محاضرالضابطة القضائية تعريفها – شكلها – أنواعها

بقلم : المختار السريدي

لايمكن لحياة الأفراد والجماعات أن تستقيم إلا إدا كان هناك أمن وأمان وسلامة واطمئنان ، ولدلك جاء في الحديث النبوي الشريف : «  من أصبح معافى في بدنه، آمنا في سربه ،عنده قوت يومه، فكأنما حيزت له الدنيا بحدافيرها. »  (1) ويقصد ب “ آمنا في سربه “ أي غير خائف في سربه أي في نفسه ، وقيل السرب الجماعة ، أي آمنا في نفسه وأهله وعياله ، في بيته وطريقه ومسلكه ، ومن توفرت له هده الظروف فكأنما أعطيت له الدنيا بأسرها وتمامها .

فالأمن صنو الصحة والرزق ، وهونعمة عظيمة لايعرف قيمتها إلا فاقدها ، لدلك تم إقرانها في الحديث المدكوربالمعافاة في الأبدان وبالسعة في الأرزاق لتكتمل سعادة الإنسان في دنياه .

وعلى هدا الأساس عملت الدولة العصرية باعتبارها ممثلة الحق العام وأمينة المصلحة العامة على تهيئة كل الظروف والوسائل وسخرت جميع الموارد والطاقات المتوفرة لديها قصد السهر على أمن وسكينة وطمأنينة رعاياها ، دلك أن المجرم – أي مجرم – حينما يرتكب جريمة معينة إنما يقوم بها ليس ضد فرد أو أفراد معينين بدواتهم فحسب وإنما ضد النظام العام وضد المجتمع ككل .

وعليه فإن الدولة ، وبوصفها صاحبة الحق في الزجروالعقاب ، لا تستطيع أن تقتص هدا الحق من الفاعلين بصفة مباشرة ، بل تلجأ في سبيل ذلك إلى السلطة القضائية المختصة ، وذلك بواسطة الإدعاء ، وهدا الأخيرلا ينشأ من فراغ ، وإنما ينبني على ركائزتسنده ودعائم تعضده ، وتنحصر في اكتشاف الجريمة وجمع الأدلة المثبتة لوقوعها من جهة وإسنادها للمتهم من جهة ثانية .

 

وفي هذا الصدد وجدت عدة مؤسسات وضعت خصيصا  لمساعدة العدالة على تبليغ رسالتها النبيلة في استتباب الأمن وإيقاف المجرمين والضرب على أيديهم ، ويتعلق الأمر بمؤسسة النيابة العامة ومؤسسة قضاء التحقيق ثم مؤسسة الضابطة القضائية ، هده الأخيرة التي يلقى على عاثقها العمل في الميدان والتكفل بجمع المادة الخام للجريمة من حيث ظروفها وملابساتها .

فبمجرد وقوع الجريمة ، أو على الأقل أثناء ظهور أفعال يحتمل أنها إجرامية ، تنطلق أولى أعمال الضابطة القضائية في جمع المعلومات والأدلة المفيدة وتحريرمحاضر بشأنها، وذلك بقصد إنارة الطريق أمام العدالة وتسهيل مأمورياتها في البحث عن الحقيقة وإصدار حكمها في القضية سواء بالإدانة أو البراءة (2).

فإلى أي حد إذن يمكن لمؤسسة الضابطة القضائية وبما تتوفرعليه من إمكانيات بشرية ومادية ولوجستيكية أن تساعد العدالة في أداء مهامها وتبليغ رسالتها ، وهل تتمتع المحاضر المنجزة من طرفها بقوة ثبوتية تمكنها من الصعود من أدنى إلى أعلى درجات التقاضي ؟

 

 

 

 

 

 

 

 

قبل الجواب على هذه الأسئلة لاحقا لابد من التعريف أولا وقبل كل شيء بتلك المحاضر وتحديد شكلها وبيان أنواعها .

هذا وإن طبيعة موضوعنا هذا تتطلب منا تقسيمه الى فقرتين اثنتين :

  • الفقرة الأولى : محاضر الضابطة القضائية : تعريفها ، شكلها.
  • الفقرة الثانية : أنواع محاضر الضابطة القضائية.

 

الفقرة الأولى : محاضر الضابطة القضائية : تعريفها – شكلها

 

     أولا : تعريف المحضر

 

نظرا للقيمة القانونية التي يتمتع بها المحضرالدي تنجزه الضابطة القضائية وحجيته القوية أمام العدالة التي كثيرا ما تعول عليه في سبيل ايقاف كل من قد تسول له نفسه المس بأمن وسلامة وطمأنينة الأشخاص والممتلكات ، فقد خصص قانون المسطرة الجنائية حيزا مهما من فصوله لتنظيم هده المؤسسة ( الفصول من 16 إلى 35 ونصوص أخرى متفرقة من نفس القانون ) حتى تقوم بعملها بالكيفية القانونية الصحيحة والسليمة ، ولدلك عرف المحضر في الفقرة الأولى من المادة 24  بأنه الوثيقة المكتوبة التي يحررها ضابط الشرطة القضائية  أثناء ممارسة مهامه ويضمنها ما عاينه أو ما تلقاه من تصريحات أو ما قام به من عمليات ترجع لإختصاصه، غيرأن الفصل 70 من قانون الدرك الملكي عرفه بأنه الوثيقة التي يضمن فيها جنود الدرك ما عاينوه من مخالفات أو ما قاموا به من عمليات أو ما تلقوه من معلومات (3).

وقد عرفه بعض الفقه بأنه :  «   الصك الكتابي الذي ينظمه الموظف المختص لإثبات شكوى أو وشاية أدليت إليه أو انتهت إليه بمشاهدته المباشرة بالنسبة  للجريمة التي وقعت (4) » . وعرفه آخرون بأنه : « ورقة رسمية لا يمكن الطعن فيها إلا بحسب ما يقرره القانون ، ينجز من قبل موظف مختص هو ضابط أو عون الشرطة ، يضمنه ما عاينه من وقائع ، أي الجريمة موضوع البحث وأطرافها والأدلة التي تم التوصل إليها ، محترما في دلك مجموعة من الشكليات . »(5) .

 

وقد جرت العادة أن المحضر ينجز سواء ارتكبت جريمة أم لم ترتكب (6)، كما إذا عاين ضابط الشرطة القضائية جثة شخص في مكان ما، ثم تبين له بأن الأمر يتعلق بموت طبيعية بعد القيام بجميع التدابير والفحوصات والتشريحات الطبية اللازمة ، فإنه رغم ذلك ينجز محضرا يضمنه كل العمليات التي قام بها، وكذلك في الحالات التي يقوم فيها بأبحاث عن متغيب انقطع خبره ولم يظهر له أثرمند مدة معينة ، أو إذا كلف بالتحقيق عن هوية متهم أو مشتبه فيه .

وانطلاقا مما سبق يمكن تعريف المحضر بأنه الوثيقة المكتوبة التي يضمن فيها ضباط الشرطة القضائية جميع التحريات التي يقومون بها سواء في الأحوال العادية أو في حالات التلبس أو في حالة الإنابة القضائية .

وإذا كان المحضر هو عبارة عن وثيقة مكتوبة ، فإنه لا يمكن اعتبار التصريحات الشفوية التي يدلي بها ضابط الشرطة القضائية بمثابة محضر، وهكذا فإن تسمية هذه الوثيقة التي يجب أن تكون مكتوبة بالمحضرالشفوي Le procés-verbal هو مجرد استمرار لتسمية قديمة للتقرير الشفوي الذي كان يقدمه الأعوان وليس الضباط ،وهدا يجرنا إلى التمييز ما بين المحضر P .V والتقرير rapport ،

 

 

 

 

 

فهما يختلفان عن بعضهما البعض سواء من حيث المصدر أوالشكل أوالنطاق ، فمن حيث المصدر فالتقرير يحررممن ليست له صفة الضبطية  كموظفي وموظفات مصالح الشرطة الإدارية أو العامة Police administrative  أو الدركيين والدركيات   Mdl Gendarmes  أو خلفاء الباشوات أو خلفاءالقواد الذين ليست لهم صفة ضابط الشرطة القضائية ، ويمكن لمحرر التقريرأن يضمن فيه الوقائع والملابسات المتعلقة بالجريمة وكل ما يبدو له من ملاحظات ومستنتجات و تخمينات حول الجريمة ومرتكبيها ، عكس المحضرالذي ينقل الوقائع كما هي بدون زيادة أو نقصان وبكل موضوعية بعيدا عن كل افتراض أو تأويل ، فهو مبدئيا – أي المحضر – صورة طبق الأصل للوقائع ، وهدا ما تنص عليه الفقرة الثانية من الفصل 73 من قانون الدرك الملكي التي جاء فيها ما يلي : “…و يجب أن يكون إنشاء المحاضر واضحا دقيقا وأن يكون عبارة عن بيان للوقائع مجردا عن كل حادث أو كل تأويل خارج عن الموضوع “.

ومن حيث النطاق فإن المحضر أوسع نطاقا مما عليه الأمر في التقرير بل وأكثر منه تفصيلا وتدقيقا وإحاطة ، بالإضافة إلى هذا فإن المشرع قد اشترط شكلا للمحضر الشيء الذي لا يتوفر للتقرير، وهذا ما سوف نتعرض إليه بالتفصيل في النقطة الموالية .

 

ثانيا : شكل المحضر

 

لم يرد أي تحديد لشكل المحضر بقانون المسطرة الجنائية ، وهكذا اختلفت محاضر الضابطة القضائية في شكلها .غير أنه مهما اختلفت تلك المحاضر من إدارة إلى أخرى أو من جهاز إلى آخر أو حتى داخل الإدارة الواحدة أو الجهاز الواحد ، فإن هذا لا يبطلها ، فقد نص الفصل 71 من قانون الدرك الملكي في فقرته الأخيرة على أنه  ليس من الجائز أن تبطل المحاضر بدعوى عيب في صيغتها sous prétexte de  vice de forme .

 

وبصفة عامة فإننا نجد محاضرالضابطة القضائية تتضمن جانبين اثنين  :

– جانب أول يسمى جسم المحضرCorps du procés-verbal  ويتضمن كل العمليات التي قام بها ضابط الشرطة القضائية كالمعاينات وتلقي التصريحات وما إلى دلك .

– جانب ثاني ويسمى هامش المحضرMarge du procés-verbal  وهو خاص بالإدارة أو المصلحة التي ينتمي إليها محرر المحضر، وغالبا ما يكون في أعلى يمين المحضر .

ولكي يكون المحضر صحيحا ويعتد به ينبغي أن يستوفي جميع الإجراءات والشكليات المنصوص عليها في القانون ، وحسب ما جاء في المادة 289  من قانون المسطرة الجنائية فإنه “ لا يعتد بالمحاضر والتقارير التي يحررها ضباط وأعوان الشرطة القضائية والموظفون والأعوان المكلفون ببعض مهام الشرطة القضائية ، إلا إدا كانت صحيحة في الشكل وضمن فيها محررها وهو يمارس مهام وظيفته  ما عاينه أو تلقاه شخصيا في مجاال اختصاصه  “ ، وهدا يعني أن المحضـر لا يمكن أن يتوفر على قـوة الإثبات القاطع إلا إذا كان صحيحا في الشكل،أي مستوفيا لجميع شروطه الشكلية والموضوعية ، وهكذا ينبغي وتمشيا مع ما جاء في الفقرة الثانية من المادة 24 من قانون المسطرة الجنائية أن  « … يتضمن المحضر خاصة اسم محرره وصفته ومكان عمله وتوقيعه ، ويشار فيه إلى تاريخ وساعة إنجاز الإجراء وساعة تحريرالمحضرإدا كانت تخالف ساعة إنجاز الإجراء . » .

 

 

 

 

 

 

فبالنسبة للحالة الأولى المتعلقة بإسم وصفة وتوقيع محرر المحضر :  فإن المشرع يشترط  تضمين المحضرلإسم وصفة محرره أو محرريه ، وهده مسألة جوهرية ، على اعتبار أن ذلك يؤثر في قيمة المحضر سواء كان المحرر بصفته ضابطا للشرطة القضائية أو بصفته عونا للشرطة القضائية… وعموما فضابط الشرطة القضائية أو عون الشرطة القضائية وكل من له الصفة القانونية في تحرير المحضر عليه أن يضمنه صفته (7) واسمه الكامل وهويته الكاملة ووضعيته الإدارية كدرجته أورتبته أومسؤوليته  أوالجهازأوالسلك الدي ينتسب إليه… (8)  وأن يوقع عليه بعد انتهائه من كافة العمليات والإجراءات دات الصلة ، إذ أن توقيعه دليل على مسؤوليته وشهادة منه على صحة مضمون المحضر، وهذا ما ورد في الفصل 69 من قانون المسطرة الجنائية الذي ألزم ضابط الشرطة القضائية بالتوقيع على كل ورقة من أوراق المحضرفورالتحرير، وقد يكون من الأفضل توقيع كل صفحة من كل ورقة وترقيمها ، خصوصا إدا تعلق الأمر بحالات التلبس بالجنايات والجنح .

 

أما بالنسبة للحالة الثانية المتعلقة بتأريخ المحضر : نجد أن بعض المحاضرتشترط تحت طائلة البطلان ذكر التاريخ الذي حررت فيه وبدقة سواء من حيث السنة والشهر واليوم بل وحتى الساعة ، والأكثر من ذلك أن بعض المحاضر يصبح ضروريا ذكر الدقيقة فيها إذا تعلق الأمر بإجراء تفتيش لمعرفة أوقاته وهل تم بكيفية قانونية أم لا ، وكذلك الأمر بالنسبة للوضع تحت الحراسة النظرية قصد ضبط أوقات وضع المشبوه فيه في الزنزانة Geole  المخصصة لدلك  وأوقات تقديمه إلى القاضي المختص وهل كان وضعه تحت الحراسة مشروعا أم تحكميا ، و كذلك الأمر بالنسبة لمحضر المعاينة الذي ينبغي تأريخه وإلا كان باطلا . لكل هده الأسباب ألزم المشرع محرر المحضر بضرورة الإشارة إلى التاريخ ، وأهمية التاريخ في المحضر لا تخفى عندما يكون مسجلا بدقة ، حيث يساعد المحقق و الباحث على تمثل الوقائع وفهمها بوضوح وربطها بإطارها الزمني ، ولهذا يجب أن يسجل التاريخ في أعلى المحضر ويكون بالحروف وليس بالأرقام – وهذا هو موقف المشرع الفرنسي – دفعا لكل شبهة أولبس قد يعتري المحضر.

 

أما توقيع المحررفي شأنهم المحضر فقد جاء في الفقرات الأخيرة من المادة 24 ق م ج ما يلي : «  يوقع المصرح إلى جانب ضابط الشرطة القضائية على المحضر عقب التصريحات وبعد الإضافات ويدون اسمه بخط يده ، وإدا كان لايحسن الكتابة أو التوقيع يضع بصمته ويشارإلى دلك في المحضر … يتضمن المحضر كدلك الإشارة إلى رفض التوقيع أو الإبصام أو عدم استطاعته ، مع بيان أسباب دلك . »

إلا أنه عقب الإنتهاء من تحريرالمحضر قد يحدث لمحرره أن بعض الهفوات قد ارتكبت أو أن بعض المعلومات قد أغفلت أو أن أخطاء مادية قد انزلقت دون قصد ، فهل يمكن في هذه الحالات إجراء أي تشطيب أو إتمام أو محو في المحضر المنجز ؟

الحقيقة أن ذلك قد يؤثربعض الشيء في المحضر من حيث قيمته ، ويكون من المستحب عدم الوقوع في ذلك ، كما أن العديد من ضباط الشرطة القضائية غالبا ما يتجنبون دلك لإبعاد أي شبهة عن محاضرهم، وفي هدا الصدد يرى المشرع الفرنسي بأن كل إقحام أو تشطيب يعتبر محل بطلان وحده بذاته وليس

 

 

 

 

 

 

 

المحضر بكامله ، مع الإشارة في هامش المحضر إلى عدد الكلمات  المشطب عليها أو المقحمة أو التي تم حشوها أو إضافتها ، و عليه فإن تعلق الأمر بالتشطيب فعلى ضابط الشرطة  أن يشطب على الكلمة غير المرغوب فيها أو غيراللائقة تشطيبا خفيفا مع تركها واضحة حتى تسهل قراءتها من جديد أو يسهل التعرف عليها وبالتالي إبعادها بصورة قانونية ومشروعة دونما أدنى شك أو ظن .

أما الإقحام فيستوجب وضع الكلمة المنسية داخل الطرة مع وضع علامة (×)عليها، نفس العلامة توضع في المكان الذي كان من المفروض أن تكتب فيه الكلمة داخل المحضر.

وإذا تعلق الأمر بالفراغ في السطر فإنه لابد من إتمام السطر إلى آخره بالنقط المتقطعة أو بخط مستقيم حتى النهاية ، لكي لا يدع مجالا للشك ولتغيير الحقائق ، أما الفراغ داخل السطر نفسه وحتى ما بين السطور فيعتبر ممنوعا لأن ذلك يعطي الفرصة لمن له مصلحة أو نية معينة بإضافة بعض الكلمات التي قد تكون سبب البراءة أوالإدانة أو التخفيف من العقوبة ، بعد ذلك يختم الضابط والمصرح المحضر بالمصادقة على كل التشطيبات والإضافات والإحالات كما هو منصوص على دلك في الفقرة ما قبل الأخيرة من المادة 24 سالفة الدكر.

 

لكن تثار مسألة مهمة أثناء كتابة المحضر وتتعلق باللغة التي يجب أن يحرر بها المحضر، فقد جرت العادة أن تحرر المحاضر باللغة العربية باعتبارها اللغة الرسمية للدولة طبقا لأحكام الفصل الخامس من الدستور، كما أن توحيد القضاء وتعريبه ومغربته قد اعتبر اللغة العربية هي لغة المداولات  والمرافعات والأحكام ، وبما أن مؤسسة الضابطة القضائية هي تابعة لسلطة النيابة العامة التي هي جزء من أسرة القضاء فإن المحاضرالصادرة عنها يجب أن تحرر بالتبعية باللغة العربية (9)، ومع دلك فليس هناك ما يمنع من تحرير المحاضر باللغة الأمازيغية باعتبارها أيضا لغة رسمية للدولة ورصيدا مشتركا لجميع المغاربة بدون استثناء كما جاء في الفصل المدكور .

وفي هدا الصدد يتعين على ضابط الشرطة القضائية الإستعانة بمترجم إدا كان الشخص المستمع إليه يتحدث لغة أو لهجة لايحسنها أو لايتقنها الضابط ، أو يستعين بكل شخص يحسن التخاطب مع المعني بالأمر إدا كان أصما أو أبكما ، ويشار إلى هوية المترجم أو الشخص المستعان به بالمحضر ويمضي عليه ، طبقا للمقتضيات الواردة في الفقرة الأخيرة من  المادة 21 من قانون المسطرة الجنائية الحالي   .

وفي الأخير لابد من التدكير بموقف القضاء الإداري المغربي الدي يقر بعدم مشروعية اللغة الفرنسية بالإدارات العمومية ، حيث أصدرت محكمة الإستئناف الإدارية بالرباط قرار رقم 256 مؤرخ في 31 يناير 2018 مؤيدا للحكم الصادر عن المحكمة الإدارية بالرباط بتاريخ 02 يونيه 2017  القاضي بعدم مشروعية اللغة الفرنسية بالإدارات العمومية .

هذا عن شكليات المحاضر بصفة عامة ، وما دامت هذه الشكليات تختلف من محضر إلى آخر، فإنه يستحسن بنا أن نتحدث وبإسهاب عن أنواع وخصائص هده المحاضر.

 

 

الفقرة الثانية :  أنواع محاضر الضابطة القضائية

 

إذا كانت المحاضر الهدف منها واحد والغاية واحدة وهي إثبات الجرائم ونقل وقائعها وما يرافق ذلك من عمليات وإجراءات ، فإنها مع ذلك تختلف من حيث مصدرها أو من حيث موضوعها وكذلك من حيث وصف الجريمة التي يحاول المحضر تأطيرها والإحاطة بها.

 

 

 

والمشرع قد أخذ بعين الإعتبار هذا الإختلافات في تحديد قيمة المحاضر، وهذا ما سوف نتحدث عنه بشيء من التفصيل وذلك من خلال ثلاثة فروع ، سنتناول في فرع أول أنواع المحاضر من حيث المصدر؛ وفي فرع ثاني أنواع المحاضر من حيث الموضوع ؛ وفي فرع ثالث وأخير أنواع المحاضر من حيث وصف الجريمة .

 

الفرع الأول : أنواع المحاضر من حيث المصدر

 

        إن المقصود بمصدر المحضر الجهة التي أصدرته أو الجهة التي قامت بتحريره ، أي الجهاز المختص الدي أوكل إليه القانون القيام بهذا الإجراء ،وهكذا نجد الفصل 23 من قانون المسطرة الجنائية في فقرته الأولى ينص على أنه :  «  يجب على ضباط الشرطة القضائية أن يحرروا محاضر بما أنجزوه من عمليات… »

يتبين من خلال قراءة هذه الفقرة أن الضابطة القضائية هي الجهة التي خولها المشرع مهمة تحرير المحاضر، وهي جهاز يعمل تحت إشراف وسلطة النيابة العامة مهمته التثبت من وقوع الجرائم وجمع الأدلة عنها والبحث عن مرتكبيها وتضمين كل الإجراءات التي تقوم بها في محضرقانوني تحيله على العدالة قصد إتخاذ قرارها فيه .

هدا من الناحية القضائية أما من الناحية الإدارية فتنتمي مؤسسة الضابطة القضائية إلى وزارات وإدارات ومصالح متعددة ومختلفة كوزارة الداخلية ( السلطات المحلية من عمال وباشوات وقواد ، المديرية العامة للأمن الوطني ، المديرية العامة لمراقبة التراب ) أو الوزارة المنتدبة لدى رآسة الحكومة المكلفة بالدفاع الوطني ( الدرك الملكي ) أو وزارة الفلاحة ( المندوبية السامية للمياه والغابات ومحاربة التصحر) أووزارة الإقتصاد والمالية ( إدارة الجمارك والضرائب غير المباشرة ) أووزارة التجهيزوالنقل ( مراقبة الطرق ومراقبة الموانئ ومراقبة السكك الحديدية ) أو وزارة الشغل…

وانتماء الضابطة القضائية الى جهات متعددة ومختلفة فيه نوع من التخصص من شأنه أن يحقق تدخلا أكثر حسما وأكثرفعالية لإيقاف المجرمين وقمع المخالفين والخارجين عن القانون وكل من قد تسول له نفسه المس بالأشخاص والممتلكات .

وهكذا نجد أن المحاضر تتنوع بحسب هذه الجهات ، وهذا التنوع مرده الأساسي البحث عن الفعالية وتسهيل المأمورية  (10).

 

فالمحاضر إذن من حيث المصدر على أنواع أهمها :

– أولا : محاضر تحرر من طرف ضباط الشرطة القضائية  تطبيقا لأحكام الفصل 23 من قانون المسطرة الجنائية ، سواء في الأحوال العادية أو في حالة التلبس أوفي حالة الإنابة القضائية.

– ثانيا : محاضر تحرر من طرف أعوان الشرطة القضائية تطبيقا لأحكام المادة 26 من قانون المسطرة الجنائية ، وإن كان بعض الأعوان لا يحق لهم القيام بذلك ، نظرا لإنتفاء الصفة الضبطية فيهم ، وهي صفة جوهرية وأساسية لصحة وسلامة المحضر، ومع دلك فقد جرت العادة أن بعض المحاضريحررها ضباط الشرطة القضائية بشكل مشترك مع أعوان الشرطة القضائية في إطار المساعدة والإخبار وجمع المعلومات ، وهدا لايؤثر في قيمتها أو حجيتها .

 

 

 

 

 

 

 

  – ثالثا : محاضر تحرر من طرف الموظفين و الأعوان والمأمورين المكلفين ببعض مهام الشرطة القضائية ، تطبيقا لأحكام المادتين 27 و28 من قانون المسطرة الجنائية ، أوما يسمى بأصحاب الإختصاص الخاص تمييزا لهم عن ضباط الشرطة القضائية أصحاب الإختصاص العام،وتشمل :

*  محاضر الدرك الملكي المثبتة للمخالفات الجمركية ومخالفات الصيد البحري انطلاقا من الفقرة الأولى من المادة 71 من قانون الدرك الملكي .

*  محاضر مفتشي وتقنيي وأعوان الجمارك طبقا للمقتضيات الواردة بمدونة الجمارك   والضرائب غير المباشرة .

*  محاضر مهندسي وتقنيي المياه والغابات المتعلقة بالبحث في الجنح والمخالفات المنصوص عليها في ميدان الغابات والصيد في المياه الإقليمية .

*  محاضر ضباط الوكالة الوطنية للموانئ ونوابهم بداخل الموانئ ومرافقها .

*  محاضر المفتشين والمفتشين المساعدين المناطة بهم مراقبة السكك الحديدية في نطاق أماكن السكك ومرافقها .

* محاضر المفتشين والأعوان المكلفين بزجر الغش .

* محاضر منجزة – في حالة الإستعجال – من طرف الولاة وعمال العمالات والأقاليم بشأن الجرائم التي تمس أمن الدولة الداخلي أوالخارجي.

والجدير بالذكر أن الضابطة القضائية هي صاحبة الإختصاص العام في التثبت من جميع الجرائم وتحرير محاضر بشأنها ، إلا إنه وتسهيلا للمأمورية وبحثا عن الفعالية ، فإن المشرع قد منح المهمة نفسها لجهات أخرى بنص قانوني خاص وفي بعض المجالات ذات الطبيعة الخاصة نظرا لدراية هذه الجهات وخبرتها وحنكتها في ميدان عملها، وهذا هو السر في تنوع المحاضر من حيث المصدر.

غير أن هذا الاختصاص الإستثنائي لا يلغي الإختصاص العام الموكول للضابطة القضائية ، وعليه فلا يمكن للشخص الذي ضبط وهو يحمل كمية من القنب الهندي أو السجائر المهربة من طرف ضابط الشرطة القضائية من ذوي الإختصاص العام أن يدفع بعدم اختصاص هذا الأخير لأنه لم يضبط من طرف مفتشي شركة التبغ أو مفتشي الجمارك ، ولا يمكن للفاعل الدي تم ضبطه وهو يشعل حريقا في الغابة أو يقطع أشجارها أو يقوم بالصيد في أوقات ممنوع الصيد فيها أو يصيد حيونات أو طيور ممنوع صيدها من طرف ضباط الشرطة القضائية التابعين للدرك الملكي أن يدفع بعدم اختصاص هؤلاء كونه لم يضبط من طرف حراس الغابات المحلفين .

غير أن هدا لايمنع النيابة العامة إدا اقتضت دلك ضرورة البحث أو طبيعة الجريمة المرتكبة أن تعهد بالبحث إلى فرقة مشتركة تتألف من ضباط للشرطة القضائية ينتمون لجهات إدارية مختلفة تحت رآسة ضابط شرطة قضائية تعينه النيابة العامة المختصة لهدا الغرض ، طبقا لمقتضيات الفقرة الأخيرة من المادة 22 -1 من قانون المسطرة الجنائية .

ومهما يكن تبقى للضابطة القضائية كامل الصلاحيات والسلطات في هذا المجال بوصفها صاحبة الاختصاص العام الدي تستمده من القوانين ومن تعليمات ضباطها السامين المنتمين لسلك القضاء.

 

 

 

 

 

 

الفرع الثاني : أنواع المحاضر من حيث الموضوع

 

يقصد بموضوع محاضرالضابطة القضائية الصلاحيات المخولة لها بنص القانون ، وهذه الصلاحيات منها ما يباشرفي الأحوال العادية ومنها ما يباشر في حالة التلبس ومنها ما يباشر في حالة الإنابة القضائية ، بالرغم من أن المادة 18 من قانون المسطرة الجنائية نجدها تحدد هذه الصلاحيات بصفة عامة في التثبت من وقوع الجرائم وجمع الأدلة عنها و البحث عن مرتكبيها وتنفيد أوامرالنيابة العامة وأوامروإنابات قضاء التحقيق .

 

أولا : محاضر منجزة في إطار مسطرة البحث التمهيدي :

 

البحث التمهيدي L’enquete préliminaire هو مجموع التحريات التي تقوم بها  الضابطة القضائية في غير حالات التلبس ، وهو شكل من أشكال الأبحاث الشرطية أوالبوليسية يهدف إلى التثبت من وقوع الجرائم وجمع الأدلة عنها والبحث عن مرتكبيها يقوم به ضابط الشرطة القضائية في إطار سلطات جد محدودة .

ويسلك ضباط الشرطة القضائية مسطرة البحث التمهيدي إما تلقائيا وإما بتعليمات من النيابة العامة المختصة طبقا لأحكام المادة 78 من قانون المسطرة الجنائية ، إذ نجدهم يقومون بالإنتقال إلى عين المكان لمعاينة مكان الجريمة قصد الحصول على الأدلة والإستماع الى الأشخاص ( الضحية ، المشبوه فيه ، الشهود… ) وكل ما يفيد في إثبات الوقائع ، أو القيام بعمليات التفتيش والحجز، أو اللجوء إلى كل

وسائل البحث الممكنة والإستعانة بالمرشدين والفنيين ودوي الخبرة والإختصاص ، ووضع الأشخاص تحت الحراسة النظرية كلما دعت ضرورة البحث التمهيدي إلى اتخاد ذلك .

فالبحث التمهيدي إذن يختلف من جريمة لأخرى ومن فعل جرمي لآخر، فهناك جرائم يتم فيها إجراء بحث ومعاينة واستماع وتفتيش وحجز ، وهناك جرائم لا نجد في البحث التمهيدي الذي أجري بشأنها سوى محضر المعاينة دون محضر الإستماع ، لأن الضحية وجد مثلا طريحا على الأرض أو ملقى في مكان معين ولم يشاهده أحد،وهناك جرائم لا نجد في البحث التمهيدي المتعلق بها سوى محضر المعاينة ومحضر الإستماع دون محضر التفتيش والحجز…

 

وقد أشار المشرع المغربي إلى هذه المسطرة – أي مسطرة البحث التمهيدي – في الفصول من 78 إلى 82 من قانون المسطرة الجنائية التي لا تمنح إلا سلطات جد محدودة لضابط الشرطة القضائية ، فكل العمليات يسيرها وكيل الملك أو الوكيل العام للملك كل فيما يخصه أو يعطي الإدن من أجل القيام بها كما هوالشأن بالنسبة للوضع تحت الحراسة النظرية أو تمديدها ، وهناك عمليات لاتتم إلا بموافقة صريحة من المعني بالأمر كما هو الحال بالنسبة لدخول المنازل وتفتيشها وحجز ما بها من أدوات الإقتناع .

وإدا تعلق الأمر بجريمة إرهابية وامتنع الشخص الدي سيجري التفتيش أو الحجز بمنزله عن إعطاء موافقته أو تعدر الحصول عليها ، فإنه يمكن إجراء العمليات المدكورة بإدن كتابي من النيابة العامة بحضور المعني بالأمر وفي حالة امتناعه أو تعدر حضوره تتم الإجراءات بحضور شخصين من غير مرؤوسي ضابط الشرطة القضائية .

 

 

 

 

 

وإدا تعلق الأمر بجناية أو جنحة يعاقب عليها بالحبس ،وكانت ضرورة البحث التمهيدي تقتضي الإبقاء على المشتبه فيه رهن إشارة ضابط الشرطة القضائية ، فإنه يقوم بوضعه تحت الحراسة النظرية لمدة لا تتعدى 48 ساعة بإدن من النيابة العامة قابلة للتمديد مرة واحدة لمدة24 ساعة بإدن كتابي من النيابة العامة ، وترفع هده المدة إلى 96 ساعة قابلة للتمديد مرة واحدة بإدن كتابي من النيابة العامة كلما تعلق الأمر بالمس بأمن الدولة الداخلي أو الخارجي وتمدد مرتين لمدة96 ساعة في كل مرة كلما تعلق الأمر بجريمة إرهابية ودائما بعد إدن كتابي من النيابة العامة .

وفي حالة التمديد للحراسة النظرية ، فإنه يمكن للمشتبه فيه أن يطلب من ضابط الشرطة القضائية الإتصال بمحام ، ويمكن لهدا الأخير خلال مدة التمديد أن يقدم للضابطة القضائية أو للنيابة العامة وثائق أو ملاحظات كتابية قصد إضافتها للمحضر مقابل إشهاد ، ودلك طبقا للمقتضيات الواردة بالمادة80 من قانون المسطرة الجنائية .

وفي حالة وضع المشتبه فيه تحت الحراسة النظرية ، فإنه يجوز لضابط الشرطة القضائية إجراء تفتيش جسدي عليه ، وإدا تعلق الأمر بامرأة فينتدب الضابط امرأة للقيام بدلك ما لم تكن الضابط امرأة ، وأعتقد أن الضابطة القضائية التابعة سواء للأمن الوطني أو للدرك الملكي لم تعد في حاجة لهدا الإنتداب ودلك بسبب توفرها حاليا على الموارد البشرية النسوية الكافية والمختصة .

ومهما يكن فالبحث التمهيدي يبقى مجرد بحث أولي يمهد الطريق لمجموعة أخرى من الإجراءات اللاحقة كالإستنطاق والتحقيق الإعدادي والبحث التكميلي ، والمحاضر التي تنجز بشأنه لها قيمتها القانونية أمام العدالة .

 

ثانيا : محاضر منجزة في إطار مسطرة البحث التلبسي

 

التلبس La flagrance هوحالة تمنح لضابط الشرطة القضائية سلطات واسعة للتثبت من الجريمة، وقد وردت حالات التلبس في الفصل 56 من قانون المسطرة الجنائية على سبيل الحصرولا يمكن بالتالي للمحكمة أو للضابطة القضائية التوسع في تفسيرها بحيث لا يمكن أن تتعدى الأحوال الآتية  :

 

1 –  حالة ضبط الفاعل أثناء ارتكابه الجريمة أوعلى إثر ارتكابها .

2 – حالة إذا كان الفاعل ما زال مطاردا بصياح الجمهورعلى إثر ارتكابها .

3 – حالة ما إذا وجد الفاعل بعد مرور وقت قصير على ارتكاب الفعل حاملا أسلحة أو أشياء يستدل معها أنه شارك في الفعل الإجرامي أو وجد عليه أثرأوعلامات تثبت هده المشاركة .

4 – حالة الجناية أو الجنحة المرتكبة داخل منزل في ظروف غيرالظروف السابقة إدا التمس مالك أو ساكن المنزل من النيابة العامة أومن الضابطة القضائية معاينتها  (11).

يتضح من الحالات الثلاثة الأولى الواردة في الفصل المدكور أنه يتم التثبت من الجريمة في ظروف تكون كل الأدلة والقرائن حية لم يطرأ عليها عادة أي تغيير، الشيء الذي يمكن من معاينتها مباشرة واستغلالها في الحين للوصول بسرعة إلى نتيجة ايجابية ، أما الحالة الرابعة فغالبا ما يكون لها محل بعد غياب صاحب المنزل مثلا وأثناء عودته إليه يفاجأ بجريمة قتل وقع ضحيتها حارسه أو خادمه أو تعرضت أمتعته للنهب والسرقة والإتلاف …(12)

 

 

 

 

 

 

 

يتبين إدن من خلال قراءة لهده المقتضيات أن التلبس يتحقق بتنفيذ الركن المادي للجريمة ، كأن يضبط الفاعل من طرف ضابط الشرطة القضائية وهو يقتل أويغتصب أو يسرق أو يرتكب أي فعل جرمي آخر ويقبض عليه وهو في تلك الحال فهنا يكون في حالة تلبس،أي أنه يتلبس بالإجرام أو يلبس لباس الإجرام ، ولنفرض أنه لم يلق عليه القبض وصاح وراءه جمهورمن الناس بعد أن لاذى بالفرار فهو في حالة تلبس لأن الصياح هو رد فعل فوري وتلقائي يعقب مباشرة ارتكاب الجريمة المقصود منه إثارة الإنتباه لما حصل ولما وقع في غفلة من الغير.

و يتحقق التلبس أيضا في حالة وجود مجرم بعد زمن قصيرأو برهة يسيرة على ارتكاب جريمته أو فعلته ومعه أسلحة أو أدوات أو عليه آثار أو أمارات ، وهذه الحالة هي حالة اعتبارية مناطها وجود محيط من الأدلة والقرائن التي تفيد قطعا علاقة الجاني بالجريمة المرتكبة لزمن يسير، وشرط الزمن اليسير يرجع تقديره للقاضي استنادا إلى ظروف وملابسات كل قضية .

وهناك حالة اعتبارية أخرى  تتمثل في الجناية أو الجنحة المرتكبة داخل منزل يطلب مالكه أو ساكنه من النيابة العامة أو من الضابطة القضائية معاينتها والتثبت منها ، وقد يدخل في حكم ساكن المنزل بالإضافة إلى صاحب حق الملكية كل مقيم أو قاطن فيه كالمكتري والمنتفع أو من يقوم مقامهم من الأزواج أو الأصول أو الفروع أو الخدم أو الحرس ……………………………………………………….. …

 

وبالإضافة إلى الشروط الخاصة بكل حالة من حالات التلبس الأربع المدكورة ، هناك شروط عامة تسري على جميع الحالات وتنحصرفي أربعة أيضا وهي كالتالي :

*  أن تتوفرحالة واحدة أوأكثرمن حالات التلبس الأربع السابقة .

*  أن تحصل المعاينة من قبل ضابط شرطة قضائية .

*  أن تتم المعاينة بصورة قانونية ومشروعة .

* أن يتعلق الأمر بجناية أو جنحة دون المخالفة .

وإذا توفرت شروط التلبس، فإن الضابطة القضائية وبعد إخبار النيابة العامة، تتمتع بصلاحيات واسعة ( الإنتقال في الحال إلى مسرح الجريمة ) من أجل المعاينة ( الحفاظ على الأدلة القابلة للإندثار، حجزالأسلحة والأدوات المستعملة ، أخد االبصمات ، طلب إجراء خبرات ) والتثبت

من الجريمة، والبحث في الحال عن كل المعلومات المفيدة دون إضاعة الوقت (13). وكل محضر يتعلق بذلك يجب تحريره على الفور، ويوقع ضابط الشرطة القضائية على كل ورقة من أوراقه ، كما أن الأطراف يوقعون على كل التصريحات والبيانات المتعلقة بهم ( الفصل 69 من قانون المسطرة الجنائية ).

إدن وبعد أن تحدثنا بصفة عامة عن التلبس وحالاته وشروطه ، يبقى من الأفضل أن نتطرق وحتى تتضح الصورة أكثر،لمضمن بعض المحاضر دات الأهمية الكبيرة كمحضر المعاينة، ومحضر الإستماع، ومحضر التفتيش والحجز ، ومحضرالحراسة النظرية…

 

 

 

1 – محضر المعاينة : PV de constatation

ينص الفصل 57 من قانون المسطرة الجنائية على أن ضابط الشرطة القضائية الذي تم إشعاره بحالة تلبس بجناية أو جنحة أن يخبر بها النيابة العامة فورا ، ثم ينتقل في الحال إلى عين المكان، ويجري جميع المعاينات والتحريات المفيدة ، والسرعة في الإنتقال ضرورية لأن معالم الجريمة قد تندثر بسرعة أو في أية لحظة  فيختلط الحابل بالنابل بسبب أحوال الطقس أو بسبب حضور عدد غفير من المحتشدين إلى عين المكان أو بسبب تغييرها من طرف الفاعل أو بعض أفراد أسرته أوعائلته أوخلانه ، كما أن سرعة الإنتقال تحول دون هروب الفاعل أو خلقه لروايات مصطنعة أو خيالية .

وبمجرد وصول ضابط الشرطة القضائية إلى عين المكان يجوز له منع كل شخص من مغادرة مسرح الجريمة إلى أن ينتهي من تحرياته أوإلى حين حضور الشرطة العلمية والتقنية ، كما يتعين على كل شخص ظهر من اللازم التعرف على هويته أو التحقق منها أن يمتثل للعمليات التي يقتضيها هذا الإجراء بطلب من الضابط المعاين .

ويضيف الفصل 57 الآنف الدكرعلى أن ضابط الشرطة القضائية يقوم أيضا بحجز الأسلحة والأدوات التي استعملت في ارتكاب الجريمة أو التي كانت معدة لارتكابها، كذلك جميع ما يكون قد ترتب عن هذه الجريمة قصد الإعتراف بها ، كما يمكنه عند الإقتضاء أخد البصمات من مكان ارتكاب الجريمة وإجراء الخبرات اللازمة ، أما الفصل 58  فقد جاء ليساعد الضابطة القضائية على القيام بمهامها وذلك بإبقاء الأمكنة على الحالة التي تركها عليها الفاعل إلى حين معاينتها ، تحت طائلة عقوبات مالية و حبسية بحسب الحالات ، ما عدا إدا كانت التغييرات تفرضها ضرورة المحافظة على السلامة أو الصحة العمومية أو تقديم الإسعافات للضحايا .

بعدها تبدأ مرحلة تحديد الأمكنة وهي مرحلة دقيقة جدا ، إذ غالبا ما يساعد هذا التحديد على أخذ فكرة عن الجريمة وعن مرتكبيها .وبعد تحديد الأمكنة مسرح الجريمة ، يجب على الضابط المعاين وصفها وصفا دقيقا دون أن يغادر كبيرة ولا صغيرة يهتدي عن طريقها إلى معرفة الحقيقة وتدوين محضر بشأنها يسمى ” محضر المعاينة “.

 

 

         2 – محضر الإستماع :

 

إن موضوع محضر الإستماع ينحصر في تلقي وتدوين أقوال وتصريحات واعترافات وأجوبة المستمع إليهم سواء كانوا شهودا أو ضحايا أو مشتبه فيهم أوالغير، وسواء تعلق الأمر بشكايات أو وشايات ، مع ضرورة أن يتضمن المحضر المدكورهوية الشخص المستمع إليه ورقم بطاقة تعريفه عند الإقتضاء وأنه قد قرأ تصريحه أو تلي عليه ، وذلك في إطارما هومنصوص عليه في الفقرة الثالثة وما يليها من المادة 24 من قانون المسطرة الجنائية .

 

أ – الإستماع إلى الشهود :   إن استماع ضابط الشرطة القضائية إلى الشهود وهو بصدد إعداد محضره ، يبقى أمرا ضروريا ومفيدا في الوصول إلى الحقيقة ، لأن الشهود كما يقول الفيلسوف الإنجليزي”بنتام” هم ” أعين العدالة وآدانها “ ، رغم أن هده المقولة لم تعد تصمد أمام التطورالكبيرالدي

 

 

 

 

 

عرفته الجريمة والتقنيات والوسائل الحديثة التي يلجأ إليها المجرمون ومدى استمالتهم للشهود أو خوف هؤلاء منهم أو وجود مصالح معينة فيما بينهم …، وبالتالي فإنه يتعين على ضابط الشرطة القضائية أن يساير هدا التطور ويستمع إلى الشهود بكل حذر وحيطة وتروي ، وعليه أن يتأكد من درجة الإنتباه عند الشاهد ، وقوة ذاكرته وثباته فيما يقول ومعرفة كل العوامل التي من شأنها أن تؤثر فيه كعلاقات القرابة والمصاهرة و المجاورة والمنفعة وما إلى دلك …

وتلزم الإشارة إلى المقتضيات التي نصت عليها المادة 60 في فقرتها الثالثة من قانون المسطرة الجنائية التي جاء فيها : «  يمكن لضابط الشرطة القضائية أن يستدعي أي شخص لسماعه ، إدا تبين له أن بوسع هدا الشخص أن يمده بمعلومات حول الأفعال أو الأشياء أو الوثائق المحجوزة ، وأن يرغمه على الحضور في حالة امتناعه بعد إدن النيابة العامة . » ، وهدا يعني أن الإستماع إلى الشهود  يدخل ضمن التحريات التي يقوم بها ضابط الشرطة القضائية ،  فإذا كان هذا الأخير بإمكانه الإستماع إلى المشبوه فيه فإمكانه ومن باب أولى الإستماع إلى الشهود كدلك ، لأن هؤلاء يعتبرون خيرعون في مساعدة الضابطة القضائية قصد الوصول إلى الخيوط الأولى للحقيقة ، قال تعالى في سورة البقرة :  « ولا يآب الشهداء إدا ما دعوا. » قيل معناه إدا دعوا للتحمل فعليهم الإجابة ، وقال أيضا : « ولا تكتموا الشهادة ومن يكتمها فإنه آثم قلبه . » أي لاتخفوها وتغلوها وآثم القلب هو فاجر القلب ، قال مجاهد “  إدا شهدت فدعيت فأجب “ وثبت في صحيح مسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال “ ألا أخبركم بخير الشهداء ؟ الدي يأتي بشهادته قبل أن يسألها “ (14).

 

ب – الإستماع إلى الضحية : لتعزيز المحضر بالأدلة الحية لابد أولا وقبل كل شيء من الإستماع إلى الضحية ، باعتباره أول وأهم شاهد  لنفسه وعلى نفسه تعتمد عليه الضابطة القضائية في بحثها ، وهي أول من يواجه الفاعل ، الشيء الذي يجعلها في الظروف العادية تعطي وصفا كاملا ودقيقا عن المجرم ، وتبين ملامحه وصفاته وشكله ولونه وقامته وبنيته ولباسه ، وزمان ومكان الإعتداء والوسائل التي استعملت في الإعتداء ، وتوضح إن اقتضى الأمر عدد الفاعلين والمشاركين والمساهمين ، إلى غير ذلك من المعلومات التي تسهل الكشف عن هوية المجرم الحقيقي وإلقاء القبض عليه.

ويتعين على ضابط الشرطة القضائية أن يحتاط من تصريحات الضحايا ويتأكد مما يقولون، فغالبا ما يتم نسج  روايات خيالية يكون الهدف من ورائها الإنتقام من أحد الخصوم أوالإضرار به أو “ لحاجة في نفس يعقوب “ ،  فالأطفال غالبا ما يكذبون في تصريحاتهم وغالبا ما يكون ذلك بإيعازوإغراء من أسرهم وعائلاتهم ، كما أن النساء غالبا ما يدعين أنهن كن ضحايا لجرائم الجنس والتحرش والإغتصاب والإختطاف والنشل والضرب ومختلف صنوف الإعتداء ويؤكدن ما يدعين بالدموع والصراخ والآهات ولطم الخدود وشق الجيوب والتظاهر بالتأثروالإنفعال والغيبوبة ، وكثيرا ما تأثرت عناصر الضابطة القضائية وحتى عناصرالقضاء بشقيه الواقف والجالس بمثل هذه المسرحيات .

 

ج – الإستماع إلى المشبوه فيه  :  يعتبر الظنين الشاهد الثاني في القضية بعد الضحية ، لذلك فشهادته دات أهمية كبيرة ، الشيء الذي يحتم على ضابط الشرطة القضائية الإستماع إليه بكل دقة وحذروتروي ، وهكذا فالظنين يميل هو الآخر إلى الكذب وتحريف الكلم والوقائع عن مواضعها أكثرمن الضحية والشهود، والإستماع إليه يهدف قبل كل شيء إلى الوصول إلى اعترافه بالأفعال المنسوبة إليه ، وهو لا يعترف في أغلب الحالات إلا إذا واجهه ضابط الشرطة بحجج دامغة وأدلة حقيقية وقرائن قوية

 

 

 

 

 

لا يبقى أمامه معها إلا الإعتراف ، هدا الإعتراف الدي لم يعد اليوم سيد الأدلة لوحده كما كان من قبل بل لابد من أدلة أخرى تسنده وتدعمه ، ويخضع في دلك لسلطة القاضي التقديرية (15) .

ويتعين على ضابط الشرطة القضائية قبل الإستماع إلى المشتبه فيه أن يشعره بالأفعال المنسوبة إليه ، ثم بعد دلك يدون تصريحاته وأجوبته على الأسئلة التي يوجهها إليه ، والعمل على مقابلته بالضحية والشهود و بباقي الأظناء إن اقتضى الأمرذلك ، غير أن بعض الأظناء قد يدعين أحيانا أنهم قد تعرضوا للضرب والتعنيف والتعذيب من أجل نزع اعترافهم بجرائم لم يقوموا بفعلها ، وهذا الإعتداء إن حصل يبقى مخالفا للقانون ويعاقب فاعله ، ولا يستعمل العنف إلا ضابط شرطة متهور وغير مقتدر.

وفي هدا الصدد  تدخل المشرع المغربي لحماية الأشخاص من هذه الإعتداءات ونص في الفقرة الأولى من الفصل 231 من القانون الجنائي على ما يلي : «  يقصد بالتعديب بمفهوم هدا الفرع ، كل فعل ينتج عنه ألم أو عداب شديد جسدي أو نفسي يرتكبه عمدا موظف عمومي أو يحرض عليه أو يوافق عليه أو يسكت عنه ، في حق شخص لتخويفه أو إرغامه أو إرغام شخص آخر على الإدلاء بمعلومات أو بيانات أو اعتراف بهدف معاقبته على عمل ارتكبه أو يشتبه في أنه ارتكبه هو أو شخص آخر ، أو عندما يلحق مثل هدا الألم أو العداب لأي سبب من الأسباب يقوم على التمييزأيا كان نوعه  .  ولا يعتبر تعديبا الألم أو العداب الناتج عن عقوبات قانونية أو المترتب عنها أو الملازم لها . »

إن دور الضابطة القضائية هو جمع الأدلة وتدوين كل ما تعاينه وتسمعه وتقدم محضرا كاملا ومفصلا للعدالة التي يرجع إليها الإختصاص ، حيث تعمل على غربلة وتنقيح كل ما يقدم لها ووضعه في إطار قانوني دقيق و الأخذ أو عدم الأخذ به .

 

 

3 – محضر الحراسة النظرية : PV. de Garde à vue

 

        لم يرد أي تعريف للحراسة النظرية في قانون المسطرة الجنائية ، غير أن هذا الإسم يطلق على التدبير الذي تستبقي بمقتضاه الضابطة القضائية تحت تصرفها أشخاصا مريبين أو مشتبه فيهم دون أن يكونوا محل تهمة بعد أو أمر بالتوقيف وذلك من أجل الحيلولة دون فرارهم أوتغييرهم معالم الجريمة أو إخفائها أو اقتضت ضرورة البحث دلك .

جاء في الفقرات الأولى من المادة 66 من قانون المسطرة الجنائية ما يلي : «  إدا تطلبت ضرورة البحث أن يحتفظ ضابط الشرطة القضائية بشخص أو عدة أشخاص ممن أشيرإليهم  في المادة 65 أعلاه ليكونوا رهن إشارته ، فله أن يضعهم تحت الحراسة النظرية لمدة لا تتجاوز 48 ساعة تحسب ابتداء من ساعة توقيفهم ، وتشعر النيابة العامة بدلك . يتعين على ضابط الشرطة القضائية إخبار كل شخص تم القبض عليه أو وضع تحت الحراسة النظرية فورا وبكيفية يفهمها ، بدواعي اعتقاله وبحقوقه ، ومن بينها حقه في التزام الصمت . يمكن بإدن كتابي من النيابة العامة لضرورة البحث، تمديد مدة الحراسة النظرية لمرة واحدة أربعا وعشرين ساعة . إدا تعلق الأمر بالمس بأمن الدولة الداخلي أو الخارجي ، فإن مدة الحراسة النظرية تكون ستا وتسعين ساعة قابلة للتمديد مرة واحدة ، بناء على إدن من النيابة العامة . إدا تعلق الأمر بجريمة إرهابية، فإن مدة الحراسة النظرية تكون ستا وتسعين ساعة قابلة للتمديد مرتين لمدة ست وتسعين ساعة في كل مرة ، بناء على إدن كتابي من النيابة العامة . »

 

 

 

 

 

 

 

 

وهدا يعني أن الإبقاء على المشبوه فيهم تحت الحراسة النظرية لا يمكن أن يتعدى 48 ساعة قابلة للتمديد ب 24 ساعة بإذن كتابي من النيابة العامة بعدما كانت المدة 96 ساعة قابلة للتمديد ب 48 ساعة (16) ،

وتكون المدة  إذا تعلق الأمر بالإخلال بسلامة الدولة الداخلية أو الخارجية 96 ساعة قابلة للتمديد مرة

واحدة بإذن تصدره النيابة العامة بعدما كانت المدة محددة في 76 ساعة ، وبالنسبة للجرائم الإرهابية فإن مدة الحراسة النظرية تحدد في 96 ساعة قابلة للتمديد مرتين اثنتين لمدة 96 ساعة في كل مرة ودائما بعد إدن كتابي من النيابة العامة .

و يحق للشخص الدي ألقي عليه القبض أو وضع تحت الحراسة النظرية الإستفادة من مساعدة قانونية ومن إمكانية الإتصال بأقربائه والإتصال بمحام  ، ويتم الإتصال بمحام بترخيص من النيابة العامة لمدة لاتتجاوز ثلاثين دقيقة (30) تحت مراقبة ضابط الشرطة القضائية وفي ظروف تكفل سرية المقابلة .لكن إدا تعدر الحصول على الترخيص المدكورفإن ضابط الشرطة القضائية يأدن بصفة استثنائية للمحامي الإتصال بموكله على أن يرفع تقريرا بشأن دلك إلى النيابة العامة المختصة .

وهكذا يتضح الفرق بين سبب الوضع تحت الحراسة وسبب التمديد  للحراسة ، فمجرد الظن أو الشك أو الإشتباه في شخص ما يبرروضعه تحت الحراسة النظرية ، أما التمديد فيقتضي وجود أدلة ، وهذا شيء منطقي إذ لا يعقل أن يستمر توقيف شخص دون وجود أي دليل ضده .

وتمسك الضابطة القضائية سجلا خاصا بالحراسة النظرية ترقم صفحاته وتديل بتوقيع وكيل الملك ، تقيد فيه هوية الشخص الموضوع تحت الحراسة وسبب وضعه وساعة بداية وساعة انتهاء الوضع ومدة الإستنطاق وأوقات الراحة والحالة الصحية والبدنية للشخص والتغدية المقدمة إليه .

ويوقع هدا الأخير وضابط الشرطة القضائية في السجل المدكور عند انتهاء الوضع تحت الحراسة وإدا كان الشخص غير قادر على التوقيع أو البصم أو رفض دلك يشار إلى دلك بالسجل ، ويعرض هدا السجل على وكيل الملك مرة في الشهرعلى الأقل قصد الإطلاع عليه ومراقبته والتأشير عليه .

وتتكفل النيابة العامة بمراقبة الوضع تحت الحراسة النظرية ، ويمكنها في أي وقت أن تضع حدا لها أو تأمر بمثول الشخص الموضوع أمامها .

و يجب على ضابط الشرطة القضائية انطلاقا مما جاء في المادة 67 من قانون المسطرة الجنائية أن يضمن في محضر سماع كل شخص وضع تحت الحراسة يوم وساعة ضبطه ، ويوم وساعة إطلاق سراحه أو تقديمه إلى القاضي المختص ، وتديل هده البيانات إما بتوقيع أو إبصام المعني وإما بالإشارة إلى رفضه دلك أو استحالته ، نفس البيانات تضمن في سجل الحراسة النظرية .

مع ضرورة إشعار الضابطة القضائية لعائلة المحتفظ به فور اتخاد قرار وضعه تحت الحراسة ، وتضمين دلك بالمحضر، كما يتعين عليها أن توجه يوميا إلى النيابة العامة لائحة بالأشخاص الذين يتم وضعهم تحت الحراسة خلال 24 ساعة السالفة .

ويجب على ضابط الشرطة القضائية أن يحررالمحضرعلى الفورويوقع على كل ورقة من أوراقه ، طبقا لما هو منصوص عليه في المادة 69 من قانون المسطرة الجنائية .

و نشير أخيرا إلى وجوب التمييز بين الوضع تحت الحراسة النظرية  تبعا لارتكاب جريمة، وبين إمساك الشخص لمدة معينة قصد مراقبة هويته ومعرفة ما إذا كان محل بلاغ بالبحث من أجل ارتكاب أفعال إجرامية (17).

 

 

 

 

 

 

 

 

4 – محضر التفتيش والحجز :  PV . de Perquisition et Saisie

 

        يخول الفصل 59 من قانون المسطرة الجنائية لضابط الشرطة القضائية سلطات واسعة قصد القيام بمهامه  في هدا الشأن ، فإدا كان نوع الجناية أو الجنحة مما يمكن إثباته بحجز أوراق أو وثائق أو مستندات أو أشياء تتعلق بالأفعال الجرمية ، فله الحق في أن ينتقل فورا إلى المنزل حيث تتواجد هده الإثباتات ليجري تفتيشا بشأنها ،  بعد دلك يتم إحصاء المحجوزات وتوضع حسب طبيعتها أو وزنها أو حجمها سواء في غلاف أو وعاء أو كيس ويتم الختم عليها من طرف الضابط إما مؤقتا أو نهائيا بحسب الحالات . هده الإجراءات تتم بحضور الأشخاص الدين حضروا عملية التفتيش والحجز ويحررمحضر يتضمن جميع العمليات .

وتفاديا لأي نزاع قد يطرح بشأن وجود ضابط الشرطة القضائية بالمنزل موضوع التفتيش ، فقد جاءت المادة 60 من قانون المسطرة الجنائية بالمقتضيات التالية :

  • إدا تعلق الأمربتفتيش منزل شخص يشتبه في مشاركته في الجريمة ، وجب أن يتم التفتيش بحضور هدا الشخص أو ممثل عنه ، وإذا تعذر دلك فعلى الضابط أن يستدعي لحضور عملية التفتيش شاهدين أجنبيين عن الموظفين الخاضعين لسلطتـه .
  • إدا تعلق الأمربتفتيش منزل شخص آخر يحتمل أن يكون حائزا مستندات أو أشياء تتعلق بالأفعال الإجرامية ، فإنه لابد من حضور هدا الشخص وإدا تعدر دلك وجب أن يتم التفتيش وفق المسطرة السابقة . ويتعين أن تحضر عمليات التفتيش امرأة ينتدبها ضابط الشرطة القضائية لتفتيش النساء .
  • يمكن لضابط الشرطة القضائية أن يستدعي أي شخص لسماعه ، إدا تبين له أن بوسع هدا الشخص أن يمده بمعلومات حول الأفعال أو الأشياء أو الوثائق أو المستندات المحجوزة ، وأن يرغمه على الحضور في حالة امتناعه بعد إدن النيابة العامة .
  • توقع محاضر التفتيش والحجز من طرف كل الأشخاص الدين جرى التفتيش بمنازلهم أو ممثليهم أو الشهود ، أو يشار إلى امتناعهم عن التوقيع أو الإبصام أو تعدر دلك .

لكن إدا وقع التفتيش في أماكن يشغلها شخص يلزمه القانون بكتمان السر المهني، فعلى ضابط الشرطة القضائية أن يشعر النيابة العامة المختصة ويتخذ مسبقا جميع التدابير اللازمة ليضمن احترام ذلك السر، تطبيقا لمقتضيات الفقرة الثالثة من المادة 59 من قانون المسطرة الجنائية ، والحفاظ هنا ليس على سر الظنين و إنما على سر أشخاص آخرين تحت حوزة الظنين .

 

لكن ما هي التدابير الواجب اتخاذها من طرف الضابطة القضائية في هدا الصدد ؟ الواقع أنه في مثل هذه الحالات غالبا ما تتم العمليات بتنسيق مع النيابة العامة والهيئة أوالإدارة التي ينتمي إليها الظنين، فقد يتولى القيام بدلك قاضي من قضاة النيابة كما يحضرها مثلا نقيب هيئة المحامين أورئيس هيئات العدول أوالموثقين أو المفوضين القضائيين أو باقي المهن القانونية الحرة أو رؤساء الإدارة التي ينتمي إليها الظنين أورئيس جمعيات الأطباء أو الصيادلة…، ولا يجب أن تتعدى عملية التفتيش ما هو ضروري للوصول إلى الحقيقة .

 

 

 

 

 

 

ويتدخل الفصل 61 من قانون المسطرة الجنائية لحماية كرامة وسر الأشخاص وذلك بالمعاقبة على إفشاء السر أثناء عملية البحث ، حيث جاء فيه ما يلي :  « كل إبلاغ أو إفشاء لوثيقة وقع الحصول عليها من تفتيش إلى شخص ليست له صلاحية قانونية للإطلاع عليها ، يتم دون موافقة المشتبه فيه أو دوي حقوقه أو الموقع على الوثيقة أو ممن وجهت إليه ، ولو كان دلك لفائدة البحث ، يعاقب عليه بالحبس من شهر واحد إلى ستة أشهروغرامة من 1200 إلى 2000 درهم . »

أما عن الزمان الذي يجب أن يتم فيه التفتيش فإنه لا تفتيش بعد التاسعة ليلا و قبل السادسة صباحا ،اللهم إلا إذا طلب دلك رب المنزل أو نزولا عند استغاثة صدرت من داخله أو كانت هناك أحوال استثنائية قررها القانون (الفصل 62 من قانون المسطرة الجنائية ) ، غيرأنه إذا شرع في التفتيش قبل التاسعة ليلا فإنه يمكن الإستمرار في العمليات بعد التاسعة ليلا ، لأن الفصل 62 المدكور يمنع الشروع لا الإستمرار، ولا تطبق هده المقتضيات إدا تعين إجراء التفتيش في محلات يمارس فيها عمل أونشاط ليلي بصفة معتادة .

أما إدا تعلق الأمر بجريمة إرهابية واقتضت دلك ضرورة البحث أو حالة الإستعجال القصوى أو إدا كان يخشى اندثار الأدلة ، فإنه يمكن يمكن الشروع في تفتيش المنازل أو معاينتها بصفة اسثنائية بعد الساعة التاسعة ليلا أو قبل السادسة صباحا بعد إدن كتابي من النيابة العامة .

مع ملاحظة هامة جدا وهي أن عدم احترام أو عدم العمل أو عدم التقيد بالإجراءات المشار إليها بالمواد 59-60-62  يجعلها تحت طائلة البطلان وما قد يترتب عن دلك  .

 

و مسطرة التفتيش والحجز غير خاصة بالمنازل بل تشمل كل ما يعتبر منزلا حسب القانون، وهو ما نص عليه الفصل 511 من القانون الجنـائي الذي يعتبـر منزلا كل منزل مسكـون وكل مبنى أو بيت أو خيمـة أو مـأوى ثابت أو متنقـل سـواء كان مسكونا فعلا أم معـدا للسكنـى وكذلك جميع ملحقاته كالساحات والحظائر أو أية بناية داخلة في نطاقه مهما كان استعمالها.

كما تشمل تفتيش الأشخاص الذي يعتبر أكثر مساسا بكرامة الفرد من تفتيش المساكن والبيوت ، وإذا تعلق الأمربتفتيش نساء فيجب تفتيشهن على يد امرأة ينتدبها ضابط الشرطة القضائية لهدا الغرض وفق ما هو منصوص عليه في الفقرة الثانية من المادة 60 من قانون المسطرة الجنائية والفقرة الأخيرة من المادة 64 من قانون الدرك الملكي  (18).

وباستثناء التفتيش الجسدي الدي يقوم به ضابط الشرطة القضائية على كل شخص تم وضعه تحت تدبير الحراسة النظرية والمنصوص عليه في المادة 81 ، فإن المشرع المغربي لم يتعرض صراحة لتفتيش الأشخاص شأنه شأن المشرع الفرنسي ، متدرعا بالقول أن تفتيش المساكن يستدعي تفتيش الأشخاص.

 

 

ثالثا :  محاضر منجزة في إطار الإنابة القضائية

        الإنابة القضائية La commission rogatoire  هي عبارة عن وثيقة تحمل أمرا أو طلبا من القاضي المكلف بالتحقيق إلى ضابط الشرطة القضائية أو إلى أحد القضاة قصد النيابة عنه في القيام بجميع إجراءات التحقيق أو بعض منها، ودلك طبقا لمقتضيات الفقرة الأولى من المادة 189 من قانون المسطرة الجنائية .

 

 

 

 

فالإنابة القضائية تعتبر إذن من الإختصاصات الإستثنائية المخولة للضابطة القضائية، إذ تعتبرمن أعمال التحقيق تقوم به مبدئيا سلطة قضائية ، لكن لضرورة تسريع الإجراءات أوتسهيلها أو لصعوبة تنقل قاضي التحقيق إلى عين المكان أولكثرة المهام الملقاة على عاثقه  أو لكون القضية توجد خارج دائرة اختصاصه الترابي ، فإن المشرع قد أعطى له الحق في أن يطلب بواسطة إنابة قضائية أي قاضي آخر للتحقيق أو أي قاضي من قضاة محكمته أو أي ضابط من ضباط الشرطة القضائية المنتصبة في نفس الدائرة للقيام بما يراه لازما من

أعمال أو إجراءات التحقيق في الأماكن الخاضعة لنفود كل واحد منهم .

والإنابة القضائية لا يمكن أن تكون عامة ، وإنما يجب أن تكون محددة في الزمان والمكان ، بمعنى أن  ضابط الشرطة القضائية يمارس – ضمن حدود هده الإنابة – جميع السلطات المخولة لقاضي التحقيق ،  وفي هذه الحالة يقوم الضابط بكل إجراء يراه مناسبا، فبإمكانه التنقل إلى عين المكان وتحديد الأمكنة ووصفها ومعاينتها والقيام بإجراءات التفتيش والحجز وتسخير الخبراء والإستماع إلى أي شاهد يرى أن تصريحه مفيدا ووضع أي شخص تحت تدابيرالحراسة النظرية ، غير أنه لايمكنه استجواب المتهم ومواجهته مع غيره كما لايمكنه الإستماع إلى الطرف المدني إلا بطلب منه ، لكن إدا اقتضت ضرورة تنفيد الإنابة القضائية أن يبقي ضابط الشرطة شخصا رهن إشارته ، تطبق مقتضيات المواد 66-67-68-69-80 من قانون المسطرة الجنائية المتعلقة بالوضع تحت الحراسة النظرية ويشعر قاضي التحقيق بدلك .

ويمكن أن تكون الإنابة خاصة ، بمعنى أن القاضي المنيب يحدد الإجراءات التي يتعين على ضابط الشرطة القضائية المنتدب القيام بها .

وفي هذا يقول بعض الفقه : ” يجب أن ينصب الندب على عمل معين من أعمال التحقيق ، فيجب أن يكون الندب للتحقيق محددا بإجراءات معينة ، فلا يجوز الإنتداب العام لتحقيق قضية برمتها ، خاصة و أن المندب يستمد اختصاصه من صفة الآمر بالندب ، ولا يجوز أن يتجرد هذا الأخير من صفته بتخليه عن التحقيق برمته (19).

وعند انتهاء ضابط الشرطة القضائية من جميع الإجراءات فإنه يحرر محضرا ويرسله في الأجل الذي حدده له القاضي المنيب ، و إن لم يحدد الأجل فإن المحضر يوجه في ظرف الثمانية (8) أيام الموالية ليوم نهاية العمليات المنجزة بموجب الإنابة القضائية حسب ما جاء في الفقرة الأخيرة من المادة 189 من قانون المسطرة الجنائية .

وفي هذا الصدد فإن المشرع المصري و إيمانا منه بكون الإنابة القضائية هي استثناء مخول للضابطة القضائية ، فإنه اشترط أن يكون تحرير المحضر في هذه الحالة بحضور كاتب ضبط حتى يتسنى له التوقيع والإشهاد على الإجراءات ، وذلك قياسا على محضر التحقيـق كقاعدة .

 

 

 

الفرع الثالث : أنواع المحاضر من حيث الوصف

 

إن المقصود بأنواع المحاضر من حيث الوصف اختلافها من حيث تصنيف الجرائم من حيث خطورتها ودرجة عقوبتها ، فهي إما جناية أو جنحة أو مخالفة ، وتبعا لذلك فإن محاضر الضابطة القضائية تتنوع بتنوع الوصف القانوني المعطى للجريمة ، الشيء الذي يؤثر حتما في قيمتها وحجيتها وقوتها الثبوتية .

 

 

 

 

 

 

وانطلاقا من هنا يمكن القول بأن المحاضر من حيث الوصف القانوني للجريمة ثلاثة أصناف :

– محاضر جنايات

– محاضر جنح

– محاضر مخالفات

وجميع  أنواع هذه المحاضر يتم تحريرها من طرف جهازواحد هو جهاز الضابطة القضائية بغض النظر عن الإختلاف في خطورتها ، لكن ليس هناك ما يمنع الرؤساء القضائيون أو الإداريون لهدا

الجهازمن إسناد المهمة إلى ضباط شرطة أكفاء ومحنكين ودوي تجربة  كلما تعلق الأمر بقضايا صعبة أومعقدة أومتشابكة أو شائكة أو بالغة الخطورة ، فلايمكن مثلا أن تسند مهمة القيام بالإجراءات المتعقلة  ببعض الجرائم كالقتل والنصب والإحتيال والتزويروجرائم الإرهاب والمخدرات وجرائم الأحداث … لضباط شرطة قضائية مبتدئين أوغير متمرسين أو غير مدربين بما فيه الكفاية أو غير ملمين بالقوانين والإجراءات الجاري بها العمل في الميدان ، غيرأن الأمـر يختلف بالنسبة للجهة التي توجه إليها تـلك المحاضر فإذا تعـلق الأمر بمحاضر الجنايات فإن هذه الأخيرة توجه إلى الوكيل العام للملك لدى محكمة الاستئناف ، أما بالنسبة لمحاضر الجنح والمخالفات فإنها توجه إلى وكيل الملك لدى المحكمة الابتدائية .

مع العلم أن جميع أعمال الضابطة القضائية يسيرها وكيل الملك في دائرة نفود محكمته الإبتدائية ، وتوضع تحت سلطة الوكيل العام للملك في دائرة نفود كل محكمة استئناف ، ومراقبة الغرفة الجنحية لدى محكمة الإستئناف ، ودلك حتى تؤدي مهامها بالكيفية القانونية الصحيحة والسليمة .

 

 

 

هوامش :

 

1-  رواه البخاري والترمدي.

2-  بحث لنيل الإجازة في الحقوق فرع القانون الخاص تحت عنوان : «  القوة الثبوتية لمحاضر الضابطة القضائية. »  من إعداد الطالبين المختار السريدي وأحمد فرجية ، السنة الجامعية 1991/1992 ،كلية العلوم القانونية وافقتصادية والإجتماعية بالدار البيضاء .

3 –  ظهير شريف رقم 280-57-1 المؤرخ في 14 يناير 1958 بشأن مصلحة الدرك الملكي المغربي .

4 –  « قضاء النيابة العامة . »   لمحمد صالح السرغيني، منشورات جمعية تنمية البحوث والدراسات القضائية ،الرباط 1991  الصفحة 64 .

5 – « محاضر الضابطة القضائية . »  حسن هوداية ،مكتبة السلام الطبعة الأولى 2000 الصفحة 11 .

6 –  جاء في الفقرة الأخيرة من الفصل 70 من قانون الدرك الملكي :  « …وكلما يباشر الدرك عملية ما سواء بأمر التسخير أو بطلب من سلطة مؤهلة لطلب مساعدته فإنه يحرر عن دلك محضرا ولو في حالة الفشل في مأموريته … »

7 –  جاء في الفقرة الأخيرة من المادة 23 من قانون المسطرة الجنائية :  « … يجب أن تشير المحاضر إلى أن لمحررها صفة ضابط الشرطة القضائية . »

8 –  إن ضباط الشرطة القضائية التابعين للدرك الملكي دائما يفتتحون محاضرهم بعبارة “ نورد العمليات التالية مرتدين بدلتنا القانونية وطبقا لأوامر رؤساءنا … » لأنهم يشكلون جزءا من القوات المسلحة الملكية وتطبق عليهم المقتضيات العامة للقوانين والضوابط العسكرية حسب ما جاء في الفصل الثاني من قانون الدرك الملكي والفقرة الأخيرة من المادة 62 من نفس القانون التي جاء فيها “ لايجوز لأي كان أن يمتنع من إجراء مراقبة أوراق هويته إن كان جندي الدرك الدي يطالبه بدلك مرتديا بدلته الرسمية ومعرفا بصفاته “ ،  وهدا بعكس ضباط الشرطة القضائية التابعين للأمن الوطني الدين يمارسون مهامهم في الغالب دون بدلة قانونية أو دون زي نظامي رغم أنهم يتوفرون عليه  ولايرتدونه إلا نادرا أو في المناسبات الرسمية .

Profile photo of AFKIR Mohamed

AFKIR Mohamed

باحث في قانون الأعمال

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

التخطي إلى شريط الأدوات