النشاط البنكي في تونس :من التخصص إلى الشمولية

061515_0042_1.jpg

 

بقلم الأستاذ: – محمد علي بن الكيلاني بن قوته

مساعد بالجامعة التونسية و باحث القانون الخاصّ

والأستاذة – ريـــــــم وناسي

مساعدة بالجامعة التونسية و باحثة في القانون الخاص

من الثابت انه من نظام اقتصادي لأخر و من دولة لأخرى تختلف البنوك التجارية عن بعضها من حيث العمليات التي تكون مخولة للقيام بها و كذلك من حيث مرونة و صرامة التشريع الذي ينطبق عليها مثلما هو الشأن بالنسبة لتكريس أو عدم تكريس قاعدة التخصص البنكي الذي عرفه الفقيه Dupont بكونه ” فرض قواعد و هياكل سير العمل مختلفة على البنوك و ذلك حسب طبيعة أنشطتها…”

إن هذا التعريف يستجيب إلى ثلاثة أنواع من التخصص حسب العمليات التي يقع القيام بها و كذلك التخصص حسب القطاع الاقتصادي و التخصص حسب الانتماء سواء للقطاع الخاص أو العام .

فبالنسبة إلى التخصص حسب العمليات التي يقع القيام بها فانه في تقسيم البنك إلى ثلاثة أصناف و هي

بنك الإيداع و بنك الاستثمار و بنك الأعمال , و يعتبر هذا التصنيف الأكثر تطبيقا في العالم .

أما بخصوص التخصص حسب القطاع الاقتصادي فان البنوك تقسم حسب القطاعات الاقتصادية و بالتالي نجد البنك التجاري و البنك الزراعي ( الفلاحي) و البنك الصناعي أما الصنف الأخير من التخصص فيتمثل في إسناد شبكة بنكية إلى تنمية القطاع الخاص و شبكة بنكية أخرى إلى تنمية القطاع العمومي . و قد اختلفت الأنظمة البنكية في إتباع أصناف التخصص و ذلك حسب الوضعية الاقتصادية لكل دولة . و يبدو التخصص كظاهرة تاريخية مشتركة بين شتى ميادين النشاط الاقتصادي في البلدان ذات الهياكل البنكية القديمة حيث كان المعيار الوحيد للبنوك هو تطور الاقتصاد و الذي تم تعزيزه بواسطة مرد ودية التخصص آنذاك غير انه لا يجب الاعتقاد بأن البنوك التي تقوم بمختلف العمليات البنكية لم تكن موجودة إذ انه لا يوجد أي نص قانوني يمنع العمليات المتعلقة بالقرض ( الائتمان) والادخار ولكن رغم ذلك ظلت البنوك الصناعية و التجارية تضع التعقيدات مما أدي فشل هذا التوجه في العديد من الدول مثل فرنسا حيث تدهور الاعتماد المنقول سنة 1867. وفي هذا السياق اضطرت الدول إلى تدعيم هذا الاتجاه خاصة بعد أزمة 1929 مثل القانون البلجيكي لعام 1934 و الذي بمقتضاه أجبرت البنوك على تصفية مساهماتها. كما أن القانون الايطالي لسنة 1936 القائم على التصنيف البنكي وضع حدا لمبدأ النشاط الصناعي للبنوك العادية .

أما فيما يتعلق بتونس فيمكن القول بأن القوانين البنكية حديثة و مرد ذلك عدة أسباب : ففي فترة الاستعمار الفرنسي كان المشهد البنكي التونسي يتميز بتخصص جذري لم يكن له أي أصل قانوني إذ لم يوجد أي نص قانوني قبل 1967 و وقع تطبيق قانون 1930 المحدث لنظام منع ممارسة مهنة صاحب البنك بتونس الأمر العلي المؤرخ في 19 سبتمبر 1953 , كما تم تطبيق القانون الفرنسي المؤرخ في 2 ديسمبر 1945 و الذي كرس مبدأ التخصص و بعد الحصول على الاستقلال. مر النظام البنكي في تونس بثلاث مراحل : من التخصص الجذري إلى التخصص المعتدل ليمر أخيرا إلى عدم التخصص و ذلك بمقتضى قانون 10 جويلية 2001.

إنقسم الفقه إلى موقفين:

* موقف أول يكرس مبدأ التخصص و يدافع عنه و يرى أن البنوك الشمولية قد شهدت تراجعا ممّا أدى إلى الأزمات الاقتصادية الخطيرة التي حدثت خلال ثلاثينات القرن 20 مثل حالة ألمانيا و فرنسا إلى غاية سنة 1984 حيث تم إدخال بعض المرونة على التخصّص.

* أمّا الموقف الثاني فهو ضدّ مبدأ التخصّص البنكي إذ يدافع على تصور البنوك ذات الاختصاصات المتعددة مستندا في ذلك إلى فشل التخصّص في كافة الأقطار التي اختارت هذا النظام و لذلك هناك اليوم بوادر نحو التخلي عن التخصص . و مجمل القول أن مبدأ التخصّص هام لتحديد السياسة الاقتصادية للتداول و السؤال الذي يطرح , كيف تعاطى المشرع التونسي مع مسألة التخصّص البنكي؟

و إجابة عن هذا السؤال يمكن القول أن المشرّع التونسي قد تبنى في مرحلة أولى مبدأ التخصّص البنكي

(الجزء 1) ثمّ تخلى عنه في مرحلة ثانية و كرّس مبدأ عدم التخصّص ( الجزء 2).

  1. مرحلة تبني مبدأ التخصّص البنكي:

تبنى المشرع التونسي في فترة من الفترات مبدأ التخصص البنكي نظرا لفوائده و مزاياه (ب) و تجلى ذلك عبر قانون 1967 الواقع إصلاحه جذريا سنة 1994 (أ) .

  1. تكريس التخصص البنكي في القانون التونسي:

إن قراءة الفصل 4 من قانون 1967 قبل إصلاحه سنة 1994 تدلّ على إرادة المشرع التونسي الصريحة لبعث تخصص جذري في مجال العمليات البنكية حيث اقتضى الفصل 4 من هذا القانون أنّه: ” يجب على المؤسسات التي تمارس مهنة بنك أن تبيّن إبان طلب الترخيص إذا كانت تنتمي إلى صنف بنوك الإيداع أو إلى صنف بنوك الاستثمار”. مما يعني أن إصلاح سنة 1994 أضاف صنف بنوك الأعمال. و لقد اختار المشرع التونسي تصنيف البنوك حسب النشاط و العمليات البنكيّة التي اعتزمت القيام بها و هو ما أكده قانون 1994 الذي صنف البنوك إلى 3 أصناف و هي بنوك الإيداع و بنوك الاستثمار و بنوك الأعمال .

– بالنسبة لبنوك الإيداع و قبل إصلاح سنة 1994 فقد كانت تتلقى الودائع بدون تحديد المدة و تستعملها أساسا في القروض قصيرة المدى و بصورة استثنائية في القروض متوسطة المدى ولم يكن القرض طويل المدى إلا بترخيص استثنائي و في حدود الموارد الخاصة المرصودة لهذا الغرض و التي قد يكون البنك قد تحصل عليها على المدى الطويل .على أنه و اثر إصلاح 1994 فقد أصبح لبنوك الإيداع حسب الفقرة 2 من الفصل 5 جديد الحق في إسناد قروض على المدى المتوسط و على المدى الطويل و ذلك حسب الشروط المنصوص عليها من قبل البنك المركزي التونسي.

– إلى جانب بنوك الإيداع نجد بنوك الإستثمار , و بنك الإستثمار هو مؤسسة متخصصة في المساهمة في رؤوس أموال مؤسسات و إسناد قروض متوسطة و قصيرة المدى. وقبل إصلاح سنة 1994 لم يكن بإمكان هذه البنوك إسناد قروض قصيرة المدى إلا للمؤسسات التي تمتلك أغلبية رأس مالها.

وتجدر الملاحظة أن الفقرة 1 من الفصل 6 من قانون 1994 و التي عددت العمليات الرئيسية لبنوك الاستثمار لم تذكر “إحداث المؤسسات” التي تضمنها النصّ القديم و لم تذكر سوى عمليتين هما المساهمة في رأس مال مؤسسات و إسناد قروض متوسطة و طويلة المدى, و وهو ما يبرر القول أن المشرع أحال ضمنيا إحداث المؤسسات ضمن عمليات بنوك الأعمال.

– أما الصنف الثالث من البنوك فهو بنوك الأعمال التي برزت مع إصلاح 1994 و قد عرفها الفصل 6 بالقول أنها مؤسسات يتمثل نشاطها الرئيسي في القيام بعمليات الاستشارات و التصرف المالي و التصرف في الذمة المالية و الهندسة المالية و كل خدمة من شأنها أن تيسر إحداث المؤسسات و إصلاحها.

و تبعا لمقتضيات نفس الفصل يمكن لهذه البنوك بصورة ثانوية أن تقوم بكافة العمليات الأخرى و التي سوف تقع ممارستها حسب الشروط التي يحددها البنك المركزي التونسي. ومن خلا ل هذه الأحكام الجديدة نلاحظ أن المشرع التونسي يرمى إلى إخراج البنوك التونسية من تخصصها و ذلك بصفتها تاجرا و كذلك بصفتها الفاعل الشريك في التنمية و إحداث المؤسسات.

إجمالا لا يمكن القول بأن المشرع التونسي قبل إصلاح عام 2001 بمقتضى قانون 10 جويلية 2001 قد كرّس التخصّص الجذري بمقتضى قانون 196 و التخصّص المعتدل مع إصلاح سنة 1994 على أن التساؤل الذي يطرح هو حول الأسباب التي غذت اختيار التخصص البنكي من قبل المشرع التونسي.

  1. محاسن التخصص:

إن سبب التخصص ذا صبغة فنية و يتلخص في البنك الشمولي إذ انه في النظم البنكية القديمة كان هناك مزج بين الأنشطة التجارية و البنكية و الصناعية و الأنشطة البنكية . و رغم نجاح هذه التجربة في بعض الأقطار إلا أن هذا الصنف من البنوك قد أحدثت كوارث في جميع أنحاء العالم و ذلك منذ بداية القرن 20 وخاصة في ظل أزمة الثلاثينات (1929/1931). و لتلافي هذا النوع من الأزمات كان الحل في التوجه نحو إحداث عدة أصناف من البنوك يكون لكل صنف مجال نشاط محدد أي التخصص.

كما أنه من مزايا التخصص توفير ضمانات ضد سوء التصرف من قبل أصحاب البنوك حيث يخلق التخصص نوعا من التوازن البنكي بين السيولة و الاستخدامات و بالتالي إمكانية تطبيق قواعد الحماية و تبسيط الخدمات بحيث تكون ممارسة المهنة البنكية في متناول بعض الرأسماليين مما يسمح بالزيادة في عدد البنوك و تطوير المنافسة بينها. كما يساهم في دفع الاستثمار و النهوض بمعدلات النمو. و لكن و رغم هذه المحاسن فان جزءا من الفقه أقرّ بعدم نجاعته و فضل التوجه نحو البنك الشمولي (Banque universelle ).

ولم يكن المشرع التونسي بمنأى عن هذا التطور اثر صدور قانون 2001 المنظّم للنشاط البنكي في تونس و الذي كرّس فعليا مفهوم البنك الشمولي.

  1. طور عدم التخصص:

لقد كرّس قانون 10 جويلية 2001 المتعلق بمؤسسات القرض مفهوم البنك الشمولي ويمكن تبرير هذا التوجه الجديد من قبل المشرع التونسي بعدم فاعلية التخصّص في تحقيق التنمية الاقتصادية (أ) و كذلك نظرا لايجابيات عدم التخصّص (ب)

  1. عدم فاعلية التخصّص:

يمكن القول أن التخصّص فاقد للمرونة وبالتالي فانّه من الممكن أن يعرقل نشاط البنوك باعتبار أنّها ستكون مضطرة إلى عدم قبول كلّ أنواع الودائع. وحتىّ في صورة سماح وضعها بذلك فان البنوك لا يمكنها أن تساهم بحرية في مجهود التنمية الاقتصادية.

وبخصوص الالتزام بعدم قبول كافة أنواع الودائع فانه تجدر الإشارة أساسا إلى المنع المفروض بمقتضى الفصل 16 من قانون 1994 على بنوك الاستثمار بعدم تلقي الودائع التي لا تقل عن مدّة سنة في حين أن هذا المنع لا ينطبق على بنوك الإيداع التي لا يمكن أن تقرّر عدم سحب الأموال قبل أجل محدّد إلا بصورة استثنائية أي في صورة وجود قرض رقاعي . وبالتالي نلاحظ عدم المساواة بين النوعين من البنوك فيما يتعلق بقرض التمويل ممّا يدفع بنوك الاستثمار إلى البحث عن حلول أخرى كالقروض الرقاعيّة وهو ما ينعكس فيما بعد على تكلفة القرض المسند للاستثمارات بالترفيع في نسبة الفوائض .

كما أن بنوك الاستثمار ليس بإمكانها أن تلبّي حاجيات الاقتصاد الوطني وذلك راجع إلى النقص في الأموال ممّا يمثل عائقا بالنسبة للتنمية ويحرم الاقتصاد من موارد إضافية حتى تساهم في تنشيط الدورة الاقتصادية وخلق الثروات والحد من المشاكل الاجتماعية أساسا وهو ما قد يوفره البنك الشمولي.

  1. عــدم نجاعـــة التخصص:

إثر صدور قانون 10 جويلية 2001 و الذي ألغى القانون المؤرخ في 7 ديسمبر 1967 أصبح بإمكان كافة البنوك إنشاء بنوك الأعمال و القيام بكافة الأنشطة البنكية و تعاطي كل الخدمات الملحقة و بذلك تمّ إلغاء التمييز القديم بين بنوك الإيداع و بنوك التنمية و بالتالي تكريس عدم التخصص واقعيّا و لذلك عدة امتيازات:

– أن عدم التخصص أو مبدأ الشمولية يوفر خيارات أفضل بالنسبة للحرفاء و بالتالي تلبية كافّة حاجياتهم

– أنّه بتوزيع الأنشطة ينجح البنك في توزيع المخاطر و بالتالي التقليل من الخسائر المحتملة.

– أن عدم التخصص يسمح بالزيادة في استعمال الوسائل المالية و الفنّية.

– أن عدم التخصص يساهم في ترشيد المنافسة بإزالة الامتيازات الخاصة و الحواجز التي تعرقل ازدهار اقتصاد السوق.

و لجملة هذه الأسباب تدخل المشرع التونسي بمقتضى الإطار المؤسس للبنوك من خلال تكريس مفهوم البنوك الشمولية ووضع حد للتخصص البنكي , و لو أن هذا التدخل من قبل المشرع التونسي يعتبر متأخرا نسبيا حيث أن المشرع الفرنسي قد أقر البنك الشمولي منذ 1984 و القانون البلجيكي قد ألغى التخصص منذ 1993.


أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

التخطي إلى شريط الأدوات