تنمية رأس المــال الــبشـري بتمكينه عبر مقومات : المعرفة المتجددة – المــبــادرة – روح الفريق

 

الباحثة/ الكاتبة: جميلة مرابط

 

تنمية رأس المــال الــبشـري بتمكينه عبر مقومات :

المعرفة المتجددة – المــبــادرة – روح الفريق

 

الــــمــــلــــخـــص

يبدو أن عوامل النجاح والتميز التقليدية قد تغيرت وما زالت تتغير، فلم تعدّ الموارد الطبيعية هي العوامل الضرورية للنجاح، فقد أصبحنا أمام معطى يعرف بالرأس المال المعرفي والفكري لدى العنصر البشري. ذلك أن العنصر البشري هو مصدر الأفكار والأداة الرئيسة في تحويل التحديات والمعوقات إلى فرص وقدرات تنافسية؛ وذلك باستثمار فاعليته وطاقاته الذهنية ومعارفه التي تمثل الثروة الحقيقية التي تمتلكها المؤسسات، وتفوق قيمتها أي أصول أخرى .

ويتلخص المنطق الأساسي لإدارة الموارد البشرية الجديدة في ضرورة تجاوز مبادئ التقليدية في إدارة المؤسسات التي بنيت على أساس التنظيم الإغراء المادي القاتل للإنسان، عبر ما يعرف بفلسفة أو بفكر العلاقات الإنسانية بإظهار الاهتمام للفرد كعنصر أساسي واستثمار قدراته وطاقاته، بتوظيفها في مجالات العمل المناسبة له.

كلمات المفتاح

فلسفة إدارة الموارد البشرية– تمكين الموظف الإداري – عامل المعرفة

 

مــــــــــــــــــــــــــــقــــــــــــــدمــــــــــــة :

 

إن القضايا المتعلقة بالبعد البشري كثيرة جدا، وإدارة الموارد البشرية موضوع معروف ومطروق إليه في كتب الإدارة بأشكال كثيرة متعددة، تجمع في مجملها على أهمية وتطوير الإمكانيات والتدريب والمحافظة على الموظفين وإعطائهم الحوافز والمكافآت المادية والمعنوية، إلى غير ذلك من أساليب التحفيز وتطوير الأداء للوصول إلى إمكانية وضع الرجل المناسب في المكان المناسب.

وفي هذا الإطار، خلصت إحدى الدراسات التي شملت 132 بلدا إلى أن رأس المال البشري والاجتماعي يساهم بما لا يقل عن 64% من أداء النمو، أما رأس المال المادي(آلات ومبان وبنى أساسية) فنسبته 16%، في حين يساهم رأس المال الطبيعي بالنسبة المتبقية أي في حدود%20. لهذا نجد غالبية الأبحاث التنموية تنص على ضرورة العمل على تقوية العنصر البشري بتعزيز قدراته المعرفية ومهاراته الذهنية التي تؤهله للمشاركة الإيجابية الفعالة في مختلف أنشطة وفعاليات الحياة إلى أقصى حد.

واسترشادا بالتطلعات العالمية من خلال آخر تقرير صادر عن البرنامج الأممي الإنمائي(PNUD) 2016 أكد بأن نهج التنمية البشرية أوسع من نهج أخرى، فهي للبشر إذ تحسن حياتهم وهي من البشر إذ يشاركون بفعالية في كل ما يكون حياتهم وهذا المبدأ من ركائز خطة عام 2030 التي أقرتها الدول الأعضاء في الأمم المتحدة وعددها 193 دولة في العام الماضي.

وتماشيا مع التوجهات الدولية، نجد نص الخطاب السامي الذي وجهه صاحب الجلالة الملك محمد السادس ، نصره الله، يوم السبت 29 يوليوز 2017، بمناسبة الذكرى الثامنة عشرة لتربع جلالته على عرش أسلافه المنعمين يسير في نفس الاتجاه حيث جاء فيه “…إلا أن ما نعمل على تحقيقه اليوم، في جميع جهات المغرب، هو مسيرتك الجديدة. مسيرة التنمية البشرية والاجتماعية والمساواة والعدالة الاجتماعية، التي تهم جميع المغاربة…”

لذا لا بد من بدل الكثير من الجهد في بناء الظروف والمقدمات المناسبة لتحقيق الأهداف المطلوبة، من خلال التركيز على الأفراد بتمكينهم من المهارات المعرفية والعلمية لتجعلهم قادرين على القيام بالعمل المطلوب منهم بأسلوب مناسب. منطقيا المعرفة والمهارة تخدم وبشكل كبير تطور المجتمع بما فيه من مؤسسات، خاصة الإدارات العمومية التي تعرف نوعا من الركود والجمود وضعف في جودة الخدمات وهو الحال الذي وصفه جلالة الملك في خطابه عندما عبر بقوله” إن من بين المشاكل التي تعيق تقدم المغرب، هو ضعف الإدارة العمومية، سواء من حيث الحكامة ، أو مستوى النجاعة أو جودة الخدمات، التي تقدمها للمواطنين”.

بل والأكثر من هذا، عندما وصف جلالته وضعية وحالة العاملين في هذه الإدارات بــــــــــ” … أما الموظفون العموميون، فالعديد منهم لا يتوفرون على ما يكفي من الكفاءة، ولا على الطموح اللازم ، ولا تحركهم دائما روح المسؤولية… بل إن منهم من يقضون سوى أوقات معدودة ، داخل مقر العمل، ويفضلون الاكتفاء براتب شهري مضمون ، على قلته ، بدل الجد والاجتهاد والارتقاء الاجتماعي.”

إذن لا بد من التحول من التركيز على الوظيفة إلى التركيز على الموظف بما يحمل من معرفة، مما يؤكد أهمية ودور رأس المال البشري في فاعلية المؤسسة العمومية وينبغي أن يكون هو المحور الأساس لتركيز واهتمام أنظمة المؤسسة الإدارية.

والتركيز على الموظف لا يعني هنا التركيز على شخص الموظف بل على ما يحمل من طاقة كامنة وقدرات قابلة للتعلم واكتساب المعرفة؛ فالبداية من خلال بناء أفراد المعرفة في المؤسسة من أجل جذب الكفاءات والمواهب المناسبة، و معاملة هذه المواهب بطريقة غير تقليدية تسمح للعقل أن يفكر ويعمل بطريقته الخاصة مما يساعد على الإبداع لأن الإنسان بطبيعته طموح ومبادر.

وبهذه الطريقة ستتغير نظرة الفرد تجاه الإدارات العمومية، من مجرد مباراة للولوج والقبول إلى عالم يبحث عن التميز والتفرد.

 

 

هذا ما جعلني أن أتناول هذا المحور من خلال التطرق في البداية إلى فلسفة إدارة الموارد البشرية وتمكين العنصر البشري للارتقاء به إلى ما يعرف بموظف المعرفة، بينما أتناول في الشق الثاني من هذا المحور طرق خلق عنصر الإبداع وروح المبادرة، وكيفية بناء ثقافة التعاون وروح الفريق والالتزام في تحمل المسؤولية في السراء والضراء والعمل الجاد؛ معتمدة على:

إشـــــكـــــــالــــــيـــــة

يعد الجانب الإنساني وإدارة الموارد البشرية موضوعا من أهم الأمور التي تكاد تفوق أهميتها كل القضايا الأخرى المتعلقة بالمال والتكنولوجيا وغيرها من الأمور الملموسة، لأن الإنسان هو المسؤول الأول والأخير عن الفشل والنجاح أي مؤسسة من المؤسسات أو دولة من الدول. وبالتالي فإن إدارة العنصر البشري وكيفية التعامل معه في الوقت الحاضر تعدّ في غاية الأهمية خاصة أنه أهم مصدر لتحقيق التفوق والتميز.

وبما أن هذا العنصر أهم محرك من محركات التنمية والتطوير والتجديد في مختلف المؤسسات الاجتماعية والإدارية نتساءل عن مدى قدرة الإدارة المغربية في استخراج هذه الطاقات الإبداعية الكامنة لدى العاملين في مختلف مستويات، وأيضا عن كيفية توظيفها من جديد والاستفادة منها في تنمية جودة الخدمات.

 فـــــــــــرضـــــــيــــــــة

تكمن في الإنسان معالم غير ملموسة وعميقة يصعب معرفة كنهها، وهو بحر من المواقف والانطباعات والغرائز والدوافع التي لا ترى، وتصعب ملاحظتها وتحتاج إلى من يسبر أغوارها، وقبل ذلك تحتاج إلى من يقف ويقدر أهمية التعامل معها.

لهذا أفترض أن هذه الطاقات التي تشكل ميزة تنموية لا يمكن محاكاتها أو التوصل بسهولة إلى أسرارها إلا من خلال  تحرير الإنسان من القيود، وتشجيعه على المعرفة المتجددة، وتحفيزه على ممارسة روح المبادرة  والإبداع، ومنحه المزيد من حرية في أداء العمل ومشاركة أوسع في تحمل المسؤولية ووعي أكبر بمعنى العمل الذي يقوم به داخل مؤسسته ثم مجتمعه.

 

 

الــــمـــنــهــج الــمـــعــتـمد :

إن طبيعة هذا المحور يفرض علينا إتباع المنهج التحليلي لتوضيح سبل تمكين العنصر البشري وطرق تنمية قدراته المعرفية لإكسابه مقومات تؤهله لحمل المسؤولية وأيضا زرع روح المبادرة. كما استدعت الضرورة استخدام المنهج التاريخي لتحديد التطور التاريخي لفكر إدارة الموارد البشرية ومفهوم التمكين الإداري .

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

  1. الأصول المؤدية لتنمية العنصر البشري في المؤسسات العمومية:

إن متصفح كتب إدارة الموارد البشرية يجدها في الغالب تعود للكتابات الغربية  خاصة مع بداية القرن السابع عشر مع ظهور أفكار آدم سميث حول الكفاءة الإنتاجية، ومن تم بدأت الإدارة ونظرياتها تتبلور من خلال المدارس الكلاسيكية والسلوكية ثم النظريات الحديثة.

وكل ما يؤخذ عن هذه المدارس خاصة التقليدية أنها بنيت على استخدام العنصر البشري كآلة، لم تأخذ في الحسبان فكره الإبداعي. ذلك على اعتقاد منهم أن الموظفين أناس يكرهون العمل ويحاولون تجنبه وبالتالي فعلى المدراء اعتماد أسلوب الضغط وإجبارهم على العمل من واقع الرقابة ووضع العقوبات، بالتالي قتل روح المبادرة لدى الموظف والاكتفاء بإنجاز ما هو مطلوب والسعي فقط للاستقرار الوظيفي.

وبناءا على هذا الوضع ظهرت نظرية فلسفة إدارة الموارد البشرية، المؤيدة بشكل كبير لنظرية العلاقات الإنسانية وناقدة للفكر الإداري التقليدي، رائد هذه النظرية هو(دوغلاس ماكريغر).

ففلسفة تنمية العنصر البشري بالنسبة هذه المدرسة يعتمد بالدرجة الكبيرة على توفير بيئة مناسبة للعامل، ذلك أن الإنسان بطبيعته يحب العمل كحبه للراحة والاستجمام ومتى ما توفرت له البيئة والظروف المناسبة فإن الموظف سيسعى للعمل ولن يسعى لتجنبه .

كما يؤكد هذا الفكر أنه في ظل الظروف الاجتماعية والاقتصادية المناسبة سيسعى الفرد بمحض إرادته نحو الإنجاز وبالتالي يلتزم بتحقيق الأهداف بسبب المكافأة العائدة بعد تحقيقه، وفي ظل الظروف المناسبة أيضا فإن الإنسان يتعلم تحمل المسئولية بل ويسعى لها.

وبالتالي نتساءل هل البيئة الإدارية داخل المؤسسات المغربية بيئة مناسب لكي تعطينا هذا النوع من الموظفين؟ مع العلم، أن الواقع يعطينا صورة مخالفة تماما فرغم وجود ظروف مناسبة في بعض الإدارات والمؤسسات إلا أننا مازلنا نعاني وللأسف الشديد من سوء الأداء وضعف في جودة الخدمات، ومن هنا يتضح أن الأمر متعلق أيضا بقدرات الموظف نفسه وبالطرق المساعدة للتنقيب واستكشاف هذه المهارات.

 

 

وفي هذا الإطار نجد من التيارات التي تلح على ضرورة تأهيل العنصر البشري بتمكينه بمقومات كالمعرفة المتجددة وبث الثقة في النفس والعمل بروح الفريق في إطار التعاون والشراكة وخلق أنظمة التحفيز… وغيرها. فلا بأس أن نوضح وبإيجاز مفهوم تمكين العنصر البشري ومقوماته، قبل الانتقال للحديث عن البيئة تأهيلية المنشودة لتستوعب كل أساليب وبرامج المعدة لتنمية العنصر البشري.

  • – مفهوم تمكين للعنصر البشري:

تعني كلمة التمكين لغة: التقوية أو التعزيز، ولقد وردت هذه الكلمة في القرآن الكريم في أكثر من موقع، وفي عدة مناسبات، وخاصة في سورة الحج حيث يقول تعالى: )الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ( [الآية:41] وفي سورة يوسف عليه السلام حيث يقول تعالى: )وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَنْ نَشَاءُ وَلا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ ([الآية: 56]

أما اصطلاحا: له تفسيرات متباينة نتيجة لاختلاف في وجهات النظر حول هذا المفهوم المرتبط بالسلوك البشري وبالسلوك التنظيمي والسلوك الإداري وإدارة الموارد البشرية. فهذه الارتباطات المتعددة أدت إلى بروز تفسيرات متعددة لمساعدة علماء الإدارة للوصول إلى تحديد المفهوم وتعريفه بشكل يخدم الباحث والإداري على حد سواء بعد الوصول إلى رؤية مشتركة حول مفهوم التمكين؛ مفهوماً إدارياً معاصراً.

تاريخيا بدأ مفهوم التمكين المعاصر يتبلور في أدبيات الإدارة وفي ممارسة بعض المؤسسات في البيئة الغربية بعد التسعينات من القرن العشرين. فلم يظهر فكر التمكين بشكل مفاجئ، وإنما ظهر نتيجة تراكمية وتطّورية عبر ما يزيد عن مائة عام من التطور في الفكر الإداري بمفاهيمه المختلفة بشكل عام، وبالمفاهيم التي تتعلق بإدارة الموارد البشرية وإدارة العلاقات مع الإنسان داخل المؤسسة أو خارج المؤسسة.

 

 

 

 

وأغلبية الآراء تجمع على أن التمكين يتمحور حول “إعطاء الموظفين صلاحية، وحرية أكبر، في مجال الوظيفة المحددة التي يقوم بها حسب الوصف الخاص بتلك الوظيفة من ناحية، ومن ناحية أخرى تحرير الإنسان من القيود، وتشجيع الفرد، وتحفيزه، ومكافأته على ممارسة روح المبادرة، والإبداع”.

يتضح مما سبق أن التمكين يشبه إلى حد ما ملكية الموظف للوظيفة التي يقوم بها، والمالك عادة يتحمل المخاطر ونتائج تلك المخاطر، وميزة هذا الأسلوب لا يقتصر تمكين الموظف على حصوله على منافع ومكاسب فحسب، بل هناك جوانب تتمثل في المشاركة بالمخاطر سواء أكانت نتائج تحمل المخاطر إيجابيا أم سلبيا فلا بد من المشاركة في الجانبين.

لذلك قد لا يكون مشروع التمكين مناسبا لكل الناس لأن بعض الناس لا يحبون المشاركة في المخاطر وتحمل تبعات المسؤولية خوفا من المساءلة في حالة النتائج غير المُرضية. فيرغب بأن تحدد له كل الأمور وكل المهام دون أن يكون له أي دور في تحديد النتائج أو سير العمل؛ خوفا من تحمل المسؤولية والمساءلة ورغبة في الأمان واستقرار النتائج. وهذه بالضبط الفئة التي أشار إليها جلالة الملك في خطابه السامي بقوله: “… إن منهم من يقضون سوى أوقات معدودة، داخل مقر العمل، ويفضلون الاكتفاء براتب شهري مضمون، على قلته، بدل الجد والاجتهاد والارتقاء الاجتماعي.”

لذا فالجزء المهم في أسلوب التمكين، المشاركة في المخاطرة وتحمل تبعات المسؤولية بالنسبة للموظف تؤدي إلى زيادة حرص الموظف على: تجنب الأخطاء، وتجنب التكاليف، وتجنب النتائج التي قد يكون لها أثر سيء بالنسبة للمنظمة. فمثلما أنه سيكافأ على النتائج الجيدة فلا بد أن يساءل عن النتائج السلبية، مما يؤدي إلى أن يبذل كل جهد ممكن لتجنب تلك النتائج. وبالتالي التمكين ليس بمجرد تفويض صلاحيات أو مسؤوليات، بل يتطلب ضرورة وجود الموظف صاحب القدرة والاستعداد المسبق، ومن يتحلى بروح المبادرة والاستقلالية. فما هي هذه المقومات ؟

  • – مقومات التمكين للعنصر البشري:

إن فلسفة التمكين وسياستها لا تصح إلا من خلال تأهيل العنصر البشري وتزويده بمقومات المعرفة واكتساب مهارة الإبداع المؤدية للمبادرة والشراكة بين الإدارة مثلا والموظف والمواطن، والأهم من هذا كله

 

 

أن هذه المقومات يلزمها جو يسود فيه الثقة، لأن الثقة كما يقول (فرانسيس فوكوياما) ” هي أهم رأس مال اجتماعي وأن العجز في رأس المال هذا، “الثقة” يعد أخطر من العجز في ميزان مدفوعات الدول”.

أما المقوم الثاني التعلم والتعليم والمعرفة مفاهيم ومصطلحات مترابطة ومتكاملة، فاكتساب المعرفة يتم من خلال وسيلة التعلم التي تساهم في تكوين عامل المعرفة الذي يتمتع بالمهارة والمعرفة والقدرة على النهوض بالمؤسسة التي يعمل بها. والتعليم في حقيقته نشاط هام وأساسي لأي مؤسسة ترغب في التطوير المستمر والتجديد الدائم، والتعليم الإداري من المواضيع التي تأخذ حيزا هاما من دراسات الإدارة والتنظيم فالتعلم بحسب علماء النفس هو ” تعديل مستمر للسلوك من خلال الخبرة

أما المعرفة المتجددة لذا العامل تؤدي إلى تراكم الخبرات وتبادل المهارات، خاصة في زمن أضحى فيه التغيير والتجديد سمة ملازمة للمؤسسات وأصبحت التكنولوجيا واستخدامها متجدد بشكل مدهش، كل هذا يتطلب أن تكون المعرفة وصاحبها هما النواة الأساسية التي يقوم عليها بناء المؤسسة.

وعامل المعرفة تبرز أهمية بالدرجة الأولى عند الانتقاء، لأن إدارة الموارد البشرية هي سلسلة من العمليات المصيرية التي تبدأ بأهم حلقة في هذه السلسة وهي الانتقاء التي قد تعدّ الخطوة الأساسية والقاعدة المفصلية لبقية أدوات وعناصر الموارد البشرية التي تتعلق: بالتهيئة والتدريب وتطوير الأداء وفهم قيم المؤسسة والتناغم مع النسيج الاجتماعي لبقية أفراد المؤسسة، بحيث تقوم الإدارة بانتقاء موظفين بمواصفات تلتقي مع رؤية القيادة والقيم والثقافة السائدة.

وعامل المعرفة بعد إنتقائه يعرف جيدا ما لديه من طاقات كامنة، ويعرف أيضا ويدرك تماما ما لديه من أوجه قصور، ولكنه يعمل لتفعيل نقاط القوة واستخدامها في تفاعل مع محيطه المؤسسي بالتعرف على قدرات الآخرين، لأنه يتعامل ويتعاون معهم، فلا بد من معرفة ما لديهم وما يمكنهم تقديمه كمساهمة في العمل الجماعي المتكامل.

لنصل إلى المقوم الثالث هي عملية تكوين الفريق أساسه الاعتماد المتبادل التفاعلي وهدفه تحقيق القيمة المضافة في العمل مما ينجم عنه نتائج تضاعف قيمة النتائج التي تنجم عن الإنجاز الفردي المستقل.

والعمل ضمن إطار الفريق كما هو معروف نتجاوز، التفكير الرتيب الأحادي ذي النتائج المحددة، نحو الحدس والتفكير المتعدد، تبدأ بالمبادرة في طرح الأفكار والعمل على تجميعها وتنسيقها وتوحيدها لخلق إبداعات جديدة … أحب أن أشير أن العمل كفريق له عدة فوائد من أهمها:

  • تجديد المعرفة لدى العامل وتزويده بالمستجدات.
  • حمله على الاستعداد والبحث المسبق عن طريق إجراء أبحاث خاصة به قبل طرح تصوراته ضمن الفريق.
  • تقل نسبة الخوف من تحمل المسؤولية  مما يساهم على دفعه للمبادرة.
  • خلق وبطريقة غير مباشرة نوعا من منافسة بين أعضاء الفريق …

سأكتفي بهذا القدر لأن المجال لا يسمح للإطالة، عموما هناك العديد من الدراسات الغربية جد مفصلة لهذه المقومات، بل وأيضا تجد نماذج تطبيقية لمؤسسات عالمية يمكن الاسترشاد بها.

  1. تـصـــمــــيــــــم بــــيـــئة تـــــأهــــــيلية للــــعـــنـــصــر الــبشــــري

إن أي برنامج تنموي كيفما كانت شدة كفاءته وكيفما كانت الأساليب المستحدثة، يلزمه عنصرين أساسيين الوقت اللازم قبل قطف ثمار وحصد النتائج، بمعنى إعطاء الاهتمام الكافي للعنصر البشري سواء في حصوله على التكوين اللازم أو حتى في غرس معنى عدم وجود وقت ضائع.

والعنصر الثاني منحصر في تصميم وعاء/ مجال يمتاز بالاستمرارية يستوعب الإصلاحات اللازمة وعلى أي مستوى وفي أي فترة، ذلك أن المؤسسات الناجحة هي تلك التي تستخدم أنظمة إدارية متعددة لخلق بيئة عمل مشجعة وداعمة للتفكير الاستراتيجي على مستوى الأفراد والمسئولين. ذلك أن التفكير الاستراتيجي لا يرتبط بالوظائف فحسب بل بها وبالمؤسسة على حد سواء، مع تبني مبدأ تحمل المسؤولية في إتقان وجودة الأداء. أي أن يصبح مبدأ الإتقان في العمل وجودة الأداء مسؤولية الجميع وليست مسؤولية لجهة محددة.

وللإشارة فقط سأتناول هذا المحور في نقطتين وبإيجاز، متجاوزة الجانب المتعلق بنوعية القوانين المؤطرة للعنصر البشري( نظام الوظيفة العمومية) وأيضا القوانين والأنظمة المهيكلة للمؤسسات العمومية لأن المجال لا يسمح بذلك.

 

  • – عامل الوقت الكافي :

كما هو معروف أن كل الإدارات المغربية توجد داخلها لوائح داخلية مكتوبة تحدد وقت البدء والانصراف من العمل، هذا الانضباط في الوقت وخلال مراحل التكوين الفرد سيخلق لديه إلتزام بالمواعيد وأنه ليس هناك وقت ضائع.

أما فيما يخص وقت الاهتمام، الأمر هنا متعلق باستثمارات من نوع آخر، الاستثمار في الرأس مال البشري حتى يتهيأ للمهمة التي تنتظره، وذلك في فترة التدريب والتهيئة وتدفق المعلومات والمشاركة وتحمل الأعباء والمسؤوليات وغيرها من البرامج التي تحتاج إلى وقت؛ حتى أقرب الصورة أكثر لنأخذ المثال التالي: في الزراعة وفلاحة الأرض يحتاج المزارع إلى الصبر والمتابعة والمثابرة، فمن غير الممكن للمزارع على سبيل المثال أن يزرع أرضه بالأشجار أو بالمزروعات، ثم يتولى عنها دون رعايتها، ويأتي في العام الذي يليه يرجوا قطف الثمار، فعندما يأتي لا يجد ما يتوقعه من إنتاج، فيجد أن النبتة قد ماتت أو تكاد أن تموت، فيدرك بأن الحل هو في بذل كل جهد لرعايتها وسقايتها والصبر كل الصبر على النتائج التي لن يتحصل عليها إلا بعد فعل كل ما يمكنه للوصول إلى تلك النتائج.

  • – إيجاد بيئة تأهيلية للعمل :

تعرف بيئة العمل بأنها كل ما تتمتع به المنشاة من إمكانيات البشرية والمادية والمعنوية الموجودة داخل المنشاة والتي تتفاعل فيما بينها وتوظفها في تحقيق أهدافها.

ومحاولة إيجاد بيئة تأهيلية تنموية تتحقق من خلال مساهمة كل فرد من أفرادها بقدراتهم التفاعلية والتكاملية والإبداعية في بناء ثقافة التعاون وروح الفريق وروح المبادرة والالتزام في تحمل المسؤولية، فالإدارة نظام يتكامل ذاتيا ويتفاعل مع البيئة المحيطة، وأي نجاح تسعى إليه الإدارة في تحقيق أهدافها يتوقف على التجانس والتوافق بينها وبين المناخ المحيط.

فمثلا الاتصال والاحتكاك المستمر مع الآخرين وتشجيع كل صاحب قرار أن يقوم بنفس الدور، سيساهم في تعزيز ثقافة تحمل المسؤولية والمشاركة والولاء للعمل، وتصبح الرقابة على الأداء تكاد تكون ذاتية وتقوم بواسطة الزملاء؛  فمثل هذه البيئات تلفظ خارجها المتقاعسين والذين لا يرغبون بتحمل مسؤولياتهم على أكمل وجه، ولا ترحب بمن لا يبادر ولا يحاول تطوير نفسه وتعزيز قدراته على الرغم من أنها تحاول توفير كل ما يلزم لذلك.

اســــــتــــنــتــــاج:

يعود الفكر الإداري إلى أحقاب ضاربة في التاريخ، فصفة التدبير أي الإدارة هي حالة فطرية في الإنسان منذ أن أوجد الله سبحانه وتعالى آدم عليه السلام. بعد أن استخلفه الله في الأرض منحه قدرة على التخطيط والتنظيم والقيادة والرقابة والمتابعة والتنسيق وتوظيف الموارد، والعمران على خلاف بقية المخلوقات الأخرى.

فنحن في حاجة إلى الإرادة السياسية للاستثمار في القدرات البشرية والاستثمار في الإنسان واحترام عقله وقدراته ومحاولة بناء برامج ومشاريع تشجع الفرد على الإبداع والتمكين والتفكير المستقل، إذ يمكننا البدء بما نملك من موجودات عظيمة: إنسان فعال، مؤسسات ومباني جميلة، ومجتمع متعطش للخدمات، مناخ يركز على إطلاق طاقات الإنسان وإمكانياته الذاتية ويشجع على تقديم أفكار بحوار مفتوح وكشف للحقائق مما يساهم في إزالة الحواجز الثقة بين أفراد المجتمع، واستعداد الفرد للتعامل مع الآخرين معتقدا بكفاءتهم وأمانتهم وصدقهم واهتمامهم بمصلحته وعدم توقع إساءته؛ لأن الثقة في نهاية الأمر تنبثق من قناعة الفرد بأن هنالك من هو مهتم به، ويسأل عنه ويدعمه.

                                                                                      

الــهــــوامــــش :

  • القريوتي محمد: آراء المديرين من مستوى الإدارة الوسطى في الأردن بشأن العوامل المعززة للشعور بالتمكن دراسة ميدانية، أبحاث اليرموك 2004.
  • يحيى ملحم: التمكين مفهوم إداري معاصر، قسم إدارة الأعمال، جامعة اليرموك، الأردن 2007.
  • برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، تقرير التنمية البشرية لعام 2016نيويورك، الولايات المتحدة الأمريكية، عام 2016.

 

 

 

  • جميلة مرابط : ابستيمولوجيا التنمية جهاز فاحص لمنظومات التنمية”، مجلة آفاق البيئة والتنمية الصادرة عن المركز العمل التنموي العدد 83، أبريل 2016.

http://www.maan-ctr.org/magazine/author/36/جميلة-مرابط—المغرب

  • جميلة مرابط: الخــطـــاب المــلــكي جــســر لتعزيز الثقة والتعاون وتأصيل جودة الأداء، جريدة القمم الإلكترونية، على الموقع التالي :

http://quimam.com/2017/09/17/الخــطـــاب-المــلــكي-جــســر-لتعز

 

  • Senge :the fifth discipline, london: random house, (1990)
  • Hart, P. & Saunders, C. (1997), Power and trust: Critical factors in the adoption and

use of electronic data interchange, Organization Science, 8 (1), 23-42., Mayer, R. C., Davis, S. H., and Schoorman, F. D. (1995), An Integrative Model Organizational Trust, Academy of Management Review, 20, 709-734.

  • Rotter, J. (1966), Generalized Expectancies for Internal Versus External Control of Reinforcement, Psychological Monographs 80, no.906.
  • Fukuyama, F.(1995), Trust: The Social Virtues and the Creation of Prosperity, London: Hamish Hamilton.
  • Drucker, P, (1999) Mgt Challenges for the 21st century, Harper Collins.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

التخطي إلى شريط الأدوات