عقد الهبة بين الخضوع والإعفاء من الضريبة على الدخل المترتبة على الأرباح العقارية

 

dgi

 

بقلم : المختارالسريدي

يعتبرعقد الهبة من بين العقود المسماة الأكثر ذيوعا وشهرة وانتشارا وتداولا بين الناس في معاملاتهم اليومية ، ورغم أهميته والحاجة الماسة إليه في الكثير من الأحيان ، فإن المشرع لم ينظم أحكامه كما هوعليه الأمر بالنسبة لباقي العقود المنصبة على الملكية كالبيع والمعاوضة … وقد يدق التمييز بين الهبة والبيع إذا كانت الهبة بمقابل أوبعوض ، حيث نية التبرع هي مناط ومعيارالتمييز، لأن الأعمال بالنيات والتعاقد في هذه الحالة بالنيات كذلك ، فإذا كانت نية التبرع حاضرة سمي العقد “عقد هبة” كيفما كان العوض ومهما بلغ المقابل، وإذا كانت نية الشراء لشيء أو حق بثمن نقدي كان العقد عقد بيع . أما الهبة التي تأخذ صورة بيع ، فإنها لاتعتبربيعا من الناحية القانونية لأن العبرة بالعقد الحقيقي لابالعقد الصوري . غيرأن كلا العقدين يترتب عليهما انتقال الملكية من طرف لطرف أخر. كما يدق التمييز بين الهبة والصدقة حيث يعرفان معا بأنهما تمليك ذي منفعة لوجه المعطي بغيرعوض ، إلا أن الصدقة عكس الهبة تكون دائما لوجه الله ولايجوز الرجوع فيها (1) لأن الذي يعود في صدقته كالكلب يعود إلى قيئه كما جاء في الحديث النبوي الشريف . وقد يدق التمييز أيضا بين الهبة والوصية ، حيث لابد بعد إبرام عقد الهبة من الحيازة الفعلية للشيء الموهوب لكي يصير العقد تاما ومنتجا لجميع آثاره (2) ، أما في عقد الوصية التي هي في حقيقة الأمرهبة معلقة على حدوث الوفاة ، فإنه بمجرد وفاة الموصي وقبول الموصى له للوصية يصبح الشيء الموصى به ملكا له حكما دونما حاجة إلى تسليم أو حيازة فعليين؛ لكن يتعين على هذا الأخير- أي الموصى له -عدم التقاعس في مطالبة ورثة الموصي بنصيبه الموصى به قبل تقسيم التركة . والرجوع في الوصية أو تعديلها أو إلغاؤها يبقى بيد الموصي متى شاء سواء في صحته أو مرضه ، طبقا لأحكام مدونة الأسرة ولقول عمر الفاروق رضي الله عنه “يغيرالرجل من وصيته مايشاء “. والهبة كالهدية مستحبتان ، إذ هما من الخير المرغب في فعله والمسابقة إليه (3) لقوله تعالى : (لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون) (4) .

وإذا كانت الهبة من العقود المنصبة على الملكية ، والتي يترتب عنها تفويت أو انتقال ملكية عقارات أوحقوق عينية عقارية…من طرف إلى طرف أخر، فإن عملية التفويت أو الإنتقال تلك قد تخضع وقد لاتخضع للضريبة على الدخل ، وذلك بحسب الحالات ولارتباط ذلك بدرجة القرابة بين المفوت والمفوت له . فمنذ إحداث الضريبة على الأرباح العقارية بمقتضى المادة 5 من القانون المالي لسنة 1978 (5) ، لم تكن الهبة محل أي فرض ضريبي مهما كانت طبيعتها أوطبيعة أووضعية الأطراف المتعاقدة فيها . لكن ابتداء من فاتح يناير2001 ، وعملا بقاعدة توسيع حقل الوعاء الضريبي التي كان ينشدها المشرع الضريبي المغربي ، وبمقتضى المادة 11 من القانون المالي رقم 55 – 00 للسنة المالية 2001 ، وبعد حذف الضريبة على الأرباح العقارية كضريبة نوعية مستقلة وقائمة بذاتها ، وإدماجها في إطار الضريبة العامة على الدخل صنف الدخول والأرباح العقارية (6) ، حيث سيتم إدخال تعديلات جذرية على مجموعة من مواد القانون رقم 17.89 المنظم للضريبة العامة على الدخل ، خاصة المادتان 82 و 84 اللتان تم بموجبهما اعتبار جميع التفويتات بغيرعوض والمنصبة على عقارات أوحقوق عينية عقارية أو أسهم أوحصص ذات طابع عقاري ، خاضعة للضريبة العامة على الدخل ماعدا إذا تمت بين الأصول والفروع وبين الأزواج وبين الإخوة والأخوات . نفس المقتضيات ونفس الأحكام كرستها المدونة العامة للضرائب ابتداء من سنة 2007 في الفقرة الثالثة من المادة 63 التي استمرت في إعفاء التفويتات بغير عوض التي تتم بين الأصول والفروع والأزواج والإخوة والأخوات من الضريبة على الدخل المترتبة على الأرباح العقارية.

لكن السؤال الذي يظل مطروحا بإلحاح هو ما المقصود بالأصول والفروع والأزواج والإخوة والأخوات ، من أجل التطبيق السليم للمقتضيات السالفة الذكر؟ فهل يقصد بهم أصول المفوت ذكورا وإناثا مهما علوا ومهما علون ، وفروعه ذكورا وإناثا مهما نزلوا ومهما نزلن ، وزوجاته وان تعددن في حدود الأربعة المسموح بهن شرعا بالنسبة للمسلمين ، وإخوته وأخواته سواء كانوا أو كن أشقاء أولأب أو لأم ؟ وهل يدخل في زمرة هذه الفئات المعفاة من الضريبة الأصول والفروع والإخوة والأخوات بالتبني أو بالكفالة؟ وماموقف المشرع الجبائي من التفويتات بغيرعوض التي تتم من أجل المنفعة العامة أوالمنفعة المحلية أوالمنفعة الإجتماعية كالتبرع كتابة في شكل هبة أوصدقة بعقارات أوأراضي من أجل بناء مسجد أومدرسة عمومية أومستشفى أوميتم أو ملجأ أو دارطالب أو دار طالبة أمؤسسة خيرية أو ملاعب رياضية … (7)؟ إن الفئات المذكورة بالفقرة الثالثة من المادة 63 من المدونة العامة للضرائب ، والتي تستفيد من الإعفاء ، هي واردة على سبيل الحصر لا على سبيل المثال ، وبالتالي فإن أي اجتهاد من طرف مفتش الضرائب المختص أو كل من يعنيه الأمر في حشر فئات أخرى مشابهة أومماثلة في قائمة المستفيدين من الإعفاء الضريبي ، يعتبر اجتهادا في غير محله وخرقا صريحا للقانون الضريبي ، الذي لازال يسير في اتجاه تقليص أو إلغاء الامتيازات والإعفاءات الضريبية شيئا فشيئا . ومع ذلك فإننا نميل إلى القول بأن التفويتات بغيرعوض المنجزة بين الأصول والفروع والإخوة والأخوات بالتبني أو بالكفالة، وتلك المنجزة من أجل منفعة عامة أو محلية أو اجتماعية لاتنشد الربح ، تعتبر على سبيل القياس معفاة من الضريبة ولو لم يتم التنصيص عليها صراحة وذلك في غياب أية أرباح تذكر، نتمنى أن يجعلها المشرع الضريبي نصب عينيه في أي تعديل لاحق للمدونة العامة للضرائب، وستسجل ضمن حسناته .

هوامـــــش :

(1) محاضرات في القانون المدني ، الدكتور عبدالرحمان بلعكيد ، كلية الحقوق بالدارالبيضاء ، 1990 ـ 1991

(2) انظر المذكرة عدد 714 الصادرة عن المديرية العامة للضرائب بتاريخ 21/07/2004 ، صفحة 34 و35 .

(3) منهاج المسلم : أبو بكر جابر الجزائري ، صفحة : 289 .

(4) سورة آل عمران ، آية 91 .

(5) قانون رقم 1.77 الصادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 1.77.372 المؤرخ في 30 دجنبر 1977 ، المنشور بالجريدة الرسمية عدد 340 مكرر بتاريخ 31/12/1977 .

(6) المادة الأولى من قانون 17.89 المنظم للضريبة العامة على الدخل .

(7) انظرالمادة 129 من المدونة العامة للضرائب التي تعفي من واجبات التسجيل المحررات ذات المنفعة العامة والمحررات المتعلقة بالجماعات العمومية والمحررات ذات المنفعة الإجتماعية …

Profile photo of AFKIR Mohamed

AFKIR Mohamed

باحث في قانون الأعمال

التخطي إلى شريط الأدوات