محدودية الحماية الجنائية للعملية الانتخابية في التشريع المغربي

 

asraou_816823226

 

 

 

 

بوبكر أّسراو

أستاذ باحث في العدالة الجنائية والعلوم الجنائية

 

 

المحور الأول : تعثر علاقة القاضي الجنائي بالقاضي الإداري نموذجا

تعد المحطات الانتخابية مجالا للوقوف على أداء المنتخبين، ومدى استجابتهم لتطلعات المواطنين والسكان في فترات انتخابية سابقة.

حيث يعمد المترشحون أحزابا كانوا أو أفرادا إلى مناقشة وعرض برامجهم الانتخابية من أجل كسب ثقة الناخبين في جو تنافسي، وفق قواعد وضوابط قانونية تحدد أسس ومرتكزات ممارسة العملية الانتخابية، وتبرز جزاءات مخالفتها، إما عن طريق الطعون الانتخابية التي يمارسها أطراف العملية الانتخابية، أو بواسطة المتابعات التي تمارسها النيابة العامة من أجل زجر المخالفات الانتخابية.

لكن ما يجب إثارة الانتباه إليه في هذا الصدد، يندرج في إطار التساؤل عن حدود التعاون بين القاضي الإداري الذي يتجسد دوره في حماية العملية الانتخابية من خلال النظر في سلامة الإجراءات الإدارية والبث في الطعون الانتخابية وإلغاء الانتخابات إذا شابتها خروقات، وبين القاضي الجنائي الذي يتخذ إجراءات زجرية في حق المخالفين لضوابط وقواعد العملية الانتخابية، ناخبين كانوا أومنتخبين.

لذلك فإن القاضي الإداري بالمغرب يتكلف بمراقبة صحة العمليات الانتخابية، حيث يباشر تأكيد صحة أو تعديل أو إلغاء نتيجة الانتخاب، بينما القاضي الجنائي ينحصر دوره في التثبت من عناصر الجريمة الانتخابية ومدى تحقق المسؤولية الجنائية للمخالفين من أجل معاقبتهم على هذه الأفعال التي ارتكبوها، مستندا في ذلك على تفعيل التشريع الجنائي المرتبط بالانتخابات لكونه مقيد بمبدأ الشرعية الجنائية.

ومن هنا يبرز دور القاضي الجنائي والقاضي الإداري في التصدي لمختلف الأفعال التي تمس بنزاهة ومصداقية الانتخابات.

لذلك سأنكب في هذا الصدد على تبيان مظاهر استقلال القاضي الإداري والقاضي الجنائي في مواجهتهما للجرائم الانتخابية، تم كشف معيقات التواصل فيما بينهما .

فمن أهم تجليات استقلال القاضي الإداري عن القاضي الجنائي عدم تأثير صدور الحكم الجنائي على نتيجة الاقتراع، سواء كان هذا الحكم صادرا بعد انتهاء عملية الاقتراع أو بعدها، كما أن إلغاء القاضي الإداري للانتخاب لوجود غش انتخابي لا يلزم القاضي الجنائي.

المحور الثاني : عدم تأثير صدور الحكم الجنائي على نتيجة الاقتراع

فاستقلال القاضي الإداري على القاضي الجنائي، أثناء إصدار حكم بالإدانة في جريمة انتخابية تخللتها أفعال تدليسية يبرز كما أسلفنا الذكر بعد عملية الاقتراع وقبلها.

ففي الحالة التي يصدر حكم جنائي بعد انتهاء عملية الانتخابات، فإنه لا يكون له أثر في إلغاء الانتخاب الذي تم الإعلان عن صحته في آجاله المحددة في القوانين الانتخابية.

وبالتالي فإن أي طعن بشأن هذا الانتخاب يكون غير مقبول إذا لم يلتزم صاحبه بالإجراءات والمواعيد اللازمة لتقديمه، لذلك لا تكون هناك سلطة تقديرية للقاضي الإداري إذا تعلق الأمر بشروط شكلية لقبول الطعن لوجود غش انتخابي.

ففي هذه الحالة لا يمكن للقاضي الإداري التدخل في شأن نتيجة الانتخاب مادام أنه لا يملك تلك الصلاحية من الناحية القانونية، إذ لا يمكنه الفصل في صحة الانتخابات إلا إذا أحيل عليه النزاع الانتخابي.

أما إذا أصدر القاضي الجنائي حكما بالإدانة في قضية معروضة على القاضي الإداري بواسطة طعن انتخابي، فإن هذا الأخير يتمتع بسلطته التقديرية، من خلالها يبرز له مدى تأثير العمليات التدليسية على الانتخاب، فإذا تبين له أن تلك الأفعال لم تؤثر في نتيجة الانتخاب، فإنه يحكم بصحة الاقتراع.

أما فيما يخص صدور الحكم الجنائي بالإدانة قبل انتهاء عملية الاقتراع، فإن القاضي الإداري يتمتع بسلطة تقديرية واسعة في تقدير أفعال الغش ومدى تأثيرها على تغيير نتيجة الاقتراع.

فإذا تبين للقاضي الإداري أن أفعال الغش لم تكن مؤثرة في الانتخاب، فإنه يحكم بصحة الانتخاب مادام أن الحكم الجنائي صدر فقط في حق مرتكب الأفعال المضرة بالانتخابات، فهذا الحكم لا يقيد السلطة التقديرية للقاضي الإداري في إعلان صحة العملية الانتخابية، حيث يأخذ في اعتباره مجموع ما أحاط بتلك العملية من ظروف، ويخضعها لتقديره بغض النظر عما يكون قد أثبته الحكم الجنائي من وجود غش انتخابي جنائي.

غير أنه يمكن للقاضي الإداري أن يلغي نتائج الانتخابات في ظل وجود الإدانة في حالتين:

• إذا كان الغش الانتخابي ذو تأثير على نتيجة الانتخاب.

• إذا استحال خضوع الغش للرقابة القضائية.

كما أن إلغاء القاضي الإداري للانتخاب لوجود غش انتخابي لا يلزم القاضي الجنائي، ففي هذه الحالة يستقل القاضي الجنائي في تقديره وتكييفه، ليبث بعدها فيما إذا كانت تلك الأفعال تشكل جرائم انتخابية يعاقب عليها القانون، أم أنها مجرد وقائع غش لم تكتمل الأركان اللازمة لتوقيع العقاب عليها.

كما أن إلغاء الانتخاب المشوب بأعمال تدليسية لا يلزم القاضي الجنائي بإدانة مقترف هذا التدليس، ما دام أن له دورا محوريا في تقدير الخروقات والجرائم التي تطال العملية الانتخابية.

فقد يلغي القاضي الإداري اقتراعا ما، لكون الناخبين لم يستعملوا الستائر أثناء الاقتراع، ومع ذلك لا يمكن للقاضي الجنائي أن يرتب على مثل هذا الخرق جزاءا جنائيا.

لأن القاضي الجنائي يمتثل في إصدار الحكم لمبدأ شرعية العقوبة، أي "لا جريمة ولا عقوبة إلا بنص"، وكذلك في الركن المادي والمعنوي للجريمة.

المحور الثالث : معيقات التعاون بين القاضي الاداري والقاضي الجنائي

وانطلاقا مما سلف ذكره يبرز بجلاء أن تحصين العملية الانتخابية من الخروقات والأفعال التدليسية التي تفسدها يحتم على القاضي الإداري والقاضي الجنائي التعاون فيما بينهما.

وسيؤدي ذلك إلى بروز جرائم الانتخابات، وبالتالي متابعة وتنزيل العقاب في حق مقترفيها،لأنه غالبا ما يلجأ المرشح المنافس إلى الطعن في الانتخابات لدى القاضي الإداري ، لأن الأهم بالنسبة له هو إبطاله، ولا يهمه الخروقات الجنائية التي ارتكبت، في فترة الانتخابات، لذلك نجد القضايا المعروضة على القاضي الإداري كثيرة مقارنة مع مثيلتها المعروضة على النيابة العامة.

ولأن التعاون بين القاضي الإداري والقاضي الجنائي غير مؤطر قانونا، فإن العديد من الجرائم الانتخابية تبقى في منأى وخارج علم أجهزة العدالة الجنائية، حيث إن القاضي الإداري لا يكون ملزما أثناء بثه بإحالة قضية متعلقة بالخروقات الانتخابية على القاضي الجنائي، فهو فقط ينظر في القضية انطلاقا من مجال اختصاصه.

وهذا التوجه أصبحت تسير في منحاه المحكمة الدستورية، حيث أصبحت تبني نتيجة الاقتراع على مقتضيات الأحكام القضائية الصادرة على محاكم الاستئناف وعن أعمال الشرطة القضائية.

وفي هذا الصدد جاء في قرار للمحكمة الدستورية رقم 07/646 الصادر بتاريخ 18 يوليوز 2007، حيث ألغت انتخاب السيد ع.م. والسيد ع.ش، بناء على محاضر الشرطة القضائية التي ضبطت حالة تلبس أفسدت العملية الانتخابية من خلال شراء أصوات مجموعة من المستشارين بمبالغ مالية بمقر إقامة الضنين السيد ع.ش.

وما يسجل لقرارات المحكمة الدستورية أنها ذهب أبعد من ذلك حيث عمدت إلى وضع قاعدة أساسية شكلت طفرة نوعية على مستوى إصداراتها في مجال المنازعات الانتخابية، بحيث أصبحت تبطل أو تلغي نتيجة الاقتراع على أساس عدم الاطمئنان، وهو توجه جديد قديم، فبالرجوع إلى أهم قرارات المحكمة الدستورية لسنة 1999 نجدها قضت بإبطال نتيجة الاقتراع نظرا للممارسات المنافية للأخلاق التنافسية التي حالت دون الاطمئنان لكيفية التي جرت بها عملية الاقتراع.

وقد قضت أيضا المحكمة الدستورية في إحدى قراراتها الجديدة الصادرة بتاريخ 13 دجنبر 2012 تحت رقم 12/907 م.إ، بإبطال نتيجة الانتخاب انطلاقا من مقتضيات الأحكام القضائية الصادرة عن المحاكم الابتدائية وعن متابعة النيابة العامة وأعمال الشرطة القضائية.

حيث جاء في القرار ما يلي:

" وحيث إنه، يتبين من التحقيق الذي أجراه المجلس الدستوري:

– أن السيد م.أ صرح أمام الضابطة القضائية وأمام قاضي التحقيق أن السيد ا.ت اتصل به، خلال فترة الحملة الانتخابية المتعلقة بالانتخابات التشريعية المجرات في 25 نوفمبر 2011، ووعده بحل مشاكله وتهجير ابنه وصهره إلى إيطاليا مقابل قيامه بالدعاية الانتخابية له، وسلمه مبلغ 150 ألف درهم قصد توزيعها على الناخبين في عدة دواوير لشراء أصواتهم للتصويت لفائدته، وطلب منه مقابل ذلك أن يسلمه شيكا على وجه الضمان بمبلغ 100 ألف درهم، إلا أنه بعد فوزه في الانتخابات رفض تنفيذ وعده، وظل يماطله في إرجاع الشيك موضوع النزاع إليه، نافيا وجود أي علاقة تجارية تربطه بأخ السيد إ.ت ومؤكدا أنه سلم الشيك لهذا الأخير، إلا أنه تراجع أمام المحكمة عن تصريحاته التي سبق أن أدلى بها أمام الضابطة القضائية وأمام قاضي التحقيق، مصرحا بأنه سلم الشيك موضوع النزاع للسيد م.ت أخ إ.ت، ونافيا توصله من هذا الأخير بأي مبالغ مالية قصد توزيعها على الناخبين؛

ـ أن المطعون في انتخابه السيد إ.ت صرح أمام الضابطة القضائية وأمام قاضي التحقيق بأن الشيك موضوع النزاع سلم لأخيه السيد م.ت من طرف السيد م.أ الذي تربطه به معاملات تجارية، وأنه بصفته المسؤول عن النشاط التجاري يهمه تحصيل الدخل في حسابه، وصرح أمام المحكمة الابتدائية بأنه توصل من أخيه – الذي لا يتوفر على حساب بنكي- بالشيك موضوع النزاع من أجل إيداعه في حسابه البنكي، وأنه لمّا حاول صرفه أرجع له لعدم توفره على رصيد، في حين أن الشيك المذكور ليس مسطرا ويمكن صرفه دون ضرورة التوفر على حساب بنكي، كما أن المطعون في انتخابه المذكور صرح بأن هذا الشيك محرر لفائدته، وقدم، تبعا لذلك، شكاية في الموضوع إلى النيابة العامة ضد السيد م.أ؛

وحيث إنه، بناء على ما سلف بيانه، فإن التناقض في التصريحات التي أدلى بها السيد إ.ت حول الطريقة التي تسلم بها الشيك موضوع النزاع والغاية منه، وتراجع السيد م.أ أمام المحكمة الابتدائية عن تصريحاته التي أدلى بها أمام الضابطة القضائية وأمام قاضي التحقيق، وهو تراجع يثير الشك في دوافعه الحقيقية، يدل في مجموعه على قيام السيد إ.ت بممارسات ترمي إلى التأثير على إرادة الناخبين، مما يبعث على عدم الاطمئنان إلى النتيجة التي حصل عليها في العملية الانتخابية التي آلت إلى فوزه، الأمر الذي يتعين معه إلغاء انتخابه عضوا بمجلس النواب، عملا بمقتضيات المادة 89 من القانون التنظيمي المتعلق بمجلس النواب؛".

كما أن بعض التشريعات المقارنة فطنت إلى أهمية التعاون بين القاضي الإداري والقاضي الجنائي، ونصت على ضرورة التعاون فيما بينهما، كما هو الحال لقانون الانتخابات الفرنسية الذي ألزم في مادته 117 القاضي الإداري إذا اثبت في قراره النهائي وجود غش انتخابي بإحالة الملف بأكمله على النيابة العامة، كي تتخذ إجراءاتها في متابعة مرتكب أفعال الغش وتقديمه إلى المحاكمة الجنائية، وهذا يعني أنه لا مجال لتطبيق هذه المادة، إذا لم يثبت الحكم الإداري وجود غش انتخابي، قد يكون ذا طبيعة جنائية بغض النظر عن تأثيره أو عدم تأثيره في تعديل نتيجة الانتخاب.

ومما تقدم ذكره ندعو المشرع المغربي إلى السير في اتجاه سن قوانين مؤطرة لتعاون فعال بين القاضي الإداري والقاضي الجنائي، لما سيكون له من تداعيات إيجابية في مكافحة والحد من جرائم الانتخابات.

 

 

 


المصدر: مقال نشر بجريدة هسبريس الالكترونية بتاريخ : الخميس 27 غشت 2015 

Profile photo of AFKIR Mohamed

AFKIR Mohamed

باحث في قانون الأعمال

التخطي إلى شريط الأدوات