مسؤولية مراقبي الدائنين في اطار مسطرة المعالجة.

DSC_0042 copie

 

عبد الله بسكر ي

باحت بسلك الماستر تخصص قانون الاعمال والمقاولات بجامعة محمد الخامس الرباط

 

رغم استقلالية القانون التجاري عن القانون المدني، إلا إن تأثير هدا الأخير على الاول  ، و كذا حاجة القانون التجاري للقانون المدني، ما زالت قائمة الى حد اليوم، و يظهر ذلك جليا في مجال المسؤولية و تحديد المسؤولية عن المعاملات التجارية، فالمسؤولية التجارية و على خلاف المسؤولية الإدارية لم تستقل عن القانون المدني بل لا زال يرجع لقواعد هذا الأخير في مجال المسؤولية التجارية.

و لقد جاء المشرع المغربي مختصرا بشكل كبير فيما يخص مسؤولية مراقبي الدائنين في مساطر صعوبات المقاولة , كما هو الحال في جميع المهن غير القضائية الموازية لهده المساطر ، حيث خصص المشرع المغربي مادة وحيدة لمؤسسة المراقبين  من خلال مدونة التجارة الجديدة ، ما عدا أن هذه المادة تتكون من سبع فقرات و يتعلق الأمر هنا بالمادة 654 من مدونة التجارة،  و ما يلاحظ في هذه المادة و على غرار سابقتها في القانون القديم (المادة 217) كونها ألزمت أمر تعيين المراقبين شريطة أن يتقدم الدائنون الراغبون بالترشح لهذا المنصب بالطلب للقاضي المنتدب، و جعل الحد الأقصى ثلاث مراقبين بدلا من مراقبين في المادة 217 في القانون القديم[1].

و مبدئيا لا يسأل المراقبون الا في حالة ما اذا ارتكبوا خطأ شخصيا جسيما لكون أعمالهم بالمجان و ان لم تنص المادة 645 على ذلك. على خلاف المادة 721 من القانون الملغى و كذلك المادة 15 من القانون الفرنسي ل 25 يناير 1985[2]. أي أن مهام المراقبين تتميز بطابع تطوعي.

و على خلاف السنديك فان هامش مسؤولية المراقبين ضيق شيئا ما بالمقارنة مع سابقه، و ذلك راجع بالأساس الى قلة مهام هؤلاء بالمقارنة مع السنديك حيث تتلخص مهام المراقبين في مهام استشارية و أخرى إعلامية[3]، أي أن المراقبين لا يتولون مهام التسيير كما هو الحال بالنسبة للسنديك.

رغم خلو مدونة التجارة المغربية مما يفيد مسؤولية مراقبي الدائنين، إلا ان ذلك لا يعني أنهم لا يسألون عن إصلاح الضرر الذي يلحق بالغير بفعل أخطائهم الجسيمة، فالأمر لا يعدو أن يكون تطبيقا للقواعد العامة المتعلقة بالمسؤولية عن العمل الشخصي و التي تحمل كل شخص أحدث ضررا بالغير التعويض متى تبثث العلاقة السببية بين الخطأ و بين الضرر المحدث.

ويحمل هدا الموضوع أهمية كبيرة سواء من الجانب العملي او العلمي, فعند حديثنا عن الأهمية العلمية نجد الموضوع غنيا بالإشكالات القانونية نظرا للفراغ التشريعي الذي يميزه,بينما فيما يخص الأهمية العملية فنجد محاكمنا تعج بقضايا شائكة في مجال المسؤولية بعيدا عن النص القانوني الواضح.

ومن خلال ما سبق نجد أنفسنا أمام إشكالية رئيسية تتمثل في ,ما حدود مسؤولية مراقبي الدائنين  في علاقتهم بالمقاولة المدين وكدا بالغير ؟

و انطلاقا مما سبق يمكن التطرق لمسؤولية المراقبين المدنية (الفقرة الأولى ) وكذلك الى مسؤوليتهم الجنائية (الفقرة الثانية).

الفقرة الأولى: مسؤولية المراقبين المدنية.

يمكن أن يسأل المراقبين عن الأخطاء التي تصدر عنهم, ودلك فمواجهة الدائنين (أولا ) وكذلك في مواجهة المدين ( ثانيا ).

أولا: مسؤولية المراقبين المدنية تجاه الدائنين.

قبل أن نخوض في دراسة مسؤولية المراقب المدنية تجاه الدائنين نجد أنفسنا أمام تساؤل رئيسي، يتمثل في نوعية هذه المسؤولية المدنية فما نوع المسؤولية هنا؟

إن باستقرائنا لمقتضيات المادة 645 من مدونة التجارة الجديدة، نجد أنفسنا في منأى  عن إسناد مسؤولية المراقب لمقتضيات الفصول 903 و 204 من قانون الالتزامات و العقود و الخاصة بالوكالة المأجورة، و ذلك راجع لعدة أسباب، فرغم أن المراقب يتم تعيينه من طرف القاضي المنتدب و ذلك من بين الدائنين الدين قدموا له طلب او الذين رشحوا أنفسهم لذلك، أي ما يضفي صفة الوكالة القضائية كما هو الحال بالنسبة للوكيل الخاص و المصالح و السنديك، إلا أن رغم ذلك فان يمارسون عملهم بالمجان أي بشكل تطوعي[4]، مما يبعد من وجهة نظرنا عن مهام المراقبين صفة الوكالة المأجورة و لهذا لا يمكن اعتبار وكيل مأجور مما يبعد الأخذ بمقتضيات المواد 903 و 904 م ق ا ع الخاصة بالوكيل المأجور.

و لو أن المراقبين يعينون من بين الدائنين إلا أنهم لا يمثلونهم، و إنما يقومون بمساعدة السنديك، و الذي له وحده صفة تمثيل الدائنين للقيام بأعماله، و كذلك القاضي المنتدب لمراقبة إدارة المقاولة[5]، و هذا ما يؤكد غياب أي رابطة قانونية بين المراقبين و الدائنين، و خصوصا أن وكالة المراقبين وكالة قضائية، و ليست وكالة قانونية، و هذا ما يبعد المسؤولية التعاقدية للمراقبين تجاه الدائنين، أي أن هذه المسِؤولية تخضع لمقتضيات الفصلين 77 و 78 من ق ا ع، أي أن مسؤولية المراقبين تجاه الدائنين تخضع لمقتضيات المسؤولية عن الفعل الشخصي أو ما يطلق عليها بالمسؤولية التقصيرية.

و برجوعنا لمقتضيات الفصلين 77 و 78 من قانون التزامات و العقود يتبين أنهما يقضيان بمسؤولية كل شخص عن الأضرار التي تلحق الغير بسبب الأفعال و الأخطاء الصادرة عنه شخصيا كيفما كان مدى الضرر سواء كان ماديا أو معنويا، اي أن الدائنين الذين يتضررون من أفعال و أخطاء المراقبين في إطار قيامهم بمهامهم في إطار مساطر معالجة صعوبات المقاولة، لا يمكن أن يطالبوا بالتعويض الذي لحقهم إلا في مواجهة المراقب أو المراقبين شخصيا، أي أن هؤلاء المراقبين هم الذين يتحملون التعويض عن الضرر.[6]

و لعل وفي وجهة نظرنا من أبرز الأفعال التي يمكن أن تثير مسؤولية هؤلاء المراقبين تجاه الدائنين، الإدلاء ببعض الوثائق و البيانات الكاذبة للدائنين أو حتى تضليلهم فيما يخص ما وصلت إليه المسطرة، سواء من تلقاء أنفسهم أو انطلاقا من اتفاق مسبق مع رئيس المقاولة، اذ يمكن أن يدفع بالمراقبين إلى الاتفاق مع رئيس المقاولة، هو رغبة هؤلاء المراقبين في التقرب من رئيس المقاولة، بوصفهم دائنين يرغبون في الحصول على ديونهم بالدرجة الأولى.

و بما أن المراقبين يسألون شخصيا عن أعمالهم التي ألحقت ضررا بالغير، فإن الدعوى ترفع في حقهم و ذلك قياسا بالمسؤولية التقصيرية  لكن من المصالح و السنديك في مواجهة الغير، بينما فيما يخص تقادم دعوى هذه المسؤولية، فهي تخضع لمقتضيات تقادم الدعوى عن الفعل الشخصي.[7]

ثانيا : مسؤولية المراقبين تجاه المدين.

لا يسأل المراقبون الا في حالة ما اذا ارتكبوا خطأ شخصيا جسيما، و ذلك لكون أعمالهم بالمجان.[8]

ان باستقرائنا للمادة 645 من مدونة التجارة الجديدة  تتضح  مسؤولية المراقبين عن أخطائهم الجسيمة في حق المدين، لا يمكن أن تخضع لمقتضيات المواد 903 و 904 من ق ل ع الخاصة بالوكيل المأجور، و ذلك لكون المراقبين لا يتقاضون اي أجر عن عملهم أي أن عملهم تطوعي.[9]

إضافة إلى ما سبق لا يمكن انطلاقا من المادة 645 من م ت، لا يمكن أن تخضع مسؤولية المراقبين عن أفعالهم الضارة تجاه المدين، لمقتضيات المسؤولية التعاقدية، و ذلك لغياب رابطة قانونية تجمع هؤلاء بالمدين.

و لخلو التشريع المغربي من أي نصوص خاصة تؤطر مسؤولية المراقبين، لدى فإن مسؤولية هؤلاء تجاه المدين لن تخضع في إطار التشريع المغربي إلا لمقتضيات المسؤولية عن الفصل الشخصي أو ما يطلق عليها بالمسؤولية التقصيرية و المنصوص عليها في المواد 77 و 78 من قانون الالتزامات و العقود المغربية.

و قد أكد الفصلين 77 و 78 من ق ل ع, على أن كل شخص مسؤول عن الأضرار التي يلحقها بالغير، أي أن المراقبين يسألون  عن الضرر الذي يلحقونه المدين، و كذلك لا يمكن للمدين ان يطالب بجبر الضرر الذي لحق من خطأ المراقبين الا في مواجهة المراقبين شخصيا.[10]

وبعد أن تطرقنا للمسؤولية المدنية للمراقبين وما تشهده هده الأخير من فراغ تشريعي كبير مما جعلنا نستنجد بالقواعد العامة في قانون الالتزامات والعقود  ,سنحاول خلال الفقرة الثانية الخوض في دراسة المسؤولية  الجنائية  لهؤلاء.

الفقرة الثانية :المسؤولية الجنائية للمراقبين.

والى جانب المسؤولية المدنية للمراقبين والتي تثار وتترتب عن  الأخطاء والهفوات التي قد تصدر منهم أثناء مزاولته لمهامه خلال مساطر المعالجة , يمكن أن تثار كذلك المسؤولية الجنائية لهؤلاء وذلك عن أفعالهم الجرمية.

ولكون المراقبين  يطلعون على مجموعة من ا المهام في إطار مسطرة المعالجة, فكما هو الحال بالنسبة للسنديك والوكيل الخاص  والمصالح,  فالمراقبين تتار مسؤولية الجنائية عن الأفعال الجرمية التي تصدر منهم والتي تلحق ضررا بالمقاولة المدين.

فيمكن ان يسأل المراقبين جنائيا عن جريمة التزوير ,في حالة القيام بتزوير احدى الوثائق التي يتحصلون عليها من اجل أغراضهم الشخصية ,وعلى غير عادته فقد عرف المشرع المغربي جريمة التزوير انطلاقا من الفصل 351 من القانون الجنائي  بقوله "تزوير الأوراق هو تغيير الحقيقة في ورقة أو في محرر رسمي أو عمومي بسوء نية تغييرا من شأنه أن يسبب ضررا متى وقع بإحدى الوسائل المنصوص عليها في القانون".[11]

ووجب لقيام جريمة التزوير توفر أركان هده الجريمة والمتمثلة في :

  • صفة الفاعل ,و تقتضي هذه الصفة في المزور أن يكون موظفا عموميا أو قاضيا أو موثقا أو عدلا، والمقصود بالموظف العمومي هنا هو الشخص الذي يتعامل مع الغير باسم الإدارة, أي انه  يخضع للفصل 224 من القانون الجنائي الذي ورد فيه بالحرف ما يلي:
    "يعد موظفا عموميا، في تطبيق أحكام التشريع الجنائي كل شخص كيفما كانت صفته يعهد إليه في حدود معينة بمباشرة وظيفة أو مهمة ولو مؤقتة بأجر أو بدون أجر ويساهم بذلك في خدمة الدولة أو المصالح العمومية أو الهيئات البلدية "[12]
  • مادية الجريمة : و تتمثل مادية الجريمة في التغيير الذي يحصل ويمس الحقيقة في جوهرها على أن يتم ذلك بإحدى الوسائل المنصوص عليها في القانون وعددها ينحصر في خمسة:
     
    1-  وضع توقيع مزور.
    2-   تغيير المحرر أو الكتابة أو التوقيع.
    3-  كتابة إضافية أو مقحمة في الورقة بعد تحريرها.
    4-  وضع أشخاص وهميين أو استبدال أشخاص بآخرين.
    5-  قيام الموظف أثناء تحريره لورقة متعلقة بوظيفته بتغيير جوهرها أو بإحداث تغيير في ظروف تحريرها أو المؤسسات العمومية أو مصلحة ذات نفع عام"
  • محل جريمة التزوير: يتمثل محل التزوير في ورقة أو محرر رسمي أو عمومي.
  • حصول ضرر.
  • القصد الجنائي.

استنادا إلى الفصلين 352 و353 من القانون الجنائي فإن جريمة التزوير السالفة الذكر تعتبر جناية يعاقب عليها بالسجن المؤبد وتحتفظ بهذا الوصف حتى في ظل مقتضيات الفصل 354 لكن عقوبتها تبقى أخف فهي تنحصر في السجن من عشر إلى عشرين سنة وصفة فاعلها غير مقيدة بصفة الموظف كما هو الحال بالنسبة لما ورد التنصيص عليه في الفصلين المذكورين.[13]

و مما سبق يتضح أن مسؤولية المراقبين تخضع لمقتضيات المسؤولية عن الفعل الشخصي او ما يطلق عليه بالمسؤولية التقصيرية، و التي تخضع للفصلين 77 و 78 من القانون الالتزامات و العقود.

و ما يميز مسؤولية المراقبين و كغيرهم من المهنيين في اطار صعوبات المقاولة كونها، تشهد فراغ تشريعي كبيرا، فالمشرع المغربي لم يعالج مسؤولية المراقبين و انما ترك ذلك للسلطة التقديرية للمحكمة التجارية، و لا يمكن معالجة مسؤولية هؤلاء الا انطلاقا من الأحكام العامة للمسؤولية في إطار قانون الالتزامات و العقود المغربي.

و ما تجدر الإشارة إليه أنه يلزم المشرع المغربي أن يحاول  تأطير مسؤولية المراقبين، و ذلك لما يلعبه هؤلاء من أدوار رئيسية في مسطرة المعالجة، فلا يعقل أن تبقى مؤسسة تتولى مراقبة مقاولة تعترضها صعوبات، بعيدة عن المسؤولية اللهم عن الرجوع للأحكام العامة للمسؤولية.

فتفصيل المشرع في المسؤولية كتوضيح و خلق نصوص مؤطرة  سيرجع لا محال على المسطرة بالفائدة.

 

خاتمة:

ختاما ومما سبق يتبين لنا :

l.يلعب المراقبون دورا أساسيا خلال مسطرة المعالجة, تتمثل في مراقبة سير المسطرة, رغم أن المشرع المغربي لم يخصص لتنظيم هده المهنة إلا مادة وحيدة ,مع بعض الأحكام المتفرقة .

  • يمكن ان يسأل المراقبين مدنيا عن الأخطاء التي تصدر عنهم في مواجهة المدين والدائنين , كما مكن ان يسألوا جنائيا عن أفعالهم الجرمية كما ان المشرع المغربي لم يؤطر مسؤولية هؤلاء .

كما يمكن أن نخرج من خلال هدا البحت ب:

  • يجب أن تؤطر مسؤولية هده الفئة لما له من فائدة كبيرة في نجاح مساطر المعالجة

    لائحة المراجع :

  • احمد شكري السباعي: "الوسيط في مساطر الوقاية من الصعوبات التي تعترض المقاولة ومساطر معالجتها" ,الجزء الأول , الطبعة الأولى 1998 ,مطبعة دار النشر المعرفة.
  • عطوس اسماعيل:" دور السنديك و المراقبين في مساطر معالجة صعوبات المقاولة"، نهاية بحث التكوين لنيل دبلوم الماستر، جامعة محمد الخامس، أكدال 2010/2011.
  • قانون الالتزامات و العقود المغربي
  • القانون الجنائي المغربي
  • مدونة التجارة الفرنسية
  •  
  •  

 

 

 


[1] – أحمد شكري السباعي: "الوسيط في مساطر الوقاية من الصعوبات التي تعترض المقاولة ومساطر معالجتها" ,الجزء الأول , الطبعة الأولى 1998 ,مطبعة دار النشر المعرفة,ص 197.

 

 

[2] – أحمد شكري السباعي : م س، ص 198.

 

 

[3] – عطوس اسماعيل:" دور السنديك و المراقبين في مساطر معالجة صعوبات المقاولة"، نهاية بحث التكوين لنيل دبلوم الماستر، جامعة محمد الخامس، أكدال 2010/2011.ص 58.

 

 

[4] – الفقرة السادسة من المادة 645 من م ت ج.

 

 

[5] – الفقرة الخامسة من المادة 645 من م ت ج.

 

 

[6]  الفصلين 77 ، 78 من القانون الالتزامات و العقود.

 

 

[7]  أي بمرور 5 سنوات تبتدئ من الوقت الذي علم المتضرر المسؤول عنه و تقادم في جميع الأحوال بمضي 20 سنة حسب الفصل 106 من ق ل ع م.

 

 

[8]  احمد شكري سباعي:" الوسيط في مساطر الوقاية من الصعوبات تعترض المقاولة، مساطر معالجتها"، م س, ص 198.

 

 

 [9]  الفقرة السادسة، من المادة 645 من مدونة التجارة الفرنسية

 

 

-[10]  الفصلين 77 و 78 من ق ل ع.

 

 

[11]  الفصل 351 من القانون الجنائي المغربي .

 

 

[12]  – الفصل 224 من القانون الجنائي المغربي.

 

 

[13]  – http://www.alalam.ma/def.asp?codelangue=23&id_info=27985&date_ar=2010-5-28

 

 

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

التخطي إلى شريط الأدوات