء بصوته لصالح من يختارهم ممثلين و نواب عنه[11].

     وتكمن أهمية الانتخاب كأحد الحقوق السياسية في أنه يعتبر قاعدة النظام الديمقراطي وهو الوسيلة التي تمكن من اختيار الحكام بصورة ديمقراطية، كما أنه أداة من أدوات ممارسة السلطة و المراقبة التي يمارسها الشعب على مؤسسات الدولة لاسيما التداولية منها[12].

  1. حق الترشح

     يعد الترشح من أعلى مستويات المشاركة السياسية، فهو المشاركة في صنع القرار السياسي في الدولة والمساهمة في الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وهذا كله لا يتأتى إلا عن طريق الانتخاب والترشح للانتخابات الرئاسية أو البرلمانية[13].

     لقد كفلت المواثيق العالمية والإقليمية لحقوق الإنسان حق الترشح وكرسته كل دساتير الدول كأحد الحقوق السياسية التي يتمتع بها المواطنون دون الأجانب، و هو ما تؤكده المادة 87 من القانون رقم 16-01 المتضمن التعديل الدستوري والتي نصت وأكدت على أحقية كل مواطن تتوافر فيه الشروط القانونية الترشح لرئاسة الجمهورية،  بالإضافة إلى حق كل مواطن تتوافر فيه الشروط القانونية أن ينتخب وينتخب.

  1. حق تولي الوظائف العامة

   وهو حق الفرد في أن يكون مكلفا بوظيفة عامة أي بعمل يجعله جزءا من إدارة الدولة لمباشرة وظيفتها وظيفة مدنية أو عسكرية.

    كما أكدت الدساتير على مساواة المواطنين في هذا الحق  وبشروط يفرضها القانون، حيث نصت المادة 63 من القانون المذكور سابقا على ما يلي : " يتساوى جميع المواطنين في تقلد المهام والوظائف في الدولة دون أية شروط أخرى غير الشروط التي حددها القانون "[14].

     وعليه تحرص الأنظمة الديمقراطية على تحقيق مبدأ المساواة أمام الوظائف العامة باعتبارها أحد الحقوق السياسية, ولا تمييز بين المواطنين إلا من حيث المؤهلات والشروط المطلوبة قانونا لشغل الوظيفة[15].

ثالثا : خصائص الحقوق السياسية

     تتميز المشاركة السياسية التي تهدف إلى تمكين الأفراد من المساهمة في إدارة شؤون البلاد بمجموعة مميزات خاصة تجعلها تختلف عن غيرها من المشاركات,  ومن أهم هذه الخصائص:

  1.  تقتصر المشاركة السياسية على المواطنين دون الأجانب، لأن هذه الحقوق تتعلق بإدارة شؤون دولة ما فكان لزاما حجبها على الأجانب، كما أنها لا تثبت لجميع المواطنين بل لا بد من اجتماع كل الشروط الخاصة التي يفرضها القانون كالسن مثلا[16].
  2.  تكون المشاركة السياسية اختيارية وبالإرادة الحرة ناتجة عن رغبة المواطن قي المساهمة في الحياة السياسية، و يتم هذا من خلال جمعيات ومؤسسات يكون الانضمام إليها متاحا للجميع رجالا و نساء.
  3.  المشاركة السياسية وسيلة من وسائل الاطمئنان الجماعي والاستقرار السياسي في المجتمع، فمشاركة الرجل أو المرأة في تقرير السياسات وصنع القرار السياسي من شانها أن تكفل الحياة الآمنة.
  4.  المشاركة السياسية تعطي للإنسان حق تقديم المساندة السياسية للعمل السياسي والقادة السياسيين[17].

وبعد أن تطرقنا لمفهوم المشاركة السياسية للمرأة بنوع من التفصيل، ننتقل إلى تكريس الحقوق السياسية للمرأة ومعوقات تفعيلها  وذلكم هو موضوع المحور الثاني الموالي .

 

المحور الثاني:  تكريس الحقوق السياسية للمرأة ومعوقات تفعيلها

    يعد مبدأ المساواة من أهم المبادئ الدستورية الأساسية التي تستند عليه جميع الحقوق والحريات الأساسية في الوقت الراهن بما فيها الحقوق السياسية،  ودليل ذلك واضح في الدستور الجزائري حيث ساوى المؤسس الدستوري بين الرجل والمرأة في ممارسة الحقوق السياسية واعترف لها بكل الحقوق السياسية المكرسة في إعلانات الحقوق والمواثيق الدولية[18]، وفي هذا الصدد ذهب الفقهاء إلى أن المساواة هي توأم الحرية و بدونها تصبح ممارسة الحقوق خاصة السياسة منها نوعا من العبث، فلا حرية بلا مساواة[19].

    هذه التوطئة تخلق أمامنا فرصة معرفة كيفية تكريس حق المرأة في المشاركة السياسية دستوريا (أولا)، ثم التكريس الدولي للحقوق السياسية للمرأة (ثانيا)، لنختم المحور بأهم العقبات التي تحول دون تفعيل دور المرأة في الحياة العامة (ثالثا).

أولا: دسترة الحقوق السياسية للمرأة (تكريسها دستوريا)

    تعتبر الحقوق السياسية أم الحقوق التي ينعم بها الإنسان كونها تعكس النظام السياسي لأي مجتمع من المجتمعات، و بدون ممارسة المواطنين لمثل هذه الحقوق تصبح كمنحة من الحاكم يستردها متى شاء، ولذلك سعت الدول إلى تكريسها في دساتيرها.

    وعليه, يتمتع الأفراد بالحقوق السياسية بناءا على رغبة المؤسس الدستوري، ذلك أن هذه الحقوق نقطة ارتكاز للممارسة الفعلية لكافة الحقوق والحريات الأخرى – كما سبق الإشارة إليه-  فهي مرتبطة أشد الارتباط بالدستور ولا يخلو دستور من النص على الاعتراف بها لمواطنيه  ومواطناته وعلى ضرورة حمايتها[20] .

    ومما تجدر الإشارة إليه أن طبيعة الحقوق السياسية يغلب عليها وصف التكليف وكذا الكفاءة في ممارسة الحق السياسي, بمعنى توافر قدرات خاصة و مهارات فردية لدى الفرد عند ممارسة هذا الحق وذلك حتى يتسنى له تأديته على الوجه المطلوب و بكل ما تقتضيه الأعمال السياسية، و هذا المعيار لا تختلف فيه المرأة عن الرجل فكل الحقوق الممنوحة لها في إطار العمل السياسي يلزمها (المرأة) أن تكون عندها من الكفاءة ما يجعلها قادرة على أداء ما يوكل إليها من مهام، و إذا لم توجد مثل هذه الكفاءة المطلوبة  فلا يكون لها حق ممارسة العمل السياسي[21]

    تبعا لذلك اعترف المؤسس الدستوري للمرأة بكل الحقوق السياسية إبتداءا من دستور 63 إلى التعديل الدستوري لسنة 1996, وحرصا على ترقية الحقوق السياسية للمرأة أضاف مادة تكرس هذا الحق في صلب الوثيقة الدستورية في تعديل 2008 التي تنص على توسيع حظوظها في المجالس المنتخبة [22], وهي نفس الصياغة التي جاءت بها المادة 35 من القانون 16-01, وكل هذا لم يأت سوى ليقرر المساواة بين الرجل والمرأة وكذا ترقية كل إمرأة ومنحها حوافز تمكنها دخول غمار الحياة السياسية, وما يؤكد ذلك نص المادة 34 من آخر تعديل دستوري التي جاء فيها: " تستهدف المؤسسات ضمان مساواة كل المواطنين والمواطنات في الحقوق والواجبات بإزالة العقبات التي تعوق تفتح شخصية الإنسان, وتحول دون مشاركة الجميع الفعلية في الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية, والثقافية".

    كما وتشجع الدولة ترقية المرأة في مناصب المسؤولية في الهيئات والإدارات العمومية…….. وكذا ترقية التناصف بين الرجال والنساء في سوق التشغيل[23], كما وتضمنت المادة 38 من نفس الدستور الساري المفعول:" الحريات الأساسية وحقوق الإنسان والمواطن مضمونة. وتكون تراثا مشتركا بين جميع الجزائريين والجزائريات,…….".

    إذن, لقد كفل الدستور الجزائري وأكد على حق المرأة في المشاركة السياسية من خلال الاعتراف لها صراحة بهذا الحق والنص عليه وتكريسه في الوثيقة الدستورية باعتبارها القاعدة القانونية الأسمى, وكذا ضمان الممارسة الفعلية لها كحماية قانونية وليست فلسفية تتقيد فيها جميع السلطات بنصوص الدستور. فما موقف فقهاء القانون من الحقوق السياسية للمرأة؟

    لقد كانت الحقوق السياسية مقررة للرجال فقط لكن سرعان ما حسمت الدول الديمقراطية الغربية خاصة المساواة بين الرجل والمرأة, بينما اختلف الوضع في بلاد الشرق الذين لم يسلموا و يعترفوا بها فانقسم  فقهاء القانون إلى مؤيد ومعارض[24].

 الرأي الأول: عدم منح المرأة الحقوق السياسية

    تغلب على أصحاب هذا الرأي النزعة أو الرؤية القديمة, فالمرأة حسبهم ليست أهلا لممارسة الحقوق السياسية, كما يرون أيضا أن المرأة ما لها سوى المكوث في البيت, لا تخرج ولا تعمل ولا تساهم في أي نشاط نافع يخدم المجتمع, حتى أن بعضهم يرى أن المرأة الصالحة هي التي لا تخرج إلا مرتين مرة من بيت أبيها إلى بيت زوجها ومرة ثانية من بيت زوجها إلى قبرها[25], مستندين في ذلك على مايلي:

  1.  أن حقل المرأة هو المنزل باعتباره أكثر إفادة للمجتمع وليس الحقل السياسي الذي يرهقها بأعمال شاقة.
  2.  أن المرأة لا تؤدي الخدمة العسكرية والتي هي ضريبة الدم والحق السياسي هو لهذه الضريبة, ومن الإجحاف مساواتها بالرجل.
  3.  أن المساواة بين الرجل والمرأة هي مساواة نسبية وليست مطلقة, حيث أنها لا تعني أن كل ما يتمتع به الرجل من حقوق يجب أن تتمتع به المرأة[26].

الرأي الثاني: منح المرأة الحقوق السياسية

     يتعين حسب هذا الرأي منح المرأة كافة الحقوق التي تكفل لها ممارسة الحق السياسي, ومن ثم فإن لها حق التصويت والترشح, كما أن لها حق مراقبة أعمال الدولة التي هي نوع من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في الشريعة الإسلامية[27], لقوله تعالى:" والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر"[28].

     استند أصحاب هذا الرأي إلى أدلة واقعية وقانونية وعقلية:

  1.  أن الدساتير لم تمنع المرأة من هذه الحقوق لا سيما حق الانتخاب, وأن العدالة تقتضي مساواة الرجل بالمرأة.
  2.  أن المبدأ الديمقراطي يتطلب تمتع كل شخص بجزء من السلطة السياسية, وما المرأة سوى مخلوق آدمي عاقل وهي جزء لا يتجزأ من الأمة ومن تم وجوب استشارتها.
  3.  أن الشريعة الإسلامية أكدت على مبدأ المساواة بين الرجل والمرأة [29]: يساوي القانون الإسلامي بين الذكر والأنثى في كل الأمور إلا موارد خاصة استثنائية قطيعة تتعلق بالفروق العمرية, الحالة العضوية والنفسية والتي لا سبيل لإنكارها.

      تختلف النظرة القرآنية إلى المرأة عن نظرة الكتب السماوية الأخرى, فالكتب الأخرى تميز الرجل عن المرأة من حيث التكوين وغيره في حين لا يرى القرآن فرقا بين الرجل والمرأة على كافة الأصعدة إلا تلك الاختلافات التي تتعلق بالجوانب العضوية والنفسية.

      كما أن المتتبع لآيات القرآن الكريم يرى أن هذا الأخير لم يكن قد ميز من حيث التكوين بين الرجل والمرأة فقد ورد في القرآن قوله تعالى:" يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها"[30], وقوله:" إن المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات والقانتين والقانتات والصادقين والصادقات والصابرين والصابرات والخاشعين والخاشعات….."[31], وقوله تعالى: " يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل.."[32].

  1.  تبث بالتجربة العملية أن المرأة أبلت بلاءا حسنا في الأعمال التي قامت بها حين تولت الوظائف العامة وحين صوتت وحين تم ترشيحها.

      إذا كان من المقرر أن الكفاءة هي الأساس في التمتع بالحق السياسي وهي معيار موضوعي يحقق المقصود من تقرير الحق, ويقصد بالكفاءة وجود قدرات خاصة ومهارات مميزة لدى الفرد تجعله أهلا لممارسة الحق السياسي وتمكنه من أداء متطلباته على النحو المطلوب, ومن تم لا يجوز تمييز الرجل على المرأة في ممارسة الحق السياسي متى ثبتت لها الكفاءة المطلوبة ومن تم لا معنى من عدم منحها أو حرمانها من حق ممارسة العمل العام والسياسي[33].

ثانيا: التكريس الدولي للحقوق السياسية للمرأة

    تدعو المواثيق الدولية الحكومات  والمنظمات لاتخاذ جميع الإجراءات لتحقيق مشاركة المرأة في كافة الأنشطة السياسية, والدعوة إلى تمثيلها تمثيلا مساويا للرجل في المجالس والهيئات وتولي جميع المناصب[34].

    تعتبر الاتفاقية الدولية الخاصة بالحقوق السياسية للمرأة أول اتفاقية على نطاق عالمي, تتعهد فيها الدول الأطراف بالتزام قانوني يتصل بممارسة مواطنيها للحقوق السياسية, وأول مرة يطبق فيها مبدأ المساواة بين الرجل والمرأة الوارد بالمواثيق الدولية, إذ تضمن الإعلان العالمي لحقوق الإنسان لسنة 1948 في مواده الأولى ما يؤكد حق كل إنسان في التمتع بكافة الحقوق والحريات دون تمييز ودون أية تفرقة بين الرجال والنساء.

    ونتيجة لذلك صدرت عن الأمم المتحدة الاتفاقية الدولية الخاصة بالحقوق السياسية للمرأة بتاريخ 20 ديسمبر 1952 ودخلت حيز التنفيذ في 07 جويلية 1954 والتي نصت على حق النساء في التصويت في جميع الانتخابات بعد ما كان حكرا على الرجل وحده لمدة طويلة وذلك على قدم المساواة مع الرجال, كما يجوز لها أن تنتخب وتترشح لكل الانتخابات المقررة في الدول وأن تتولى الوظائف العامة بها[35].

    لقد تضمنت الاتفاقية 11 مادة تكفل في مجموعها ثلاثة مبادئ:

  1.  كفالة حق الاقتراع للمرأة في جميع الانتخابات على قدم المساواة مع الرجل, وعبرت عن هذا المبدأ المادة الأولى من الاتفاقية التي تنص على مايلي:" للنساء حق التصويت في جميع الانتخابات بشروط تساوي بينهم وبين الرجال دون أي تمييز".
  2.  منح المرأة حق الترشح لجميع الهيئات المنتخبة انتخابا عاما, ترجمته المادة الثانية التي تنص كالتالي:" للنساء الأهلية أن ينتخبن في جميع الهيئات المنتخبة للاقتراع العام المنشأ بمقتضى التشريع الوطني بشروط تساوي بينهم وبين الرجال دون أي تمييز".
  3.  تأمين حق النساء في تقلد المناصب العامة, ومباشرة جميع الوظائف التي تنص عليها القوانين الوطنية, وهو ما جسدته المادة الثالثة التي جاء فيها:" للنساء أهلية تقلد المناصب العامة وممارسة جميع الوظائف العامة المنشأة بمقتضى التشريع الوطني بشروط تساوي بينهم وبين الرجال دون تمييز".

     وللقضاء على مظاهر التمييز بين الرجال والنساء خاصة في ممارسة الحقوق السياسية صدر عن الأمم المتحدة في 07 نوفمبر 1967 إعلان القضاء على التمييز ضد المرأة, حيث جاء في المادة الرابعة منه ضرورة اتخاذ كافة التدابير لمساواة المرأة مع الرجل في حق الاقتراع في جميع الانتخابات والترشح لجميع المناصب.

      كما ونصت المادة السابعة على أن:" تتخذ الدول الأطراف جميع التدابير المناسبة والقضاء على التمييز ضد المرأة في الحياة السياسية والعامة و بوجه خاص يكفل المرأة على قدم المساواة مع الرجل الحق في الآتي:

  • التصويت في جميع الانتخابات والاستفتاءات العامة.
  • المشاركة في صياغة سياسة الحكومة  وتنفيذها وشغل الوظائف العامة وتأدية جميع المهام العامة على المستويات الحكومية.
  • المشاركة في جميع المنظمات والجمعيات الحكومية التي تعنى بالحياة العامة والسياسية للبلد"[36].

       إن القول بعملية المساواة بين المرأة والرجل في حق المشاركة السياسية لا تزال تطرح بحذر, ولهذه الاعتبارات حاولنا تسليط الضوء حول العقبات التي تحول دون تفعيل المشاركة السياسية للمرأة وذلكم موضوع الفقرة الثالثة الآتية.

ثالثا: معوقات تفعيل دور المرأة في الحياة العامة

       تمثل المرأة نصف المجتمع, ومن ثم لا يمكن إغفال دورها, وأنه يتعين البحث عن عقبات ومعوقات مشاركتها في بنائه سياسيا قصد إزالتها وإفساح الطريق أمامها لتلعب دورها على أكمل وجه[37], على اعتبار أن هذه الحواجز والعقبات الكثيرة تحول دون مشاركة المرأة في العملية السياسية وعدم تواجدها بالحد المطلوب مما يؤثر في مواقع صنع القرار[38], فلماذا تهمش  المرأة سياسيا؟

  1.  الجواب الطبيعي والواقعي الذي لا يختلف فيه اثنان هو أنه:" وليس الذكر كالأنثى"[39] ولا الأنثى كالذكر وهي حقيقة  لا يمكن إنكارها لا عقلا ولا كيانا ولا طبعا وخلقة وجود فوارق طبيعية خلقية وبدنية وهرمونية وعناصر حيوية, وكل هذا له آثاره في نطاق عملها[40], وقوله تعالى:" وقرن في بيوتكن ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى" [41]وقوله صلى الله عليه وسلم:" لن يفلح قوم ولوا أمرهم إمرأة".
  2.  سيادة المفاهيم البالية المعادية لحقوق المرأة وعدم تقبل المجتمع لعمل المرأة.
  3.  عدم وعي المرأة نفسها لأهمية مشاركتها في العمل السياسي.
  4.  عدم دعم حملتها الانتخابية بالقدر اللازم, والخوف من عدم تحقيق النتائج المطلوبة[42].
  5.  تصاعد الحركات الإرهابية المناهضة لحقوق المرأة مما يحرمها من ممارسة الحياة السياسية وصنع القرار إذ تتعرض البعض من الناشطات إلى التهديد أو القتل.
  6.  انتشار ظاهرة الاتجار بالنساء من الدول الفقيرة إلى الدول المتقدمة واستعباد المرأة[43].

خاتمة

     وفي ختام هذه المداخلة يجب التنويه إلى أن المرأة نصف المجتمع, فهي الأم والأخت والزوجة مما يتعين معه تمكينها والنهوض بها وتنمية مشاركتها في كافة جوانب المجتمع بما في ذلك تقوية دورها وتعزيز مكانتها أكثر وأكثر في الحياة السياسية.

     إن اعتراف الدساتير وكذا المواثيق والاتفاقيات الدولية للمرأة بحق المشاركة السياسية لم يكن من العدم, بل أتى نتيجة الاضطهاد الذي عاشته المرأة وكذا أشكال التمييز التي همشتها واستصغرت  قدرتها في دخول غمار الحياة السياسية, وهذا كله جعلها تثبت- وتعقد العزم – جدارتها واستحقاقها لمثل هذه الحياة وكسر كافة الحواجز التي كانت حكرا على الرجل.

     إن جدارة وكفاءة المرأة في الميدان السياسي كللت بتتويج من المؤسس الدستوري- ناهيك عن الاتفاقيات والمعاهدات الدولية-  الذي نص على حقها في المشاركة السياسية في صلب الوثيقة الدستورية باعتبارها أسمى قاعدة قانونية تقع في قمة الهرم التشريعي, إذ من غير الممكن كفالة حق المرأة والعمل على تنمية دورها وتعظيم مكانتها في الحقل السياسي قوليا, وإنما بموجب نصوص تخصها بالحماية الممكنة لضمان ممارسته الفعلية.

      ومن خلال هذه الدراسة لا يفوتنا أن نوصي بضرورة إبراز الوجه الإيجابي للشريعة الإسلامية التي تؤكد على مبدأ المساواة والبعد عن مختلف التفسيرات الضيقة التي تقيد المرأة في ممارسة حقوقها السياسية, وكذا العمل على تغيير بعض التقاليد التي ما زالت تميز بين الإناث والتقليل من شأنها في المجتمع, وكذا العمل على تنمية وضعها السياسي إلى ماهو أحسن وأكثر مما هي عليه الآن.

الهوامش:

 

1. مدحت أحمد محمد يوسف غنايم, تفعيل دور المرأة في المشاركة السياسية –دراسة تأصيلية-, الطبعة الأولى, المركز القومي للإصدارات القانونية, القاهرة, 2014, ص.7-8.

. المرجع نفسه, ص.8-9-10-11.[2]

. المرجع نفسه, ص.14-16.[3]

. المرجع نفسه, ص.15.[4]

5. لوافي سعيد, الحماية الدستورية للحقوق السياسية في الجزائر, مذكرة ماجستير تخصص قانون دستوري, كلية الحقوق والعلوم السياسية, جامعة محمد خيضر بسكرة, 2009-2010, ص.6.

.6. زهير شكر, الوسيط في القانون الدستوري, الجزء الأول, الطبعة الثالثة, المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع, 1994, ص.145.

.7. محمد ابراهيم خيري الوكيل, دور القضاء الإداري والدستوري في إرساء مؤسسات المجتمع المدني, دار الفكر العربي, الطبعة الأولى, الإسكندرية, 2007, ص.116.[7]

. لوافي سعيد, الحماية الدستورية للحقوق السياسية في الجزائر, المرجع السابق, ص.9.[8]

. نبيلة عبد الحليم كامل, حرية تكوين الأحزاب السياسية, الطبعة الرابعة, دار النهضة العربية, مصر, 2003, ص.13.[9]

.10. القانون رقم 16-01 المؤرخ في 06 مارس 2016 يتضمن التعديل الدستوري, كما ونصت الدساتير السابقة على حق إنشاء الأحزاب السياسية بما فيها دستور 96 في مادته 42 بنفس الصياغة الواردة في المادة 52 من التعديل الحالي, وسميت جمعيات ذات طابع سياسي في دستور 89. [10]

. مدحت أحمد محمد يوسف غنايم, تفعيل دور المرأة في المشاركة السياسية, المرجع السابق, ص.27.[11]

. لوافي سعيد, الحماية الدستورية للحقوق السياسية في الجزائر, المرجع السابق, ص.11-12.[12]

. مدحت أحمد محمد يوسف, تفعيل دور المرأة في المشاركة السياسية, المرجع السابق, ص.29.[13]

. تقابلها المادة 42 من دستور 89 والمادة 51 من دستور 96 المؤرخ في 08 ديسمبر 1996 الجريدة الرسمية رقم 76.[14]

. لوافي سعيد, الحماية الدستورية للحقوق السياسية في الجزائر, المرجع السابق, ص.13.[15]

. المرجع نفسه, ص.8.[16]

. مدحت أحمد محمد يوسف غنايم, تفعيل دور المرأة في المشاركة السياسية, المرجع السابق, ص.33-34.[17]

. عبد الغني بسيوني عبد الله, النظم السياسية, دار الجامعة للطباعة والنشر, ص.370.[18]

. مدحت أحمد محمد يوسف, تفعيل دور المرأة في المشاركة السياسية, نفس المرجع السابق, ص.66.[19]

. لوافي سعيد, الحماية الدستورية للحقوق السياسية في الجزائر, نفس المرجع السابق, ص.2-3.[20]

. مدحت أحمد محمد يوسف غنايم, تفعيل دور المرأة في المشاركة السياسية, المرجع السابق, ص.51-52.[21]

. المادة 31 مكرر من دستور 96 المعدل والمتمم بالقانون 08-19 المؤرخ في 16 نوفمبر 2008, الجريدة الرسمية رقم 63. [22]

. انظر المادة 36 من القانون رقم 16-01 المذكور سابقا. [23]

. مدحت أحمد محمد يوسف غنايم, تفعيل دور المرأة في المشاركة السياسية, المرجع السابق, ص.53.[24]

. المرجع نفسه, ص.54.[25]

. المرجع نفسه, ص.55-56.[26]

.27. يوسف حسن يوسف, حقوق المرأة في القانون الدولي والشريعة, الطبعة الأولى, المركز القومي للإصدارات القانونية, القاهرة, 2013, ص.16.[27]

. سورة التوبة الآية: 71.[28]

. مدحت أحمد محمد يوسف غنايم, تفعيل دور المرأة في المشاركة السياسية, المرجع السابق, ص.59-60.[29]

. سورة النساء الآية: 01.[30]

. سورة الأحزاب الآية: 35.[31]

. سورة الحجرات الآية: 13.[32]

. مدحت أحمد محمد يوسف غنايم, تفعيل دور المرأة في المشاركة السياسية, المرجع السابق, ص.63.[33]

. يوسف حسن يوسف, حقوق المرأة في القانون الدولي والشريعة, المرجع السابق, ص.15.[34]

. لوافي سعيد, الحماية الدستورية للحقوقق السياسية في الجزائر, المرجع السابق, ص. 66.[35]

. المرجع نفسه, ص.66-67.[36]

. مدحت أحمد محمد يوسف, تفعيل دور المرأة في المشاركة السياسية, المرجع السابق, ص.12.[37]

. يوسف حسن يوسف, حقوق المرأة في القانون الدولي والشريعة, المرجع السابق, ص.48.[38]

. سورة آل عمران الآية: 36.[39]

.40. علي محي الدين القره داغي, المرأة والمشاركة السياسية والديمقراطية – دراسة في الفقه والفكر السياسي الإسلامي-, دورة 16 للمجلس الأول للإفتاء والنحو, اسطنبول, جويلية 2006, ص.22.[40]

. سورة الأحزاب الآية: 33.[41]

. يوسف حسن يوسف, حقوق المرأة في القانون الدولي والشريعة, المرجع السابق, ص.50.[42]

. مدحت أحمد محمد يوسف, تفعيل دور المرأة في المشاركة السياسية, المرجع السابق, ص.442-443.[43]

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

التخطي إلى شريط الأدوات