واقع سلطة البرلمان المغربي في المصادقة على قانون المالية

حـسـن بـوغــشي : باحث في السياسة الجبائية.

واقع سلطة البرلمان المغربي في المصادقة على قانون المالية                                                                                                                                    

 

شكل هاجس عقلنة المالية العامة أحد الأسباب الرئيسية لنشوء المؤسسة البرلمانية و ترسيخ التجربة الديمقراطية،[1] حيث أتت هذه المؤسسة كرد فعل عن التجاوزات التي كانت تميز الاقتطاعات الضريبية و مزاجية الإنفاق العمومي في عهد الملكيات المطلقة.[2] فنظرا للطابع التمثيلي الذي يمتاز به البرلمان، فإن إشراكه في صناعة القرار المالي يعتبر المصدر الأساسي الكفيل بأن يضفي الشرعية و المشروعية على كيفية توزيع التكاليف و النفقات العامة و بالتالي حضوها بالرضا و التقبل من لدن المواطنين عند تحملها.

لهذا، فالأهمية التي يحظى بها قانون المالية، إذ ترتهن به العديد من السياسات العمومية، دفعت بالمشرع في أغلب الدول الديمقراطية، حماية منه للمال العام و ما يقتضيه الأمر من ضرورة عقلنة للإنفاق و تقنين توزيع التكاليف العامة، إلى فرض ضرورة إخضاع مشاريع قوانين المالية للدراسة والتصويت داخل المؤسسة التشريعية، باعتبارها الممثل للإرادة الشعبية، قبل أن تعتمد كقوانين.

و في هذا الإطار، و انطلاقا من مضامين الدستور المغربي لسنة 2011، نجد أن البرلمان المغربي هو صاحب السلطة التشريعية،[3]  لكن و جراء طغيان تمظهرات العقلنة البرلمانية[4]، سواء على المستوى القانوني أو على مستوى المسطرة التشريعية، نجد أن المبادرة التشريعية للبرلمان تبقى محتشمة، مما يفسح المجال لهيمنة الحكومة على مبادرات التشريع  بشكل عام و التشريع المالي على وجه الخصوص، حيث يبقى هامش تدخل البرلمان بالكاد يقتصر على التصويت، هذا إن لم نقل مجرد التزكية.

ان اختيارنا لهذا الموضوع جاء كمحاولة للوقوف عند مدى إسهام المستجدات الدستورية لسنة 2011 و مضامين القانون التنظيمي 130-13 المتعلق بالمالية في دمقرطة القرار المالي ببلادنا، هذا بالإضافة إلى القلق الذي خلفه لدينا الفراغ الدستوري المتمثل في عدم التنصيص على آجال معقولة لتشكيل الحكومة حتى نتجنب تكلفة اللجوء، عند نهاية كل ولاية تشريعية، للإجراء الاستثنائي المتعلق بفتح الإعتمادات اللازمة لسير المرافق العمومية، و ما يترتب عن ذلك من تغييب لأي دور لممثلي الشعب في اعتماد هذا الإجراء و ما له من مضاعفات اجتماعية، اقتصادية و مالية…

ففي المغرب و على الرغم من أن قانون المالية لا يتم صدوره إلا بتصويت البرلمان كما جاء في الفصل 75 من دستور 2011[5] فإن القراءة المتقاطعة لفصول الدستور و مواد القانون التنظيمي المتعلق بقانون المالية بالإضافة إلى تتبع الممارسة التشريعية يبرر ملحاحية طرح التساؤلات التالية: هل يصادق البرلمان فعلا على قانون المالية أم أن الأمر هو تحصيل حاصل؟ ألا تعتبر إحالة قانون المالية على البرلمان مجرد مسطرة شكلية ترمي إلى البحث عن الشرعنة لمقتضياته؟ و هل يملك البرلمان فعلا سلطة تعديل مشروع قانون المالية خاصة المقتضيات التي يتم تفعيلها جراء فتح الاعتمادات الضرورية لسير المرافق العمومية؟

و محاولة منا تناول هذه الإشكالات بالتحليل بحثا عن الإجابة، فقد ارتأينا تناولها وفق مقاربة تحليلية نقدية للواقع القانوني و العملي للتجربة البرلمانية بالمغرب، بغية استجلاء المعيقات الذاتية و الموضوعية أساس محدودية سلطة البرلمان في مناقشة قانون المالية و التصويت عليه. و ذلك من خلال تقسيمنا للموضوع إلى قسمين أساسيين:

 

أولا: المعيقات الذاتية و الموضوعية لسلطة البرلمان في المصادقة على قانون المالية

 

ثانيا: فتح الإعتمادات اللازمة لتسيير المرافق العمومية و سؤال المشروعية

 

***************************

أولا: المعيقات الذاتية و الموضوعية لسلطة البرلمان في المصادقة على قانون المالية

  1. الفاعلين البرلمانيين و تحدي الكفاءة في المجال المالي.

يفترض في البرلمان أن يكون هو صاحب السلطة الحاسمة في صناعة القرار المالي، نظرا، من جهة، لكونه المحتكر للسلطة التشريعية، تسليما بما تقتضيه الممارسة الديمقراطية من فصل في السلط. و من جهة أخرى، بالنظر لما يترتب على اعتماد قوانين المالية من تكاليف على الشعب، الأمر الذي يحتم ضرورة إشراكه عبر ممثليه في تقنين و توزيع هذه التكاليف و مراقبة أوجه إنفاقها.

لكن عند الإطلاع على واقع الحال، نستشف أن آليات العقلنة البرلمانية قد لعبت دورا أساسيا في الحد من سلطات البرلمان.[6] و ذلك من خلال اعتماد ترسانة قانونية أمعنت في تقييد و تعقيد ممارسة البرلمان لصلاحياته التشريعية خاصة في شقها المالي،[7] مما فسح المجال أمام هيمنة السلطة التنفيذية على المجال التشريعي عامة و التشريع المالي تحديدا.[8] حيث إن المبادرة لبلورة و تقديم مشاريع قوانين المالية تبقى حكرا للسلطة التنفيذية.[9]

فتفعيلا لمقتضيات الفقرة الأولى من الفصل 75 من الدستور نجد أن الفصل 48 من القانون التنظيمي المتعلق بقانون المالية،[10] قد فصل في طبيعة التقارير و الوثائق المرفقة مع مشروع قانون المالية، المودع لدى مجلس النواب، و هو الأمر الذي يقتضي ضرورة توفر نواب الشعب على مستوى عال من الإلمام و التكوين في مجال المالية العامة حتى تتسنى لهم إمكانية التحليل و الدراسة النقدية المتكاملة لعناصر مشروع قانون المالية في ترابطها. و ذلك بالنظر لما تستوجبه إمكانية تقديم مقترحات التعديل لهذا الشروع من ضرورة عدم الإخلال بتوازن مالية الدولة.

فعلى الرغم من تسجيل تحسن مهم في نسبة المستويات التعليمية للبرلمانيين من ولاية تشريعية لأخرى، خاصة مع اعتماد اللائحة الوطنية، حيث شكلت، في الانتخابات التشريعية لسنة 2011، نسبة ذوي المستوى الجامعي من النواب المرشحين عن اللوائح المحلية 46% و 50% من النواب المرشحين ضمن اللوائح الوطنية،[11]  إلا أن ذلك لن يثنينا عن إثارة مسألة النقص في الكفاءات البرلمانية المتخصصة، خاصة إذا أخذنا بعين الاعتبار طبيعة تركيبة اللجان البرلمانية، بما فيها لجنة المالية، التي تنبني هيكلتها على أساس التمثيلية النسبية للأحزاب داخل البرلمان، مما سيؤدي لا محالة إلى تغليب هاجس توازنات التمثيلية السياسية للأحزاب داخل اللجنة على حساب الكفاءة و الفعالية في مجال الساسة المالية.[12]

و ما دامت لجنة المالية تتشكل على أساس التمثيلية النسبية للأحزاب داخل البرلمان، مما يعني بالضرورة هيمنة تمثيلية أحزاب الأغلبية الحكومية على مكوناتها، و نظرا لاعتمادها على آلية التصويت للبث في مقترحات التعديل، فمن البديهي إذا أن لا تصيب التعديلات المقترحة جوهر مشروع قانون المالية المقترح من لدن الحكومة. [13]

فعلى الرغم مما قد يقال بكون أن البرلمان يبقى هو صاحب الصلاحية في إقرار أو عدم إقرار قانون المالية من خلال آلية التصويت التي تبقى ضرورية لاعتماد أي قانون، غير أن الأمر في نظرنا يبقى مجرد ممارسة شكلية إن أخذنا بعين الاعتبار الامتداد السياسي للحكومة المهيمن داخل مجلس النواب، صاحب القراءة النهاية للمشروع، من خلال امتلاكها للأغلبية التمثيلية داخله مما يضمن لها بشكل مسبق نتيجة التصويت.

  1. دور العامل الزمني و القانوني في الحد من سلطة البرلمان عند النظر في قانون المالية

بصرف النظر عن مدى إلمام نواب الشعب بمجال المالية العامة، فإن حتى الإكراه الزمني يحول دون فتح نقاش جدي و معمق في مضامين مشروع قانون المالية، حيث أعطى الفصل 83 من الدستور، في فقرته الأولى، للحكومة  إمكانية رفض أي مقترح تعديل تمت إثارته أثناء المناقشة إذا لم يسبق أن تم عرضه أمام اللجنة المختصة.[14]و رغم ما لهذا الفصل من مبررات تقضي بضرورة عقلنة العمل البرلماني لتفادي كل إرباك من شأنه عرقلة المناقشة العامة، إلا أن طبيعة الظرفية الاقتصادية و الاجتماعية و السياسية، و ما تتصف به من تغير مستمر، تفترض الحرص على بعض المرونة في مناقشة و إمكانيات التعديل في مشاريع القوانين المطروحة للمصادقة حتى تتكيف و المتغيرات المستجدة.[15]

و في نفس السياق المتعلق بالإكراه الزمني، نجد أن المادة 49 من القانون التنظيمي المتعلق بقانون المالية[16] قد حددت أجل 30 يوما لمجلس النواب للبث في مشروع قانون المالية ابتداء من تاريخ إيداعه، و بمجرد البث فيه أو انصرام الأجل المحدد تعرض الحكومة مشروع قانون المالية على مجلس المستشارين، الذي يجب عليه هو الآخر البث فيه داخل أجل 22 يوما من تاريخ الإحالة ليعود للبرلمان للنظر في التعديلات المفترض اعتمادها بمجلس المستشارين و البث النهائي في قانون المالية و ذلك داخل أجل لا يتعدى 6 أيام.

فباستقرائنا لمضمون نص هذه المادة 49، سالفة الذكر، نستشف أن مسألة اعتماد قانون المالية هي أمر واقع حال لا محيد عنه. حيث نجد أن المادة قد طوقت ممثلي إرادة الشعب بآجال جد ضيقة لإقرار قانون المالية و ذلك تحت طائلة سقوط حقهم في الإقرار عند انصرام تلك الآجال، و في المقابل نجد سكوته عن تحميل الحكومة لأية آثار في حالة ما إذا أخلت بالأجل القانوني، أي قبل 20 أكتوبر من السنة المالية الجارية على أبعد تقدير،[17] لوضع مشروع القانون لذا مجلس النواب، و ما يشكله ذلك التأخير من تضييق زمني إضافي على البرلمان، و هو الأمر الذي لا يتماشى و ما تقتضيه المبادئ الديمقراطية و ما تتطلبه طبيعة هذا القانون من دراسة معمقة.

بالإضافة إلى إكراه عامل ضيق الوقت المخصص لدراسة مشروع قانون المالية و عامل قلة الكفاءات النيابية المتخصصة، نجد أن مضمون الفقرة الثانية من الفصل 77 من دستور 2011 من شأنه أن يقطع الطريق أمام أي اجتهاد برلماني في تقديم مقترحات تعديلية، حيث أعطيت فيه السلطة للحكومة لرفض كل مقترح تعديلي من شأنه تخفيض الموارد العمومية أو إحداث تكليف عمومي أو الزيادة فيه.[18] مما يحصر هامش مقترحات التعديل في حدود ما لا يمس بالموارد و التكاليف العمومية التي تضمنها المشروع. و هو ما يطرح مشروعية التساؤل حول ما مصداقية عرض المشروع على ممثلي الشعب إن لم تعطى لهم إمكانية تقديم تعديلات جوهرية من شأنها إعادة هيكلة بنية الموارد و النفقات العمومية إن كانت المصلحة العامة تقتضي ذلك؟.

 و تماشيا مع ما سبق، فإن التقييد الدستوري و القانوني لسلطة البرلمان يبقى هو السائد، فحتى لو افترضنا استبعاد محدد الامتداد السياسي للحكومة داخل البرلمان و ما له من تأثير على التصويت، فإن إمكانية عدم المصادقة على مشروع قانون المالية الذي قدمته الحكومة، قبل متم شهر ديسمبر من كل سنة، تضع البرلمان تحت طائلة الرضوخ للأمر الواقع من خلال تخويل الحكومة إمكانية فتح الاعتمادات اللازمة لسير المرافق العمومية كما جاء في المادة 50 من القانون التنظيمي المتعلق بقانون المالية تفعيلا لمقتضيات الفقرة 3 من الفصل 75 من الدستور و ذلك في غياب لأي دور يذكر للبرلمان في ذالك و لو من باب الاستشارة أو حتى الإخبار. و هو الأمر الذي سنناقشه في القسم الموالي.

 

ثانيا: مرسوم فتح الإعتمادات اللازمة لتسيير المرافق العمومية و سؤال المشروعية

  1. مشروعية مرسوم فتح الاعتمادات من خلال مسطرة إقراره

تعتبر الضريبة المصدر الرئيسي للمالية العامة. فعلى الرغم من النقد الذي يمكن أن ينصب على جانب من جوانبها إلا أنها تبقى مقبولة لدى الجميع من حيث المبدأ، باعتبارها ضرورة لابد منها لتغطية التكاليف العامة .[19] فمن هذا المنطلق تستمد الضريبة مشروعيتها قبل كل شيء. و هذا ما عبر عنه كاستون دجيز G. Jèze " توجد علاقة جد متينة بين الضريبة و النفقات و التي يمكن أن نعبر عنها بكون نفقات المصلحة العامة هي أساس و مقياس الضريبة الحديثة".[20]

لكن المشروعية القائمة على البعد الاقتصادي و المالي تبقى قاصرة لوحدها لتبرير الاقتطاعات الضريبية. فحتى تتصف الاقتطاعات بنوع من المعقولية ينبغي الأخذ بعين الاعتبار الأبعاد الأخرى للمشروعية و المتمثلة في الأبعاد الاجتماعية و السياسية و القانونية،[21] التي تبقى هي الكفيلة بإحقاق نوع من الرضا و القبول بالمساهمة في الأعباء العامة.

تشكل مضامين الفقرة 3 و 4 من الفصل 75 من الدستور، و المادة 50 من القانون التنظيمي المتعلق بقانون المالية، أحد أهم تجليات عقلنة العمل البرلماني المغربي، حيث تقضي بأنه في حالة عدم التصويت على قانون المالية في نهاية السنة أو لم يصدر الأمر بتنفيذه، يتم اللجوء تلقائيا لفتح الاعتمادات اللازمة لسير المرافق العمومية من خلال مرسوم، دون الإشارة لأي دور للبرلمان في هذا الصدد، و لو من باب الاستشارة أو حتى الإخبار. مما يجعل من مسألة المصادقة البرلمانية على مشروع قانون المالية تبدو أمرا واقعا و ذات طابع شكلاني يرمي إلى إصباغ  الموارد و النفقات العامة بنوع من المشروعية، خاصة و أن فتح الاعتمادات يستلزم العمل الفوري بمجموعة من المقترحات المضمنة في المشروع.

و نظرا لما يترتب على عدم المصادقة على قانون المالية قبل نهاية السنة من آثار وخيمة على مسار التنمية الاقتصادية و الاجتماعية على الصعيد الوطني ( عرقلة الاستثمار، التشغيل، تأخير الميزانيات القطاعية، الاستقرار المالي…) فإن اللجوء لفتح الإعتمادات اللازمة لسير المرافق العمومية، باعتباره إجراء استثنائي، كان يفترض أن يحاط بعدة شروط مقيدة لهذه الصلاحية الموكولة للحكومة، حتى لا يبقى أداة لتجاوز إرادة السلطة التشريعية و فرض الأمر الواقع. خاصة لما يعود سبب عدم المصادقة على القانون لتقصير الحكومة سواء لعدم تقديمها للمشروع داخل الآجال القانونية أو للمماطلة في تشكلها.

إلى جانب مبدأ الضرورة سالف الذكر، يعتبر مبدأ الشرعية، من المرتكزات الأساسية التي تضفي على ممارسة السلطة الجبائية مشروعيتها،[22] أي أن قراراتها تحضا بقبول و رضا أفراد المجتمع. و تأسيسا على ذلك، فإن مسألة مشروعية التكاليف العمومية، التي ستترتب على تفعيل مقتضيات قانون المالية، تبقى رهينة مدى إشراك ممثلي الأمة في تحديد وعائها و طرق تحصيلها، باعتبارهم المعبرين عن إرادة المواطنين وسيادة الأمة[23].

و تماشيا مع هذا المنطق، و رغم ما يتصف به مرسوم فتح الاعتمادات اللازمة لسير المرافق العمومية، على أساس ما هو مقترح في الميزانية المعروضة على الموافقة، من شرعية، نظرا لاستناده على مرسوم وزاري وفقا لمقتضيات دستورية و قانونية، إلا أنها تبقى منحصرة في بعدها التقني الشكلي الصرف، نظرا لافتقاره لجوهر الشرعية، الذي يمكن أن يؤسس لنوع من المشروعية، و المتمثل في ضرورة الإشراك الفعلي لممثلي الأمة، باعتبارهم السلطة التشريعية، و المعبرين عن إرادة المواطنين و بالتالي قبولهم و رضاهم.

  1. مشروعية مضمون مرسوم فتح الإعتمادات

تشكل الضرائب أحد العناصر الأساسية المكونة لقانون المالية، باعتبارها المورد الرئيسي لموارد المالية العامة. و نظرا لما تشكله من عبء على المواطنين، يندرج اختصاص تحديد وعائها، توزيعها و طرق استخلاصها ضمن المجال الخاص بالقانون حسب الفصل 71 من الدستور[24]، لذا، و من أجل أن يحظى أي اقتطاع بحد أدنى من قبول و رضا الملزمين، فالمنطق يقتضي إشراك البرلمان، باعتباره ممثلا لإرادة الشعب من جهة و باعتبار الحكومة مسئولة أمامه من جهة أخرى، في قرار فتح الاعتمادات نظرا لما يترتب عنها من استمرار في تحصيل المداخيل، و المتشكلة بالأساس من الضرائب.

فحسب المقتضيات الدستورية و القانون التنظيمي لقانون المالية فإن فتح الإعتمادات اللازمة لسير المرافق العمومية يستلزم الاستمرار في تحصيل المداخيل، وفقا للمقتضيات القانونية الجاري العمل بها، مع ضرورة العمل بالإلغاءات و التخفيضات المتعلقة بالمداخيل المقترحة في مشروع قانون المالية الذي لم يعتمد لسبب أو لآخر.[25] و هو الأمر الذي يعتبر في نظرنا تطاول على إرادة السلطة التشريعية التي يفترض أن تبقى لها الصلاحية في فرض التكاليف أو التخفيض و الإعفاء منها، عملا بمبدأ تحمل الجميع، كل حسب استطاعته، للتكاليف العمومية كما أحدثها و وزعها القانون.[26]

و تماشيا مع نفس المنطق، فإن النفقات الضريبية (الإعفاءات الكلية و الجزئية، الدائمة و المؤقتة) المقترحة في مشروع قانون المالية ينبغي العمل بها فور صدور مرسوم فتح الإعتمادات اللازمة لسير المرافق العمومية ، في حين لا يمكن إلغاء أي امتياز جبائي مقترح في نفس المشروع إلا بعد صدور قانون المالية في صيغته النهائية. و لعل التأمل و لو بشكل سريع، في الفترة الزمنية التي أهدرت قبل المصادقة على قانون المالية لسنة 2012 التي ناهزت خمسة أشهر،[27] و الاستمرار في هدر الزمن (أربعة أشهر حتى الآن و قد يصل ستة أشهر على أقرب تقدير[28]) دون المصادقة على قانون المالية لسنة 2017، من شأنه أن يكون لنا صورة تقريبية على حجم هدر المال العام، الناتج عن فترة سريان العمل بذلك المرسوم، جراء التنزيل الفوري للإعفاءات الضريبية المقترحة في مشروع قانون المالية و جراء الاستمرار في العمل بالتشجيعات الضريبية المقترح إلغاؤها في نفس المشروع.

و أمام الفراغ الدستوري المتعلق بالفترة الزمنية القصوى لتشكيل الحكومة، و ما يترتب عن ذلك من تأثير على السير العادي للمؤسسات و مختلف البرامج الاقتصادية و الاجتماعية و على استقرار المالية العامة، كان الأحرى، وضع مقتضيات تتعلق بطلب الإذن من البرلمان بتحصيل المداخيل اللازمة لسير مرافق الدولة، عند تعذر إقرار قانون المالية لأي سبب من الأسباب.

و في هذا الصدد و بالرجوع للتجارب المقارنة، نجد أن التجربة الدستورية الفرنسية، التي استلهمت منها التجربة الدستورية المغربية، قد قيدت مسألة اللجوء لفتح الإعتمادات بضرورة طلب الحكومة للإذن من البرلمان للشروع في تحصيل الضرائب و الرسوم. إذ نصت المادة 47 من الدستور الفرنسي لسنة 1958 في فقرتها الرابعة على أنه عند عدم إيداع قانون المالية في الوقت المناسب، مما يحول دون إصدار الأمر بتنفيذه قبل بداية السنة المالية، فإن الحكومة تطلب من البرلمان، بشكل مستعجل، الإذن بتحصيل الضرائب وتحدد بمرسوم الاعتمادات التي لها ارتباط بالمصالح التي تم التصويت عليها.[29]

فتغييب أي دور لممثلي الأمة في صناعة القرار المالي، الذي ترتهن به مختلف السياسات العمومية الأخرى، من شأنه تطعيم الشعور بعدم الثقة في المؤسسات و بالتالي عدم القبول و الرضا بمخرجاتها. و لعل أوجه عدم القبول المرتبطة بمجال المالية العامة، يمكن ملامستها من خلال عدة ظواهر، من قبيل تفشي ظاهرة التهرب و الغش الضريبيين و تفشي ظاهرة الاقتصاد غير المهيكل…، والتي يمكن اعتبارها كشكل من أشكال التعبير عن عدم الرضا و القبول لدى المواطن بالسياسة مالية.[30]

 

خاتمة

بناءا على كل ما سبق، وفي ظل المقتضيات الدستورية و القانونية الراهنة، نخلص إلى أن السلطة التشريعية تبقى قاصرة عن القيام بدورها التشريعي و الرقابي السليم الذي من شأنه أن يرسخ مبدأ الحفاظ على الأموال العامة، مما يطرح إشكالية مدى تعزيز دستور 2011 لصلاحيات البرلمان و بالتالي تعزيز تراكم مسار ترسيخ مبادئ الديمقراطية بالمغرب، فالديمقراطية الفعلية تقتضي وجوب إشراك ممثلي الشعب في صناعة القرارات العامة بشكل عام و القرارات المتعلقة بالمالية العامة بشكل خاص.

لهذا و من أجل تعزيز البناء الديمقراطي لبلدنا، فإن الأمر يقتضي ضرورة فتح ورشة الإصلاح الدستوري حتى يتسنى تدارك بعض الهفوات، الناتجة عن التسرع في الصياغة و المصادقة على النص الدستوري، بحكم حساسية الظرفية التي فرضت تعديله، بالإضافة إلى استمرار سيادة التوجس من دمقرطة الحياة السياسية و صناعة القرار العام بالمغرب.

و ارتباطا بما تناولناه في عرض هذا الموضوع، فإن ورشة الإصلاح الدستوري ينبغي أن تعمل على تدارك هفوات عدة، كالتنصيص على المدة الزمنية القصوى لتشكيل الحكومة حتى لا يبقى القرار المالي لبلدنا رهين المزايدات السياسوية عند انتهاء كل ولاية تشريعية. هذا بالإضافة إلى ضرورة رد الاعتبار للمؤسسة التشريعية باعتبارها المعبر عن إرادة الشعب ، و ذلك من خلال إشراكها في مسألة فتح الإعتمادات الضرورية لسير المرافق العمومية، حتى تحظى هذه الأخيرة بنوع من المشروعية الضرورية من جهة، و إخضاعها للرقابة البرلمانية درءا لتجاوز حدود ما يسمح به الإذن الممنوح لفتح الاعتمادات من جهة ثانية.

 

المراجع المعتمدة:

Ø BOUVIER Michel, INTRODUCTION AU DROIT FISCAL ET A LA THEORIE DE L’IMPOT, Paris, LGDJ,1996.

Ø Michel Bouvier, Marie-Christine Esclassan & Jean-Pierre Lassale, Manuel « FINANCES PUBLIQUES », 7ème édition. 2004.

Ø FIKRI ELKBIR, LE PARLEMENT ET LES FINANCES PUBLIQUES ; recherche sur le pouvoir financier. Doctorat d’Etat de Droit publique. Université Hassan II, FSJES Casablanca. 1984.

ØKatia BLAIRON (Maître de conférences de droit public – Nancy Université – IRENEE), POUVOIRS ET CONTRE-POUVOIRS EN MATIERE BUDGETAIRE ET FINANCIERE. Congrès des Constitutionnalistes, Paris II, 2008.  www.droitconstitutionnel.org/congresParis/comC6/BlaironTXT.pdf

Ø La loi organique n° 130-13 relative à la loi de finances – Bulletin officielle N° 6370 – 1er Ramadan 1436 (18-6-2015).

× دستور 2011. الجريدة الرسمية عدد 5964 مكرر الصادرة بتاريخ 28 شعبان 1432 (30 يوليو 2011) ص 3600.

× عبد النبي اضريف، قانون ميزانية الدولة على ضوء القانون التنظيمي للمالية 13-130 و نصوصه التنظيمية، الطبعة الرابعة 2016.

× كريم نبيه، البرلمان وصناعة السياسات العامة في النظام السياسي والدستوري المغربي، أطروحة لنيل الدكتوراه في القانون الدستوري و المؤسسات السياسية، جامعة الحسن الثاني،كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية الدار البيضاء- عين الشق، 2013/2014.

× نجيب جيري، الوظيفة الرقابية لبرلمان في دستور 2011، مقال منشور بمجلة مسالك في الفكر و السياسة و الاقتصاد، عدد مزدوج 19-20/2012.

× محمود صالح الكروي، التجربة البرلمانية في المغرب 1963-1997، الطبعة الأولى 1431ه 2010م. مطبعة البريق.

× محمد الغالي،التدخل البرلماني في مجال السياسات العامة في المغرب (1984-2002). الطبعة الأولى 2006، المطبعة و الوراقة الوطنية-مراكش.

× جيري نجيب، الوظيفة الرقابية للبرلمان في دستور 2011. مقال منشور بمجلة مسالك في الفكر و السياسة و الاقتصاد، عدد مزدوج 19-20/2012.

× معطيات أساسية حول انتخابات 25 نونبر 2011. تقارير و وثائق. المركز المغربي متعدد التخصصات للدراسات  الإستراتيجية و الدولية. http://www.cmiesi.ma/acmiesi/ar/rapport_scrutin_25nov.php

× تقرير حول أداء البرلمان المغربي خلال الولاية التشريعية التاسعة 2012-2016 من إنجاز المرصد الوطني لحقوق الناخب بشراكة مع مؤسسة كونراد أديناور، 2017  مؤسسة كونراد أديناور، مكتب المغرب.

http://www.kas.de/wf/doc/kas_48174-1522-3-30.pdf?170314171534

 


[1] – FIKRI ELKBIR, LE PARLEMENT ET LES FINANCES PUBLIQUES ; recherche sur le pouvoir financier. Doctorat d’Etat de Droit publique. Université Hassan II, FSJES Casablanca. 1984. P 2-7.

[2] – BOUVIER Michel, INTRODUCTION AU DROIT FISCAL ET A LA THEORIE DE L’IMPOT, Paris, LGDJ, 10e édition. 2010. P 178.

– جيري نجيب، الوظيفة الرقابية للبرلمان في دستور 2011. مقال منشور بمجلة مسالك في الفكر و السياسة و الاقتصاد، عدد مزدوج 19-20/2012. ص 54.

[3] – أنظر الفصل 70 و 71 من دستور 2011. الجريدة الرسمية عدد 5964 مكرر الصادرة بتاريخ 28 شعبان 1432 (30 يوليو 2011) ص 3600.

[4]– العقلنة البرلمانية هو مفهوم يحيل إلى مجموع الآليات و الضوابط القانونية و الإجرائية الرامية إلى الحد من سلطة البرلمان و ضمان الاستقرار و الفعالية الحكومية، و تعد البنية القانونية للجمهورية الفرنسية الخامسة 1958 من أهم تجلياته.

[5] – – أنظر الفصل 75 من دستور 2011. نفس المصدر السابق.

[6] – كريم نبيه، البرلمان وصناعة السياسات العامة في النظام السياسي والدستوري المغربي، أطروحة لنيل الدكتوراه في القانون الدستوري و المؤسسات السياسية، جامعة الحسن الثاني،كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية الدار البيضاء – عين الشق، 2013/2014. ص 224.

– نجيب جيري، الوظيفة الرقابية لبرلمان في دستور 2011، مقال منشور بمجلة مسالك في الفكر و السياسة و الاقتصاد، عدد مزدوج 19-20/2012. ص 55.

[7] – Katia BLAIRON, POUVOIRS ET CONTRE-POUVOIRS EN MATIERE BUDGETAIRE ET FINANCIERE. Congrès des Constitutionnalistes, Paris II, 2008.   www.droitconstitutionnel.org/congresParis/comC6/BlaironTXT.pdf

[8] – إن المادة 46 من القانون التنظيمي رقم 130- 13 المتعلق بقانون المالية تنص على تحضير الوزير المكلف بالمالية لمشاريع قوانين المالية وذلك تحت سلطة رئيس الحكومة و وفق التوجيهات العامة المتداول بشأنها في المجلس الوزاري.

– محمود صالح الكروي، التجربة البرلمانية في المغرب 1963-1997، الطبعة الأولى 1431ه 2010م. مطبعة البريق. ص 201.

[9] – BOUVIER Michel, op. cit ; p 183.

[10] – La loi organique n° 130-13 relative à la loi de finances – Bulletin officielle N° 6370 – 1er Ramadan 1436 (18-6-2015). P 3105.

[11] – معطيات أساسية حول انتخابات 25 نونبر 2011. تقارير و وثائق. المركز المغربي متعدد التخصصات للدراسات  الإستراتيجية و الدولية.

 http://www.cmiesi.ma/acmiesi/ar/rapport_scrutin_25nov.php

[12] – محمد الغالي،التدخل البرلماني في مجال السياسات العامة في المغرب (1984-2002). الطبعة الأولى 2006، المطبعة و الوراقة الوطنية-مراكش. ص 157-169.

[13] – تقرير حول أداء البرلمان المغربي خلال الولاية التشريعية التاسعة 2012-2016 من إنجاز المرصد الوطني لحقوق الناخب بشراكة مع مؤسسة كونراد أديناور، 2017  مؤسسة كونراد أديناور، مكتب المغرب. ص 39.

http://www.kas.de/wf/doc/kas_48174-1522-3-30.pdf?170314171534

[14] – أنظر الفقرة الأولى من الفصل 83 من دستور 2011. نفس المصدر السابق.

[15] – عبد النبي اضريف، قانون ميزانية الدولة على ضوء القانون التنظيمي للمالية 13-130 و نصوصه التنظيمية، الطبعة الرابعة 2016. ص 96-97.

[16] – La loi organique n° 130-13 relative à la loi de finances. Op. cit.

[17] – Article 48 de la loi organique n° 130-13 relative à la loi de finances. Op. cit.

[18]– أنظر الفقرة الثانية من الفصل 77 دستور 2011. نفس المصدر السابق.

– تقرير حول أداء البرلمان المغربي خلال الولاية التشريعية التاسعة 2012-2016 من إنجاز المرصد الوطني لحقوق الناخب بشراكة مع مؤسسة كونراد أديناور، 2017  مؤسسة كونراد أديناور، مكتب المغرب. ص 39.

http://www.kas.de/wf/doc/kas_48174-1522-3-30.pdf?170314171534

[19] – Michel Bouvier, Marie-Christine Esclassan & Jean-Pierre Lassale, Manuel « FINANCES PUBLIQUES », 7ème édition. 2004  p 567.

[20] – I. G. Jèze, Cours de Finances Publiques, Giard, 1931. Cité par Michel Bouvier, Marie-Christine Esclassan & Jean-Pierre Lassale, op. cit ; p 567.

[21] – Michel Bouvier, Marie-Christine Esclassan & Jean-Pierre Lassale, op. cit ;  p 568 – 596.

[22] – BOUVIER Michel, op. cit ; p 178.

[23] – الفصل 2 من دستور 2011، نفس المصدر السابق.

[24] – الفصل 71 من دستور 2011، نفس المصدر السابق.

[25] – الفقرة 3 و 4 من الفصل 75 من دستور 2011، نفس المصدر السابق. و المادة 50 من القانون التنظيمي رقم 130-13 المتعلق بقانون المالية.

[26] – الفصل 39 من دستور 2011، نفس المصدر السابق.

[27] – تقرير حول أداء البرلمان المغربي خلال الولاية التشريعية التاسعة 2012-2016 من إنجاز المرصد الوطني لحقوق الناخب بشراكة مع مؤسسة كونراد أديناور، 2017  مؤسسة كونراد أديناور، مكتب المغرب. ص 38.

http://www.kas.de/wf/doc/kas_48174-1522-3-30.pdf?170314171534

[28] – جراء التعثر في مفاوضات تشكيل الحكومة، الذي أسفر على إعفاء رئيس الحكومة المكلف بتشكيلها (السيد عبد اللإله بنكيران) و تعيين رئيس آخر لتولي المهمة (السيد سعد الدين العثماني)، فإن تعيين أعضائها من طرف الملك لم يتم إلا بتاريخ 05 أبريل 2017. و في إنتظار صياغة البرنامج الحكومي و عرضه للتصويت أمام البرلمان للحصول على ثقته لتباشر الحكومة عملها بشكل رسمي، و بالنظر للآجال القانونية الضرورية للمصادقة على قانون المالية، فإننا نقدر أن صدور الأمر بتنفيذ قانون المالية لا يمكن أن يتم قبل شهر يونيو 2017 في أحسن الأحوال.

[29] – FIKRI Elkbir; Le Parlement Marocain et Les Finances Publiques Recherche sur Le Pouvoir Financier, op.cit, p 37.

[30] – BOUVIER Michel, op. cit ; p 188.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

التخطي إلى شريط الأدوات