خطاب الملك بالبرلمان..خطاب ربط المسؤولية بالمحاسبة

 

 
   


خطاب الملك بالبرلمان..خطاب ربط المسؤولية بالمحاسبة

 

افتتح الملك محمد السادس، يوم الجمعة 13 أكتوبر 2017، الموافق ل 22 محرم 1439، الدورة التشريعية الخريفية من السنة التشريعية الثانية من الولاية العاشرة، وذلك طبقا لأحكام الفصل 65 من الدستور المغربي لسنة 2011 الذي جاء فيه بأنه:" يعقد البرلمان جلساته أثناء دورتين في السنة، ويرأس الملك افتتاح الدورة الأولى، التي تبتدئ يوم الجمعة الثانية من شهر أكتوبر، وتُفتتح الدورة الثانية يوم  الجمعة الثانية من شهر أبريل. إذا استمرت جلسات البرلمان أربعة أشهر على الأقل في كل دورة، جاز ختم الدورة بمرسوم". وقد وجه الملك من خلاله خطابا اعتبر خارطة طريق موجهة للعمل التشريعي والسياسي للسنة التشريعية القادمة، هذا الخطاب الذي يعتبر أداة وصل بينه وبين خطاب العرش، أكد من خلاله عاهل البلاد أن المغرب اليوم يدخل مرحلة حاسمة، ومرحلة لتصحيح الأخطاء بما فيها إحداث زلزال سياسي. فالملك اليوم يوجه خطابه لجميع الفاعلين السياسيين، وقد أعاد توجيه اللوم في خطابه لمختلف المسؤولين على تدبير اشأن العام، وقد شخص بشكل عميق الاختلالات التي تعرفها وتعاني منها إداراتنا المغربية، وربط الملك من خلالها المسؤولية بالمحاسبة بحسب ما جاء به الفصل 154 من الدستور الذي أكد على أنه:" يتم تنظيم المرافق العمومية على أساس المساواة بين المواطنات والمواطنين في الولوج إليها، والإنصاف في تغطية التراب الوطني، والاستمرارية في أداء الخدمات. تخضع المرافق العمومية لمعايير الجودة والشفافية والمحاسبة والمسؤولية، وتخضع في تسييرها للمبادئ والقيم الديمقراطية التي أقرها الدستور".

فالملك من خلال خطابه أكد على أنه هناك اختلالات كبيرة في منظومتنا الإدارية المغربية ككل، ومن أهمها وجود الزبونية والرشوة والفساد، وقد تطرق الملك لعدة مواضيع مرتبطة ببعض، أهمها موضوع الجهوية المتقدمة والتي لم تفعل على النحو المطلوب منذ إعطاء انطلاقتها الفعلية منذ أزيد من سنتين من الآن، وذلك راجع بالأساس إلى ضعف الفاعلين الجهويين، وكذلك ضعف الإرادة السياسية التي بإمكانها إنجاح هذا الورش الكبير، وأيضا مروره بموضوع في غاية الحساسية والذي يوليه الملك أهمية قصوى وهو موضوع الشباب والذي يعد رافعة أساسية للبلاد. لذك سنتطرق في هذا التحليل لمختلف النقط التي تطرق إليها الملك في خطابه محاولين تبيانها وتحليلها.

النقطة الأولى: الإدارة العمومية المغربية وربط المسؤولية بالمحاسبة

أكد الملك محمد السادس في خطابه أمام البرلمان أنه:" إن المشاكل معروفة، والأولويات واضحة، ولا نحتاج إلى المزيد من التشخيصات. بل هناك تضخم في هذا المجال. وقفنا، أكثر من مرة، على حقيقة الأوضاع، وعلى حجم الاختلالات، التي يعرفها جميع المغاربة. أليس المطلوب هو التنفيذ الجيد للمشاريع التنموية المبرمجة، التي تم إطلاقها، ثم إيجاد حلول عملية وقابلة للتطبيق، للمشاكل الحقيقية، وللمطالب المعقولة، والتطلعات المشروعة للمواطنين، في التنمية والتعليم والصحة والشغل وغيرها؟ وبموازاة ذلك، يجب القيام بالمتابعة الدقيقة والمستمرة، لتقدم تنفيذ البرامج الاجتماعية والتنموية، ومواكبة الأشغال بالتقييم المنتظم والنزيه". فتشخيص المشاكل الإدارية هي معروفة بالأساس، والحلول أصبحت اليوم في حاجة ماسة للتنزيل الصحيح. فالمساريع التي تقام اليوم بالمغرب هي مشاريع مهيكلة كمشاريع "طنجة الكبرى" الذي يعد نموذجا حضريا غير مسبوق في المغرب وبالضفة الجنوبية للبحر الأبيض المتوسط، ومشروع الدار البيضاء، ومشروع "الحسيمة منارة المتوسط" الذي أعطى إنطلاقته الملك في أكتوبر 2015، مختلف هاته المشاريع لم ترقى لما هو مرجو منها، هذه المشاريع يجب أن يتم ربطها وتنزيلها بشكل واضح يخدم في الأول والأخير المواطن المغربي الذي يعاني من عدة مشاكل تهم بالخصوص قطاعات إدارية بعينها كالصحة والتعليم والخدمات الاجتماعية، فالأمر واضح يجب أن يتم وضع آليات لبسط المشاريع المهيكلة حتى يتم تفعيلها بشكل واضح وسلس، فتقويم الاختلالات أصبح أمرا ضروريا وملحا كما جاء على لسان العاهل المغربي.

لذلك، هناك عدة هياكل ومفتشيات تعمل على الإحاطة بالاختلالات التي تعاني منها المؤسسات العمومية، فهناك المفتشية العامة للإدارة الترابية التابعة لوزارة الداخلية (IGAT)، وهناك المفتشية العامة للمالية (IGF) التابعة لوزارة المالية، وهناك هيئات دستورية كالمجلس الأعلى للحسابات الذي خصه الدستور بباب كامل بحيث نجد الفصل 124 منه ينص على أنه:" المجلس الأعلى للحسابات هو الهيئة العليا لمراقبة المالية العمومية بالمملكة، ويضمن الدستور استقلاله. يمارس المجلس الأعلى للحسابات مهمة تدعيم وحماية مبادئ وقيم الحكامة الجيدة والشفافية والمحاسبة،بالنسبة للدولة والأجهزة العمومية. يتولى المجلس الأعلى للحسابات ممارسة المراقبة العليا على تنفيذ قوانين المالية. ويتحقق من سلامة العمليات، المتعلقة بمداخيل ومصاريف الأجهزة الخاضعة لمراقبته بمقتضى القانون، ويقيم كيفية تدبيرها لشؤونها، ويتخذ، عند الاقتضاء، عقوبات عن كل إخلال بالقواعد السارية على العمليات المذكورة. تُناط بالمجلس الأعلى للحسابات مهمة مراقبة وتتبع التصريح بالممتلكات، وتدقيق حسابات الأحزاب السياسية،وفحص النفقات المتعلقة بالعمليات الانتخابية"، وهو الأمر الذي خ به الملك المجلس بقوله:" كما نوجه المجلس الأعلى للحسابات، للقيام بمهامه في تتبع وتقييم المشاريع العمومية، بمختلف جهات المملكة" هذا المجلس يطرح اليوم عدة أسئلة من بينها مآل التقارير التي تصدر عنه؟ وكيف يمكن العمل على تنفيذها؟ اليوم وفي غضون الانفصال الذي تعرفه النيابة العامة واستقلاليتها عن وزارة العدل  سيمكن من تحريك المسطرة القضائية في وجه المتورطين في الفساد والاختلال والفساد الذي تعرفه مؤسساتنا العمومية. لكن مختلف هذه المؤسسات وحدها لا تكفي من أجل معرفة كافة الاختلالات التي تعاني منها الهيئات والمؤسسات العامة بالمغرب، فلا ننسى هنا الدور المحوري والأساسي للموطن المغربي، فهذا الأخير له دور في معرفة مكامن خلل الإدارات العمومية انطلاقا من الآليات التشاركية التي منحها له الدستور، لكن لحد الساعة لم يعي المواطن المغربي ما عليه من مسؤوليات اتجاه وطنه.

ومن أجل التنفيذ الجيد للمشاريع التنموية المبرمجة، وللإجابة على مختلف انتظارات المواطنين، أكد الملك على أنه:" ولهذه الغاية، قررنا إحداث وزارة منتدبة بوزارة الخارجية مكلفة بالشؤون الإفريقية، وخاصة الاستثمار، وخلية للتتبع، بكل من وزارتي الداخلية والمالية". فهنا الملك يوجه الحكومة من خلال إحداث وزارة منتدبة وخلية للتتبع من أجل إيجاد الحلول الكفيلة بوضع حد للمشاكل التي تعتري مجال الاستثمار.

كما جاء في خطاب الملك محمد السادس في:" إن المغاربة اليوم، يحتاجون للتنمية المتوازنة والمنصفة، التي تضمن الكرامة للجميع وتوفر الدخل وفرص الشغل، وخاصة للشباب، وتساهم في الاطمئنان والاستقرار، والاندماج في الحياة المهنية والعائلية والاجتماعية، التي يطمح إليها كل مواطن. كما يتطلعون لتعميم التغطية الصحية وتسهيل ولوج الجميع للخدمات الاستشفائية الجيدة في إطار الكرامة الإنسانية. والمغاربة اليوم، يريدون لأبنائهم تعليما جيدا، لا يقتصر على الكتابة والقراءة فقط، وإنما يضمن لهم الانخراط في عالم المعرفة والتواصل، والولوج والاندماج في سوق الشغل، ويساهم في الارتقاء الفردي والجماعي، بدل تخريج فئات عريضة من المعطلين. وهم يحتاجون أيضا إلى قضاء منصف وفعال، وإلى إدارة ناجعة، تكون في خدمتهم، وخدمة الصالح العام، وتحفز على الاستثمار، وتدفع بالتنمية، بعيدا عن كل أشكال الزبونية والرشوة والفساد". فالملك يؤكد على أن النموذج الذي عملت به المملكة طوال السنوات الماضية على مستوى التعليم أصبح متجاوزا في ظل التغيرات الاجتماعية الداخلية والخارجية، وأيضا على مستوى الإدارة التي أصبحت تعج بكل أشكال الفساد من رشوة وزبونية وفساد، فإصلاح الإدارة العمومية المغربية، يجب أن يبدأ بالعنصر البشري لأنه أساس الإصلاح، فالتكوين الجيد للعنصر البشري لاشك وأنه يساهم وبشكل فعال في تطوير الخدمة داخل الإدارة المغربية، ويقوم بإرساء مفاهيم من قبيل "المنظور الجديد للخدمة العامة"، فالإدارة الخدومة هي إدارة خدومة للشأن العمومي، مما يؤدي إلى أنسنتها كخدومة للإداري والمرتفق على حد السواء، فالخدمة العمومية مقياس لنجاعة الفعل الإداري الذي يستلزم مواكبة التحولات التي يفرضها واقع العولمة، ولا ننسى أيضا بأن التفعيل الجيد والأمثل للمبادئ المنصوص عليها في الدستور على أرض الواقع، لاشك وأنه سيؤثر وبشكل كبير على عمل إداراتنا المغربية، هذا بالإضافة للمشاكل التي تعاني منها المنظومة الصحية ببلادنا سواء على مستوى البنيات التحتية أو على مستوى الموارد البشرية.

فالملك يؤكد على أنه:" إذا كان المغرب قد حقق تقدما ملموسا، يشهد به العالم، إلا أن النموذج التنموي الوطني أصبح اليوم، غير قادر على الاستجابة للمطالب الملحة، والحاجيات المتزايدة للمواطنين، وغير قادر على الحد من الفوارق بين الفئات ومن التفاوتات المجالية، وعلى تحقيق العدالة الاجتماعية. وفي هذا الصدد، ندعو الحكومة والبرلمان، ومختلف المؤسسات والهيئات المعنية، كل في مجال اختصاصه، لإعادة النظر في نموذجنا التنموي لمواكبة التطورات التي تعرفها البلاد. إننا نتطلع لبلورة رؤية مندمجة لهذا النموذج، كفيلة بإعطائه نفسا جديدا، وتجاوز العراقيل التي تعيق تطوره، ومعالجة نقط الضعف والاختلالات، التي أبانت عنها التجربة. وسيرا على المقاربة التشاركية، التي نعتمدها في القضايا الكبرى، كمراجعة الدستور، والجهوية الموسعة، فإننا ندعو إلى إشراك كل الكفاءات الوطنية، والفعاليات الجادة، وجميع القوى الحية للأمة". وهنا الملك يدعو إلى تجاوز مختلف الاختلالات المستقبلية التي تعرفها بلادنا وذلك عن طريق مقاربة تشاركية يندمج فيها الجميع، ويكون فيها المواطن المغربي هو أهم حلقة فيها من أجل الإجابة عن كافة انتظاراته.

النقطة الثانية: الجهوية المتقدمة

في الشق المتعلق بالجهوية المتقدمة، أكد الملك محمد السادس في خطابه على أنه:" ما فتئنا ندعو لتسريع التطبيق الكامل للجهوية المتقدمة، لما تحمله من حلول وإجابات للمطالب الاجتماعية والتنموية، بمختلف جهات المملكة.فالجهوية ليست مجرد قوانين ومساطر إدارية، وإنما هي تغيير عميق في هياكل الدولة، ومقاربة عملية في الحكامة الترابية. وهي أنجع الطرق لمعالجة المشاكل المحلية، والاستجابة لمطالب سكان المنطقة، لما تقوم عليه من إصغاء للمواطنين، وإشراكهم في اتخاذ القرار، لا سيما من خلال ممثليهم في المجالس المنتخبة. وإدراكا منا بأنه ليس هناك حلولا جاهزة، لكل المشاكل المطروحة في مختلف المناطق، فإننا نشدد على ضرورة ملاءمة السياسات العمومية، لتستجيب لانشغالات المواطنين حسب حاجيات وخصوصيات كل منطقة. ولإضفاء المزيد من النجاعة على تدبير الشأن العام المحلي نلح على ضرورة نقل الكفاءات البشرية المؤهلة والموارد المالية الكافية للجهات، بموازاة مع نقل الاختصاصات. لذا نوجه الحكومة لوضع جدول زمني مضبوط لاستكمال تفعيل الجهوية المتقدمة. ونهيب بالمجالس المنتخبة وخاصة على مستوى الجهات لتحمل مسؤوليتها في تدبير شؤون كل منطقة واتخاذ المبادرات للتجاوب مع ساكنتها والاستجابة لمطالبها المشروعة. كما ندعو لإخراج ميثاق متقدم للاتمركز الإداري، الذي طالما دعونا إلى اعتماده وتحديد برنامج زمني دقيق لتطبيقه". فالملك يدعوا الجميع إلى العمل على التسريع بتفعيل كافة المضامين المرتبطة بالجهوية المتقدمة، وأيضا العمل على نقل الكفاءات التي من شأنها الرفع من تحدي ورش الجهوية المتقدمة التي كان معولا على نجاحها منذ سنتين تقريبا على تنزيلها، لكن اليوم هذه الجهوية لم تلعب الدور المعول عليها ولم ترقى بعد إلى المستوى المطلوب.

وترتبط المعيقات المرتبطة بالجهوية المتقدمة بمشاكل أهمها مجالية، مالية وبشرية، هذه النقط الثلاثة لاشك وأنها تؤثر وبشكل سلبي على مسار التنزيل الصحيح وإنجاح الجهوية المتقدمة، فالموارد المالية والبشرية وبالخصوص الجبائية تشكل أساس الجهوية المتقدمة التي نادى بها دستور 2011، وهي وسيلة من وسائل تطويرها، لكن محدودية الموارد المالية وضعف المورد البشري المتاح لها لاسيما التي جاءت بها القوانين المنظمة، لا تساير حجم المسؤوليات الملقاة على عاتق الجهة الأمر الذي قد يساهم في إفراغ هذه المسؤوليات من محتواها، فلا فائدة من جهوية ليس لها موارد مالية وبشرية كافية لتغطية حاجياتها ونفقاتها وممارسة اختصاصاتها.

لذلك، يجب العمل على الرقي والرفع من مداخيل الجهة التي توجد في وضعية مالية هشة في ظل المداخيل الحالية المرصودة لها. من هذا كله فالجهة إذا أريد لها أن تكون صرحا تنمويا نموذجيا لابد من إعادة النظر في القوانين المصاحبة كالقانون المتعلق بالجبايات المحلية رقم 47.06، وكذلك تعزيز مبادئ الديمقراطية الترابية والديمقراطية التشاركية وربط المسؤولية بالمحاسبة وعلى مبدأ الحكامة الجيدة والجودة والشفافية في تسيير مرافقها، فالجهوية المتقدمة تتطلب قدرات وكفاءات في مستوى حرية اتخاذ القرار في تدبير الشأن الترابي والجهوي، مما يترتب عنه تعزيز التلاحم والوفاق الوطني والترابط الوثيق الذي يعتبر ركيزة أساسية في تعزيز الهوية الوطنية.

النقطة الثالثة: تأهيل الشباب وتحرير طاقاتهم

خص الملك محمد السادس الشباب في خطابه من خلال قوله:" إن التقدم الذي يعرفه المغرب لا يشمل مع الأسف كل المواطنين وخاصة شبابنا، الذي يمثل أكثر من ثلث السكان والذي نخصه بكامل اهتمامنا ورعايتنا. فتأهيل الشباب المغربي وانخراطه الإيجابي والفعال في الحياة الوطنية يعد من أهم التحديات التي يتعين رفعها. وقد أكدنا أكثر من مرة ولاسيما في خطاب 20 غشت 2012 بأن الشباب هو ثروتنا الحقيقية ويجب اعتباره كمحرك للتنمية وليس كعائق أمام تحقيقها. والواقع أن التغيرات المجتمعية التي يشهدها المغرب قد أفرزت انبثاق الشباب كفاعل جديد له وزنه وتأثيره الكبير في الحياة الوطنية. ورغم الجهود المبذولة فإن وضعية شبابنا لا ترضينا ولا ترضيهم، فالعديد منهم يعانون من الإقصاء والبطالة ومن عدم استكمال دراستهم وأحيانا حتى من الولوج للخدمات الاجتماعية الأساسية. كما أن منظومة التربية والتكوين لا تؤدي دورها في التأهيل والإدماج الإجتماعي والإقتصادي للشباب. أما السياسات العمومية القطاعية والاجتماعية فرغم أنها تخصص مجالا هاما للشباب إلا أن تأثيرها على أوضاعهم يبقى محدودا لضعف النجاعة والتناسق في ما بينها وعدم ملاءمة البرامج لجميع الشرائح الشبابية. واعتبارا للارتباط الوثيق بين قضايا الشباب وإشكالية النمو والاستثمار والتشغيل فإن معالجة أوضاعهم تحتاج إلى ابتكار مبادرات ومشاريع ملموسة تحرر طاقاتهم وتوفر لهم الشغل والدخل القار وتضمن لهم الاستقرار وتمكنهم من المساهمة البناءة في تنمية الوطن. وأخص بالذكر هنا، على سبيل المثال، وضعية الشباب الذين يعملون في القطاع غير المهيكل، والتي تقتضي إيجاد حلول واقعية قد لا تتطلب وسائل مادية كبيرة، ولكنها ستوفر لهم وسائل وفضاءات للعمل في إطار القانون بما يعود بالنفع عليهم وعلى المجتمع". فالملك يدعوا إلى خلق سياسات عمومية مندمجة تهم الشباب وتسعى إلى الإجابة على مختلف تطلعاتهم وأهدافهم، لكن السؤال المطروح هو هل البرلمانيين المغاربة قادرون على لعب دورهم في إيجاد وعرض سياسات عمومية تهم الشباب، أم همهم هو فقط التسابق نحو الكراسي، هؤلاء البرلمانيين الذين يعول عليهم المواطن المغربي لا يستطيعون حتى الدفاع عن حقوق المواطنين فكيف بهم أن يخلقوا سياسات عمومية تخص شباب البلاد.

وقد أكد أكد الملك محمد السادس في خطابه بمناسبة ذكرى ثورة الملك والشعب ليوم الأربعاء 20 غشت 2014 أن:" كسب رهان اللحاق بركب الدول الصاعدة ليس مستحيلا، وإن كان ينطوي على صعوبات وتحديات كثيرة. والمغرب، ولله الحمد، يتوفر على جميع المؤهلات، لرفع هذه التحديات، وفي مقدمتها شبابه، الواعي والمسؤول. ولنا اليقين، بأن شبابنا وشاباتنا قادرون، بما يتحلون به من روح الوطنية، ومن قيم المواطنة الإيجابية، ولما يتوفرون عليه، من عبقرية خلاقة، على النهوض بتنمية بلادهم، ورفع تحديات دخولها نادي الدول الصاعدة." فقد أكد الملك على الدور المهم الذي يلعبه الشباب في مجتمعنا المغربي حيث يحتل مكانة الطليعة ووجه المملكة المشرق المعبر وطاقتها المتفجرة، وهو ما تم التعبير عنه صراحة من خلال التنصيص على يوم وطني للشباب للإحتفال بهذه الفئة وإعطائها مكانتها التي تستحق، فالاحتفال بهذا اليوم له عدة دلالات من بينها أن الشباب يعتبر ثروة حقيقية وقيمة كبيرة للمغرب وبالأساس في بناء الدولة الديمقراطية التي يسودها الحق والقانون وفي إرساء دعائم مجتمع متضامن.

ويمكن القول على أن دستور المملكة المغربية وضع المادة الخام لكيفية عمل وإدماج الشباب داخل المجتمع، وذلك من خلال التنصيص على عدد من الركائز والأساسيات التي بمقتضاها يمكن للشباب أن يندمج وبشكل سلس في مسلسل التنمية والتطور المنشود، وذلك لن يتأتى إلا عن طريق وضع هذه الأساسيات التي نص عليها دستور 2011 على أرض الواقع، وذلك  بالتفعيل الحقيقي لكل من نص الفصل 33 من الدستور عن طريق التعجيل بإحداث المجلس الاستشاري للشباب والعمل الجمعوي، كما نص عليه الدستور على أن يتكون من جميع الفعاليات الشبابية والمنظمات المجتمعية، وأيضا إشراك الشباب في إعداد وتنفيذ البرامج الحكومية عن طريق تقديم مقترحات فيما يخص التشغيل والسياسات التي تهم هذه الفئة، ودعم البحث العلمي عن طريق تقديم منح مالية للباحثين الشباب ذوي تكوين جامعي ومساعدتهم فيما يخص نشر بحوثهم، والأهم من هذا كله هو العمل على إقامة حوار وطني حول الشباب وأدوارهم الطلائعية، ووضع مخرجات وتوصيات هذا الحوار التي تعتبر خارطة الطريق للخطوات المقبلة التي يجب على الحكومة  وضعها على أرض الواقع، حتى يضطلع الشباب بدورهم ومسؤولياتهم اتجاه وطنهم بكل عزم ووعي ونضال وجدية للانخراط الواسع والفعال في الحياة العامة بشكل مسؤول وبمواطنة إيجابية، فالشباب هم مستقبل هذا الوطن وثروته الحقيقية.

*كاتب وباحث في سلك الدكتوراه بجامعة محمد الخامس بالرباط

 

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *