قانون تدابير حماية المستهلك رقم 08_31 بعد ثلاث سنوات من الصدور : الحصيلة و الافاق

الأستاذ العزوزي الـمهدي

 

محامي متمرن بهيئة فاس

باحث في دكتوراه منازعات الأعمال

لا شك بأن المتتبع للمراحل التي مر بها قانون حماية المستهلك و المخاض العسير الذي عرفه هذا الأخير سواء في إعداده أو مناقشته، وذلك قبل صدوره بالجريدة الرسمية بتاريخ 07 أبريل 2011، يتأكد بأننا أمام قانون من نوع خاص تتقاطع فيه عدة مصالح متضاربة منها أساسا مصلحة الطرف الضعيف في العلاقات الاستهلاكية وهو المستهلك(المادة2 ق.ح.م.م.) ، ثم مصلحة الطرف القوي الذي يمثل ما اصطلح عليه من طرف المشرع المغربي بالمورد، و أخير مصلحة حماية الاقتصاد الوطني و الرفع من مردوديته. إن تعدد هذه المصالح بالشكل السالف الذكر ساهم في تعثر صدور هذا القانون خاصة أمام تدخل عدة مؤسسات تجارية بغية عرقلة المصادقة على مجموعة من المقتضيات التي رأت أنها تمس جوهر و أساس و جودها وهو تحقيق الربح. ونحن إذ نضع هذه الدراسة بين يدي القارئ في وقت مهم جدا و هو مرور ثلاث سنوات على صدور قانون تدابير حماية المستهلك رقم 08_31 بحلول السابع من أبريل الجاري، فإننا نتوخى من ورائها لفت انتباه الأطراف المتدخلة في هذا القانون من مستهلكين و جمعيات و موردين إلى قانون لم ينل حظه من الاهتمام والدراسة ولم يسلط عليه الضوء من طرف الإعلام بالشكل اللازم مما فوت على المستهلك فرصة الاستفادة من المكتسبات التي جاء بها هذا الأخير. إن المتتبع لقانون حماية المستهلك باهتمام منذ صدوره لحدود اللحظة و في العديد من جوانبه، سواء منها الدراسات الأكاديمية المحتشمة و الأحكام القضائية التي عالجته ، و كذا المتابعة التي حظي بها من طرف هيآت المجتمع المدني و الإعلام أو حتى من طرف المستهلكين في حد ذاتهم يمكنه الوقوف عند الواقع المتدني الذي لا زالت تعرفه الحماية المخولة للمستهلك وذلك من عدة جوانب لعل وهو ما يتضح من عدة زوايا : 1_ قضاء مدني و تجــــاري شبه مبادر إن صدور قانون تدابير حماية المستهلك شكل قفزة نوعية في حجم المكتسبات التي وضعها المشرع خدمة لمصلحة الطرف الضعيف بدءا من إسناد الاختصاص المحلي في النزاعات الاستهلاكية لمحكمة موطن أو إقامة المستهلك(المواد 111و 202 من ق.ح.م.م.) خروجا عن مقتضيات قانون المسطرة المدنية(الفصل 27) التي تسند الاختصاص لمحكمة المدعى عليه، مرورا بقلب عبء الإثبات و جعله على المورد استثناء في نزاعات الشروط التعسفية و العقود عن بعد(المواد 18 و 34 ق.ح.م.م.) عكس ما ينص عليه قانون الالتزامات و العقود من جعل عبء الإثبات على المدعى وغيرها من المستجدات التي همت الجانب الإجرائي في قانون تدابير حماية المستهلك، ثم التحولات التي عرفها الجانب الموضوعي في هذه الحماية بدءا من النص صراحة على الحق في الإعلام و الحق في التراجع و تأطير مجوعة من الممارسات التجارية المشروعة منها و غير المشروعة وضبط الجوانب المتعلقة بالقروض سواء الاستهلاكية منها أو العقارية …. وغيرها من المستجدات التي يصعب حصرها في هذا المقام و التي سنقف عندها من خلال دراسات لاحقة. لكن ما يمكن تسجيله بهذا الخصوص هو التجاوب و المرونة التي تعامل به القضاء سواء منه المدني أو التجاري مع متطلبات هذه الحماية في العديد من النزاعات التي عرضت عليه، هذه المرونة برزت أساسا في التطبيق السليم لمقتضيات الاختصاص المحلي من طرف مجموعة من محاكم المملكة (على رأسها الدار البيضاء و الرباط مراكش فاس و مكناس..) من خلال الحكم صراحة وتلقائيا بعدم الاختصاص المحلي كلما كان موطن المستهلك يخرج عن دائرة نفوذ المحكمة المعروض أمامها النزاع تطبيقا لمقتضيات قانون حماية المستهلك الذي يسند الاختصاص المحلي لمحكمة موطن أو إقامة المستهلك ويجعل هذا الاختصاص من النظام العام (المواد 111 و 151 و 202). أضف إلى ذلك أن القضاء المغربي(بمكناس والدار البيضاء و فاس) لم يقف عند هذا الحد و إنما ساهم في إعمال و تطبيق نظرية الإمهال القضائي وفق منظور جديد يراعي متطلبات الحماية التي تقتضيها وضعية الطرف الضعيف_المستهلك_ وهو ما يستشف من عدم تردد رئيس المحكمة في منح مهل قضائية للمستهلك خاصة في حالة الفصل عن العمل أو الحالة الاجتماعية غير المتوقعة. إن مرونة القضاء سواء منه المدني أو التجاري تجلت كذلك في تحكم القاضي(مراكش و أكادير و الدار البيضاء و فاس..) من خلال السلطة التقديرية التي خولها له قانون حماية المستهلك في نسب الفوائد المتضمنة في العقود بشكل يجعلها تتوافق مع مقتضيات قانون حماية المستهلك التي تتسم اغلبها بطابع النظام العام بغية تجنب المغالاة في الفوائد، نفس التوجه سلكه القضاء مع بعض المكتسبات الأخرى من قبيل التوقف عن الدفع و مؤخرا الشروط التعسفية. لكن بالرغم من ذلك فإن القاضي المغربي مطالب باستجابة أكبر للأدوار الجديدة المنوطة به من خلال القوانين ذات البعد الاقتصادي والاجتماعي كما هو الشأن بالنسبة ل ق. 08-31 وذلك من خلال استحضار المصلحة المحمية في ق. 08-31 والتعامل بمرونة مع بعض القواعد العامة بشكل يسمح بإعادة التوازن للعلاقات التعاقدية خاصة ما يتعلق بضرورة توسع القاضي في منح مهلة الميسرة كلما تطلب الأمر ذلك ما دام يتمتع بسلطة تقديرية تسمح له بذلك، كما يتوجب عليه استحضار بعد النظام العام التي يميز أغلب قواعد ق. 08-31 [حوالي 105 مادة] أي ما يناهز 50% من مواد القانون، و التفاعل بإيجابية مع بعض الممارسات التعسفية التي تشهدها أغلب العقود المبرمة بين المستهلك و المورد. مع ضرورة التأكيد على أن القاضي مدعو إلى إعمال قاعدة التأويل الأكثر فائدة للمستهلك المنصوص عليها في المادة 9 من قانون حماية المستهلك والسلطات التقديرية المخولة له، وكذا تجسيد الدور الإيجابي الذي يمكن أن يلعبه في إعادة التوازن على العلاقات التعاقدية بما يسمح به القانون و تقتضيه النصوص التشريعية. 2_ مستهــــلك غــير واع بحقــــوقه لا شك بأن الملاحظة الأولية التي يمكن الوقوف عندها في هذا الخصوص تتمثل أساس في استمرار غياب ثقافة حماية المستهلك في الوسط المغربي حتى بعد صدور قانون حماية المستهلك سنة 2011 ، مما يطرح التساؤل حول القيمة القانونية للمقتضيات التي جاء بها هذا القانون إذا لم يتم استثمارها عمليا على مستوى النزاعات في سبيل توفير الحماية المتطلبة للمستهلكين بشكل يضفي الإنصاف على هذه العلاقات ؟ إن غياب ثقافة حماية المستهلك يظهر جليا في غياب المبادرة من طرف هذا الأخير(المستهلك) في حالة حصول نزاع بينه و بين المورد لحماية حقوقه، إذ أن المتتبع للقضايا المعروضة على كافة محاكم المملكة و التي تهتم بتسوية نزاعات الاستهلاك سيكتشف أن %90 من تلك القضايا مرفوعة من طرف المورد، و حتى في الحالة التي يكون فيها المستهلك متضررا يتقاعس عن المبادرة لحماية حقوقه و ذلك في نظرنا راجع بالأساس إلى: • غياب الإعلام و التحسيس الكافي بهذا القانون سواء من طرف الإعلام أو حتى جمعيات حماية المستهلك التي أناط بها القانون هذا الدور . • قلة الندوات و الدراسات التي تعاطت مع المستجدات الحمائية التي جاء بها قانون حماية المستهلك المغربي. • عدم تعاطي المستهلك مع هذه المستجدات حتى في ظل إحداث شباك المستهلك(11 شباك حاليا) في العديد من المدن المغربية كآلية لخدمة مصلحة المستهلك و تقديم الاستشارة له. لكن بالرغم من ذلك فإن هذا لا يمنع من التأكيد على أن المستهلك هو الآخر يجب أن تكون له الجرأة من أجل تفعيل حقوقه، لأنه في ظل صدور قانون 08-31 تبقى المبادرة للمستهلك للمطالبة بحقوقه والدفاع عنها خصوصا وأن من بين أهداف هذا القانون الإصغاء للمستهلك. 3_مؤسسات تجارية(موردون) فوق القانون بعد صدور قانون تدابير حماية المستهلك توقع العديد من المتتبعين حدوث ثورة حمائية للمستهلك في ظل المستجدات القانونية التي جاء بها هذا القانون ، غير أن المتابعة المستمرة لهذا القانون بعد صدوره و لحدود اللحظة أثبت أن الطرف القوي أي المورد لا زال يتعامل بمنطق القوة التي كان يتعامل بها قبل صدور القانون مع المستهلك وهو ما يستشف من خلال النقاط التالية: • بالاطلاع على مجموعة من العقود المبرمة بين المستهلك و المورد يتضح أن أغلب هذه العقود لم يتم ملاءمتها مع المقتضيات التي جاء بها قانون حماية المستهلك رغم أن اغلبها من النظام العام وتقتضي الملاءمة طبقا للمواد 198و 199 و 200 من ق.ح.م.م.، و استمرار العمل بالعقود النموذجية و النمطية التي تضمن معاملة تفضيلية للمؤسسات التجارية وهو ما يستشف من عقود التزويد بالماء و الكهرباء و عقود الاشتراك في الهاتف و عقود القرض الاستهلاكي و العقاري الممنوحة للمستهلكين و مجموعة من عقود الخدمات ، ولا شك بان عدم الملائمة هذه شملت مجموعة من المقتضيات أهمها استمرار اعتماد اللغة الفرنسية كلغة أساسية في إبرام هذه العقود بالرغم من أن قانون حماية المستهلك ينص في المادة 206 على وجوب اللغة العربية كلغة أصلية. • إن إلقاء نظرة على هذه العقود توضح بما لايدع مجالا للشك أنها تتضمن مجموعة من الشروط التعسفية التي تتنافى و مقتضيات المواد 15 إلى 20 من قانون حماية المستهلك التي تعد من النظام العام ، أضف إلى ذلك أن المورد يتعمد في الغالب تحرير هذه العقود بطريقة غير مقروءة(حجم الكتاية صغير جدا) و تقنية لا تتيح للمستهلك البسيط قراءتها و التعرف على مضمونها ، كما أن هذه المؤسسات غالبا مالا تمنح للمستهلك فرصة التفكير و التروي و تلزمه بالتوقيع على العقد فورا استغلالا منها للحاجة الماسة التي يكون فيها المستهلك للمنتوج أو الخدمة. • عدم تضمين كافة الشروط في العقود المبرمة مع المستهلكين و الاكتفاء بالشروط العامة مع الإحالة على شروط أخرى لم يسبق للمستهلك أن تفاوض حولها. كل هذه النقاط تدفعنا لطرح التساؤل حول القيمة القانونية لهذه المكتسبات التشريعية إذا كانت ستظل حبيسة الرفوف دون أية متابعة من طرف الجهات المعنية و الوصية على كل قطاع على حدة؟ لذلك تبقى الحاجة ملحة إلى متابعة تطبيق هذه النصوص و الضرب بقوة على أيدي المستخفين بالنصوص القانونية الجاري بها العمل إعمالا لمبدأ سمو النصوص القانونية و المساواة أمام القانون كمبدأين دستوريين و عالميين. 4_ جمعيات حماية المستهلك مع وقف التنفيذ إبان صدور قانون حماية المستهلك كان الجميع يتوق إلى دور فعال لجمعيات حماية المستهلك إن على مستوى التثقيف و التحسيس أو على مستوى الدفاع عن المصلحة الجماعية للمستهلكين، غير أن نشر هذا القانون بالجريدة الرسمية تبين معه أن عمل هذه الجمعيات بشكل فعال و متطور بقي معلقا إلى اجل غير مسمى نظرا لاعتبارات متعددة نذكر من بينها: • ربط عمل هذه الجمعيات بضرورة صدور مجموعة من النصوص التنظيمية سواء تلك المتعلقة بالنظام الأساسي النموذجي أو صفة المنفعة العامة و التي عرفت تعثرا كبيرا إلى أن صدرت مؤخرا ، مما ساهم في تضخم المنظومة القانونية المتعلقة بحماية المستهلك و عرقلة عمل هذه الجمعيات. • تقييد عمل هذه الجمعيات بالعديد من الشروط من قبيل حصرية الدفاع عن المستهلكين، وضرورة الخضوع لنظام أساسي نموذجي حدده المشرع المغربي مؤخرا بمرسوم ، والحصول على صفة المنعة العامة ، و أخيرا ضرورة الانضمام للجامعية الوطنية مما يشكل فرضا للوصاية على عمل هذه الجمعيات و تقييدا لعملها ومساسا باستقلاليتها . • عدم توفر أي جمعية لحماية المستهلك بالمغرب على صفة المنعة العامة في ضوء قانون حماية المستهلك مما يجعل إمكانيتها في رفع دعاوى قضائية منعدمة، سواء منها دعوى إبطال الشروط التعسفية أو الدعوى المدنية المستقلة أو دعوى التمثيل المشترك أو حتى التدخل في الدعوى الفردية المرفوعة من المستهلكين. • و أخيرا غياب الدعم المالي الكافي لهذه الجمعيات من قبل الجهات المعنية و الأدهى من ذلك عدم تمتيعها بالمساعدة القضائية من طرف المشرع المغربي مما يشكل عرقلة لحقها في اللجوء للقضاء. كلها معيقات تحد من فعالية دور هذه الجمعيات، لذلك يبقى الأمل مع صدور النصوص التنظيمية معلقا على إطلاع هذه الجمعيات بالأدوار المنوطة بها في سبيل تحقيق حماية فعالة للمستهلكين. 5_ معيقــــــات قــــــانونية بالجملـــــــة إن القراءة العادلة لمقتضات قانون حماية المستهلك تقتضي أولا التسليم بأن هذا الأخير جمع بين طياته مجموعة من المكتسبات القانونية الحمائية للمستهلكين التي لا يمكن التغاضي عنها و ينبغي الوقوف عندها بنوع من الاستحسان و الإشادة غير أن الدراسة التي نحن بصددها تقتضي منا أساسا الوقوف عند حصيلة هذا القانون بعد 3 سنوات من الصدور و المعيقات القانونية التي ساهمت في عدم تحقيقه للنتائج المرجوة منه. هذه المعيقات تعددت و تنوعت بدءا من اعتماد المشرع المغربي بشكل مبالغ لمنطق الإحالة في قانون حماية المستهلك هذه الإحالة أخذت عدة صور إما الإحالة على الشكل التنظيمي [المواد 3، 4، 12، 47………] (ما يناهز 22 إحالة)، أو الإحالة على مواد في نفس القانون المواد 13، 14، 29……….، أو الإحالة على قوانين أخرى : إما _صراحة (ق.ل.ع المواد 13 و 15 و 16 ق 53-05 المادة 26 و ق03-77 المتعلق بالاتصال السمعي البصري المادة 21 ظهير 1958، أو ضمنيا: ق.م.م. و ق.إ.م.ت و ق.ل.ع. أضف إلى ذلك عدم وضوح الصياغة القانونية في العديد من المقتضيات من قبيل الاختصاص النوعي في العقود المختلطة( الفقرة الأولى و الخامسة من المادة 5 ق.إ.م.ت.، و حضور الترجمة المعيبة في بعض الحالات ( المورد نموذجا……….)، وكذا غياب نضام قانوني للمساعدة القانونية للمستهلكين وغيرها من المعيقات التي تشكل مساسا بالأمن القانوني للمستهلك و بالتالي إمكانية تحقيق تسوية منصفة للنزاعات الاستهلاكية.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *