حق المستهلك في الرجوع في قطاع الخدمات السياحية

 

83a02c4c-200d-4a04-9f77-dc83fad4b22f

حق المستهلك في الرجوع

في قطاع الخدمات السياحية

ذ: عبد الكريم عباد

أستاذ بكلية الحقوق بجامعة الحسن الأول بسطات

 

 

يعتبر المغرب من الدول التي حباها الله تعالى بمؤهلات سياحية مختلفة ومتنوعة. فالمغرب يزخر بتعدد مواقعه ومناطقه السياحية، ويراهن على هذا القطاع الخدماتي، شانه في ذلك شان باقي القطاعات المتعلقة بالإنتاج والتوزيع. من اجل النهوض بالتنمية الاقتصادية والاجتماعية للبلاد.

وهكذا، فالأهمية التي تكتسيها السياحة بالنسبة للاقتصاد المغربي ليست في حاجة إلى برهان أو دليل، فهي تعد أول مساهم في ميزان الأداءات، كما أن هذا القطاع يوفر بصفة مباشرة أو غير مباشرة ما يقارب 700 ألف منصب شغل(1)، وهو ما جعل السلطات العمومية ترتب السياحة ضمن المحاور الاقتصادية التي تخضى بأولوية وأهمية كبيرتين.

لذلك، كان لزاما تنظيم القطاع السياحي، وكذا تنظيم بعض المهن التي لها علاقة وثيقة بهذا القطاع.

واعتبارا أن السائح سواء كان أجنبيا أو محليا هو مستهلك لهذا النوع من الخدمات، ومن اجل الوصول إلى

 

——————————————————————————————————

1) 400 ألف منصب مباشر في رؤية 2020.

في رؤية 2020 سيتم إحداث 80 ألف سرير في سنة 2016 حيث سيلعب صندوق التنمية السياحية دورا كبيرا في تنمية هذا القطاع.

 

الأهداف المسطرة أعلاه (1) وأمام احتدام المنافسة في سوق السياحة العالمية، فان الحاجة تدعو إلى وضع نظم ومقاييس لضمان الجودة في السياحة ووضع تشريعات تمس كل جوانب القطاع من شانها ان تستجيب لمتطلبات حماية المستهلك السياحي.

من هذا المنطلق الأخير، يجدر بنا التساؤل عن مدى إمكانية تنمية هذا القطاع من خلال سن تشريعات تنظيمية وتضمن حماية المستثمرين فيه والمستهلكين له (2) وارتباطا بموضوع مداخلتنا في هذا اليوم الدراسي، فانه لا يعنينا من هذه التشريعات سوى ذلك القانون المتعلق بتدابير حماية المستهلك رقم 08/31 الصادر بتاريخ 17 يونيو 2011 متسائلين في نفس الوقت عن مدى احتواء هذا القانون على مقتضيات حمائية للمستهلك في هذا النوع من الخدمات وأهمها استعمال حقه في الرجوع.

فعديدة هي الحقوق التي تتضمنها قانون 08/31 والتي من شانها أن تعزز موقع المستهلك بصفة عامة وتحميه من كل التلاعبات وأنواع الغش والتزوير التي قد تضر به.

فحسب ديباجة هذا القانون، فقد تم تعزيز حقوق المستهلك الأساسية ولا سيما حقه في الإعلام وحقه في حماية حقوقه الاقتصادية وحقه في التمثيلية وحقه في الاختيار وأيضا حقه في التراجع…

وانطلاقا من هذا الحق الأخير، نتساءل عن مضمون وكيفية استعمال هذا الحق من طرف المستهلك السياحي ويقتضي منا بحث هذا الموضوع تقسيمه إلى مبحثين وفق الشكل التالي:

المبحث 1: مضمون حق التراجع لدى المستهلك السائح

المبحث 2: ممارسة حق التراجع من طرف المستهلك السائح

 

———————————————————————————————————————-

1) يتوفر المغرب في هذا القطاع على رؤية 2020. وقد تم إعداد هذه الرؤية من طرف القطاعات الحكومية المعنية بالقطاع السياحي بشراكة مع القطاع الخاص.

ترتكز رؤية 2020 على: الجهوية – الجودة – التنمية الشاملة. وتعتمد الرؤية على منهجية مبتكرة ترتكز على 8 مناطق ترابية متناسقة سياحيا، تتوفر على مؤهلات سياحية وتنافسية، تمكنها من التموقع على الصعيد العالمي.

ترتكز الرؤية على 6 برامج: المخطط الأزرق 2020 – التراث والموروث – البيئة والخضرة – التنشيط والترفيه – برنامج بلادي.

ترتكز الرؤية أيضا على السياحة الداخلية: تنفيذ 6 عمليات كنوز بلادي.

خلق هيئة عليا للسياحة: سلطة مكونة من القطاعي العام والخاص. مهمتها ضمان التناسق بين الاستراتيجيات الوطنية والإقليمية عبر تنسيق، تتبع وتنفيذ الاستراتيجيات.

أرقام تتعلق بالقطاع: عدد السياح الوافدين لسنة 2011 هو 9.5 مليون سائح (سنة 2010 = 9.3)

دخل القطاع السياحي = 59 مليار درهم برسم سنة 2011 (سنة 2010 = 56.6 مليار درهم).

مضاعفة حجم القطاع السياحي جعل المغرب من بين الوجهات السياحية العشرين الأولى على الصعيد العالمي.

في « AWARD 2010 »الرفع من عائدات السياحة لتصل إلى 140 مليار درهم. نالت رؤية 2020 الجائزة العالمية

التخطيط والابتكار.

www.tourisme.gov.ma للمزيد من المعلومات حول القطاع انظر الموقع الالكتروني:

2) ثمة عدة تشريعات ترتبط بتنظيم وتقنيين القطاع السياحي نمثل لها بالظهير الشريف رقم 1.97.05 الصادر بتاريخ 25 يناير 1997 بتنفيذ القانون رقم 30.96 المتعلق بالنظام الأساسي للمرافقين السياحيين والمرشدين السياحيين ومرشدي الجبال (والمرسوم رقم 2.97.546 بتاريخ 28 أكتوبر 1997 بتحديد إجراءات تطبيقه). والقانون رقم 02.03 يتعلق بدخول وإقامة الأجانب بالمملكة المغربية وبالهجرة غير المشروعة. ظ.ش رقم 1.03.196 بتاريخ 11 نوفمبر 2003. والقانون المتعلق بوكالات الأسفار والسياحة…

المبحث 1: مضمون حق التراجع لدى المستهلك السائح

 

يتمتع المستهلك السائح شانه في ذلك شان أي مستهلك في أي قطاع بحقه في الرجوع بشان الخدمة المقدمة له. ذلك أن المستهلك السائح بالخصوص يكون معرضا أكثر من غيره لوسائل وتقنيات الإغراء، الأمر الذي دفع بالعديد من التشريعات ومن ضمنها التشريع المغربي إلى إقرار هذا الحق لحماية المستهلك عامة من تسرعه في اتخاذ قراره بقبول العرض، وذلك من خلال منحه مهلة للتفكير لاحقة على إبرام العقد يكون له من خلالها الرجوع في الالتزام الذي سبق أن أنجزه في ظروف غامضة بالنسبة له.

ويشكل هذا الحق حجر الزاوية في مجال الحماية لأنه يعطي للمستهلك مهلة للتدبير وإعادة التفكير في العملية التي أنجزها تحت تأثير إلحاح وضغط عارض الخدمة. فإذا تبين له بعد أن يخلو بنفسه انه كان متسرعا في إبرامه لتلك العملية كان له حق الرجوع فيها وفق الشكل الذي سنراه في المبحث الموالي.

ويعتبر المستهلك السائح أكثر احتياجا من غيره لاستعمال هذا الحق، على اعتبار انه يتعاقد مع بائع الخدمة عن بعد أو ما يسمى بالبيع عبر المسافات لأنه في هذه الحالة يكون في حالة ضعف لا تسمح له بالدفاع عن مصالحه بشكل جيد، لذلك منحه المشرع الحق في الرجوع في التزامه خلال اجل محدد إذا تبين له أن هذا الالتزام لم يكن في مصلحته.

وهكذا، فالمستهلك في هذا النوع من الخدمات غالبا ما يكتفي بالصور وأوصاف المنتوج قد تجعله أمام سلعة لا تتلاءم تماما ما كان ينتظره، الأمر الذي يبرر منحه حق الرجوع.

وفي الميدان السياحي، حيث تحتدم المنافسة بين الدول فانه يتم تسويق المنتوج من طرف أجهزة بعض الدول العامة والخاصة وفق طرق من شانها أن توقع المستهلك السائح في خطأ الاختيار، كما لو روجت للبلد على أساس تمتعه بمناظر طبيعية جغرافية خلابة أو على أساس سيادة الأمن والسلامة وسهولة الوصول (1) أو على أساس تواجد موروث ثقافي أو معماري أو تاريخي أو حضارة عريقة أو على أساس وجود فنادق وأسرة كافية وذات جودة عالية…

كل هذه المعطيات وغيرها قد تجعل السائح (حتى المحلي) يتواجد أمام إعلانات مضللة كاذبة. وهو الأمر الذي حذى ببعض الدول المصدرة للسياح إلى أن تحذر مواطنيها المستهلكين لهذا النوع من الخدمات من مغبة سوء الاختيار وضرورة التأكد من جدية الحجز لتفادي الحجز الوهمي وضرورة التأكد من ترخيص المكتب السياحي المنظم للرحلة والحصول على كافة الأوراق الثبوتية والاحتفاظ بها للرجوع إليها عند الحاجة…

وعليه، فقد رأت التشريعات الحمائية ومن ضمنها التشريع المغربي ضرورة حماية مستهلكي هذا النوع من الخدمات عبر إقرارهم لمجموعة من الحقوق أهمها حقهم في الإعلام وحقهم في الرجوع.

ويكمن الطابع الحمائي لهذا الحق الأخير في أن المستهلك في هذه الحالة لا يعتمد في تعاقده مع مروج الخدمة السياحية سوى على الصور والمواصفات والامتيازات ومعلومات من مختلف المصادر لم يتم معاينتها


———————————————————————————————————————-

1) أي إزالة الحواجز الطبيعية والاتصالية والخدماتية دون تحيز.

 

وتفحيصها. فالمستهلك في هذه الحالة – في عقودلمسافة – لا يمكنه الحكم الدقيق على الخدمة محل التعاقد مهما بلغ وصف المروج لها، لذلك أعطى للمستهلك رخصة الرجوع عن التعاقد خلال مدة معينة يحددها القانون.

وبشان تبرير مهلة الرجوع، أو ما يسمى مهلة الندم يذهب بعض الفقه إلى وجوب التخلص من المفهوم الإرادي المغالي فيه والناتج عن مذهب استقلالية الإرادة. فالإرادة عاجزة عن توليد تعهد إلزامي نهائي قبل انقضاء مهلة معينة. لذلك، فثمة فرق بين تكوين العقد وفعاليته. صحيح أن انعقاد العقد يتم مباشرة بعد توافق الإرادتين لكن حماية للمستهلك بصفة عامة وللمستهلك السائح المتعاقد عن بعد بصفة خاصة يوقف المشرع فعالية العقد وذلك بحرمان المستهلك من تنفيذه قبل مضي مدة معينة تسمى مهلة الرجوع أو مهلة التروي. فإذا انتهت المدة ولم يمارس المستهلك حقه في الرجوع اكتسب العقد الفعالية بتنفيذه، وإذا ما مارس حقه هذا، ترتب عن ذلك انتهاء العقد وليس بطلانه. ولذلك، ارتأى المشرع أن الزبون بصفة عامة لم يقرا العقد جيدا أو بشكل دقيق يسمح له باتخاذ القرار المناسب حول العملية التي يريد انجازها حتى يمكن القول بان الإرادتان معا تم توافقهما بشكل صحيح.

ففي الخدمات السياحية بالتحديد يكون المستهلك أمام نقص في المعلومات حول طبيعة وخصائص الخدمة المقترحة عليه وشروط وظروف تنفيذ العقد، والأثمنة الواجب دفعها في المواقع السياحية التي يريد زيارتها، إلى غير ذلك من المعلومات المهمة التي تساعد المستهلك السائح على تقدير مدى ملائمة العملية التي يريد الإقدام عليها. من اجل ذلك كله، وحتى يتضح رضا المستهلك ويتخذ القرار المناسب الذي يخدم مصلحته تم منحه حق الرجوع عن المضي في إبرام العقد.

وعلى العموم، فان منح المستهلك السائح مهلة للتفكير يمكن له من خلالها التراجع عن العقد يقصد به أساسا حمايته من تسرعه في التعاقد متأثرا بوسائل الدعاية والإعلان الحديثة الكاذبة والمضللة وتحت ضغط وإغراءات وتسهيلات مقدمو الخدمات السياحية المحترفين، وحتى يكون رضاؤه أكثر نضجا وتعقلا.

ومع ذلك، فان بعض المستهلكين، في إطار هذا النوع من الخدمات وغيرها قد لا يكون في وضع يؤهله لاتخاذ القرار المناسب حتى ولو تم منحه مهلة التفكير والرجوع. ومن هنا يطرح التساؤل حول مدى فعالية هذا الحق في حماية المستهلك، ذلك انه إذا كان بعض الباعة في قطاعات أخرى غير قطاع السياحة قد يستغلون جهل المستهلك. فيعمدون إلى حرمانه من حقه في الرجوع. وذلك بوضع تاريخ الإبرام العقد غير صحيح سابق على إبرام العقد الفعلي والحقيقي، فانه في الميدان السياحي وحتى في حالة إمكانية استعمال حق الرجوع فانه يكون غير ذي جدوى، على اعتبار أن المستهلك وبعد معاينته معاينة فعلية للمناطق السياحية والمواصفات والمميزات (الثقافية، تاريخية ….) التي كان ركز عليها في قراره وكان يرجو زيارتها ومشاهدتها وظروف الرحلة السياحية وجودة الخدمات والأثمنة يكون أمام أمرين أحلاهما مر، فإما استعمال حقه في الرجوع وتحمل مصاريف وتكاليف العودة بعد أداء مصاريف النقل، على اعتبار أن مقدم الخدمة قد وفى بالتزامه، لكن ليس وفق الشكل الذي كان يرغبه المستهلك السائح. وعلى اعتبار أن هذا الأخير يكون قد شرع في تنفيذ الخدمة المقدمة له وهي حالة من ضمن الحالات التي لا يمكن من خلالها ممارسة حق التراجع(1) وإما مواصلة تنفيذ العقد رغم عدم رضائه الكامل عن جودة الخدمة المعروضة عليه، فعليا بعدما عرضت عليه افتراضيا من خلال أوراق ومطبوعات وصور فقط …

ومن اجل تفادي مثل هذه القرارات الخاطئة للمستهلكين السياح يعمد البعض منهم إلى إبرام اتفاقيات جماعية مع مزودي هذه الخدمة لتفادي مثل هذه الأضرار، ولتوفير حماية وقائية وجماعية قادرة على تجاوز العديد من المشاكل التي قد تثيرها الرحلات السياحية الفردية. ذلك أن السائح الفرد في هذه الحالة يستفيد من عدة مزايا الرحلات السياحية الجماعية المنظمة من خلال الاستشارات التي يجريها والتزود بالمعلومات الضرورية من الجهة المنظمة للرحلة.

المبحث 2: ممارسة حق التراجع من طرف المستهلك السائح

 

حسب مقتضيات المادة 36 من ق 08/31 يحق للمستهلك بصفة عامة ممارسة حقه في الرجوع داخل اجل سبعة أيام، وهي مدة قد تكون كافية بالنسبة للمستهلك السائح للبحث الجيد والتشاور بخصوص الخدمة المعروضة عليه، خصوصا أن الآجال في هذه الحالة كسائر الحالات الأخرى المتعلقة بتقديم الخدمات تبدأ من السريان ابتداءا من قبول العرض وليس ابتداءا من تاريخ تسلم السلعة، كما هو الحال في القطاعات الأخرى (التوزيع، الإنتاج)(2).

ويكمن الطابع الحمائي لهذا الحق في أن المستهلك هنا يعتمد فقط على الصور وادعاءات مروج الخدمة السياحية بخصوص مواصفات وخصائص المنتوج. وبالتالي، قد يحدث غالبا أن يتوصل بمنتوج لا يتلاءم مع ما كان ينتظره، فهو لا يستطيع تقدير مدى صلاحية المنتوج واتخاذ موقف نهائي وحاسم بشأنه إلا بعد معاينته.

ومع ذلك، فان مقتضيات هذه المادة من القانون 08/31 قد تثير بعض الصعوبات على مستوى بعض الأنواع من الخدمات كما هو الشأن بالنسبة للخدمات السياحية، ذلك انه ثمة فرق حسب رأينا بين لحظة قبول العرض ولحظة معاينته، الأمر الذي من شانه أن يفرغ هذه المادة من محتواها. فالسائح المستهلك لا يقف في حقيقة الأمر إلا بعد معاينته للمنتوج، الأمر الذي يفوت عليه فرصة استعمال هذا الحق. ذلك انه ثمة فارق زمني بين وقت الحجز (قول العرض) ومعاينة العرض، وهذا الفارق الزمني في اعتقادنا قد يفوق الآجال المخصصة للرجوع.

ويزداد الأمر استفحالا إذا ما اعتبرنا لحظة معاينة العرض هي لحظة الشروع في تنفيذ الخدمة المقدمة لأنها

حالة من ضمن الحالات التي لا يتمكن من خلالها استعمال حق الرجوع، ولوتم داخل الآجال القانونية


———————————————————————————————————————

1) فقرة 2 المادة 38 ق 08/31

2) الفقرة ما قبل الأخيرة من المادة 36 ق 08/31

(بند 2المادة 38 ق 08/31). لكن بالمقابل يمكن للسائح المستهلك في هذه الحالة ولتفادي هذا الإشكال الاتفاق مع مزود الخدمة على خلاف ذلك (المادة 38).

وترتفع الآجال المذكورة أعلاه في حالة ما لم يف مزود الخدمة بالتزامه بالتأكيد الكتابي للمعلومات المنصوص عليها في المادتين 29 و 32 من القانون رقم 08/31 إلى 30 يوم لممارسة حق المستهلك في التراجع. وتتعلق المادتين المذكورتين بالعقود المبرمة عن بعد، كما هو الحال بالنسبة للعقود المتعلقة بالخدمات السياحية، وهما المادتان اللتان تنصان من جهة عن ضرورة التعريف بالمميزات الأساسية للمنتوج محل الخدمة أو العرض المقدم للمستهلك والمعلومات الكافية عن مروج الخدمة (بند 1 و 2 المادة 29). ومن جهة أخرى عن ضرورة تلقي المستهلك كتابة أو بأي وسيلة دائمة أخرى موضوعة رهن تصرفه وفي الوقت المناسب تأكيدا للمعلومات المشار إليها في المادة السابعة (المادة 32).

وفي هذا الإطار، يمكن أن نورد تساؤلا طرحه الأستاذ أبو بكر مهم في تدخله في إحدى الندوات (1) وهو في الحالة التي يقوم فيها المورد بالوفاء بهذا الالتزام وإرسال هذه المعلومات خلال 30 يوما المشار إليها، هل يبقى اجل الرجوع 30 يوما أم يعود إلى المدة الأصلية التي هي 7 أيام. ومن أين يبدأ الأجل في هذه الحالة؟

يرى الأستاذ – ونشاطره الرأي في ذلك – بانه في هذه الحالة، فان أجل الرجوع يعود إلى مدته الأصلية وهو 7 أيام، ولكن يبدأ في السريان من يوم إرسال هذه المعلومات.

ويحق للمستهلك السائح استعمال حقه في الرجوع بدون أن يبرر ذلك من خلال عرض الأسباب والدوافع الكامنة وراء استعمال هذا الحق، وكذا بدون دفع غرامة عن هذا التراجع، وان كان في بعض القطاعات الأخرى يتحمل المستهلك عامة مصاريف الإرجاع المباشرة المتعلقة بإرسال البضاعة(2).

———————————————————————————————————————

1) أشغال الندوة العلمية التي نظمتها هيئة المحامين لدى محكمة الاستئناف بسطات بشراكة مع مختبر قانون الأعمال بكلية الحقوق بجامعة الحسن الأول بسطات في موضوع: قراءة في القانون رقم 08/31 المتعلق بتدابير حماية المستهلك بتاريخ 17 يونيو 2011.

2) في نفس الاتجاه نصت المر 16 من التوجيه الأوربي المتعلق بالبيوع عن بعد الصادر بتاريخ 20 ماي 1997 على أن للمستهلك الرجوع في طلبه بدون أن يتحمل جزاءات عن ذلك وبدون أن يلتزم بأي تعليل

وهو ما ذهبت إليه أيضا المادة 121-20 من مدونـــــــــــــــــــــة (sans pénalité et sans indication de motif)

الاستهلاك الفرنسية. وبالتالي فان مصاريف إرجاع السلعة هي وحدها التي يمكن عند الاقتضاء أن تبقى على كاهل المستهلك. وهكذا قرر القضاء الفرنسي انه لا يمكن للبائع أن يطالب المشتري بمصاريف "تجريب وتعديل المنتوج الذي تم إرجاعه"

Cass. Civ 23 juin 1993 – bull civ .I. N°232. P: 160, RTD. Com 1994 p:338. Obs: B. Boulon.

وهذا التوجه القضائي، كرسه القانون التونسي المتعلق بطرق البيع والإشهار التجاري الصادر في 2 يونيو 1998 حيث منع في الفقرة 2 من المر 31 مطالبة المستهلك الذي يرجع المنتوج على حالته بأي مصاريف إضافية، بل ذهب ابعد من ذلك وأعطى للمستهلك إمكانية المطالبة باسترجاع المصاريف الناجمة عن إرجاع المنتوج على حالته وذلك بغض النظر عن جبر الضرر لفائدته.

 

وحسب مقتضيات المادة 37 من ق 08/31، فان ممارسة حق التراجع يخول للمستهلك استرداد المبلغ المدفوع كاملا على الفور، وعلى ابعد تقدير داخل 15 يوم الموالية للتاريخ الذي تمت فيه ممارسة الحق المذكور.

وللضغط أكثر على المورد من اجل احترام هذا المقتضى، فقد نص المشرع على انه في حالة انصرام الآجل المذكور دون إرجاع المبالغ المدفوعة المستحقة للمستهلك، تترتب عليها بقوة القانون الفوائد بالسعر القانوني المعمول به (المادة 37).

والملاحظ أن المشرع لم يتطرق هنا إلى طريقة استرداد هذه المبالغ(1) على الرغم من أهميتها في هذا المجال

لان بعض الموردين يعملون على اللجوء إلى الرد في شكل قسيمة شراء مثلا أو على شكل دفعات او احتسابها في شكل قروض الشيء الذي يجعل المستهلك في حالة تبعية للمورد.

لذلك نرى في هذا الإطار، أن يشير المشرع صراحة إلى أن هذا الاسترداد يتم بواسطة أي وسيلة من وسائل الأداء المعروفة قانونيا مع تخويل المستهلك إمكانية قبول أو رفض هذه الطريقة او تلك من طرق الأداء.

وفي حالة رفض المورد أن يرد للمستهلك المبلغ المدفوع عند ممارسته لحقه في الرجوع، فهو يعاقب بالغرامة الواردة في المادة 178 من قانون 08/31.

وجدير بالذكر في هذا المضمار، انه ثمة مشروع مرسوم تطبيق القانون رقم 08/31 يهدف إلى تحديد كيفيات تطبيق مقتضيات القانون المذكور، ومن ضمنها الحق في الرجوع، ذلك أن المستهلك السائح أو المستهلك بصفة عامة، عليه مستقبلا أن يراعي مقتضيات هذا المرسوم، خصوصا في جانب البيانات التي يجب أن تشملها الاستمارة القابلة للاقتطاع والمخصصة لتسهيل ممارسة حق التراجع (2).

والجدير بالذكر أن المستهلك السائح لا يمكن ممارسة حق الرجوع إذا شرع في التنفيذ والاستفادة من الخدمة المقدمة له، إلا إذا تفق الطرفان على خلاف ذلك (المادة 38). وفي الميدان السياحي فانه يصعب ممارسة حق الرجوع بعد معاينة الخدمات المتفق عليها. خصوصا بالنسبة للسائح الأجنبي، ذلك أن هذا الأخير مطالب في هذه الحالة بتجنب أضرار أكثر من تلك الناتجة عن ممارسة حقه هذا، كنفقات العودة وإهدار الوقت، وأضرار نفسية متمثلة أساسا في خيبة أمله في الحصول على مبتغاه من رحلته السياحية (معلومات ثقافية، تاريخية أو استفادة من منشات ترفيهية وتنشيطية أو الاستفادة من مرافق أو مواقع جغرافية صحية – رمال أو شواطئ شمس – أو مواقع حضارية ….) إلى غيرها من الأهداف والغايات التي كان السائح المستهلك يرغب في تحقيقها وخطط لانجازها.

 

 

 

———————————————————————————————————————

1) في حين تطرق إلى طريقة أداء المستهلك للمبلغ في المادة 35 بقوله "تخضع عملية الأداء المتعلقة بالعقود المبرمة عن بعد للتشريعات الجاري بها العمل: يضمن المورد للمستهلك سلامة وسائل الأداء التي يقترحها"

2) المادتين 19 و 20 من مشروع المرسوم التطبيق (الباب 1 من القسم 2) ظ ش رقم 03/11/01 بتاريخ 14 ربيع 1432.1 (18 فبراير 2011)

خاتمة

لقد دعت الحاجة إلى حماية المستهلك بصفة عامة من الأخطار والأضرار التي قد يتعرض لها في مختلف مجالات الحياة بفعل التطور الهائل لوسائل الإشهار واعتماده على تقنيات جد متطورة مستفيدا من الثورة التكنولوجية للمعلوميات ووسائل الاتصال الحديثة إلى سن قانون خاص بحماية المستهلك، وهو ما تم فعلا

بتاريخ 18 فبراير 2011 والذي اقر عدة حقوق للمستهلك كما وردت في ديباجته، ومن ضمنها حق التراجع. لكن خصوصية بعض القطاعات، كما هو الحال بالنسبة للقطاع السياحي وظروف التعاقد في ظله، وكذا بعض ممارسات بعض الحرفيين في القطاع (احتكار – تلاعبات في الجودة – تغيير البرامج …) قد تفرغ هذا الحق وبقية الحقوق من محتواها. الامر الذي يستدعي بالموازاة مع تفعيل هذا القانون تخليق الميدان. عبر توعية كل المتدخلين فيه من مهنيين وحرفيين ومستثمرين فيه والعاملين فيه (عمال الفنادق. مرشدين سياحين …) وتحسيسهم باهمية القطاع كصناعة مستديمة منتجة وفعالة ذات تاثير ايجابي كبير على جميع جوانب الاقتصاد الوطني.

لكن مقابل هذه الحقوق والتدابير الوقائية والحمائية والضمانات التي يجب ان يتمتع بها مستهلك الخدمات السياحية هناك عدة التزامات ملقاة على عاتق هذا الاخير، عليه مراعاتها واحترامها. ذلك ان السؤال المطروح في هذا الاطار هو من هو المستهلك السياحي المطلوب حمايته؟ فالسائح الذي يستحق كل انواع الحماية هو ذاك الذي يحترم خصوصيات وعادات واعراف البلد وثقافته، ويحترم قوانينها (الخاصة بالقطاع وغيره) والا يشكل هذا السائح خطرا على النظام العام السياسي او الاقتصادي او الاجتماعي./.


والحمد لله رب العالمين

 

 

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

التخطي إلى شريط الأدوات