بحوث قانونية

التحكيم التجاري والواقع المغربي

 

mediation

 

التحكيم كوسيلة بديلة لحل النزاعات، ليس آلية حديثة . فأصوله تمتد إلى العصور الغابرة، وكان اللجوء إلى هذه الوسيلة في روما وأثينا يتم بصورة تلقائية وطبيعية.

وظهور الإسلام عزز من اعتماد الصلح والوساطة والتحكيم. والتاريخ الإسلامي غني بالوقائع التي تم فيها اللجوء إلى هذه الوسائل، ومن أمثلة ذلك واقعة التحكيم التي تمت بين علي بن أبي طالب ومعاوية بن أبي سفيان.

وفي المغرب فإن فض النزاعات كان يتم بواسطة حكماء القبائل، وكان ينظر نظرة اقصائية لمن يتخطى القبيلة ويلجأ إلى المحاكم ويتهم بوضع أسرار القبيلة أمام الملأ، والحال أنه يجب معالجتها داخليا حفاظا على وحدة الجماعة.

وهذا المعطى الأولي الذي يطبع الواقع المغربي، ذي الطبيعة السوسيولوجية لا ينبغي تجاهله، ولملامسة وضعية التحكيم بالمغرب في جوانبها المختلفة  لابد من استعراض معطياته القانونية (المبحث الأول ) ثم قياس درجة قبوله، وهو ما سيسمح بعرض جوانبه الأخرى (المبحث الثاني ) .

I  المعطيات القانونية والمؤسساتية للتحكيم بالمغرب :

1) المعطيات القانونية :

تجدر الإشارة بداية أن القانون القضائي الخاص المغربي يعطي منذ القدم، موقعا لا يستهان به، للتحكيم وبدأ ذلك منذ ظهير 12 غشت 1913 المتعلق بقانون المسطرة المدنية، وكذلك الأمر بالنسبة لقانون المسطرة المدنية الصادر بتاريخ 28 شتنبر 1974.

ويعتبر التحكيم حاليا منظما بمقتضى الفصول 306 وما يليه من قانون 1974 ويمكن بهذا الخصوص إبداء الملاحظات التالية :

1)                      الملاحظة الأولى تكمن في التساؤل حول حدود تطبيق هذه المقتضيات : هل تطبق على التحكيم الداخلي أم تشمل أيضا التحكيم الدولي ؟ .

وقانون المسطرة المدنية المغربي، خلافا لقانون المسطرة المدنية الفرنسي الجديد، وقوانين العديد من الدول العربية، لا يميز  بين المقتضيات الخاصة بالتحكيم الداخلي وتلك المتعلقة بالتحكيم الدولي. وهذه الثغرة تم تداركها من خلال مشروع القانون المغربي للتحكيم. ويجب التذكير بهذا الخصوص أن المغرب منضم لاتفاقية نيويورك المؤرخة في 10/6/1958 المتعلقة بالاعتراف وتنفيذ القرارات التحكيمية الأجنبية.

2)                      الفصل 306 من قانون المسطرة المدنية، يقصي من التحكيم الأموال الخاضعة لنظام القانون العام. ويبدو أن هذه القاعدة لا تنسحب إلا على القانون الداخلي حسبما يستفاد من الاجتهاد القضائي المغربي بخصوص النزاعات القائمة بين مؤسسات القانون العام والمتعاقدين معها في إطار التجارة الدولية.

3)                      نفس الفصل يقضي أيضا النزاعات المتعلقة بالقانون الضريبي، نظرا للطابع العام لهذا القانون.

4)                      وبالنسبة لا ستبعاد النزاعات المتعلقة ببطلان وحل الشركاات، فإن ذلك لا يحول دون قبول التحكيم بالنسبة للنزاعات المتعلقة بدعاوي المسؤولية التي يقيمها الشركاء في مواجهة المدراء والمسيرين، أو بدعاوي إبطال مداولات جمعية عمومية، وبشكل عام، الدعاوى بين الشركاء .

5)                      فيما يتعلق بالتحكيم في المجال المدني، فإن قانون المسطرة المدنية المغربي لا يتضمن قواعد عامة بهذا الخصوص، ولكنه يقصي من التحكيم المسائل التي لها اتصال ب :

والجدير بالملاحظة أن المشرع منذ 19 يناير 1946، أخضع نزاعات الشغل الجماعية لمسطرة الصلح والتحكيم، وأن الفصول من 557 إلى 558 من قانون الشغل الجديد الصادر بتاريخ 11/9/2003، استعادت مقتضيات قانون 1946 إما تعديلا أو تكملة .

والتنصيص على التحكيم ورد أيضا في القانون رقم 95.53 الصادر بتاريخ 12/2/1997 المتعلق بأحداث المحاكم التجارية.

2) المعطيات المؤسساتية :  

عضوية المغرب في " السيردي " –  -CIRDI (الاتفاق المتعلق بحل النزاعات الخاصة بالاستثمارات بين الدول ورعايا الدول الأخرى المؤرخ في 18 مارس 1965 ) ، يعبر عن تفتحه على العالم وانخراطه في استعمال الأدوات الدولية في التحكيم ولم يتخلف عن اختيار محكميه والاستجابة لمتطلبات التجارة الدولية. وأول نزاع  كان المغرب طرفا فيه وتم عرضه على CIRDI هو الذي قام بينه وبين شركات (Occidental petroleum et holiday  ) كما أن المنزاعات التي كانت بعض المؤسسات العمومية طرفا فيها ( المكتب الشريف للفسفاط – المكتب الوطني للكهرباء وغيرهما ) تم حلها بواسطة مؤسسات دولية للتحكيم .

وعلى المستوى الوطني يجب الإشادة بوجود محكمة التحكيم للغرفة التجارية بالدارالبيضاء – المغرب، التي يوجد مقرها بالدارالبيضاء.

ويوجد داخل الاتحاد العام لمقاولات المغرب هيئة للتوفيق والوساطة . كما تم خلق حديثا هيئات تحكيمية داخل الغرف التجارية والصناعية والخدمات.

وبعد هذه الإطلالة القصيرة، يتعين تقييم الإقبال على هذه المؤسسات وقياس درجة اعتماد التحكيم بالمغرب.

IIالإقبال على التحكيم :

إن التحكيم يعتبر متجذرا في المغرب وليس وليد الحماية الفرنسية. واعتبارا لذلك لا يمكن إلا انتظار نجاح هذه الوسيلة.

1)     رصد الواقع : 

على مستوى التجارة الدولية فإنها قليلة هي العقود التي لا تتضمن شرطا تحكيميا والفاعلون الاقتصاديون المغاربة، بما في ذلك الفاعلون في مجال القانون العام غير مستثنون من ذلك في حالة إبرامهم عقودا من هذا النوع.

وعلى مستوى الوطني فإن الإقبال على التحكيم يتم بشكل محتشم ويرجع ذلك إلى عدة أسباب .

من جملة هذه الأسباب ارتفاع تكاليف التحكيم، إضافة إلى التشكيك في القوة الإلزامية للقرار التحكيمي . ذلك أن الفاعلين الاقتصاديين يعانون من مشاكل واقعية في مواجهة الإدارة الضريبية، التي تنكر للقرار التحكيمي قيمة الحكم القضائي. وتتعلق هذه الحالة بالقرارات التحكيمية الصادرة في مجال الطرد التعسفي . ذلك أن الفصل 66 من قانون الضريبة العامة على الدخل يعفي التعويضات عن الأضرار المحكوم بها بمقتضى حكم قضائي، وهذا لا يمكن أن تعترض عليه إدارة الضرائب.

ولكن نظرا لطول مسطرة التقاضي، أصبح اللجوء إلى التحكيم أكثر تداولا، وصدرت في السنوات الأخيرة آلاف القرارات التحكيمية بمنح التعويض عن الأضرار الذي كانت المحكمة ستقضي به لو عرض عليها النزاع.

وهذه القرارات التحكيمية تصبح ذات قوة تنفيذية، بمقتضى الأمر الصادر عن رئيس المحكمة الابتدائية طبقا للمادة 320 من القانون المدني غير أن إدارة الضرائب تعتبر هذه القرارات غير ذات قيمة الحكم القضائي، وبالتالي فإن التعويضات الواردة بها لا يمكن أن تستفيد من الإعفاء المقرر بمقتضى المادة 66 المذكورة.

لماذا يجب التضحية باللجوء إلى التحكيم بسبب موقف غير مبرر لإدارة الضرائب؟ 

2) ما هي الحلول :

الحل هو تحسيس جميع الأطراف المعنية بفعالية التحكيم. ولكن هذا لوحده غير كاف، بل لا بد من التأكيد على أن القرار التحكيمي الصادر بشكل سليم يوازي قيمة الحكم القضائي، وإقناع المعارضين بالقوة التي يكتسبها . وبهذا يمكن أن نأمل في تطور اللجوء إلى التحكيم، الذي يعتبر الآن معرقلا من طرف إدارة الضرائب بسبب عدم إعطائها للقرارات الصادرة في إطاره ما تستحقه من آثار.

والحال أن القرار التحكيمي يتمتع بنفس مزايا الحكم، وأنه بمجرد تذييله بالصيغة التنفيذية يمكن أن يكون موضوع تنفيذ جبري. كما ننسى بأنه بمجرد صدوره يكتسي قوة الشيء المقضي به بخصوص المسألة التي بت فيها .

والمشرع الفرنسي وضع هذا المبدأ بمقتضى المادة 1476 من قانون المسطرة المدنية الجديد ( المادة 5 من المرسوم رقم 81-500 بتاريخ 12 ماي 1981 ).

والجذير بالملاحظة أن القرار التحكيمي، كما هو الشأن بالنسبة للحكم القضائي، لا يكتسي أية قوة احتجاجية تجاه الغير (المادة 325 من قانون المسطرة المدنية ) ، ولكنه، كما هو الحال بالنسبة للحكم القضائي يمكن أن يكون موضوع تعرض الغير الخارج عن الخصومة ( المادة 325 المذكورة ) .

وننسى أيضا بأن المحكم، كما هو الأمر بالنسبة للقاضي الرسمي، يجب أن يكون مستقلا ومحايدا. وتجريمه منظم طبقا لنفس الأسباب التي تسمح بتجريح القاضي . كما أن القواعد التي تلزم هذا الأخير من :

احترام مبدأ الحضورية، واحترام الشروط الشكلية الضرورية لصحة القرار، وغيرها، تلزم المحكمة أيضا فكيف إذن لا يمكن القول بالتماثل بين المحكم والقاضي ؟ .

وأخذا بعين الاعتبار لحقيقة هذا التماثل لا يمكن إلا اختيار اللجوء إلى التحكيم .

وان جلالة الملك محمد السادس، في الرسالة الموجهة إلى الوزير الأول، المؤرخة في 9 يناير 2002، أكد على ضرورة استمرار المجهودات لعصرنة القضاء، كما شجع على اللجوء إلى التحكيم كوسيلة بديلة لحل النزاع .

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock