مارية جوهري : التأطير الدستوري للمالية العامة بالمغرب

“التأطير الدستوري للمالية العامة بالمغرب”

إعداد: ذ مارية جوهري : باحثة في سلك الدكتوراه، تخصص التدبير والإداري والمالي بكلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية أكدال – الرباط

 

مقدمة :

تطورت المالية العامة تبعا لتطور وظائف الدولة في كافة المجالات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية،و نظرا لما للجباية والإنفاق من دور في القيام بوظائفها، كانت الحاجة ملحة لوضع القواعد المنظمة للمجال المالي حتى تستطيع الدولة أداء وظائفها على أحسن ما يرام، فأي نشاط مرفق أو جهاز عمومي يتوقف وجوده أو استمراره على الجانب المالي[1].

وارتباطا بمبادئ الديمقراطية ودولة الحق والقانون،  أولى المشرع المغربي اهتماما بالغا منذ السنوات الأولى للاستقلال بالإصلاح المالي والاداري ، وإرساء دعائم اقتصاد وطني مبني على أسس السيادة الوطنية . وهكذا تضمن  أول دستور للمملكة سنة 1962 مبادئ وقواعد لتدبير المال العمومي . وتوالت مشاهد الإصلاح  المالي العمومي، عبر المراجعات الدستورية ( 1970-1972-1992-1996-2011 ) وكذا إصلاح القانون التنظيمي للمالية العامة والترابية على حد سواء لمواصلة البناء المؤسساتي وتسريع وثيرة الاصلاح الهيكلي.

وقد جاءت التعديلات الأخيرة لدستو 2011[2] مواكبة للمستجدات الدولية والاقليمية والوطنية سواء على الصعيد الاقتصادي والمالي والاجتماعي. فشكلت مجموعة من الفصول المتعلقة بالمالية سواء العامة أو الترابية بنية أساسية في إرساء مبادئ الديموقراطية ودولة المؤسسات . وهكذا نجد في مقدمة هذه المبادئ، المساواة والتضامن في تحمل التكاليف العمومية، بحيث نص الفصل 39 من الدستور :”على الجميع أن يتحمل كل على قدر استطاعته، التكاليف العمومية التي للقانون وحده إحداثها وتوزيعها.” كما أكد الفصل 40 من الدستور على  مبدأي التضامن والتناسب في تحمل التكاليف التنموية للبلاد، بالإضافة إلى مبدأ شرعية التكاليف العمومية والتي لا يمكن إحداثها وتوزيعها إلا بمقتضى القانون. كما خصص لموضوع الحكامة حيزا هاما من المقتضيات ضمن الدستور الجديد، وذلك بداية من التصدير، وكذا ضمن الفصل الأول منه “…يقوم النظام الدستوري للمملكة على أساس فصل السلط …وعلى مبادئ الحكامة…”، بل الأكثر من ذلك خصص  لها الباب الثاني  عشر المعنون بالحكامة الجيدة[3].

الإشكالية المركزية :  إلى أي حد ساهمت المقتضيات الدستورية في إرساء المبادئ الديمقراطية والحكامة الجيدة  لتدبير المالية العمومية بالمغرب ؟

وانطلاقا مما سبق فهدفنا محاولة قراءة مختلف النصوص الدستورية المرتبطة بالمالية العمومية، وذلك بالإعتماد على محورين أساسين للوقوف على المرتكزات الدستورية  لتوزيع الاختصاص في المجال المالي( المبحث الأول). على أن نتطرق في (المبحث الثاني ) لكل المتدخلين لحماية ومراقبة المالية العمومية، وللمبادئ والضمانات التي وضعها لحماية المال العمومي من التبذير وسوء الإستخدام ، ومبادئ  جديدة لترسيخ الحكامة المالية الجيدة .

    التصميم المعتمد

المبحث الأول: القواعد الدستورية لتوزيع الاختصاص في المجال المالي

المطلب الأول: الصلاحيات الدستورية  للبرلمان في المجال المالي

الفقرة الأولى : صلاحية البرلمان في اعتماد قوانين المالية  والقوانين الجبائية

الفقرة الثانية:  صلاحية البرلمان في اعتماد مخطط التنمية و المعاهدات الملزمة لمالية الدولة

الفقرة الثالثة : محدودية دور البرلمان في المجال المالي

المطلب الثاني: الصلاحيات الدستورية للحكومة في المجال المالي

الفقرة الأولى : مظاهر سلطة الحكومة في سن القانون المالي

الفقرة الثانية : الصلاحيات الاستثنائية للحكومة في المجال المالي

الفقرة الثالثة : آليات الهيمنة الحكومية في تجاوز الترخيص البرلماني

المبحث الثاني: الميكاميزمات الدستورية لحماية المال العمومي

المطلب الأول : تعدد مجالات الرقابة على المال العمومي

الفقرة الأولى : المراقبة السياسية للمالية العمومية

الفقرة الثانية : المراقبة القضائية للتدبير المالي العمومي

المطلب الثاني : الأسس الدستورية للحكامة المالية العمومية

الفقرة الأولى: مبادئ الحكامة في تدبير المالية العمومية

الفقرة الثانية : أهمية هيئات الحكامة في جودة المالية العمومية

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 

 

المبحث الأول: القواعد الدستورية لتوزيع الاختصاص في المجال المالي

كرس الدستور الجديد في الفصل الأول مبدأ أساسي لشفافية  التدبير العمومي وهو المساءلة وإعطاء الحساب كركيزة أساسية للحكامة الجيدة، بحيث كرس قاعدة تلازم ممارسة المسؤوليات والوظائف العمومية بالمحاسبة. وبالمقابل سن الدستور الجديد مختلف القواعد الدستورية المتعلقة بتوزيع الإختصاص في المجال المالي، وتحديد أدوار وصلاحيات كل من السلطة التشريعية ( المطلب الأول ) والسلطة التنفيذية ( المطلب الثاني ).

المطلب الأول: الصلاحيات الدستورية  للبرلمان في المجال المالي

يشكل الاختصاص المالي للمؤسسة التشريعية في جميع الدول الركيزة الأسا سية التي من خلال ها يوافق ويرخص ممثلوا الأمة على برامج و مشاريع السلطة التنفيذية في تجلياتها المتعددة لمدة زمنية محددة . فمن خلال الدراسة والمصادقة على مشروع قانون المالية ، والقانون الجبائي يقف ممثلي الأمة على الأهداف الإقتصادية  والإجتماعية والسياسية والمالية للمشروع، وتمكين الحكومة من الموارد اللازمة التي تعد من أهم أدوات السياسية المالية في إدارة وتوجيه النشاط الاقتصادي وتحقيق أهداف التنمية الاقتصادية والاجتماعية بوجه عام ( الفقرة الأولى). غير أن من أهم مستجدات الدستور الجديد توسيع صلاحيات البرلمان المالية لتشمل المخططات التنموية والبرامج والمعاهدات الدولية التي تمس مالية الدولة ( الفقرة الثانية). ورغم أهمية هذه الصلاحيات فإن دور البرلمان يبقى جد محدود في التشريع المالي لاسيما أثناء المناقشة، نظرا لما تستأثر به الحكومة من وظيفة تشريعية في هذا المجال، مستغلة في ذلك مجموعة من الآليات الدستورية (الفقرة الثالثة ).

الفقرة الأولى : صلاحية البرلمان في اعتماد قوانين المالية  والقوانين الجبائية.

تعد الرقابة على قوانين المالية  والقوانين الجبائية، أهم رقابة مالية يمارسها البرلمان، بجانب رقابته على مجالات مالية مختلفة يتدخل من خلالها لتأكيد سلطته المالية. إلا أن أكثر هذه المجالات أهمية يرتبط بفحص مشاريع قوانين المالية والموافقة عليها، وتشمل هذه القوانين قانون المالية السنوي والقانون المالي التعديلي وقانون التصفية، فهذه القوانين تعتبر بمثابة الإختصاص المالي الأساسي للسلطة التشريعية ). هذا بالإضافة إلى المجالات الأخرى للاختصاص المالي للبرلمان كالموافقة على مخطط التنمية الاقتصادية والاجتماعية والبرامج التنموية، بل وحتى المعاهدات الدولية الملزمة لمالية الدولة.

     أولا :  اختصاص البرلمان في اعتماد قوانين المالية

إذا كان إعداد وتحضير مشاريع قوانين المالية من اختصاص السلطة التنفيذية في جميع الدول الديمقراطية، فإن اعتماد هذه المشاريع والموافقة عليها يدخل في دائرة اختصاص السلطة التشريعية  كممثل للأمة، وهذا ما أقره المشرع المغربي في الفصل 75 من الدستور حيث نص على أنه:” يصدر قانون المالية، الذي يودع بالأسبقية لدى مجلس النواب، بالتصويت من قبل البرلمان، وذلك طبق الشروط المنصوص عليها في قانون تنظيمي…” ، والمقصود هنا بـ” قانون تنظيمي”، القانون التنظيمي  لقانون المالية رقم 130-13 [4] الذي حدد فيه المشرع طبيعة المعلومات والوثائق والمعطيات الضرورية لتعزيز المناقشة البرلمانية حول مشروع قانون المالية.

وطبقا للفصل 75 من الدستور الذي يعد  من مستجدات (دستور 2011)،  يودع مشروع قانون المالية بالأسبقية لدى مكتب مجلس النواب ، و يعقد البرلمان بغرفتيه طبقا للفصل 68 من الدستور، جلسة عمومية مشتركة  تتقدم فيه الحكومة في شخص الوزير المكلف بالمالية بعرض مشروع قانون المالية السنوي. يحال مشروع قانون المالي السنوي بعد العرض في الحين من طرف رئيسي الغرفتين على اللجنة المكلفة بالمالية) ،وهي لجنة المالية والتنمية الاقتصادية بمجلس النواب، ولجنة المالية والتجهيزات والتخطيط والتنمية الجهوية بمجلس المستشارين) .

بالرجوع إلى متن دستور 2011 باعتباره المرجعية التشريعية الأولى للقانون التنظيمي للمالية، تتحدد المسطرة العامة للتصويت على قانون المالية من قبل البرلمان بمنطوق الفقرة الثانية من الفصل 75 فيما يلي:  ” يصوت البرلمان مرة واحدة على نفقات التجهيز” واسنادا لمبدإ استمرارية المرافق العمومية، حددت الفقرتان 3 و 4 من الفصل 75[5]،  ضوابط التدبير المالي العمومي في حالة عدم التصويت على مشروعية قانون المالية قبل نهاية السنة المالية، سواء تعلق الأمر بالمداخيل أو النفقات. كما نصت الفقرة الثانية من الفصل 84 من الدستور أنه:” يعود لمجلس النواب التصويت النهائي على النص الذي تم البث فيه”.

 ثانيا: اختصاص البرلمان في مجال القوانين الجبائية

تنبع أهمية تدخل البرلمان في المجال الجبائي انطلاقا من مبدأين أساسيين ومختلفين، الأول يتعلق بمسألة التعبير عن السيادة الوطنية، فيما يرتبط الثاني بمبدأ القبول بالضريبة وهو مبدأ أساسي مدرج في جميع الدساتير الديمقراطية. ومنها الدستور المغربي  2011 حيث نص الفصل  39 :”على الجميع أن يتحمل، كل على قدر استطاعته، التكاليف العمومية التي للقانون وحده إحداثها وتوزيعها”.

وتظل أهم المستجدات التي أتى بها دستور 2011 على المستوى المالي، هو توسيع مجالات اختصاص القانون، ومن ضمنها المجالات ذات الطابع المالي، وخاصة الجبائي كالنظام الضريبي ووعاء الضرائب ومقدارها وطرق تحصيلها وكذا النظام القانوني لإصدار العملة ونظام البنك المركزي وأيضا نظام الجمارك، وهي عناصر حرص النص الدستوري الحالي على تحديدها بشكل صريح في الفصل 71 من الدستور، الذي يستبعد كل إمكانية لفرض اقتطاعات جبائية خارج إطار الشرعية القانونية[6]، هذا من جهة.

أما من جهة ثانية، فهناك تصويت البرلمان على النصوص الجبائية، لأن القانون الجبائي يرتبط ارتباطا وثيقا بالقانون المالي، فغالبا ما يتم تحديد الضرائب أو تعديلها أو تغيير أسعارها أو تقرير الإعفاء عنها أو الزيادة فيها عند إصدار القانون المالي، غير أنه لا يمكن القول بأن كل الأمور المتعلقة بالضريبة يختص بها قانون المالية، حيث يمكن للقوانين العادية أن تنظم بعض الجوانب الخاصة بالضريبة[7]، لكن عمليا يظهر الاختصاص البرلماني في المجال الضريبي، من خلال المناقشة والتصويت على قوانين المالية التي تتضمن إجراءات جبائية جديدة أو تعديلات تلحق الضرائب الجارية المفعول[8].

والتصويت على النصوص الجبائية المدرجة ضمن مشروع قانون المالية يتم ووفقا للمسطرة التي حددها الدستور في الفصل 84 حيث نص على أنه : ” … يتداول كل مجلس في النص الذي صوت عليه المجلس الآخر في الصيغة التي أحيل بها عليه، ويعود لمجلس النواب التصويت النهائي على النص الذي تم البث فيه، ولا يقع هذا التصويت إلا بالأغلبية المطلقة لأعضاء الحاضرين  , اذا تعلق الامر بنص يخص الجماعات الترابية, و المجالات ذات الصلة بالتنمية الجهوية والشؤون الاجتماعية “.  أما فيما يخص تصويت البرلمان على القانون التنظيمي للمالية العمومية فقد نص  الفصل 85 من الدستورعلى ” تتم المصادقة عليه نهائيا  بالأغلبية  المطلقة للأعضاء الحاضرين من المجلس المذكور”.

الفقرة الثانية :  صلاحية البرلمان في اعتماد مخطط التنمية و المعاهدات الملزمة لمالية الدولة

تمتد المراقبة المالية للبرلمان بالإضافة إلى قوانين المالية  والقوانين الجبائية، إلى مراقبة المخططات التنموية والبرامج والمعاهدات الدولية، وتشكل هذه المخططات والبرامج  أدوات تستعملها الحكومة من  أجل تنفيذ برنامجها الحكومي في مجالات مختلفة خلال مدد زمنية معينة، و تستلزم هذه المخططات والبرامج موارد مالية مهمة  لإنجازها كما تتطلب خطط لتوجيه النفقات إلى مجالات وفئات مستهدفة، وهنا يعتبر تدخل ممثي الأمة جد  أساسي لممارسة رقابته على شكل ومضمون هذه المخططات والبرامج. كما تعد المعاهدات الدولية أيضا إلتزام أو تعهد بين الدولة وشخص من أشخاص القانون العام،وهذا الإلتزام قد يرتب على مالية الدولة تكاليف مالية، مما يتحتم معه  أيضا تدخل ممثلي الأمة بهدف حماية مالية الدولة وبالتالي الحفاظ على المال العام.

أولا : اختصاص البرلمان في اعتماد مخطط التنمية الاقتصادية والاجتماعية.

من المستجدات التي أتى بها ادستور2011 في هذا المجال هو منح البرلمان صلاحية جديدة تتعلق بالتصويت على البرامج متعددة السنوات التي تعدها الحكومة، وهي إضافة تستهدف فتح المجال للحكومة لبرمجة نفقات التجهيز التنموية في إطار يتجاوز مدة إنجاز قانون المالية السنوي، أي إطار السنة الواحدة، وهو وضع يتطابق مع واقع احتجاب المخطط الوطني للتنمية في السنوات الأخيرة، وبالتالي إمكانية اعتماد مخططات قطاعية أو برامج محددة تتجاوز إطار السنة.

وفيما يخص تصويت البرلمان على مخططات التنمية، نص الفصل 75 من الدستور في الفقرة الثانية أنه:” يصوت البرلمان مرة واحدة على نفقات التجهيز التي يتطلبها، في مجال التنمية، إنجاز المخططات التنموية الإستراتيجية، البرامج متعددة السنوات التي تعدها الحكومة وتطلع عليها البرلمان، وذلك عندما يوافق عليها، ويستمر مفعول الموافقة تلقائيا على النفقات طيلة مدة هذه المخططات التنموية…”.

 ثانيا : اختصاص البرلمان في اعتماد المعاهدات الملزمة لمالية الدولة

لقد حدد الفصل 55 من الدستور الاختصاصات التي تمارس في مجال المعاهدات، حيث أنه ميز بين سلطة الملك في التوقيع والمصادقة على المعاهدات، وبين سلطة البرلمان في الموافقة على المعاهدات التي يترتب عنها تكاليف تلزم مالية الدولة، ويستمد البرلمان هذه الموافقة انطلاقا من سلطته التشريعية في الميدان المالي.

و تبعا لذلك تخضع المعاهدات الملزمة لمالية الدولة، بعد عرضها على المجلس الوزاري ،للموافقة عليها بالاسبقية لدى مجلس النواب “الفصل 78 من الدستور2011 “و تخضع دراسة هذا المشروع لنفس المسطرة التشريعية التي تخضع لها بعض القوانين الأخرى باستثناء ممارسة حق التعديل ، إذ ان الموافقة التشريعية هي موافقة من حيث المبدأ ، و تهم مختلف مواد و بنود المعاهدة باعتبارها كلا لا يتجزء و من تم يستبعد اقتراح أي تعديلات عليها بالنظر الى قيام احكامها عى أساس إتفاقي بين السلطات الوطنية المغربية وبين الأطراف الاخرى[9].

الفقرة الثالثة : محدودية دور البرلمان في المجال المالي

يمكن القول أن للبرلمان صلاحيات دستورية وقانونية مهمة في المجال المالي، فمشاريع قوانين المالية لا يمكن اعتمادها إلا بموافقة البرلمان الذي يستنفذ في هذا الإطار مجموعة من المساطر لإقرار مدى مشروعيتها والموافقة عليها، لكن عند قراءتنا لمضامين الفصول (75- 77-79) يتبين محدودية دور البرلمان في التشريع ومراقبة المجالي سواء على مستوى المبادرة والإقتراح  أو على مستوى التصويت والمصادقة على القانون المالي .

أولا: محدودية المبادرة المالية والاعتماد في المجال المالي

اعتمادا على الدستور المغربي ( فصل 52 )[10] من دستور 1996 ، و الفصل 79 من دستور2011، أعطى للسلطة التشريعية والسلطة التنفيذية حق التقدم باقتراح القوانين[11] مما يدفعنا بالقول أن الاقتراح في المسائل المالية حق للسلطتين معا، ومع تعاقب الدساتير أثبتت التجربة أن المقترحات البرلمانية تم استبعادها في المجال المالي واقتصر هذا الحق على الحكومة وحدها، وهذا التقليص من المبادرة المالية للبرلمان يأتي في سياق القيود القوية المفروضة على الوظيفة التشريعية.

أما بالنسبة  لمسطرة الدفع بعدم القبول الذي نص عليه الفصل 77 من دستور 2011 وكما ذكرنا سابقا فإن مشاريع القوانين المتعلقة بالميزانية تقدم من قبل الحكومة وهي حرة في التصرف من حيث تاريخ التقديم للمناقشة والتصويت عليها، ويتبين هذا التصرف من خلال الفصل 51 من دستور 1996[12] والفصل 77 من دستور 2011 الذي ” منع كل الاقتراحات والتعديلات التي يتقدم بها أعضاء البرلمان، إذا كان قبولها يؤدي بالنسبة لقانون المالية إلى تخفيض الموارد العمومية  أوإلى إحداث  تكليف عمومي أو زيادة في التكليف”.

أما بالنسبة للترخيصات في البرامج والمخططات تبقى الحكومة هي التي تملك الصلاحيات في التقدم بمشاريع قوانين ترمي إلى تغيير البرنامج المصادق عليها وهو ما أكد عليه الفصل 50 من دستور 1996 والفقرة الثانية من الفصل 75 من الدستور الحالي 2011.[13]  أما سلطة البرلمان في هذا الصدد محدودة جدا، حيث تنحصر في التصويت فقط دون المبادرة، كما ان الغرفتين لا يمكنهما تقديم أي اقتراح يرمي إلى إدخال أي تعديلات يمكن ان تترتب عليها تكاليف للمخطط، نظرا لما لها من آثار مكلفة للقانون المالي، على أنه ومع ذلك يمثل التدخل البرلمان للموافقة على المخطط أهمية خاصة، إذ يمكنه من فحص المشاريع الاستثمارية للدولة ومن التنمية الاقتصادية والاجتماعية.

 ثانيا : محدودية التصويت على القانون المالي

حسب المادة 50 من دستور 1996 والفصل 75 من دستور2011 ينص على أنه ” يصوت البرلمان…. على نفقات التجهيز التي يتطلبها انجاز مخطط التنمية، وذلك عندما يوافق على المخطط”. وبالتالي فنفقات التجهيز لا يصوت عليها البرلمان إلا مرة واحدة وذلك عندما يوافق على مشروع التجهيز. كما توجد قيود قانونية أخرى تتمثل في قصر المدة المتاحة لدراسة مشروع القانون المالي. وأيضا، أنه إذا لم يتم في 31 ديسمبر، التصويت على قانون مالية السنة[14] أو صدور الأمر بتنفيذه بسبب إحالته على المحكمة الدستورية، فإن الحكومة تفتح بمرسوم الإعتمادات اللازمة لسير المرافق العمومية و القيام بالمهام المنوطة بها على أساس ماهو مقترح بالميزانية المعروضة بقصد الموافقة ، مع استرسال العمل، في نفس الوقت، باستخلاص المداخيل طبقا للمقتضيات التشريعية والتنظيمية الجارية عليها باستثناء المداخيل المقترح إلغاؤها في مشروع قانون المالية.

وهذا يعني عمليا السماح للجهاز التنفيذي بالشروع في تنفيذ مشروع قانون المالية بواسطة نص تنظيمي، ويعتبر جزاء للبرلمان على تماطله في القيام بدوره حسب الجدول الزمني المحدد له..

ومن خلال ماسبق يظهر أن الحكومة لها كامل الصلاحية في تجاوز سلطات البرلمان في المصادقة ، والسؤال الذي يمكن طرحه في هذا الإطار ماهو الغرض من هذه المصادقة للمراقبة السياسية مدام للسلطات التنفيذية كافة الوسائل القانونية التي تخول لها تنفيذ برامجها ؟

المطلب الثاني : الصلاحيات الدستورية للحكومة في المجال المالي

من أبرز المستجدات الدستورية ، دسترة مؤسسة رئيس الحكومة، ( الفصل 92من الدستور)، وتخويلها اختصاصات مهمة، تتعلق أساسا بتدبير السياسات العمومية في شتى  المجالات ومن بين هذه المجالات المجال  القانوني والمالي، وبالرغم من وجوب عرض مشاريع السياسة العامة على المجلس الوزاري ، لكن مناقشتها وتهييتها في مجلس الحكومة أمر مهم ، لكونه يتيح لأعضاء الحكومة مناقشة مختلف البرامج التي يعدونها ويحددون إ استراتيجيتها.

ولهذا تستأثر الحكومة باعتبارها الساهرة على تنفيذ القوانين وعلى خدمة المصلحة العامة داخل الدولة،  بمجموعة من الاختصاصات الجوهرية التي تسمح لها بالقيام بمهامها على أحسن وجه، ومن بين هذه الاختصاصات ، اعداد مشروع قانون المالية، وهو إختصاص تتداول الحكومة بشأنه في مجلسها، بعد مناقشته التوجهات العامة لهذا القانون في مجلس وزاري برئاسه الملك استنادا إلى الفصل 49، ( الفقرة الاولى)، كما تمارس  صلاحيات استثنائية  في المجال المالي، لتقلص بذلك من صلاحيات البرلمان في ميدانه التشريعي ( الفقرة الثانية )، بالإضافة إلى امتلاكها  آليات  دستورية تساعم في تكريس الهيمنة الحكومية على تدبير المجال المالي ، و في تجاوز الترخيص البرلماني (الفقرة الثالثة).

الفقرة الأولى : مظاهر سلطة الحكومة في سن القانون المالي

تملك الحكومة مجموعة من  الآليات الدستورية التي تخول لها الحق في التشريع بجانب البرلمان ،بحيت نجد الفقرة الأولى من الفصل 78 من  دس تور 2011 تنص على مايلي:” لرئيس الحكومة  و لأعضاء البرلمان على السواء حق التقدم  باقتراح القوانين.” وانطلاقا من المؤشرات الدستورية، نجدها تضع قيودا تحجم  دور البرلمان في مجال التشريع المالي، وتضيقه بحدود خاصة سواء على مستوى ضيق الحيز الزمني للمناقشة البرلمانية، أوعلى مستوى مضمون الاقتراحات والتعديلات، علاوة ضيق الحيز الزمني المخول لممثلي الأمة في تقديم التعديلات والإقتراحات.

 أولا: سلطة رئيس الحكومة في إعداد مشروع القانون المالي

بما أن رئيس الحكومة مسؤول عن أعمال الحكومة طبقا لأحكام الفصل 89 من الدستور،تبرز سلطة رئيس الحكومة في المجال المالي على مستويين، هما: التوجيه والتحكيم. فرئيس الحكومة انطلاقا من مسؤوليته الدستورية المحددة في الفصلين 88و89 يبعث برسالة توجيهية ويعممها على مختلف الوزراء لتوضيح العناصر التي يتعين أخذها بعين الاعتبار لدى تحديد مقترحاتهم المتعلقة بالإيرادات والنفقات.

من جهة أخرى يتولى رئيس الحكومة سلطة التحكيم، إذ يتدخل في حل الخلافات التي قد تنشأ بين وزير المالية وباقي الوزراء حول الغلاف المالي المخصص لكل وزارة ليكون حكما، أو حول عدم مطابقة مقترحات إحدى الوزارات للتوجيهات الحكومية المتضمنة في الرسالة التوجيهية لرئيس الحكومة.  كما أنه بعد إحالة مشروع قانون المالية على الأمانة العامة للحكومة للتأكد من انسجام مضمونه وسلامة صياغته من الوجهة القانونية، يعرض على المجلس الحكومي(الفصل 92 من الدستور ) الذي يرأسه رئيس الحكومة ، ويكون مشروع الميزانية في المجلس الحكومي موضوع مناقشات.

ورغم السلطة التي يتمتع بها رئيس الحكومة[15]، يبقى وزير المالية المسؤول الأول عن مشروع قانون المالية، حيث يلعب دورا أساسيا في هذا المجال قياسا لزملائه من الوزراء الآخرين، لأنه يملك من خلال الإطار الوظيفي في وزارة المالية القدرة الفنية والإدارية التي تسهل طريقة التنسيق مع بقية الوزارات.

ثانيا: القيود الدستورية المفروضة على مناقشة مشروع قانون المالية

قبل الحديث عن القيود التي تعتبر تحجيما لدور البرلمان في مجال التشريع المالي،تجدر الاشارة إلى أن الفصل 77 من الدستور الجديد، ساوى بين الحكومة والبرلمان في مهام السهر على الحفاظ على توازن مالية الدولة “بما يفهم بمفهوم المخالفة ،أن للبرلمان حق معارضة اي تكليف يرهق مالية الدولة تقترحه الحكومة، وأيضا أن يرفض كل ما من شأنه أن ينقص من موارد الدولة.

ومن خلال قراءة منطوق الفصل 77 يعتبر هذا الأ خير  بمثابة قيود مفروضة على مناقشة مشروع قانون المالية، حيث  ينص هذا الفصل في فقرته الثانية  ” وللحكومة أن ترفض بعد بيان الأسباب المقترحات والتعديلات التي يتقدم بها أعضاء البرلمان ترفض إذا كان قبولها يؤدي بالنسبة للقانون المالي إما إلى تخفيض الموارد العمومية وإما إلى إحداث تكليف عمومي أو الزيادة في تكليف موجود”.

ويتضح أن الدستور ألزم الحكومة بتعليل قرار الرفض، وهذا قيد بالنسبة للحكومة،  وفي نفس الاتجاه ولتجاوز السلبيات التي كان يطرحها الفصل 51 من دستور 1996 والذي تم الإبقاء عليه ضمن الدستور الحالي من خلال الفصل 77 اقترح الأستاذ “محمد أمزيان” أنه يمكن اعتبار قرار وزير الاقتصاد والمالية عند استخدامه للفصل المذكور، قرار إداريا يجوز الطعن فيه أمام القضاء الإداري باعتباره قرارا مؤثرا في المراكز القانونية للطاعنين.

أما  الفصل 79 من الدستور،يضع  قيدا آخر متعلقا بحق الاقتراح والتعديل يتجلى في كون أن هاته التعديلات يجب أن يتم تقديمها إلى اللجان البرلمانية المختصة عندما تكون هذه الأخيرة بصدد دراسة مشروع قانون المالية، وذلك لأنه بعد افتتاح المناقشة العامة يمكن للحكومة أن تعارض في بحث كل اقتراح أو تعديل لم يعرض من قبل على اللجان البرلمانية التي يعنيها الأمر(الفصل 83 الفقرة الأولى).   لأن ما من مقترح أو تعديل برلماني لابد أن ينجم عنه الزيادة في تكليف موجود وإحداث تكليف عمومي. الأمر الذي جعل الأستاذ عبد القادر تيعلاتي ينكر وجود اختصاصات مالية فعلية للبرلمان لوجود هذا القيد الدستوري الذي يضع نظاما قاسيا لقبول مقترحات وتعديلات البرلمانيين من طرف الحكومة[16].

الفقرة الثانية : الصلاحيات الاستثنائية للحكومة في المجال المالي

     يعتبر الميدان المالي من الناحية الدستورية من اختصاص البرلمان، (الفقرة الأولى من الفصل75) لكن الممارسة تقلص من صلاحيات البرلمان في موضوع قوانين المالية لفائدة الحكومة ، هذا التقليص يتمثل في السلطات الواسعة للحكومة التي يخولها إياها الدستور في حالتي التفويض التشريعي ( قانون الإذن) و حالة التشريع بين الدورات.

أولا: التفويض التشريعي أو قانون الإذن:

تتدخل الحكومة في التشريع الضريبي عن طريق آلية التفويض التشريعي ( قانون الإذن) إذ خول الدستور إمكانية تفويض البرلمان اختصاصه التشريعي لفائدة الحكومة ويشمل هذا التفويض الاختصاص التشريعي في المجال المالي والجبائي، مستندة على نص الفصل 70 من الدستور (الفقرة الثالثة) ، حيث يقول ” وللقانون أن يأذن للحكومة أن تتخذ في ظرف من الزمن محدود ، ولغاية معينة ، بمقتضى مراسيم تدابير يختص القانون عادة باتخاذها ، ويجرى العمل بهذه المراسيم بمجرد نشرها”. والتفويض التشريعي يتم بمقتضى قانون الإذن، يأتي لمعالجة أمور هامة، تفرضها الضرورة، وتكون الحكومة، الأنسب لمعالجتها،لما تتوفر عليه من إمكانيات ومعطيات شاملة وأدوات ثقنية ودقيقة،تساعد الحكومة على القيام بمهامها.

ومراسيم الحكومة المتخذة بناءا على قانون الإذن يتوجب عرضها على البرلمان في إطار ما يقرره الفصل70 من الدستور،حتى يتسنى للبرلمان إبداء الرأي في هذه التدابير،فإن شاء أقرها وإن شاء رفضها. لكن النص الدستوري المنظم لقانون الإذن لم يحدد المدة الزمنية التي يلزم على البرلمان البث فيها، إذ اشترط فقط مجرد العرض على البرلمان. لهذا فإذا عرضت التدابير المتخذة من طرف الحكومة ولم يبث فيها البرلمان، تبقى تلك التدابير نافذة، نظرا لما لها من قوة تنفيذية تكتسبها من تاريخ نشرها ترتيبا على أن الدستور لم يحدد مدة معينة، يلزم البرلمان خلالها البث فيها.

ثانيا التشريع في الفترة الفاصلة بين الدورات البرلمانية

يسمح الدستور للحكومة التشريع في مجال القانون خلال الفترة الفاصلة بين الدورات البرلمانية ،ينص الفصل 81 من الدستور :”يمكن للحكومة ان تصدر خلا الفترة الفاصلة بين الدورات ، وباتفاق مع اللجان التي يعنيها الامر في كلا المجلسين، مراسيم قوانين، يجب عرضها بقصد المصادقة عليها من طرف البرلمان، خلال دورته العادية.

ويلخص هذا المقتضى الدستوري إمكانية تدخل الحكومة بأن تحل محل البرلمان في ممارسة السلطة التشريعية وهذا ما يتيح لها اتخاذ إجراءات وضوابط عن طريق مراسيم يمكن أن تشمل حتى الاختصاص المالي والجبائي . لذلك فرغم أن الدستور اعتبر أنه لا ضريبة إلا بالقانون إلا أن الحكومة تتوفر على إمكانية الحلول محل البرلمان كسلطة ضريبية عن طريق الاذن، والتشريع بين الدورات  وتبرير ذلك يتجلى في  “تمكين الجهاز الحكومي من التدخل في الحالات الاستعجالية أو بين دورات انعقاد مجالس البرلمان _ لتعديل أسعار الرسوم والجبايات أوإلغائها .

الفقرة الثالثة : آليات الهيمنة الحكومية في تجاوز الترخيص البرلماني

تعود لوزارة المالية سلطة واسعة في المجال المالي، مما يمكنها من بسط نفوذها على جميع مراحل إعداد وتنفيذ الميزانية، بل تحديد السياسة المالية للدولة وذلك بحكم حجم الاختصاصات التي أصبحت تقوم بها . فبالإضافة إلى هيمنتها على إعداد مشروع الميزانية، فإن الدستور بالرغم من تحديده عدد الدورات العادية للبرلمان والحد الأدنى لمدتها فإن الحكومة هي التي تتحكم في مصير تلك الدورات (وتيرتها، مدتها الزمنية، تاريخ اختتامها) ويتم ذلك من خلال انفرادها باختتام الدورات العادية واستئثارها بالدعوة لانعقاد الدورات الاستثنائية . كما نجد هناك آليات أخرى يخولها الدستور للسلطة التنفيذية لتجاوز وإجبار البرلمان على المصادقة على مشروع القانون المالي منها  ثانيا حق التصويت الواحد، و التأخير في تقديم مشروع المالية.

أولا: التأخير في تقديم مشروع المالية.

إذا لم يتم في نهاية السنة المالية التصويت على قانون المالية فإنه للحكومة حسب الفصل 75 من الدستور أن “تفتح بمرسوم الاعتمادات اللازمة لسير المرافق العمومية والقيام بالمهام المنوطة بها على أساس ما هو مقترح في الميزانية المعروضة على الموافقة”. والملاحظ أنه إذا كان هذا الحق ممنوح للحكومة له ما يبرره، فهو غير مقبول في الحالات التي يكون فيها التأخير راجع للبرلمان ، حيث لا يقابل التعطيل أو التأخير عن إيداع مشروع قانون المالية من طرف الحكومة أي عقوبة كانت سياسية أو قانونية على غرار تجاوز البرلمان الآجال الذي يعاقب عنه، وذلك على عكس المشرع الفرنسي[17] في دستور 1958.

ثانيا : حق التصويت الواحد

مبدئيا هناك مسطرة خاصة للتصويت على المشروع، ولكن هناك إمكانية اللجوء للتصويت الواحد، ففي المسطرة التشريعية العامة يمكن للحكومة أن تطلب من أحد مجلسي البرلمان أن يبث بتصويت في النص المناقش فيه كله أو بعضه مع الاقتصار على التعديلات المقترحة أو المقبولة من طرف الحكومة، وبإمكان المجلس المعني الاعتراض على هذه المسطرة بأغلبية أعضائه (الفصل 83 الفقرة الأولى).  إذ يمكن القول، إن هاته المقتضيات تحد من سلطات البرلمان في الاختصاص المالي لصالح الحكومة، مما يعني أن البرلمان بالنسبة للجزء الكبير من موضوع قانون المالية أصبح هو المشرع الاستثنائي و الحكومة هي المشرع الأصلي[18].

المبحث الثاني: الميكانيزمات الدستورية لحماية المال العمومي

أولى الدستور أهمية لأليات الرقابة المالية، من أجل الكشف عن الشوائب والاختلالات التي تعتري مسطرة تنفيذ العمليات المالية في الوقت المناسب واتخاذ التدابير اللازمة لصد هذه الاختلالات وتصحيحها حماية للمال العام. فتنوعت بذلك الآليات والأجهزة ، منها ما يتعلق بآليات  الرقابة المالية في بعديها السياسي والقضائي(المطلب الأول)، ليبقى الإشكال المطروح هو أنه رغم تعدد أجهزة و آليات الرقابة المالية و تنوعها،  أبانت  الممارسة العملية عن اختلالات عميقة و عجز واضح في النهوض بالمهام الرقابية الموكولة إليها، هذا العجز الذي كان سببا رئيسيا في تراكم الإنزلاقات و المخالفات المالية الخطيرة التي عرفها تدبير المال العمومي. ومن أجل تخليق وشفافية تدبير المالية العمومية ، وضع الدستور مبادئ  وآليات الدستورية للحكامة المالية والشفافية والديمقراطية التشاركية.( المطلب الثاني)

المطلب الأول: تعدد مجالات الرقابة على المال العمومي

يعتبر البرلمان بكل مكوناته السياسية أغلبية ومعارضة شريكا  أساسيا إلى جانب الحكومة، في تحقيق التوازن المالي المنصوص عليه في الفقرة الأولى من الفصل 77من  الدستور حيث تنص على  أنه ” يسهر البرلمان والحكومة على الحفاظ على توازن مالية الدولة .” ومن خلال استقراء المقتضيات الدستورية، نجد عدة جوانب عملية من شأنها تعزيز مكانة البرلمان لممارسة رقابته على أعمال الحكومة ( الفقرة الاولى )، بالإضافة إلى ذلك وضع الدستور الجديد آليات ومبادئ لتفعيل وتأهيل الرقابة القضائية  المراقبة القضائية للتدبير المالي العمومي من طرف المحاكم المالية (الفقرة الثانية).

الفقرة الأولى : المراقبة السياسية للمالية العمومية

إضافة إلى وظيفته التشريعية يقوم البرلمان بمهمة التتبع والمراقبة لأعمال الجهاز التنفيذي خاصة في المجال المالي، حيث تكتسي مراقبة المالية العامة هنا طابعا سياسا ، وتعرف مجالات متعددة ، وهي مسألة مهمة تشكل أحد المهام التي نص عليها دستور 2011 في فصله  75،  وتتجسد هذه المراقبة أولا في  المراقبة عن طريق الأسئلة وملتمس الرقابة، ثم رقابة لاحقة وتتعلق بالمصادقة على قانون التصفية ، وأخيرا رقابة عن طريق  تشكيل لجان تقصي الحقائق.

     أولا: المراقبة عن طريق الأسئلة وملتمس الرقابة

   في إطار العلاقات بين السلطتين التشريعية والتنفيذية، نص المشروع الدستوري،[19] على أن “تخصص بالأسبقية جلسة في كل أسبوع لأسئلة مجلسي البرلمان وأجوبة الحكومة. والحكومة ملزمة بالجواب عن أسئلة أعضاء البرلمان خلال العشرين يوما الموالية لإحالة السؤال إليها. وجدير بالذكر أن هذه الأسئلة الأسبوعية تتعلق أساس بالقطاعات الحكومية المختلفة.أما الأسئلة المتعلقة بالسياسة العامة للحكومة، فالدستور المغربي الجديد ينص في الفقرة الثالثة من المادة 100 على أن “تقدم الأجوبة على الأسئلة المتعلقة بالسياسة العامة من قبل رئيس الحكومة، وتخصص لهذه الأسئلة جلسة واحدة كل شهر، وتقدم الأـجوبة عنها أمام المجلس الذي يعنيه الأمر خلال الثلاثين يوما الموالية لإحالة الأسئلة إلى رئيس الحكومة”.

 أما فيما يخص ملتمس الرقابة، يمكن “لمجلس النواب أن يعارض في مواصلة الحكومة تحمل  مسؤوليتها وذلك بالموافقة على ملتمس الرقابة، ولا يقبل هذا الملتمس إلا إذا وقعه على الأقل خمس الأعضاء الذين يتألف منهم المجلس ، ولا تصح الموافقة على ملتمس الرقابة من لدن مجلس النواب إلا بتصويت  الأغلبية المطلقة للأعضاء الذين تتألف منهم ولا يقع التصويت إلا بعد مضي ثلاث أيام كاملة على إيداع الملتمس، وتؤدي الموافقة على ملتمس الرقابة إلى استقالة الحكومة استقالة جماعية”[20].

وانطلاقا من النص يتضح أن الدستور الجديد وسع من إمكانية لجوء البرلمانيين لملتمس الرقابة بجعل إمكانية اللجوء إليه تتم بخمس الأعضاء الذين يتألفون منهم مجلس النواب أو خمس أعضاء مستشارين، خلاف ما كان في دستور (1996)، حيث كان يشترط لقبول ملتمس الرقابة بمجلس النواب التوقيع عليه من طرف ربع أعضاء المجلس، وفي مجلس المستشارين اشترط التوقيع عليه من طرف ثلث أعضائه.

ثانيا : قانون التصفية

خلافا لقوانين المالية التعديلية والتي تندرج ضمن الباب المخصص لقانون المالية تم التنصيص على قانون التصفية في باب مستقل، فعندما تتم المصادقة على قانون المالية و ينشر بالجريدة الرسمية تشرع السلطات التنفيدية في تحصيل المداخيل و صرف  النفقات و تتولى هيئات الرقابة التحقق من هذا التنفيد. و عند انتهاء هذه الرقابات ، ينظم حساب عام للمداخيل و النفقات المنفذة فعلا تحت إسم قانون التصفية ، حيث يحال على البرلمان للموافقة عليه ، إذ  يعتبر هذا القانون اخر مراحل المراقبة، و يشكل تقديما لقانون مالية السنة القادمة، وهو مهم باعتباره آلية لإخبار البرلمانيين واطلاعهم على كيفية صرف الاعتمادات واستخلاص الموارد، و هو أيضا وسيلة لممارسة الرقابة البعدية على أعمال الحكومة.

ويجب أن يودع المشروع المذكور بمكتب أحد مجلسي البرلمان (مجلس النواب بالأسبقية ( من مستجدات دستور 2011) في نهاية السنة الثانية الموالية لسنة تنفيذ قانون المالية على أبعد تقدير، ويرفق مشروع القانون المذكور بتقرير يعده المجلس الأعلى للحسابات حول تنفيذ قانون المالية وبالتصريح العام بمطابقة حسابات المحاسبين الفردية للحساب العام للمملكة.

ثالثا : تشكيل لجان تقصي الحقائق

بناءا على الفقرة الثانية من الفصل 67 من الدستور والتي تنص  على ما يلي: “علاوة على اللجان الدائمة…، يجوز أن تشكل بمبادرة من الملك أو بطلب من ثلث أعضاء مجلس النواب، أو ثلث أعضاء مجلس المستشارين، لجان نيابية لتقصي الحقائق، يناط بها جمع المعلومات المتعلقة بوقائع معينة، أو تدبير المصالح أو المؤسسات أو المقاولات العمومية وإطلاع المجلس الذي شكلها على نتائج أعمالها” ويتم توقيف عملها على الفور بمجرد فتح تحقيق قضائي  في الوقائع المراد التحري بشأنها.

ويمكن القول بأن هذه اللجان تلعب دورا كبيرا في تتبع السياسة المالية العامة للحكومة، حيث خول لها المشرع الاطلاع على جميع الوثائق والمستندات التي من شأنها أن تسهل مهمتها، وقد تلعب دورا كبيرا في كشف أهم  القضايا نهب المال العام، كما وقع سنة 2000 حين إحداث لجنة لتقصي الحقائق حول مؤسسة القرض السياحي والعقاري من طرف مجلس النواب، كما أحدثت لجنة مماثلة سنة 2001 من قبل مجلس المستشارين حول الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي.

الفقرة الثانية : المراقبة القضائية للتدبير المالي العمومي

وسع الدستور الجديد، من صلاحيات المجلس الأعلى للحسابات ، فبالإضافة إلى ممارسته الرقابة العليا على المالية العامة وتنفيذ العمليات المالية للدولة( تنفيذ القانون المالي السنوي) والتأكد من مشروعية العمليات المتعلقة بمداخيل ونفقات الهيئات الخاضعة لهذه المحاكم، أصبح يدقق في مالية الأحزاب السياسية ويساهم في تقييم السياسات العمومية، والتدقيق والبث في الحسابات المتعلقة بمرافق الدولة أو المؤسسات العمومية والمقاولات العمومية والجماعات الترابية.

كما أن دستور2011،  أكد على دور المجالس الجهوية للحسابات، كمؤسسات مساعدة على المستوى الجهوي، وهو ما يعتبر تكريس لنفس المقتضيات التي جاء بها دستور 1996، وهي مستجدات مهمة ومحورية في تطوير المجال الرقابي المحلي من جهة ، وتعزيز التوجه الجهوي واللامركزي التي تسعى الدولة إلى ترسيخها في إطار نظامها الإداري.

أولا : مراقبة تنفيذ القانون المالي السنوي

تعتبر مؤسسة المجلس الأعلى للحسابات هيئة عليا للرقابة عل المال العام[21]، وقد أفردها دستور 2011 حيزا هام، حيث خصها بمقتضيات تمنحها اختصاصات ذات طبيعة رقابية وقضائية حقيقية، وضمن استقلاليتها وخولها مهاما تتعلق بمراقبة تنفيذ. فحسب الفصل 147 من دستور 2011 يقوم  المجلس الاعلى للحسابات بمهام قضائية في مجال التأديب المتعلق بالميزانية والشؤون المالية بالنسبة للمخالفات التي يرتكبها كل مسؤول او موظف او عون بمرافق الدولة او المؤسسات العمومية.

أما على المستوى الجهوي ، يقوم  المجلس الجهوي للحسابات  في حدود دائرة اختصاصه بالتدقيق و البت في حسابات الجماعات المحلية و هيئاتها، وكذا في حسابات المؤسسات العمومية الخاضعة لوصايتها.

      ثانيا : مراقبة الاجهزة العمومية وطرق تدبيرها للمالية العمومية

تقوم المحاكم المالية  بالتدقيق والبث في الحسابات المتعلقة بمرافق الدولة أو المؤسسات العمومية والمقاولات التي تملك الدولة رأسمالها كليا أو بصفة مشتركة بين الدولة والمؤسسات العمومية والجماعات الترابية[22].إضافة الى  القيام برقابة التسيير على مرافق الدولة والمؤسسات العمومية والمقاولات المخولة الامتياز في مرفق عام أو معهود إليه بالتسيير، والشركات والمقاولات التي تملك فيها الدولة أو مؤسسات عمومية على انفراد أو بصفة مشتركة بشكل مباشر أو غير مباشر أغلبية رأسمالها.

كما  تقوم المحاكم  المالية  بمراقبة استعمال الأموال التي تجمع من الجمعيات من خلال التماس الإحسان العمومي بطلب من رئيس الحكومة، وذلك للتأكد من مطابقة استخدام هذه الأموال للأهداف المبتغاة من التماس الإحسان العمومي. وأخيرا ممارسة رقابة التسيير على أجهزة الضمان الاجتماعي المستفيدة من أحد الأجهزة العمومية من إمدادات مالية على شكل مساهمات من أرباب العمل أو على شكل إعانات.

وقد أناط الفصل 147 من الدستور بالمجلس الأعلى للحسابات مهمة مراقبة وتتبع التصريح بالممتلكات، وتدقيق حسابات الأحزاب السياسية، وفحص النفقات المتعلقة بالعمليات الانتخابية.

المطلب  الثاني: الأسس الدستورية لحكامة المالية العمومية

يعتبر الحديث عن الفساد المالي والإداري، وغياب شفافية التدبير واستشراء الفساد والرشوة بشكل غير مسبوق، إحدى النتائج المباشرة للغموض الكبير الذي يطبع طرق إعداد السياسات العمومية وطرق تدبير المال العام بالمغرب. لهذا أقر الدستور بالحكامة الجيدة كمقاربة عصرية في صنع القرار والتدبيرالعموميين. إذ في ظل هذا التوجه، يعتبر مفهوم الحكامة الجيدة من أقوى المفاهيم التي جاء بها الدستور المغربي 2011، كتعبير عن الفلسفة العامة التي أسسها من أجل إحداث التغيير والإصلاح المنشود ( الفقرة الأولى )، ولأهميتها في جودة وحكامة التدبير المالي العمومي ، وضع الدستور مجموعة من المؤسسات والأجهزة الدستورية التي تنضاف إلى المؤسسات والهيئات الرقابية، وذلك بهدف تعزيز الأليات الرقابية بقوة  استشارية وتشاركية تكوم وظائفها مكملة للمؤسسات التقليدية( الفقرة الثانية ).

الفقرة الأولى: مبادئ الحكامة في تدبير المالية العمومية

وعيا من المشرع المغربي بأهمية الحكامة فقد خصص لها حيزا هاما من المقتضيات ضمن الدستور الجديد، وذلك بداية من التصدير، وكذا ضمن الفصل الأول منه “…يقوم النظام الدستوري للمملكة على أساس فصل السلط …وعلى مبادئ الحكامة…”، بل الأكثر من ذلك خصص  لها الباب الثاني عشر المعنون بالحكامة الجيدة . بحيث يمكن قياس مدى وجود حكامة مالية في توفر كل من مبدأ الشفافية، المشاركة، الرقابة ثم المحاسبة . بحيث إذا كان التدبير المالي سليما خاليا من الشبهات وشفافا فإن ذلك ينعكس لا محالة على كل الميادين الأخرى، لأن أهم ميدان تتجلى فيه مبادئ الحكامة هو الميدان المالي باعتبار المال عصب الحياة، فإذا اسيئ استعماله فسدت معه الحياة.

     أولا: شفافية التدبير المالي العمومي

يقصد بالشفافية المالية  وضوح المعاملات المالية وسلامة أحد أهدافها وطرق إنجازها بمعنى إجراء التصرف المالي بكيفية واضحة المعالم تسمح بمعرفة جميع تفاصيلها والتأمل فيها.   وارتباطا بشفافية التدبير المالي العمومي، خصص الدستور للحكامة الجيدة بابا كاملا – الباب الثاني عشر – من 18 فصلا (الفصول 154 – 171).  وأقر مبادئ جديدة حددها الدستور كالجودة، والشفافية[23] عن طريق انفتاح المرافق العمومية على محيطها و تسهيل الولوج الى المعلومة بحيث قد أصبح حقا دستوريا[24]. ثم النزاهة ليتحدث عن أعوان المرافق العمومية الذين يخضعون للقانون و يمارسون أعمالهم طبقا لمبادئ الحياد ة الشفافية و النزاهة و المسؤولية[25]، ليربط المحاسبة بالمسؤولية[26] في تدبير المرافق العمومية بإعطاء الحساب ومراقبة ماليتها[27]، هذا بالإضافة  إلى ضرورة وضع ميثاق للمرافق العامة يحدد قواعد الحكامة الجيدة.

ثانيا: المقاربة التشاركية في تحسين أداء المالية العمومية

كرس دستور 2011  التوجه المنفتح على أساس الديمقراطية التشاركية والحكامة الجدية وبالتالي مساهمة المجتمع المدني في صناعة القرار العمومي الوطني والمحلي. وظهر ذلك جليا في الفصول 12 ، 13، 14 ،15، 27 ،28  حيث مكن الدستور الجديد، المجتمع المدني من تقديم اقتراحات مكتوبة وعرائض أو تظلمات بالإضافة إلى تقوية دور المواطن الذي صار فاعلا في صناعة القرار العمومي عبر تقديم ملتمسات في مجال التشريع، مما يفترض تمكين المجتمع المدني من آليات العمل أي وسائل مادية ومعنوية ليضطلع بدوره عبر علاقات تعاقدية سياسية مبنية على مقاربة تشاركية مجالية.

بالإضافة إلى ذلك أكد  الفصل 8 من دستور 2011  على قيام الهيئات النقابية للأجراء والمنظمات الممثلة للمشغلين بمهمة الدفاع عن الحقوق والمصالح ذات الطابع الاقتصادي والإجتماعي واستخدام المؤسسات الرسمية كمجلس المستشارين حيث تساهم في التشريع عامة والتشريع المالي خاصة وهو ما يؤكده الفصل 53 من دستور 2011.

وأمام كل ذلك ويبقى التساؤل مفتوحا ، أولا حول حجم السلطة التي يمكن للمجتمع المدني أن يمتلكها للتأثير في المجال المالي؟ هل سيكتفي بمجالات ذات طابع ثقافي مثلا؟ ثانيا حول مدى إمكانية ر بط المجتمع المدني بطرق وآليات الاشراك والتنفيذ والتمويل وتحمل المسؤولية وضرورة تفعيل مبادئ الشفافية والجودة؟

    الفقرة الثانية : أهمية هيئات الحكامة في جودة المالية العمومية

تظهر أهمية هيئات حماية الحقوق والحريات والحكامة الجيدة وتحقيق التنمية البشرية والمستدامة في دستور 2011 كونها تمثل جيلا جديدا من المؤسسات الدستورية،[28] التي تنضاف إلى المؤسسات والهيئات الرقابية ذات الطابع الكلاسيكي سواء السياسية منها كالبرلمان أو الإدارية (كالمفتشيات العامة للوزارات أو القضائية كالمحاكم المالية) وهي مؤسسات لا يستهان بدورها في تعزيز أنظمة الشفافية والمحاسبة. ولتقوية هذا الدور الرقابي حرص المغرب على تخصيص باب كامل هو الثاني عشر لها وذلك لأهميتها في تكميل وظائف المؤسسات التقليدية للدولة،[29] والتي تتحدد حسب بعض الباحثين في قوة الاقتراح ووظائف الاستشارة والرصد والتتبع والتقييم والترافع والتوعية، وذاك أمام  ما نص عليه الدستور في الفصل 156 من تحمل المرافق العمومية تقديم الحساب عن تدبيرها للأموال العمومية طبقا للقوانين الجاري بها العمل حيث تخضع في ذلك للرقابة والتقييم.

لذلك سوف نكتفي بذكر بعض هذه الهيئات باعتبارها آليات الحكامة الجيدة ومنها:

أولا: الهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة ومحاربتها:

يعتبر تأسيس الهيأة الوطنية للوقاية من الرشوة بمثابة تعزيز لمنظومة الشفافية والمساءلة وهو ما كرسه دستور 2011 في فصله 167 الذي حدد مهام هذه الهيأة في اتخاذ مبادرة والتنسيق والاشراف وضمان تنفيذ السياسات المتخذة ونشر المعلومات والمساهمة في تخليق الحياة العامة وترسيخ مبادئ الحكامة الجيدة وقيم المواطنة المسؤولة. حيث عند اكتشافه أي أفعال فساد يعاقب عليها القانون يبادر رئيسها إلى تبليغ وكيل الملك لدى المحاكم المختصة لتحريك مسطرة المتبعة إضافة إلى إعداد التقارير التي تمكن الحكومة والبرلمان من ترجمتها إلى إجراءات ذات طابع إداري وتشريعي.

ثانيا : مؤسسة الوسيط

حلت هذه المؤسسة محل ديوان المظالم “لمواكبة الإصلاح المؤسسي العميق الذي يعرفه المغرب”[30] وهي مؤسسة وطنية مستقلة ومتخصصة تتولى تدبير العلاقة ما بين الإدارة والمرتفقين لذلك:

  • تنظر في تصرفات الادارة المخالفة للقانون أو المنافية لمبادئ العدل والانصاف.
  • تلقي الشكايات والتظلمات ومعالجتها وإجراء الأبحاث والتحريات في شأنها.
  • الوساطة والتوفيق بين الإدارة والمرتفق.

تلجأ مؤسسة الوسيط طبقا للفصل 162 من الدستور إلى كل  مساعي الوساطة والتوفيق بغرض التوصل إلى حلول منصفة  للخلاف بين الادارة والمرتفق، بحيث تقوم باطلاع رئيس الحكومة بكيفية منتظمة على جميع حالات امتناع الادارة عن أخذ توصياتها بجدية لتحسين أداء الادارة . كما تمكن توصياتها الواردة في تقارير والتي ترفعها أمام  البرلمان أن تستثمرها السلطة التشريعية في مراقبة عمل الحكومة من خلال توجيه اسئلة شفوية وكتابية،[31] والوقوف على الإختلالات والمشاكل في مختلف القطاعات والأسباب الت تحول دون تحقيق جودة  التدبير المالي والإداري بالإضافة إلى دراسة جميع الخطوات التصحيحية التي يجب أن يركز فيها نواب الأمة على نقط القوة والضعف.[32]

ثالثا :مجلس المنافسة

ينص الفصل  166 من دستور 2011 على قيام مجلس المنافسة كهيئة مستقلة بتنظيم منافسة حرة ومشروعة وضمان الشفافية والانصاف في العلاقات الاقتصادية، لذلك يعاقب القانون طبقا لما جاء في الفصل 36 من نفس الدستور على كل شطط في استغلال النفوذ والامتياز ووضعيات الاحتكار والهيمنة وباقي الممارسات المخالفة لمبادئ المنافسة الحرة والمشروعة،[33] بما يضمن مناخا سليما للأعمال ويشجع على الاستثمار الوطني والاجنبي، حيث حرية المبادرة والمقاولة والتنافس الحر،[34] والحفاظ على الثروات الطبيعية الوطنية وعلى حقوق الاجيال القادمة،[35] وكون السياسة المالية هي جملة إجراءات يتخذها السلطة العامة لإدارة شؤون المجتمع في أوضاع وظروف اقتصادية ومالية وذلك من خلال القوانين والأنظمة المالية والضريبية،[36] فهو يقتضي وضع آلية للحكامة تعمل على ضمان التنافس الحر بين مختلف المتدخلين في المجال الاقتصادي وهو ما جعل المشرع يعد قانونين 104.12 و 20.13 متعلقين بمجلس المنافسة لترسيخ الحكامة الاقتصادية الجيدة ومحاربة الريع الاقتصادي حيث انتقل دوره من الجانب الاستشاري إلى الدور التقريري مما يمكنه من ضبط وتنظيم المجال عن طريق صلاحيات تحقيقية وترخيصية.

خاتمة

لقد حدد الدستور الجديد الإطار العام للمالية العمومية فوضع المبادئ وأبرز آليات العمل والمؤسسات التي عبرها يتم ترجمة المساطر والقواعد والاختصاصات التي نص عليها، كما عزز آليات الرقابة بالإنتقال من المهام التقليدية لها إلى مهام حديثة ، غير أن الإلتزام بتحقيق التوازن المالي وليس الاقتصادي ، والإكراهات الماكرو اقتصادية التي يعاني منها التدبر المالي ، والإخفاق في تنزيل  سياسات تنموية  ذات بعد اجتماعي ، يطرح عدة أسئلة حول قدرة المالية العمومية على ترجمة الحقوق الاجتماعية والاقتصادية التي يحملها الدستور إلى مشاريع وبرامج لتحقيق التنمية. فالإصلاحات الدستورية لفاتح يوليوز 2011، ما هي إلا استجابة لمجموعة من المطالب الاجتماعية المنادية بالكرامة والعيش الكريم.و المالية العمومية باعتبارها  المجال الرئيسي الذي يتم في إطاره المساهمة في توزيع الثروات من خلال تدبير سياسات الإنفاق العمومي وتحصيل الإيرادات العمومية لذلك ستبقى مسألة المالية العمومية والعدالة الإجتماعية  مرتبطة  ارتباطا وثيقا بجودة التدخل والحكامة في التدبير العمومي.

 

لائحة المراجع

  • الكتب العامة :

– سعيد جعفري، ما الحكامة؟ مطبعة الأمنية الرباط، طبعة 2014.

– رشيد المساوي : المالية العامة، الطبعة الأولى، 2013، مطبعة اسيارطينل، طنجة.

– كريم لحرش، الدستور الجديد للملكة المغربية شرح وتحليل، طبعة 2012، توزيع مكتبة الرشاد بسطات.

– مصطفى منار : لاقتطاع الضريبي والعدالة الاجتماعية “بدون درا نشر، مؤلف جامعي، السنة الجامعية 2007،.

– عبد النبي أضريف : المالية العامة أسس وقواعد تدبير الميزانية العامة ومراقبتها، الطبعة الأولى 2005.

– عبد القادر تيعلاتي: المالية العامة المغربية والمقارنة- قانون المالية- الجزء الأول، دار الجسور وجدة، الطبعة الثالثة ،2002.

-عبد الإلاه فونتر، العمل التشريعي بالمغرب الجزء الثاني سلسلة الدراسات وأبحاث جامعية ، مطبعة المعارف الجديدة، الرباط 2002.

  • أطروحات ورسائل

– الهبري الهبري، الاختصاصات المالية للبرلمان المغربي، أطروحة لنيل الدكتراه في القانون العام، جامعة محمد الأول وجدة 2005-2006.

– المداخلة الأستاذ امحمد قزيبر بعنوان”مطلب الحكامة في التدبير المالي العمومي” بالندوة الإصلاحات المالية والجبائية: أية رهانات ؟ يوم 8و9 مارس 2013، بمقر جهة مكناس-تافيلالت، غير منشور.

– تقرير علمي حول الدرس الافتتاحي السنوي الثالث لمنتدى الباحثين في العلوم الادارية والمالية، مؤسسات في الحكامة بالمنظومة الدستورية الأدوار والرهانات بتاريخ 18 دجنبر 2014 ،بكلية الحقوق أكدال الرباط.

  • القوانين:

– دستور 2011 ظهير شريف رقم 1.11.91 صادر في 27 شعبان 1432 الموافق 29 يوليوز 2011، المتعلق بتنفيذ نص الدستور المراجع، الجريدة الرسمية عدد 5964 مكرر بتاريخ 28 شعبان 1432 الموافق 30 يوليوز 2011

–  ظهير شريف رقم 1.15.62 صادر بتاريخ 14 شعبان 1436 الموافق ل 2 يونيو2015، المتعلق بتنفيذ القانون التنظيمي لقانون المالية رقم130.13 منشور بالجريدة الرسمية عدد 6370 بتاريخ 18يونيو 2015 .

المقالات :

– نجيب جيري: “السلطة المالية للبرلمان المغربي: قراءة في مقتضيات الدستور الجديد”، منشورات المجلة المغربية للإدارة المحلية والتنمية، عدد 107، نونبر- دجنبر ،2012.

– امحمد فويير : “الصلاحيات المالية للجهازين التشريعي والتنفيذي في ظل دستور 2011 “مقال منشور بجريدة المساء بتاريخ 1 يناير 2012.

– الحبيب الدقاق خصوصيات القانون البرلماني في موضوع قوانين المالية،المجلة المغربية للإدارة المحلية و التنمية ،العدد26يناير-مارس1999

 

[1] عبد القادر تيعلاتي، المالية العامة المغربية والمقارنة، الجزء الأول، دار النشر الجسور-وجدة، الطبعة الثالثة 2000، ص 1.

[2] ظهير شريف رقم 1.11.91 صادر في 27 شعبان 1432 الموافق 29 يوليوز 2011، المتعلق بتنفيذ نص الدستور المراجع، الجريدة الرسمية عدد 5964 مكرر بتاريخ 28 شعبان 1432 الموافق 30 يوليوز 2011

[3] مداخلة الأستاذ امحمد قزيبر بعنوان”مطلب الحكامة في التدبير المالي العمومي” بالندوة الإصلاحات المالية والجبائية: أية رهانات ؟ يوم 8و9 مارس 2013، بمقر جهة مكناس-تافيلالت، غير منشور.

 

[4] ظهير شريف رقم 1.15.62 صادر بتاريخ 14 شعبان 1436 الموافق ل 2 يونيو2015، المتعلق بتنفيذ القانون التنظيمي لقانون المالية رقم130.13 منشور بالجريدة الرسمية عدد 6370 بتاريخ 18يونيو 2015 .

[5] “إذا لم يتم في نهاية السنة المالية التصويت على قانون المالية أو صدور الأمر بتنفيذه، بسبب إحالته على المحكمة الدستورية، تطبيقا للفصل 132 من الدستور،فإن الحكومة تفتح بمرسوم إلى الاعتمادات اللازمة لسير المرافق العمومية والقيام بالمهام المنوطة بها، على أساس ما هو مقترح في الميزانية المعروضة على الموافقة.  وتنص الفقرة الرابعة من نفس الفصل “ويسترسل العمل ، في هذه الحالة  باستخلاص المداخيل طبقا للمقتضيات التشريعية والتنظيمية الجارية عليها، باستثناء المداخيل المقترح إلغاؤها في مشروع قانون المالية، أما المداخيل التي ينص المشروع المذكور على تخفيض مقدارها فتستخلص على أساس المقدار الجديد المقترح”.

[6] – امحمد فويير : “الصلاحيات المالية للجهازين التشريعي والتنفيذي في ظل دستور 2011 “مقال منشور بجريدة المساء بتاريخ 1 يناير 2012.

[7] – الهبري الهبري : “الاختصاصات المالية للبرلمان المغرب” أطروحة لنيل الدكتوراه في القانون العام، جامعة محمد الأول – كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية- وجدة السنة الجامعية 2005-2006،، ص 163

[8] – مصطفى منار : “الاقتطاع الضريبي والعدالة الاجتماعية” بدون دار نشر، مؤلف جماهي، السنة الجامعية 2007، ص55-56

[9] عبد الاله فونتير” العمل التشريعي بالمغرب” الجزء الثاني، سلسلة وأبحاث جامعية، مطبعة المعارف الجديدة، الرباط 2002،  ص299.

[10] – دستور 1996 للملكة المغربية مرجع سابق

[11] – دستور 2011 للملكة المغربية، مرجع سابق

[12] – الفصل 51 من دستور 1996 والفصل 77 من دستور 2011

[13] – ذ- عبد النبي أظريف، المالية العامة أسس وقواعد تدبير الميزانية العامة ومراقبتها، الطبعة الأولى 2005 ص 53.

[14] المادة 75 من الدستور2011.

[15] ينص الفصل 88 من الدستور على أن “يتقدم رئيس الحكومة أمام كل من مجلسي البرلمان بعد تعيين الملك لأعضاء الحكومة ويعرض البرنامج الذي يعتزم تطبيقه، ويجب أن يتضمن هذا البرنامج الخطوط الرئيسية للعمل الذي تنوي الحكومة القيام به في مختلف مجالات النشاط الوطني وبالأخص في ميادين السياسة الاقتصادية و الاجتماعية والثقافية والخارجية”.

[16]  عبد القادر تيعلاتي. المالية العامة المغربية والمقارنة- قانون المالية- الجزء الأول، دار الجسور وجدة، الطبعة الثالثة ،2002 ص 219.

[17]  نجيب جيري: “السلطة المالية للبرلمان المغربي: قراءة في مقتضيات الدستور الجديد”، منشورات المجلة المغربية للإدارة المحلية والتنمية، عدد 107، نونبر- دجنبر ،2012 ص 68.

[18] الحبيب الدقاق: خصوصيات القانون البرلماني في موضوع قوانين المالية ،المجلة المغربية للإدارة المحلية و التنمية ،العدد26 يناير- مارس1999،ص:106.

[19] الفصل 100 من دستور 2011.

[20] الفصل 105من جستور 2011.

[21] (الفصول من 147 إلى 150 من دستور 2011).

[22] الفصل 147 من دستور 2011.

[23] الفصل 154 من دستور 2011.

[24] – الفصل 29 من دستور  2011

[25] – الفصل 155  من دستور 2011

[26]– الفصل 1 من دستور 2011

[27]  – الفصل 156 من دستور 2011

[28]  تقرير علمي حول الدرس الافتتاحي السنوي الثالث لمنتدى الباحثين في العلوم الادارية والمالية، مؤسسات في الحكامة بالمنظومة الدستورية الأدوار والرهانات بتاريخ 18 دجنبر 2014 ص 3 بكلية الحقوق أكدال الرباط.

[29]  نفس المرجع السابق، ص 3.

[30]   كريم لحرش، الدستور الجديد للملكة المغربية شرح وتحليل، ص 220، طبعة 2012، توزيع مكتبة الرشاد بسطات.

[31]  رسالة لنيل دبلوم الماستر في الدراسات الدستورية والسياسية، مؤسسة الوسيط ودرها في تكريس حقوق الانسان وإرساء مبادئ الحكامة الجيدة بالمغرب، 2012/2013، ص 42.

[32]  نفس المرجع السابق، ص 44.

[33]  الفصل 36 من دستور 2011.

[34]  الفصل 35 من دستور 2011.

[35]  الفصل 35 من دستور 2011.

[36] د سعيد جفري ما الحكامة؟  مطبعة الأمنية الرباط، 2014، ص 178.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *