سلطة القاضي في عقد التأمين

سلطة القاضي في عقد التأمين

بغدادي ايمان

المقدمة :

إن الأمر 07-95 المؤرخ في 25 جانفي 1995 المتعلق بالتأمينات وضع تنظيم مباشر لعقد التأمين،بتحديده مايريده الطرفان ومايلزم كل منهما نفسه به ، والأصل وماتقضي به القواعد العامة أن لا شأن لغير طرفيه بتحديد هذا  المضمون ، حسب القاعدة العامة في القانون المدني ” العقد شريعة المتعاقدين ” .

وبالتالي قيام المشرع بذالك هو استثناء عن الأصل ومبرره هو إعادة التوازن العقدي المختل في عقد التأمين وحماية المؤمن له بحضر الشروط التعسفية وبطلانها من العقد ، ويحدد المشرع الحقوق والالتزامات والخروج عن هذا التحديد هو باطل إلا اذا كان لصالح المؤمن له او المستفيد ، مع استلزام ضوابط شكلية وموضوعية لانعقاد العقد ، هذه صور من آليات تحقيق الحماية القانونية للمؤمن له والتدخل التشريعي لا يكون في صورة واحدة ، وإنما كان لهذا التدخل صور عدة ، المراد منها تحقيق التوازن لعقود التأمين ، فيظهر أيضا جانب من التدخل التشريعي في منح السلطة القضائية صلاحيات تقديرية إزاء المضمون العقدي للتأمين.

عقد التأمين يعتبر من عقود الإذعان بالنظر إلى تعاظم دور الوسطاء والسماسرة الممثلين للمؤمن شركة التأمين في ابرام عقد التأمين على وجه يجعل منهم الطرف الذاعن في ابرام العقد تجاه المؤمن له كطرف اضعف مما يبرر أهمية اعتبار التأمين من عقود الإذعان. فقد نشىء عن عقد التأمين كعقد إذعان مراكز عقدية متميزة للمؤمن ضد مصلحة المؤمن له على وجه مكنة من فرض بعض الشروط التعسفية والتي لا تراعى إلا مصلحة المؤمن وحدة وقد رأي الفقه التدخل التشريعي لمصلحة المؤمن له الطرف المذعن بقصد تخفيف غلواء هذه الشروط أو إبطالها بمقتضى اعتبارات حسن النية في تنفيذ العقود.

ورغم وجود قانون جزائري خاص بالتأمينات، إلا انه يطبق أيضا على عقد التأمين  القواعد العامة ، وبالتالي تنوع الغطاء الحماءي للمؤمن له .

المحور الأول : تعديل او إعفاء القاضي الشروط التعسفية في عقد التأمين

يقصد بتعديل العقد ؛ إجراء تغيير جزئي في العقد بما ينصب على عنصر من عناصره ، او بند من بنوده بالحذف او الإضافة او غير ذالك على أن  لا يصل هذا التغبير في اقصى مداه الى ازالة  العقد او او نقضه وينصب التعديل على كم الالتزام او كيفية تنفيذه او إلغاء بند من بنوده او شرط من شروطه .

ووفقا للقواعد العامة فإن دور القاضي يقتصر بالنسبة إلى العقود على مجرد تفسيرها بغية إعمال حكم القانون عليها ، إلا انه وخروجا على هذه القاعدة وبحجة توفير الحماية للطرف المذعن في عقود الإذعان اعترف القانون بسلطة استثنائية للقاضي بموجب المادة 110 من القانون المدني الجزائري والتي من خلالها تتيح له تجاوز الدور السابق إلى إهدار الشروط الواردة في العقد وتعديلها اذا تبين له أنها تعسفية ، بغية إعادة التوازن بين المتعاقدين  أي بين طرف قوي متمثل في شركات  تأمين وطرفضعيف مذعن المؤمن له .

وبالتالي يجوز لمستهلك التأمين بموجب المادة 110 ان يلجأ الى القضاء للمطالبة بتعديل الشروط التعسفية او إلغاءها ، حيث تنص هذه المادة :”اذا تم العقد بطريق الإذعان ، وكان قد تضمن شروطا تعسفية جاز للقاضي ان يعدل هذه الشروط او ان يعفي الطرف المذعن منها ، وذلك لما تقضي به العدالة ويقع باطلا كل اتفاق على خلاف ذلك ” ، فالقاضي يملك كامل الحق لتقرير ما اذا كان الشرط تعسفيا او لا  وله أن يعدله او يلغيه ان الشرط الذي يقوم القاضي بتعديله او الغاءه مالم يكن الدافع إلى التعاقد ، فإن القاضي سلطته تتوقف عند التعديل او الإعفاء للشرط التعسفي دون أن يحكم ببطلان العقد ، ذلك لأن بطلان العقد بكامله يترتب عليه عدم توفر الحماية التي أرادها القانون للمذعن ، لأن مصلحة المذعن هي استمرار العقد مع تعديل او إعفاء من الشروط التعسفيةأ وإلا  فالبطلان الكلي للعقد يكون لمصلحة الطرف القوي في العقد التأمين ؛ بتنصل المؤمن من دفع التعويض .

ويمكن تطبيق هذه القاعدة على المستامن  بحيث لا يسري عليه الشرط التعسفي في كثير من الحالات كالحالة التي لا يعلم فيها بهذا الشرط ولم يكن في إمكانه ان يعلم او الحالة التي تحول القوة القاهرة  دون مراعاة المستامن لهذا الشرط او عند حسن نيته او عدم توافر الحكمة من الالتزام المفروض عليه .

المحور الثاني : تفسير القاضي الشروط التعسفية في عقد التأمين

يقصد بالتفسير تلك العملية الذهنية  التي يقوم بها القاضي من أجل الوقوف على الارادة الحقيقية للمتعاقدين والقاضي الحق في ان يستعمل كل  الأساليب القانونية التي من شأنها أن تساعده في معرفة قصدها ، وتتيح عملية التفسير للقاضي صلاحيات وسلطات مهمة لإعادة التوازن العقدي وحماية الطرف الضعيف ، إلا أن هذه الصلاحيات تتحدد حسب ما اذا كانت الشروط بالعقد جلية او غامضة .

تنص المادة 112 قانون مدني جزائري :”يؤول الشك في مصلحة المدين ، غير انه لا يجوز تأويل العبارات الغامضة في عقود الإذعان ضارا بمصلحة الطرف المذعن ” في مجال تفسير النصوص الغامضة فقد استقر القضاء على تفسير النص ضد مصلحة المدين اذا لم يكن ملزما للقاضي ، خصوصا اذا تبين له ان الدائن بالإلتزام هو الطرف المغلوب على أمره ولقد ذهب أيضا القضاء الفرنسي في هذا الشأن الى أن الحماية يجب أن تقرر في مواجهة الطرف الذي بيده المبادرة في شأن الاشتراط وتطبيقا لذلك نجد القاضي يفسر الشك لمصلحة المدين .وفي الفقرة الثانية للمادة 112 لا يجوز أن يكون تفسير العبارات الغامضة في عقود الاذعان ضارا بمصلحة الطرف المذعن ولو كان داءنا وذلك خلافا للقاعدة السابقة التي تقضي ان يكون التفسير عند الشك لمصلحة المتعاقد المدين ، على اساس انه اذا كان فيها لبس او إبهام فمن العدل ان يتحمل هذا الأخير جريرة تقصيره في إيضاح شروط العقد وأن لا يستفيد من غموض الشروط التي املاها وفرضها على الطرف المذعن .

وقد أكدت محكمة النقض الفرنسية في العديد من أحكامها ان شروط عقد التأمين الواضحة والمحددة يجب أن يطبقها القاضي كما هي دون تفسير ولو كانت لاتخدم مصلحة المستفيد من التأمين ، كما حكمت المحكمة منذ 1872 بمنع تشويه او تغيير الالتزامات او تعديل ما نص عليه العقد بعبارات واضحة ، وإلا كان تفسير القاضي معرض للنقض.

أما  المادة 111 من قانون مدني جزائري  تنص “….. أما اذا كان هناك محل لتاويل العقد فيجب البحث عن النية المشتركة للمتعاقدين دون الوقوف عند المعنى الحرفي للالفاظ مع الاستهداء في ذلك بطبيعة التعامل وبما ينبغي ان يتوافر من أمانة وثقة بين المتعاقدين وفقا للعرف الجاري في المعاملات ” .

فإذا تضمن عقد التأمين عبارات غامضة فإن القاضي ملزم بتفسيرها ويعتمد في ذلك على القواعد العامة للتفسير وله السلطة التقديرية التامة في استخلاص نية المتعاقدين  .

وكثيرا ما يكون هناك في عقد التأمين تعارض بين أحد الشروط المطبوعة في وثيقة التامين  وبين شرط خاصمضاف اليه فان حكم الشرط المطبوع يعتبر منسوخا بحكم الشرط الخاص المضاف لأن الشرط الخاص يكشف عن نية المتعاقدين في معالجة الأمر المتعلق به مثال ذلك تغطية أخطار الحرب في عقد التأمين البحري بموجب الشروط المتعلقة به ، ينسخ حكم الاستثناء لهذه الأخطار الوارد في الوثيقة او في الشروط المعهدية الملحقة بها ، والتي تعتبر جزءا لا يتجزأ منها ، كذا لك الأمر في حالة تغطية  حوادث الشغب بموجب تظهيرة تلحق بوثيقة التأمين ضد الحريق ، فإن الاستثناء المتعلق بهذه الحوادث يعتبر منسوخة بحكم التظهيرة المرفقة ، حتى ولو لم يرد النص على ذلك ضمن شروط التظهيرة ، كذالك الحال في اذا وجد تعارض بين الشروط المطبوعة في الوثيقة وبين شرط مطبوع عليها بالالة الكاتبة ، فان الشرط المطبوع بالالة الكاتبة ينسخ حكم الشرط المطبوع، واذا وجد غموض في مدلول اي شرط من شروط الوثيقة ، سواء كان مطبوعا او مضافا او مكتوبا بالالة الكاتبة فإن هذا الغموض يجب أن يفسر لمصلحة المؤمن له .

لقد نجح القضاء في توفير حماية للمستفيدين ضد الشروط التعسفية، وذلك عن طريق خطة تعتمد على أمرين : الأول : اعتماد تفسير موسع للنصوص التشريعية التي تحمي المؤمن له والمضرور ، بحيث يمتد نطاقها ليس فقط إلى الأحوال التي تستبعد فيها بعض المخاطر بصورة مباشرة ، بل حتى ولو تم هذا الاستبعاد بصورة غير مباشرة والأمر الثاني : عدم التوسع في تفسير بنود الوثيقة التي تنص عل استبعاد بعض الأخطار او سقوط حقوق المستفيدين في بعض الأحوال .

الخاتمة :

ان دور القضاء مهم جدا في حماية الطرف الضعيف في عقد التأمين ، من الشروط التعسفية التي تتضمنها الوثيقة ، وقد يتبادر إلى الذهن أن دور القضاء في هذا المجال يقتصر على الدول التي لم يتضمن نظامها القانوني نصوصا تشريعية للتخفيف من أثر الشروط التعسفية ، غير أن الحقيقة تخالف ذلك حيث يكتسب دور المحاكم نفس الأهمية حتى في الدول التي فرضت رقابة على العقود النموذجية لإلغاء ما تتضمنه من شروط تعسفية ، وفي الجزائر يطبق قواعد القانون المدني الخاصة بعقود الإذعان على عقد التأمين رغم أيضا وجود قانون خاص بعقد التأمين على اعتبار انه عقد خاص وهو الأمر 07-95

وبما أن أيضا عقد تأمين عقد استهلاكي فقواعد قانون المستهلك تطبق عليه أيضا .

لقد كان القضاء سباقا في بسط حمايته على الطرف الضعيف في عقد التأمين، وظل دوره حيويا وجوهريا نتيجة لزيادة وتعمق التخصص والخبرة التي يتمتع بها المؤمن في مواجهة جمهور من المستامنين ، غير مدركين لمعاني بعض المصطلحات او لاثر بعض الشروط التي قد يعمد المؤمن إلى تضمينها وثاءقه .

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

التخطي إلى شريط الأدوات