في الواجهةمقالات قانونية

 إبراهيم البعلي: النظام العام كآلية حمائية من الشروط الجزائية التعسفية بين القصور التشريعي والاجتهاد القضائي

النظام العام كآلية حمائية من الشروط الجزائية التعسفية

بين القصور التشريعي والاجتهاد القضائي

إعداد:

 إبراهيم البعلي: خريج الماستر المتخصص في المهن القضائية والقانونية

 

 

مقدمة:

يعتبر النظام العام وسيلة فعالة يستعين بها القاضي لمراقبة الشرط الجزائي، إذ من خلاله يراقب مدى صحته وسلامته، فكلما تبين لقاضي الموضوع أن أحد أطراف العلاقة التعاقدية قد اشترط على الطرف الآخر عدم تفعيل إمكانية توجهه للقضاء من أجل تعديل الشرط الجزائي المبالغ فيه أو الزهيد، إلا وبسط رقابته عليه واعتبره باطلا، نظرا لتعلق ذلك بالنظام العام، وهو ما يجلي مساهمة هذا الأخير في توفير الحماية من التعسفات التي تطبع التعويضات المتفق عليها المتداول تسميتها بالشرط الجزائي.

غير أن الإشكال يطرح على مستوى تحديد المقتضيات المتعلقة بالنظام العام، هل هي تلك المرتبطة بحق الأطراف في اللجوء للقضاء ؟ أم سلطة المحكمة في مراجعة الشرط الجزائي بمجرد الإطلاع على العقد المتضمن له ؟

وهو ما يمكن أن نعالجه من خلال التوقف على مدى توفق المشرع المغربي في ربط المقتضيات المتعلقة بالشرط الجزائي بالنظام العام، وكذا التعرف على موقف الاجتهاد القضائي المغربي من تلك المسألة، مقارنة مع التشريع والقضاء الفرنسيين.

فدراسة هذا الموضوع تقتضي تحديد مفهوم النظام العام، من خلال إيراد تعاريف فقهية وقضائية لهذا المفهوم الزئبقي (الفقرة لأولى)، وتبيان مدى مساهمته في توفير الحماية للطرف المتضرر من الشرط الجزائي التعسفي (الفقرة الثانية)

الفقرة الأولى: مفهوم النظام العام.

يعتبر مفهوم النظام العام من المفاهيم التي استعصى تحديدها، فبالرغم من ظهور المفهوم مع أقدم المجتمعات إلا أنه بقي متعاليا على كل الجهود المبذولة في سبيل تعريفه، والسبب في ذلك يعود إلى كونه فكرة واسعة ومرنة ومتغيرة[1].

ولعل ما يدل على ذلك هو اختلاف الفقه حول تحديد مضمونه بشكل دقيق، ولم يسبق للفقهاء أن اختلفوا في تعريف الأفكار القانونية كاختلافهم في تعريف النظام العام، وتباينت بالتالي فكرة النظام العام من حيث نطاقها تبعا للنزعة التي انبعثت عنها هذه التعريفات[2].

حيث عرفه أحد الفقهاء[3] بأنه مجموع القواعد الآمرة التي لا يمكن مخالفتها من قبل الأطراف، بينما عرفه آخر[4] بأنه تلك القواعد التي يقصد بها تحقيق مصلحة عامة، سياسية أو اجتماعية أو اقتصادية، تتعلق بنظام المجتمع الأعلى وتعلو على مصلحة الأفراد، فيجب على جميع الأفراد مراعاة هذه المصلحة وتحقيقها.

وقد تم تعريفه أيضا[5]: “بأنه مجموع الأسس التي يرتكز عليها المجتمع وتعلو على مصالح الأفراد، سواء كانت هذه الأسس سياسية مثل نظام الحكم ودين الدولة، أو أسس اقتصادية مثل القواعد المحددة لسعر العملة، أو أسس اجتماعية كتلك المتعلقة بحماية حقوق الطبقة العاملة”.

فمن خلال الإطلاع على التعاريف التي وضعها الفقهاء نلاحظ أنها تتفق على كون مفهوم النظام العام مفهوم يرمي إلى حماية المجتمع الوطني، فالنظام العام سواء في العلاقات الداخلية أو الخارجية يهدف إلى حماية النظام القانوني الوطني، ومنع الأفراد من مخالفة هذا النظام، إذ يتصف النظام العام بصفة النسبية لأن نطاقه يختلف من بلد لآخر.

لذلك فالنظام العام يتجاوز في معناه نطاق القانون، حيث يمكن أن يقرر كذلك من طرف القاضي، هذا الأخير الذي يملك صلاحية تحديد مدى تعلق حكم معين بالنظام العام، وهو ما يسمى بالنظام العام غير النصي، وفي مقابله نجد النظام العام النصي أي الذي يتدخل بمقتضاه المشرع ليحدد خاصية النظام العام في نصوص آمرة، وعليه فإن النظام العام لا يمكن تصوره إلا في نطاق قانوني يعترف بمبدأ سلطان الإرادة أمام الحرية التعاقدية، وبالتالي فإن وظيفة النظام العام تنحصر في الحد من الحرية التعاقدية[6].

ولكون النظام العام مفهوم متذبذب ونسبي لا يمكن تعريفه تعريفا دقيقا، فقد وصف الفقهاء هذه الصعوبة في التحديد بعدة أوصاف، حيث عبر عنها أحد الفقهاء[7] بأن النظام العام يستمد قوته وعظمته من ذلك الغموض الذي يحيط به، ومن مظاهر سموه أنه ظل متعاليا على كل جهود الفقهاء في تحديد تعريفه، بينما وصفه آخر بأن تحديد مفهومه: “عذاب حقيقي للفكر”، وقيل أيضا بأن “تعريف النظام العام مغامرة على الرمال الزاحفة ومسلك محاط بالأشواك”[8].

ونظرا لمرونة المفهوم وعدم تعريفه من طرف المشرع، تم فتح المجال أمام القضاء من أجل وضع محاولاته في تحديد مفهوم النظام العام.

إذ عرفته محكمة التمييز اللبنانية بأنه: “النظام العام يتكون من المبادئ الأساسية التي يقوم عليها المجتمع اللبناني والتي يحميها القانون باسم المحافظة على هذا النظام يقتضي الملاحظة أن الحماية لا تقتصر فقط على المصالح التي ورد بشأنها نص قانوني، بل إن كل مصلحة عامة قابلة للحماية فيها إذا اعتبر المساس بها إخلالا بالمبادئ الأساسية المعتمدة في المجتمع”[9].

أما على مستوى القضاء المغربي فلم نعثر على أي حكم أو قرار يعرف النظام العام، بينما هناك مقررات صدرت ترتيبا لنتائج الدفع بالنظام العام، ومن ذلك ما جاء في قرار محكمة النقض المغربية، حيث أثارت المحكمة النظام العام المسطري بشكل تلقائي، ورتبت جزاء بطلان الجلسة لعدم تقيدها بشكليات تمس النظام العام.

إذ جاء في القرار: “حيث إن تشكيلة هيئة الحكم من النظام العام، وتثار مخالفتها في جميع المراحل ولو تلقائيا وبمقتضى الفصل 4 من التنظيم القضائي المعدل بقانون 15\03 بتاريخ 2003\11\11، فإن المحاكم الإبتدائية تعقد جلساتها بقاض منفرد….

وبذلك ينعقد إختصاص النظر في الدعوى للقضاء الفردي طبقا للفصل الرابع السابق مما يجعل الحكم الإبتدائي باطلا ومنعدما، وأن القرار الإستئنافي بدل التصريح بذلك فصل في الموضوع مما يكون معه بدوره خارقا لقاعدة لها مساس بالنظام العام لتعلقها بإجراءات التقاضي وعرضه للنقض”[10].

وفي نفس التوجه رتبت ابتدائية الرباط عدم قبول الدعوى لانعدام الصفة لأنها تتعلق بالنظام العام، إذ جاء في الحكم:

“وحيث إن الصفة من النظام العام، مما يتعين معه التصريح بعدم قبول الدعوى شكلا”[11].

يتضح من خلال ما سبق أن مفهوم النظام العام مفهوم يعوزه التحديد والدقة، ويختلف من بلد لآخر، فما يمكن اعتباره من النظام العام في دولة ما، قد لا يدخل في دائرة النظام العام بالنسبة لدولة أخرى، وكما قيل لدى أحد الدارسين: “إنك إذا حاولت تعريف النظام العام فإنما تركب حصانا جامحا لا تدري على أي أرض سيلقي بك”[12]، ونختم بمقولة توضح الصعوبة الكبيرة في تبني مفهوم النظام العام، إذ جاء فيها: “إن النظام العام يختلف باختلاف أرجل القضاة”[13].

فرغم المحاولات التي قام بها الفقه والقضاء في تحديد مفهوم النظام العام، فإننا نؤكد من جانبنا أن النظام العام سبيل للتدخل في العقد لإنهائه في حالة كان يحمل في طياته تهديدا لأسس ومقدسات وركائز الدولة المغربية.

والسؤال المطروح في هذا السياق هو: ما مدى تعلق سلطة المحكمة في مراجعة الشرط الجزائي بالنظام العام ؟ وبصيغة أخرى هل يمكن لأطراف العلاقة التعاقدية أن يقوموا باستبعاد سلطة المحكمة في مراجعة الشرط الجزائي ؟ وهل يمكن للمحكمة أن تعدل الشرط الجزائي بشكل تلقائي؟.

هذا ما سنحاول الإجابة عنه في النقطة الموالية.

الفقرة الثانية: دور النظام العام في توفير الحماية من الشروط الجزائية التعسفية.

بالرجوع إلى الفصل 264 من ق.ل.ع. نجد أن فقرته الثانية سمحت للأطراف بإمكانية الإتفاق على التعويض عن الأضرار التي قد تلحق الدائن من جراء عدم الوفاء بالإلتزام الأصلي كليا أو جزئيا أو التأخير في تنفيذه، بينما أجازت الفقرة الثالثة من نفس الفصل للمحكمة تخفيض التعويض في حالتي المبالغة في تقديره أو تنفيذه بشكل جزئي، وزيادته إذا كانت قيمته زهيدة، لتأتي الفقرة الرابعة والأخيرة بهذا المقتضى: “…يقع باطلا كل اتفاق يخالف ذلك”.

وهذا الحكم سارت عليه مختلف التشريعات العربية، حيث نص المشرع المصري في المادة 224\3 على ما يلي: “…ويقع باطلا كل اتفاق يخالف أحكام الفقرتين السابقتين”، بينما نص على ذلك المشرع الأردني في المادة 364: “…ويقع باطلا كل اتفاق يخالف ذلك”، أما المشرع الفلسطيني فقد قرر هذا في المادة 241\4 إذ جاء فيها: “…ويقع باطلا كل اتفاق يخالف أحكام الفقرات السابقة”.

     يتبين من خلال هذه العبارات أن مختلف التشريعات جعلت كل اتفاق من شأنه أن يستبعد سلطة المحكمة في إجراء التعديل يعتبر باطلا لتعلق ذلك بالنظام العام، فلا يجوز الإتفاق على حرمان المدين من التمسك بعدم استحقاق الشرط الجزائي في حالة انتفاء الضرر، أو طلب تخفيضه في حالة التنفيذ الجزئي، أو إذا كان تقديره مبالغا فيه، فلو تم الإتفاق على ذلك، كان هذا الإتفاق باطلا لمخالفته النظام العام[14].

فالقانون يحمي المدين من خلال هذا الحكم، ويعتبر رضاه بمثل هذا الإتفاق من قبيل الإذعان، ولذا لا يجوز للطرفين أن يضيفا إلى الشرط الجزائي أنه واجب الدفع على كل حال[15].

والغاية من تلك المقتضيات هي حماية المدين من تعسف الدائن، إثر قبوله الرضوخ للشرط القاضي بعدم قابلية الشرط الجزائي للتخفيض، حيث جعلت مختلف التشريعات ذلك القبول باطلا وعديم الأثر، بحيث يحتفظ المدين بحقه في المطالبة بتخفيض مقدار الشرط الجزائي كلما كان مبالغا فيه رغم الإتفاق على حرمانه من هذا الحق[16].

وعليه لا يجوز مخالفة أحكام الفصل 264 من ق.ل.ع. والمادة 224 من القانون المدني المصري، والمادة 364 من القانون المدني الأردني، والمادة 241 من القانون المدني الفلسطيني، بالإتفاق على عدم مطالبة المدين بزيادة قيمة الشرط الجزائي إذا كان مقدار الضرر يزيد عن قيمة الشرط الجزائي لتعلقها بالنظام العام[17].

والإشكال الذي يتعين معالجته في هذا السياق هو: هل يمكن للمحكمة إجراء تعديل الشرط الجزائي من تلقاء نفسها، أم أن تلك السلطة لا يمكن مباشرتها إلا بعد تقديم طلب من طرف شخص المدين أو الدائن حسب كل حالة ؟

إن النظام العام في النص الحالي المنظم للشرط الجزائي يتعلق بالتنازل المسبق عن حق الإدعاء بفداحة الشرط الجزائي وعدم تناسبه مع الضرر الحاصل فهذا هو ما يتعلق بالنظام العام، فالحق في اللجوء إلى القضاء من أجل تعديل الشروط الجزائية التعسفية يقرره القانون، لأن ذلك هو السبيل الوحيد لرفع الإجحاف عنها وهذا الحق يتعلق بالنظام العام، ولو اتفق المتعاقدان على غير ذلك يقع اتفاقهما باطلا[18].

أما سلطة المحكمة في تعديل الشرط الجزائي في اعتقادنا لا تتعلق بالنظام العام، لأن ذلك يتوقف على تقديم طلب من أحد الأطراف، وهذا ما يستفاد فعلا من العبارات التي وظفتها مختلف التشريعات عند منح القضاء سلطة المراجعة.

إذ استعمل المشرع المغربي عبارة “يمكن للمحكمة“، بينما وظف المشرع المصري لفظ “يجوز للقاضي”، أما المشرع الفلسطيني فقد نص على أنه “يجوز للقاضي أن…”، والملاحظ من خلال هذه التعابير أنها تفيد الجواز والإمكانية وليس هناك ما يفيد الوجوب والأمر.

أما المشرع الأردني فقد كان واضحا في هذه النقطة حيث قرر أن المحكمة لا يمكنها إجراء أي تعديل على الشرط الجزائي إلا بناءا على طلب من أحد الطرفين، وهو ما يستفاد من الفقرة الثانية للمادة 364 من القانون المدني الأردني: “ويجوز للمحكمة في جميع الأحوال بناء على طلب أحد الطرفين أن تعدل في هذا الإتفاق بما يجعل التقدير مساويا للضرر ويقع باطلا كل اتفاق يخالف ذلك”.

وبالتالي فسلطة المراجعة تتوقف ضرورة على تقديم طلب من المعني بالأمر، بعد أن يبين عناصر المبالغة أو التفاهة، ومن تم تبقى للمحكمة السلطة التقديرية في التخفيض أو الزيادة، فالإمكانية التي تتحدث عنها معظم التشريعات “مرتبطة بسلطة المحكمة في تقدير مدى صحة الإدعاء الذي يتمسك به الطرف المعني”[19].

وعليه لا يمكن للمحكمة أن تقوم بالتعديل تلقائيا، ونعزز موقفنا هذا بالفصل الثالث من ق.م.م[20] باعتباره نص يتعلق بالنظام العام.

وتجدر الإشارة إلى أن المشرع الفرنسي كان موفقا في تنظيم هذه المسألة، فبعد تنظيمه للشرط الجزائي بموجب قانون رقم 597-75 الصادر سنة 1975، وبعد مرور 10 سنوات على تطبيقه، انتبه المشرع الفرنسي للنقص الذي يعتري النص وتدخل لتعديل القانون السابق الذكر في 11 أكتوبر 1985، الذي عدل بموجبه المادتين 1152 و 1231 ليمنح القاضي سلطة إجراء التعديل بشكل تلقائي، إذ جاء في المادة 1152 ما يلي:

“عندما يتم الإتفاق على أداء مبلغ معين مقابل الأضرار في حالة عدم تنفيذ الإلتزام، فلا يجوز دفع مبلغ أقل ولا أكثر، ومع ذلك يمكن للقاضي أن يعدل من قيمة الشرط الجزائي إذا كان مبالغا فيه بشكل مفرط، يقع باطلا كل شرط مخالف”[21].

فالملاحظ من خلال هذا النص أن القاضي الفرنسي يمكنه التدخل بشكل تلقائي، كلما رأى أن الشرط الجزائي مبالغ فيه أو زهيد، حتى لو لم يثر أحد الأطراف ذلك، فالقاضي الفرنسي يمارس سلطته في مراقبة الشرط الجزائي، حيث أصبح ذلك يدخل ضمن اختصاصه دون حاجة لطلب من المدين أو الدائن[22].

وهو ما أكدته محكمة النقض الفرنسية في أحد قراراتها إذ جاء فيه:

“الفصل 1152 من القانون المدني يخول للقاضي إمكانية تعديل الشرط الجزائي مما يتعين معه الحكم بشرط جزائي قيمته 150 £ في اليوم ابتداءا من 27 أكتوبر  2009…[23].

وسارت عليه محكمة الإستئناف بباريس حيث استندت في مراجعتها للشرط الجزائي على نص الفصل 1152 إذ جاء في قرارها، مايلي:

” تطبيقا للسلطة المستمدة من الفصل 1152 من القانون المدني، فإنه يتعين تخفيض التعويض المستحق إلى 500 £[24].

وعلى مستوى القضاء المغربي تعتبر المحكمة التجارية بالدار البيضاء من المحاكم التي تتدخل في الشرط الجزائي، حتى لو لم يتقدم بذلك أحد الأطراف، ومن بين أحكامها في هذا السياق نجد الحكم رقم 9167 إذ جاء فيه:

“حيث تضمن عقد القرض في بنده السادس أن المدين يكون ملزما بأداء تعويض يصل إلى 12 %من مجموع المبلغ المتبقي لأجل تغطية المصاريف الغير المسترجعة.

وحيث مادام أن الأمر لا يتعلق بأصل الدين وتم الإتفاق على هذا التعويض تحسبا لإخلال المقترض بالتزامه أداء الأقساط في إبانها المتفق عليه، وهي بطبيعتها تدخل في باب الجزاءات عن عدم التنفيذ والتي أعطى المشرع للمحكمة في الفصل 264 من قانون الإلتزامات والعقود بعد التعديل الذي أجري على هذا النص بظهير 1995\08\11 الحق في تعديل التعويض الإتفاقي.

وحيث إن المحكمة ارتأت إعمال سلطتها في تقدير التعويض المستحق للمدعية بعد مراعاتها لحجم الضرر الحاصل وقررت حصره في مبلغ 5000 درهم”[25].

ونعتقد أن توجه المحكمة التجارية بالبيضاء قد تأثر بقرار لمحكمة النقض الصادر سنة 2004، والذي خولت من خلاله القضاء سلطة المراجعة بشكل تلقائي، وهو ما يتبين من خلال هذه الحيثية: “بخصوص ما أثير من خرق الفقرة الثالثة من الفصل 264 من ق.ل.ع. فإنه بالرجوع إليها يتجلى بأنها تعطي للمحكمة إمكانية تعديل الشرط الجزائي في إطار سلطتها التقديرية وليس بها ما يوجب ألا يتم ذلك إلا بطلب من طرف المتضرر مما يجعل القرار غير خارق لأي مقتضى ومعللا بما فيه الكفاية ومرتكزا على أساس”[26].

فإذا كان القضاء المغربي اجتهد في هذه المسألة، فإننا نؤكد من زاويتنا على ضرورة جعل سلطة القضاء في التخفيض والزيادة من النظام العام، لأن ما يتعلق بالنظام العام في الفصل 264 هو عدم إمكانية الإتفاق على اللجوء إلى القضاء والمطالبة بالتخفيض أو الزيادة، أما تدخل القضاء بشكل تلقائي فهناك قصور تشريعي بشأنه.

فبالرغم من مرور 23 سنة على تطبيق القانون رقم 27.95 إلا أن المشرع المغربي لم يبادر إلى تعديل الفصل 264، ويجعل سلطة المحكمة في تعديل الشرط الجزائي من النظام العام، وإننا ندعو المشرع المغربي من خلال هذا العمل المتواضع إلى تبني موقف واضح وصريح في منح القضاء إمكانية التدخل في تعديل الشرط الجزائي، وجعل هذه السلطة من النظام العام، لما في هذا الأخير من حماية لأطراف العلاقة التعاقدية، من خلال مقاومة الشروط الجزائية التعسفية.

بناء على ما سبق نقترح على المشرع المغربي إجراء تعديل على الفصل 264 ق.ل.ع ليصبح هكذا:

“الضرر هو ما لحق الدائن من خسارة وما فاته من كسب متى كانا ناتجين مباشرة عن عدم الوفاء بالإلتزام، وتقدير الظروف الخاصة بكل حالة موكول لفطنة المحكمة، التي يجب عليها أن تقدر التعويضات بكيفية مختلفة حسب خطأ المدين أو تدليسه.

يجوز للمتعاقدين أن يتفقا على التعويض عن الأضرار التي قد تلحق الدائن من جراء عدم الوفاء بالإلتزام الأصلي كليا أو جزئيا أو التأخير في تنفيذه.

يجب على المحكمة ودون طلب من الأطراف تخفيض التعويض المتفق عليه إذا كان مبالغا فيه إلى حد كبير أو الرفع من قيمته إذا كان زهيدا بشكل واضح مقارنة مع الضرر المتحقق، ولها أيضا أن تخفض من التعويض المتفق عليه بنسبة النفع الذي عاد على الدائن من جراء التنفيذ الجزئي، ولها أن تلجأ في سبيل ذلك إلى كل وسائل التحقيق المقررة في ق.م.م.

يقع باطلا كل شرط يخالف ذلك”.

 

 

 

[1] – طيب كهينة وتماقيلت لامية: “الملكية الصناعية والنظام العام” رسالة لنيل شهادة الماستر، جامعة عبدالرحمان ميرة-بجاية، كلية الحقوق والعلوم السياسية الجزائر، السنة الجامعية 2015-2016، ص: 21.

[2]– أحمد مفلح خوالده: “شرط الإعفاء من المسؤولية العقدية: دراسة مقارنة”، دار الثقافة للنشر والتوزيع، الأردن، ع.ذ.ط سنة:2011، ص:161.

[3]– المختار بن أحمد العطار: “النظرية العامة للإلتزامات في ضوء القانون المغربي”، مطبعة النجاح الجديدة الدار البيضاء، الطبعة الأولى سنة 2011، ص: 206.

[4]– عبدالرزاق أحمد السنهوري: “الوسيط” الجزء الأول، مصادر الإلتزام.م.س.ص: 326.

[5]– محمد بنحساين:م.س.ص:39.

[6]– عبد الحق الصافي: م.س.ص: 418.

[7]– إدريس العلوي العبدلاوي: “شرح القانون المدني النظرية العامة للإلتزام، نظرية العقد”، مطبعة النجاح الجديدة الدار البيضاء، الطبعة الأولى سنة 1996، ص: 456.

[8]– القولتين الأخيرتين وردتا لدى: طيب كهينة وتماقيلت لامية:م.س.ص: 23.

[9]– قرار الغرفة الأولى لمحكمة التمييز اللبنانية، رقم 1، بتاريخ 9 آّذار 1982، ذكره مصطفى العوجي: “القانون المدني: الجزء الأول: العقد” منشورات الحلبي الحقوقية، بيروت لبنان،الطبعة الخامسة، سنة:2011، ص: 404.

[10]– قرار محكمة النقض عدد 175، في الملف المدني عدد 3707\1\5\2013، بتاريخ 01\04\2014، منشور بنشرة قرارات محكمة النقض، الغرفة المدنية، الجزء 15، السلسلة 4، سنة 2014، ص: 162.

[11]– حكم المحكمة الإبتدائية بالرباط، رقم 1728، في الملف رقم 2006\513\1، بتاريخ: 2009\05\28. أورده: الكبير إسماعيني:”مدى ارتباط التعويض الإتفاقي بالنظام العام”. مقال منشور بمجلة نشرة قرارات محكمة النقض:الغرفة المدنية، السلسلة 5.العدد:21، سنة 2015، ص:138.

[12]– وردت القولة لدى: طيب كهينة و لامية تماقيلت،م.س.ص:24.

[13]– وردت القولة لدى عبد الرزاق أيوب.م.س.ص: 57.

[14]– فؤاد محمود معوض: “دور القاضي في تعديل العقدد: دراسة تحليلية وتأصيلية في الفقه الإسلامي والقانون الوضعي”، دار الجامعة الجديدة للنشر، الإسكندرية، طبعة 2004، ص:326.

[15]– أسامة الحموي:م.س.ص:397.

[16]– أمينة مجيدي و سعيدة علواني و لطيفة لمهر:م.س.ص:68.

[17]– راجع عاصم حمودة أسعد شحيبر:م.س.ص: 147 و157 و 171.

[18]– محمد عزمي البكري:”موسوعة الفقه والقضاء في القانون المدني: مصادر الإلتزام” المجلد الثالث، دار محمود للنشر والتوزيع.القاهرة، ع.ذ.س، ص:466.

[19]– أمينة مجيدي و سعيدة علواني و لطيفة لمهر:م.س.ص:69.

[20]– الفصل 3 ق.م.م: “يتعين على القاضي أن يبت في حدود طلبات الأطراف ولا يسوغ له أن يغير تلقائيا موضوع أو سبب هذه الطلبات ويبت دائما طبقا للقوانين المطبقة على النازلة ولو لم يطلب الأطراف ذلك بصفة صريحة”.

[21]– Article 1152: “lorsque la convention porte que selui qui manquera de l’exécuter payera une certaine somme à titre de dommage-intérés; il ne peut étre alloué à l’autre partie une somme plus forte, ni moindre, néanmoins, le juge peut méme d’office, modérer au augmenter la peine qui avait été convenue, si elle est manifistement excessive au dérisoire. Toute stipulation contraire sera réputée non écrite”.

[22]– christine biquet-mathieu, op,cit: 13.

[23]-“Que pour autant l’article 1152 du code civil autorise le juge, méme d’office, à modérer ou augmenter la peine, qu’un l’espéce, la condamnation à payer une somme de 150 par jour depuis le 27 octobre 2009,…”

– cour de cassation, chambre commerciale, N: 14-13451, du mardi 7 juillet 2015.

ورد عند:

إبراهيم البعلي: “الشرط الجزائي بين النص القانوني والعمل القضائي” رسالة لنيل شهادة الماستر، جامعة عبد الملك السعدي، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بتطوان، السنة الجامعية: 2017\2018 ص: 121.

[24]–  “…faisant application du pouvoir modérateur tiré de l’article 1152 du code civil, réduite le montant de l’indemnité éventuellement due à la somme de 500 £…”.

– cour d’appel de paris, g1, audience publique du vendredi 4 mai 2018,n de RG:16/148807.

ورد عند:

إبراهيم البعلي: م.س. ص: 121.

[25]– حكم المحكمة التجارية بالدار البيضاء، رقم:9167، بتاريخ: 2010\09\28، أورده عبد السلام خمال:م.س.ص:100.

[26]– قرالمجلس الأعلى، عدد 489، في  الملف التجاري عدد: 2004\1\33\1314، منشور بمجلة قضاء المجلس الأعلى عدد 68، سنة 2008، ص:114، أشار إليه محمد بفقير:م.س، ص:166.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock