سلسلة الأبحاث الجامعية والأكاديمية العدد 13 : الاختصاص الاستشاري لمحكمة العدل الدولية

 

مقدمة:

إننا بصدد الحديث عن أحد أهم المواضيع التي تطرح في إطار دراسة القضاء الدولي كمادة علمية، مما يدفعنا هذا إلى إعطاء نبذة موجزة عن السياق العام للموضوع الذي اخترناه، وهو الاختصاص الاستشاري لمحكمة العدل الدولية.

كانت الوسائل غير السلمية خلال فترة ما بين الحربين هي الأساس التي تحكم العلاقات بين الدول، إلا أن هذه المرحلة قد تغيرت نوعا ما، و ذلك نتيجة التطور الذي شهدته منظومة القانون الدولي، بحيث أن اللجوء إلى القوة خلافا للقانون الدولي أصبح محظورا طبقا لما نص عليه القانون الدولي، وكما أشار ميثاق الأمم المتحدة من خلال المادة الثانية في الفقرة الرابعة منه ما يلي: على الدول الأعضاء الامتناع عن استعمال القوة أو استخدامها ضد سلامة الأراضي أو الاستقلال السياسي لأي دولة على أي وجه لا يتفق مع مقاصد الأمم المتحدة.

كما عملت مجموعة من الدول و على مر العصور فيما يرتبط بمسألة حل منازعاتها بواسطة سلطة تكون  غير منحازة و تحسم في  النزاع من خلال مجموعة من الطرق السلمية، بحيث أن النظام الذي كان سائدا في تلك الفترة هو نظام التحكيم، وقد أثبتت التجارب بأن قضاة محكمة التحكيم يجدون أنفسهم محكمين، و كما اشتغل الباحثون و المهتمون بالقانون الدولي، في توجيه الجماعة الدولية إلى ضرورة إنشاء محكمة قضائية دولية دائمة، وكتب لهذه الفكرة النجاح عند عقد مؤتمر السلام سنة 1919، بحيث كانت تنص المادة (14) من عهد عصبة الأمم المتحدة على ما يلي: يقوم مجلس العصبة بعمل مشروع للمحكمة الدائمة للعدل الدولية، و أن يعرض هذا المشروع على الدول الأعضاء في العصبة، على أن يدخل في اختصاص  هذه المحكمة النظر في المنازعات الدولية التي يرفعها إليها الخصوم، وكذلك إعطاء آراء استشارية في كل ما يطلبه إليها مجلس العصبة أو جمعيتها العمومية.

و عند تكوين مجلس العصبة عهد إلى هيئة من مشرعي القانون الدولي بعمل مشروع المحكمة، إذ وقع بروتوكول تأسيس هذه  المحكمة سنة 1920، بحيث وصل عدد دول الأعضاء الى أكثر من 50 دولة، و استمرت المحكمة بمزاولة وظيفتها طبقا لنظامها الداخلي حتى عام 1946 مع إدخال بعض التعديلات. وقد بثت المحكمة ما بين سنة 1922 و1938 في خمسة و سبعون مسألة منها واحد و خمسون قضية و ثمانية و عشرون رأيا استشاريا، إلا أن المحكمة توقفت عن ممارسة عملها بمجرد اندلاع الحرب العالمية الثانية، و مع احتلال هولندا توقف أيضا انعقاد جلسات المحكمة، و استمر ذلك إلى حوالي سنة 1946، حيث تقرر خلالها حل المحكمة رسميا تبعا لانتهاء عصبة الأمم وحلول هيئة أخرى و هي محكمة العدل الدولية التابعة لمنظمة الأمم المتحدة.

و من أجل هذا اجتمعت لجنة من الفقهاء وذلك بغية وضع مجموعة من المقترحات الخاصة للمحكمة الجديدة، وكان لازما على هذه اللجنة أن تعرض مشروعها على مؤتمر سان فرانسيسكو المنعقد سنة 1945، بحيث عهد إلى اللجنة تحضير الفصل الخاص من الميثاق و وضع القواعد العامة المنظمة لسير المحكمة و إقرار نظامها.

وفي عام 1945 أنشأ واضعو ميثاق الأمم المتحدة هيئة قضائية جديدة و هي محكمة العدل الدولية و هي  كتجربة جديدة من أجل مواكبة فكرة التنظيم الدولي.

كما تم وضع نظام أساسي للمحكمة و الذي أرفق بالميثاق، و فيما عدا بعض التعديلات الطفيفة [1] فإن نظام هذه المحكمة لا يختلف عن نظام المحكمة الدائمة للعدل الدولية، و عندما انعقدت اتخذت نفس لائحة محكمة العدل السابقة و بدون تعديلات جوهرية، و لهذا أصبحت محكمة العدل الدولية الجهاز القضائي للأمم المتحدة و ألحق نظامها الأساسي بميثاقها ليصبح جزءا لا يتجزأ منه.

و كما هو معلوم فإن أولى المراحل لتأسيس محكمة العدل الدولية قد طرحت مجموعة من الإشكاليات و مردها إلى أمرين و هما:

أولا: إن عددا كبيرا من المعاهدات الدولية تنص على إحالة كل نزاع خاص بتفسيرها إلى المحكمة  الدائمة السابقة.

ثانيا: إن عدد لا بأس به من الدول كانت قد أعلنت قبولها مقدما لاختصاص هذه المحكمة من أجل الفصل في المنازعات و لقد أشير إليها في المادة (36) من نظام المحكمة.

ومخافة إسقاط تلك الإحالة و ذلك القبول بفعل إنشاء محكمة جديدة عملت اللجنة المختصة بوضع نظام المحكمة الجديدة على تدارك هذه النتيجة فنصت في النظام الجديد على أن المحكمة الجديدة تحل محل القديمة، و يقع النظام الأساسي لمحكمة العدل الدولية في سبعين مادة تعالج كيفية تكوين المحكمة و تنظيمها، و اختصاصاتها، و الإجراءات المتبعة أمامها وكذلك قراراتها.

 

  • أهداف البحث:

يهدف هذا البحث إلى تسليط الضوء على الاختصاص الاستشاري لمحكمة العدل الدولية و دوره أيضا في تطوير قواعد القانون الدولي، و أهميته في حل المنازعات الدولية بطرق سلمية، و إبراز هذا الدور المهم الذي تقوم به محكمة العدل الدولية، و إيضاح الغموض الذي قد يعتري المحكمة في إطار ممارستها لاختصاصها الاستشاري مع بيان القيمة القانونية للرأي الاستشاري و الذي لم يحظ بطابع الإلزامية إلى حد الآن.

  • أهمية البحث:

لهذا النوع من المواضيع أهمية  تتجلى في الكشف عن مدى إمكانية توسيع الاختصاص الاستشاري لمحكمة العدل الدولية، و معرفة إذا كانت إمكانية لهذا الاختصاص في مواكبة التغيرات والتطورات التي تحدث داخل منظومة القانون الدولي، و حتى الأحداث الدولية و ما تشهده من تحول في مجموعة من الميادين.

أيضا يجب إضفاء النقاش حول واقع الاختصاص الاستشاري لمحكمة العدل الدولية في حل مجموعة من النزاعات الدولية، و مدى إمكانية تقيد أشخاص القانون الدولي بالآراء الاستشارية الصادرة عن المحكمة.

 

  • أسباب اختيار موضوع البحث:

هناك مجموعة من الأسباب التي جعلتني أختار هذا الموضوع و تتجلى في رغبتي الشخصية في البحث و التعمق في مجال القضاء الدولي، و بالتحديد محكمة العدل الدولية و الكشف عن طبيعة اختصاصها  الاستشاري و الأبعاد التي يحققها هذا الاختصاص في ضمان الأمن و السلم الدوليين، و فض النزاعات بين أشخاص القانون الدولي بطرق سلمية، مع المساهمة أيضا في إثراء الدراسات الجامعية في مجال القضاء الدولي الذي لا زال في حاجة ماسة لهذا الصنف من الأبحاث و الدراسات.

  • الإشكالية الرئيسية لموضوع البحث:

الغرض من هذه الدراسة هو الوقوف على الاختصاص الاستشاري لمحكمة العدل الدولية، حيث تباشر محكمة العدل الدولية، إلى جانب وظيفتها القضائية الأساسية، وظيفة استشارية أو افتائية. وبمقتضاها يمكنها إبداء رأي استشاري، في أية مسالة قانونية يطلب منها إبداء الرأي فيها. ولكن طلب الرأي الاستشاري ليس مباحا للدول الأعضاء في الأمم المتحدة، بل محصورا بالجمعية العامة و مجلس الأمن و من تأذن له الجمعية العامة من المنظمات الدولية الأخرى.

وطلب الاستشارة يتطلب قرارا من الجمعية العامة يتخذ بالأكثرية العادية، وهذه المسألة تثير بعض المشكلات القانونية التي تتعلق بآلية طلب الفتوى و اختصاص المحكمة و قيمة الفتوى من الناحية القانونية و أثرها على القضية موضوع الفتوى.

 

 

فمن خلال السياق أعلاه يمكن طرح الإشكالية التالية:

ماهي الجوانب الأساسية للنظام القانوني للاختصاص الاستشاري لمحكمة العدل الدولية؟

  • و يتفرع عن هذه الإشكالية التساؤلات الفرعية التالية:
  • ما المقصود بالاختصاص الاستشاري ؟
  • ومن هي الأطراف المسموح لها بطلب الرأي الاستشاري ؟
  • وماهي طبيعة الإجراءات المتبعة لتقديم طلب الرأي الاستشاري ؟
  • وكيف هو حجم الاختلاف حول القيمة القانونية للرأي الاستشاري حسب وجهتي الفقه و القضاء؟
  • إلى أي حد ساهم الرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية في تطوير قواعد القانون الدولي ؟

 

  • الفرضيات المطروحة:
  • إن الاهتمام بهذا الموضوع يدفعنا لمعرفة الأبعاد القانونية للرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية .
  • أما الفرضية الثانية فتنحصر فيما مدى مساهمة هذا الاختصاص الاستشاري في حل المنازعات الدولية بطرق سلمية و مدى التزام الأطراف المعنية بهذا الرأي.

 

 

  • المناهج المعتمدة في البحث:

إن دراسة هذا الموضوع توجب منا إتباع منهجا محددا، وعليه فمن خلال تطرقنا إلى الأطراف التي لها الحق في طلب الرأي الاستشاري و المسطرة الاجرائية المتبعة في ممارسة هذا الاختصاص ،الأمر الذي يوجب منا تحليل بعض النصوص القانونية كالمتعلقة بالنظام الأساسي لمحكمة العدل الدولية، و لائحتها الداخلية إلى جانب الاعتماد على ميثاق الأمم المتحدة ، مما يدفعنا الأمر إلى الاعتماد على المنهج القانوني، أيضا سنعتمد على المنهج التاريخي و ذلك من خلال سرد مجموعة من الأحداث التي تم تسويتها عن طريق الاختصاص الاستشاري لمحكمة العدل الدولية، مع الأخذ بالمنهج الوصفي و لاسيما عندما نستعرض الجوانب التنظيمية المرتبطة بالاختصاص الاستشاري.

  • خطة البحث:

تمت معالجة هذا الموضوع في فصلين:

الفصل الأول: يتناول الأحكام العامة المرتبطة بممارسة الاختصاص الاستشاري لمحكمة العدل الدولية.

في حين خصص الفصل الثاني لمعالجة : طبيعة الآراء الاستشارية و دورها في تطوير قواعد القانون الدولي .

[1]  أدخل النظام الأساسي لمحكمة العدل الدولية تحديثا هاما على علاقاته البنيوية مع ميثاق الأمم المتحدة، حيث تعززت العلاقة بين محكمة العدل الدولية والأمم المتحدة بمقتضى المادة 92 من الميثاق، والتي تنص على مايلي:

  • محكمة العدل الدولية هي الأداة القضائية الرئيسية للأمم المتحدة، وتقوم بعملها وفق نظامها الأساسي الملحق بهذا الميثاق وهو مبني على النظام الأساسي للمحكمة الدائمة للعدل الدولي، وجزء لا يتجزأ من الميثاق.
  • فضلا عن تعديل المصطلحات (على سبيل المثال، تعديل الإشارات من عصبة الأمم المتحدة – الأمم المتحدة – محكمة العدل الدولية الدائمة – محكمة العدل الدولية).

للتحميل

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *