في الواجهةمقالات قانونيةوجهات النظر

التصريح بالإشتباه الجانب الخفي لمحاربة ظاهرة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب

التصريح بالإشتباه الجانب الخفي لمحاربة ظاهرة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب

بقلم سعد مكو

“باحث في السنة الثانية ماستر قانون الأعمال بجامعة عبد المالك السعدي”

تقديم

تعتبر ظاهرة تبييض الأموال إحدى الظواهر المقلقة للعالم في الآونة الأخيرة1 والتي استأثرت بالإهتمام الدولي والوطني على حد سواء، حيث أن خطورتـها أضحت تؤثر على توازنات البلدان الإقتصادية والإجتماعية والسياسية وتـهدد المالية وغير المالية بكل أنواع الإختلال2.

والمغرب ورغم الثورة التشريعية التي يعرفها لتحديث منظومته القانونية كان وإلى وقت  قريب لا يتوفر على نص خاص يجرم غسيل الأموال، وهو الذي يصنف في تقرير المجلة الإلكترونية، التي تصدرها وزارة الخارجية الأمريكية ضمن البلدان الموضوعة تحت المراقبة الدولية، فيما يخص عمليات غسل الأموال  إلى جانب : “ايران – أفغانستان  الجزائر – قطر – الكويت – السعودية – السنغال – الكامرون –  مدغشقر-  البوسنة والهرسك…” .

وقد يقال  أمام هذا الفراغ التشريعي، بأن التشريع المغربي في غنى عن تجريم خاص لأفعال غسل الأموال لكونه يتضمن ما يسعفه في ملاحقة هذه الظاهرة3.

وفي هذا الإطار تمت الموافقة، على قانون مكافحة غسل الأموال بالمغرب صدر في 17 أبريل 2007،4 هذا القانون الذي جاء متضمنا بين طياته أربعة أبواب  خصص الأول منها لأحكام زجرية تتعلق بتعريف الجريمة وعقوباتـها، محيلة بذلك على الفصول 1-574- 2- 3-574- 4-574- 5-574،  من مجموعة القانون الجنائي5، فيما تم تخصيص الباب الثاني للوقاية من غسل الأموال أما الباب الثالث، فقد تناول أحكام خاصة بالجرائم الإرهابية والباب الأخير الذي  تطرق لأحكام ختامية6 ، كما أنه بالموازاة مع دلك ثم إحداث هيئة خاصة مكلفة بالتلقي التصريح بالإشتباه في إطار الوقاية ومحاربة جرائم تبييض الأموال.

إذا بعد هذه التوطئة يمكن طرح الإشكال الجوهري التالي هل مسطرة التصريح بالإشتباه تعتبر مسطرة ناجحة وفعالة في محاربة جرائم غسل الأموال القذرة ؟.

هذه الإشكالية الجوهرية تتفرع عنها مجموعة من التساؤلات الفرعية :

  • ماهي الجهات المكلفة بتقديم التصريح بالإشتباه ؟
  • من هي المؤسسة المنوط بها تلقي هذا التصريح ؟ وتحت إشراف من تتم هذه المسطرة ؟
  • وماذا عن السرية المصرفية في إطار هذه المسطرة ؟

وعليه إرتأيت تماشيا مع الإشكاليات أعلاه تقسيم هدا الموضوع إلى مبحثين ، (المبحث الأول) الأشخاص و المؤسسات المكلفة بتقديم الإشتباه والجهات المنوط بها تلقيه ، (المبحث الثاني) السلطة القضائية المشرفة على العملية وإشكالية السر المهني البنكي .

  المبحث الأول  :الأشخاص و المؤسسات المكلفة بتقديم الإشتباه والجهات المنوط بها تلقيه

تتعدد وتتنوع الجهات المكلفة بتقديم التصريح بالإشتباه وذلك رغبة من المشرع المغربي في إشراك كل الفاعلين في مجال المال والأعمال كما أن المشرع مدد إلزامية التصريح إلى العديد من المؤسسات التي  تعد مرتعا وحقلا خصبا لغسل هذه الأموال القذرة هذه المؤسسات والأشخاص ملزمون بالتصريح إلى مؤسسة خاصة متنوعة في تشكيلتها وتكوينها دلك ما سنحاول التطرق له في مطلبين :

المطلب الأول : الجهات المكلفة بتقديم الإشتباه

بالعودة لمقتضيات المادة 2 من قانون 05-43 المتعلق بمكافحة غسيل  وتمويل الإرهاب ، نجدها تنص على أنه : تطبق أحكام هذا الباب على الأشخاص الذاتيين وعلى الأشخاص المعنويين الخاضعين للقانون العام أو الخاص باستثناء الدولة الذين ينجزون أثناء قيامهم بمهامهم أو مهنتهم عمليات تترتب عنها تحركات الأموال، أو يقومون بمراقبتها أو تتم إستشارتـهم بخصوصها ويكون  من شأنـها أن تكون الجرائم  المنصوص عليها وعلى عقوبتها في الفرع السادس مكرر من الباب التاسع من القسم الأول من الكتاب الثالث من مجموعة القانون الجنائي، وعلى هذا الأساس يعتبر على الخصوص الأشخاص التالي بيانـهم  أشخاصا خاضعين لهذا القانون :

  • مؤسسات الائتمان .
  • الأبناك والشركات القابضة الحرة .
  • الشركات المالية .
  • مقاولات التأمين وإعادة التأمين
  • مراقبو الحسابات والمحاسبون الخارجيون والمستشارون في المجال الضريبي .
  • الأشخاص المنتمون لمهنة قانونية مستقلة، عندما يشاركون باسم زبونـهم ولحسابه في معاملة مالية أو عقارية، أو عندما يقومون بمساعدته في إعداد أو تنفيذ العملية المتعلقة بما يلي :
  • شراء وبيع عقارات او مقاولات تجارية.

ب – تدبير الأموال أو السندات  أو الأصول الأخرى التي يملكها الزبون.

ج- فتح أو تدبير الحسابات البنكية أو المدخرات أو السندات.

د- تنظيم الحصص ألازمة لتكوين الشركات أو تسييرها أو إدارتـها.

هــ- تأسيس شركات إئتمانية أو شركات أو بنيات مماثلة أو تسييرها أو إدارتـها .

  • الأشخاص الذين يستغلون أو ييسرون كازينوهات أو مؤسسات ألعاب الحظ “. بقراءة  متفحصة لهذه المادة ، يتضح وبدون شك أن المشرع وسع من دائرة الأشخاص ، والمؤسسات التي قد تكون، مرتعا ومجالا خصبا لتنظيف الأموال القذرة – وذلك مراعاة منه لسياسة التجريم الإستباقي الوقائي، وفي هذا الإطار ألزم كل من المحامين والموثقين – ومؤسسات الإئتمان والهيئات المعتبرة في حكمها ومراقبوا الحسابات ، وكذلك  أصحاب الكازينوهات. إلى أن الإشكال الذي يطرح في هذا الإطار، هل مسطرة التصريح تقدم كلما كان مبلغ العمليات المذكورة مرتفعا جداً، بشكل يثير نوعا من الشك والريبة حول مصدرها، أم أن هناك مبلغ محدد من طرف السلطات المختصة كلما ثم تجاوزه إلا وينبغي مباشرة المسطرة ؟ .

كجواب على الإشكال المطروح، وبالعودة لقانون 43.05 المتعلق بمكافحة غسل الأموال، وبناء على المرسوم رقم 572-08-2 المؤرخ في 25  ذي الحجة 1429، (24 دجنبر 2008)، الذي ثم بموجبه  إحداث وحدة معالجة المعلومات  المالية  ولا سيما المادة 2 منه  وتطبيقا لمقتضيات المواد 5 و8 و15 من القانون43-05، عقدت وحدة معالجة المعلومات المالية ، إجتماعا بتاريخ 17 شتنبر 2009 لتحديد  المبالغ الدنيا للعمليات المرتبطة بواجبات اليقظة فقررت  مايلي :

  • مبلغ العمليات المنجزة من طرف زبناء عرضيين : تطبق إلتزامات اليقظة، الواردة في المادة 5 من القانون 05 والمتعلقة بتحديد هوية الزبناء والمستفيدين و بمصدر الأموال، كيفما كان مبلغ العمليات المعنية.

وتنفيذاً لنفس المادة يحدد في 50.000 درهم المبلغ الأدنى للمعدات التي تستوجب تأكد الأشخاص، المؤهلين لفتح حساب من هوية زبنائهم العرضيين.

2- عمليات غير  إعتيادية أو معقدة : تطبيقا لمقتضيات المادة 8 من القانون 43.05 يتعين على الشخص الخاضع أن يقوم بفحص خاص لكل عملية تحيط بـها ظروف غير إعتيادية ، أو معقدة أو لا يبدو أن لها مبررا إقتصاديا أو موضوع مشروع ظاهر، حتى وإن كانت لا تدخل في نطاق مقتضيات التصريح بالإشتباه .

هذه العمليات قد تتضمن واحدا أو أكثر من المؤشرات الواردة ضمن القائمة غير الحصرية التالية:

  • عدم الإنسجام مع حجم وطبيعة النشاط أو مع العمليات السابقة.
  • تجزيء، عملية بدون تبرير.
  • اللجوء إلى الشركاء المخصصة “société d-hoc” والشركات الإستعراضية ” société écron ” .
  • عمليات بنكية وتجارية شديدة التعقيد.
  • إستعمال الملاذات الضريبية ومناطق الأفشور.
  • إستعمال غير عادي ، وبدون مبرر للنقود أو لوسائل أداء مشابـهة.
  • تحدد القيمة الفردية أو الإجمالية ، الدنيا لهذه المبالغ في 000 درهم7 .

والجدير بالإشارة على أنه يجب توجيه تصريح بالاشتباه إلى الوحدة كيفما كان مبلغ العملية المعنية ، عندما يقود تحليل الوقائع  إكتشاف أن تلك  الأموال  مستعملة من أجل  غسلها أو لتمويل الإرهاب.

بعد أن رأينا في المطلب الأول الجهات المكلفة بالتصريح بالإشتباه يحق لنا أن نتساءل عن المؤسسة المكلفة بتلقيه وخصوصية تكوينها ؟

المطلب الثاني :  المؤسسة المكلفة بتلقي التصريح

تنص المادة 14 من القانون المتعلق بمكافحة غسيل الأموال على أنه تحدث بنص تنظيمي لدى الوزارة الأولى وحدة لمعالجة المعلومات المالية تسمى في هذا القانون “الوحدة”8.

وبموجب المادة يعهد إلى الوحدة بالمهام التالية :

  • جمع ومعالجة المعلومات المرتبطة بغسل الأموال وإتخاذ القرار بشأن مآل القضايا المعروضة عليها .
  • تكوين قاعدة للمعطيات المتعلقة بعمليات غسل الأموال .
  • الأمر بجميع الأبحاث والتحريات التي تقوم بـها مصالح البحث والتحري المشار إليها في المادة 22 ادناه ، والتي تساهم في ممارسة المهمة المنوطة بالوحدة والتنسيق بين وسائل عمل تلك المصالح .
  • التعاون والمشاركة مع المصالح والهيئات الأخرى المعنية في دراسة القضايا والتدابير، التي يمكن إتخاذها لمكافحة غسل الأموال.
  • التمثيل المشترك للمصالح والهيئات الوطنية المعنية بمكافحة غسل الأموال.
  • إقتراح أي إصلاح تشريعي أو تنظيمي أو إداري ضروري في مجال غسل الأموال على الحكومة.
  • إبداء رأيها للحكومة حول مضمون التدابير المتعلقة بتطبيق أحكام هذا الباب.

كما تحدد الوحدة مبالغ العمليات ، وكذا الشروط الخاصة بالعمليات المذكورة، التي  تستلزم تطبيق أحكام هذا القانون.

تقوم الوحدة بإعداد تقرير سنوي عن أنشطتها وتقدمه إلى الوزيرالأول، والجدير بالإشارة إلى أن الوحدة تتكون من رئيسها الذي يعين من طرف الوزير الأول9، بناء على إقتراح وزير العدل ووزير الداخلية والوزير المكلف بالمالية ، وذلك لمدة أربع سنوات قابلة للتجديد مرة واحدة.

وتظم الوحدة علاوة على الرئيس الأعضاء التالي بيانـهم :

  • ممثلين إثنين للوزير المكلفة بالمالية .
  • ممثلين إثنين لوزارة العدل.
  • ممثلين إثنين لوزارة الداخلية.
  • ممثلين إثنين لبنك المغرب.
  • ممثلا للإدارة العامة الأمن الوطني .
  • ممثلا لقيادة الدرك الملكي .
  • ممثلا لإدارة الجمارك والضرائب غير المباشرة
  • ممثلا لمجلس القيم المنقولة10.
  • ممثلا لمكتب الصرف.
  • تسند أمانة الوحدة إلى الكاتب العام للوحدة وفي حالة تعذر أو غياب الرئيس يباشر الكاتب العام  رئاسة الوحدة11.

إن الملاحظ من خلال تركيبة وحدة معالجة المعلومات المالية أن المشرع المغربي نوع من التشكيلة المكونة  لها وتلك  حسنة تسجل للمشرع المغربي حول  من  خلالها الرفع من جودة عمل الوحدة وذلك بتفعيل مقاربة تشاركية  مندمجة وشاملة عن طريق الجمع بين السلطات الأمنية والأجهزة المالية في الدولة من أجل هدف واحد ألا وهو الحد من  ظاهرة  تبييض الأموال.

وبالعودة للتشريع المقارن، وخصوصا التشريع الفرنسي نجده ينظم ضمن قانونه مؤسسة مماثلة لوحدة معالجة المعلومات المالية هذه المؤسسة تسمى TRACFIN، تابعة لوزارة المالية والإقتصاد والتي تهدف إلى محاربة غسيل الأموال وتمويل الارهاب وتعنى كذلك بتلقي التصريحات بالإشتباه للأشخاص الخاضعين لها أسست هذه المؤسسة بموجب القانون المؤرخ في 12 يوليوز 1990 المتعلق  بمساهمة الأجهزة المالية في محاربة غسيل الأموال المتأتية من الإتجار في المخدرات، وهي إختصار لما يطلح عليه باللغة الفرنسية :

« traitement du renseignement et action contre les circuits financiers clandestines »

وقد أجمع القانون المنظم لها في مدونة النـقد والمالية، فأصبحت تخضع لأحكام المادتين 1-563L و 2-562L – من هذه المدونة  وتتلقى هذه الهيئة تقارير من البنوك والمؤسسات المالية حول العمليات المشبوهة12.

إذا فما هو دور الوحدة عند تلقيها لتصريح  بالإشتباه؟

ذلك ما سنحاول الإجابة عليه بالتفصيل في المبحث الثاني .

المبحث الثاني:  السلطة القضائية المشرفة على العملية وإشكالية السر المهني البنكي

المشرع المغربي خروجا عن قواعد الإختصاص في المادة الزجرية نجده أسند الإختصاص في جرائم غسيل الأموال إلى جهة قضائية إستثنائية تختص وحدها في هدا النوع من الإجرام المالي سواء أكانت جنحا أو جنايات كما قد تتار أثناء نظر الدعوة أمام المحكمة الزجرية عن كيفية وصول مثل هده المعلومات إلى أيدي العدالة الجنائية. لكل هدا سأتطرق بالتفصيل إلى الإختصاص القضائي في جرائم غسيل الأموال في (مطلب أول) وفي (مطلب ثاني) سأتناول إشكالية السر المهني البنكي.

المطلب الأول:  الإختصاص القضائي

بمجرد أن تتوصل الوحدة بمعلومات تبرز وجود أفعال من شأنـها أن  تكون جريمة غسل الأموال ، تحيل الأمر على وكيل الملك لدى المحكمة الابتدائية بالرباط مبينة إذا اقتضى الحال ذلك مصالح البحث أو التحري أو مصالح الإشراف والمراقبة التي تم إبلاغ عنها من أجل القيام  بالتصريحات ،يبلغ وكيل الملك الوحدة بالقرارات النهائية  الصادرة في القضايا التي  أحيلت عليه،13 يجب التنصيص في هذا الإطار أن المشرع المغربي خص الوكيل العام الملك بإستئنافية الرباط أو وكيل الملك لدى المحكمة الإبتدائية بالنظر في الجنح والجنايات المتعلقة بمكافحة غسيل الأموال كإختصاص أصيل لمحاكم الرباط الابتدائية والاستئنافية، حيث ثم تعديل الفصل 6 من ظهير التنظيم القضائي لسنة 1974، بالقانون 34-1410، لسنة 17 غشت2011،  أفضى إلى تخصيص محاكم إستئناف كل من الرباط والدار البيضاء، وفاس ومراكش بأقسام متخصصة في  نظر الجرائم المالية، التي تشمل الأقسام على غرف للتحقيق ، وغرف للجنايات، وغرف الجنايات الإستئنافية ونيابة عامة  تتكون من وكيل عام ونائب أو عدة نواب، وكتابة للنيابة العامة 15.

وبالعودة لمقتضيات المادة 19 من قانون 43.05، نجد على أنه يجوز لوكيل الملك خلال مرحلة البحث ولمدة لا يمكن أن تتجاوز شهرا واحدا قابلة للتمديد مرة واحدة، أن يأمر بما يلي :

  • التجميد بالمنع المؤقت لتحويل أو استبدال الممتلكات او التصرف فيها أو تحريكها
  • تعيين مؤسسة أو هيئة خاصة بهدف القيام مؤقتا بدراسة أو مراقبة الممتلكات ، كما يمكن لقاضي التحقيق ، تعيين مؤسسة أو هيئة خاصة بهدف القيام مؤقتا بحراسة أو مراقبة الممتلكات.
  • يمكن كذلك لوكيل الملك أو قاضي التحقيق أن يأمر بحجز ممتلكات الأشخاص  الطبعيين أو الأشخاص المعنوية المشتبة في تورطهم مع أشخاص أو منظمات أو أنشطة لها علاقة بجرائم غسل الأموال حتى في حالة عدم إرتكابـها داخل تراب المملكة.

إذن يتبدى جليا ، من خلال المادة السالفة الذكر، أن المشرع خول للسلطة  القضائية المختصة صلاحية واسعة لتجميد وحجز الأموال والممتلكات المشبوه في كونـها متحصلة  من أنشطة قذرة، ضمانا لنجاعة المسطرة ، كما أن المشرع المغربي ضمانا لحقوق الشخص المتابع ، حدد مدة معنية لإجراء هذا التدبير وهي شهر واحد، قابل للتمديد لنفس المدة.

بعد تطرقنا للسلطة القضائية المشرفة على العملية أي مسطرة التصريح بالإشتباه. مادا عن السر المهني البنكي وبسؤال أوضح هل يتابع البنكي بالمقتضيات الجنائية التي تعاقب على إفشاء السر المهني ؟.

المطلب الثاني : السر المهني البنكي

إن المهنة البنكية تحتم على عاتق البنكي والمؤسسة البنكية على السواء، واجب تعاقدي ألا وهو عدم التدخل في شؤون الزبناء واحترام السرية المصرفية16.

وتتمير السرية المصرفية في القانون المغربي بوجود مقتضيات تشريعية صريحة تنظم أحكامها وتعاقب على مخالفتها، وذلك منذ  الإصلاح التشريعي للقطاع البنكي المغربي  بعد دخول المملكة معركة الإصلاحات الإقتصادية في بداية عقد التسعينات من القرن الماضي وذلك بموجب قانون 06 يوليوز 1993،  المتعلق بنشاط مؤسسات الإئتمان ومراقبتها17 وكذا القانون رقم 34-03 بتاريخ 14 فبراير 2006 المتعلق بمؤسسات الإئتمان  والهيئات  المعتبرة في حكمها18، وآخرها القانون الحالي 12-103 بتاريخ 24  ديسمبر 2014 19.

وبذلك كرس المشرع الوطني العرف الذي كان يجري به العمل في البنوك العادية المتمثل في واجب الكتمان،  متبعا ما تم إقراره في المصدر التاريخي لقوانيننا الوطنية المنظمة للقطاع البنكي أي في التشريع الفرنسي الذي عاقب صراحة على خرق السر المهني للبنوك بموجب قانون 24 يناير 1984 المتعلق بنشاط ومراقبة مؤسسات  الائتمان في المادة 2057، فما هي النصوص القانونية المنظمة للسرية المصرفية في التشريع المغربي؟  وما هو الإتجاه الذي سلكه مشرعنا عند إقراره للكتمان كواجب ملقى على عاتق البنوك؟.

” إن المادة 79 من القانون المتعلق بمؤسسات الإئتمان والهيئات المعتبرة في حكمها ، التي تلزم جميع الأشخاص الذين يشاركون بأي وجه من الوجوه في إدارة مؤسسات إئتمان أو تسييرها أو تدبيرها أو يكونون  مستخدمين لديها وأعضاء المجلس الوطني للإئتمان والإدخار ولجنة مؤسسة الإئتمان واللجنة التأديبية  لمؤسسات الإئتمان ولجنة التنسيق بين أجهزة الرقابة بالقطاع المالي  والأشخاص المكلفون ولو بصفة إستثنائية بأعمال تتعلق بمراقبة المؤسسات الخاضعة لرقابة بنك  المغرب عملا بـهذا القانون وبوجه عام كل شخص يدعي بأي وجه من الوجوه الإطلاع على المعلومات المتعلقة بالمؤسسات المذكورة او لإستغلالها وذلك فيما يتعلق بجميع القضايا التي ينظرون فيها بأي صفة كانت كل هؤلاء الأشخاص يلزمون بكتمان السر المهني البنكي تحت طائلة المسؤولية .

إن الملاحظ أن هذا الإلتزام التشريعي لا يقتصر مداه على ما ورد في المادة  الآنفة وإنما يتعداه لمقتضيات قانونية  أخرى ومن ذلك ما نصت عليه المادة 83 من نفس القانون ” تخضع المعلومات والوثائق المتبادلة بين بنك المغرب ومراقب الحسابات لقاعدة كتمان السر المهني”  وكذلك ما أورده الفصل 49 من القانون الأساسي لبنك المغرب الذي يلزم بالحفاظ على السر المهني جميع الأشخاص الذين يشاركون بأي صفة كانت في تسيير البنك وإدارته ومراقبته وتحقيق حساباته وتدبيره21.

وبـهذا يتضح الإمتداد الكبير الذي يخوله القانون الوطني لحماية معلومات المتعاملين مع المصارف، وذلك بفرض السرية على مختلف البيانات  والمعطيات الواردة  والمودعة بالبنوك، كيفما كان  مضمونـها وقيمتها كما أن الإلتزام بالسر المصرفي يقع على عاتق كل من يطلع على المعلومات البنكية، سواء كان يعمل داخل البنك أو خارجه وسواء كانت المهام المكلف بـها تدخل في أعمال الإدارة والتسيير أو في الرقابة  والتفتيش وسواء كان ينتمي لهيئة وطنية أو دولية22.

إن ما يعاب على المشرع المغربي في تنظيمه للسرية المصرفية غياب التدقيق والتمسك بالعمومية ، فالمشرع المغربي لم يحدد النطاق الزمني والمكاني لواجب السرية، ولم يحدد الحالات التي يجوز الخروج عليها إلا بنص يتيم وهي المادة 80 من قانون 103-12 التي تنص زيادة على الحالات المنصوص عليها في القانون لا يجوز الاحتجاج بالسر المهني على بنك المغرب والسلطة القضائية  العاملة في إطار مسطرة جنائية “.

يلاحظ من خلال هذا النص  أن المشرع المغربي وضع عبارات عامة ودقيقة  جمع فيها عدة حالات ومن بين هذه الحالات نذكر التصريح بالإشتباه كما أسلفت الذكر، وعليه فلا يمكن مواجهة  البنك  بمقتضيات الفصل 446 من القانون الجنائي، وذلك بـهدف نجاعة هذه المسطرة وللوصول إلى الغاية من وجودها ألا وهي  محاربة الأموال الغير النظيفة أو التي تنم عن وساختها وعدم مشروعيتها كما أن المشرع الفرنسي أورد مجموعة من الإسثـتناءات منها ما هو مقرر لهيئات  المراقبة والإشراف على نشاط مؤسسات الإئتمان كبنك فرنسا، وهيئة مؤسسات  الائتمان ومنها ما هو مقرر لدعم محاربة الجريمة  وتعزيز الأدلة أمام القاضي الجنائي، فلا يحتج على البنكي بالسر المهني أمام القضاء في المادة الجنائية ولا على الهيئات المؤسسة بموجب قانون محاربة غسيل الأموال والمعروفة ب : TRAC FIN . كما وهنالك إستثناءات مقررة لبعض الإدارات العامة في إطار مزاولتها لنشاطها كإدارة الضرائب والجمارك والإدارة المشرفة على السوق المالي (البورصة). ورغم تعدد الإستثناءات المفروضة على واجب الكتمان، فإن السر المهني في فرنسا يبقى مهما بالنظر لشموله لمختلف المعلومات التي تصل إلى علم  المصرفي أثناء مزاولته  لمهام وذلك سواء تلقاها بصفة مباشرة من الزبون أو علمها بشكل غير مباشر بمناسبة قيامه بنشاطه.

وبإجراء مقارنة بسيطة بين كل من التشريع المغربي والفرنسي نجد أن المشرع المغربي قد نحى نفس إتجاه المشرع الفرنسي فيما يخص إقراره للسرية المصرفية والاستثناءات الواردة عليها.

كما أنه بالعودة لمقتضيات قانون 05-43 23. المتعلق بمكافحة غسيل الأموال، بمقتضى المادة 25 التي تنص على أنه : لا يجوز فيما يتعلق بالمبالغ أو العمليات  التي كانت  محل التصريح بالاشتباه المشار إليه في المادة 9 من هذا الباب أن تجري أية متابعة على أساس الفصل 446 من مجموعة القانون الجنائي، أو على أساس أحكام خاصة  تتعلق بمقتضيات السر المهني ضد الشخص الخاضع أو مسيريه أو أعوانه الذين قاموا بالتصريح المذكور عن حسن  نية ،كما أن المادة 25 من نفس  القانون نصت على أنه لا يمكن متابعتهم على أساس الوشاية الكاذبة إذا كانوا قد قدموا التصريح عن حسن نية، كما لا تتم متابعتهم حتى ولو صدر في شأن هذه الأفعال مقرر بعدم المتابعة أو البراءة .

ومن الجدير بالإشارة في هذا الإطار أن المشرع أقر هذه المقتضيات الحمائية القانونية للمؤسسات المصرفية  والأشخاص الملزمون بالتصريح إلى وحدة معالجة المعلومات المالية، مسايرة منه للإتفاقيات الدولية والتي لعل أبرزها ” إتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد” 24.

تأسيسا على ما سبق يمكن القول على أن مسطرة التصريح بالإشتباه تعتبر آلية فعالة لمحاربة الأموال الغير النظيفة والتي تكون متأتية من أنشطة إجرامية سواء أكانت أصلية أو تبعية والتي تنم عن خطورتها الفتاكة بإقتصاد الدولة وبسمعتها داخل المنتظم الدولي كما أن التصريح بالإشتباه يلعب دورا وقائيا لمنع إدخال الأموال السائلة إلى المنظومة البنكية المغربية ضمانا لنظافة القطاع البنكي المغربي وتحفيزا للمستثمر الأجنبي إذا يمكن القول على أن التصريح بالإشتباه مظهر من مظاهر الأمن القانوني.

 

 

 

 

 

 

 

الهوامش

 

1- منيعي حسين البستي، “جريمة تبييض الاموال” ، مذكرة التخرج للحصول على إجازة المعهد الوطني للقضاء الجزائرسنة 2011/2012، ص:4

2- حسن ادريبلة، ” الركن المادي لجريمة غسل الأموال”، مجلة الشرطة العدد 8، سنة 2015 ص : 46.

3- عبد الله الكرجي، ” غسل الأموال في القانون المغربي والمقارن “( دراسة نموذجية للقطاع البنكي المغربي)، الطبعة الأولى- طوب بريس الرباط 2010- ص: 121

4- ظهير شريف رقم 79-07-1 صادر في 28 من ربيع الاول 1428- 17 ابريل 2007، بتنفيذ القانون 05/43 المتعلق بمكافحة  غسل الأموال نشر بالجريدة الرسمية عدد 5522 بتاريخ 03/05/2007.

5 – ظهير  شريف رقم 413-5-1 صادر في 28 جمادى الثانية 1382-26 نونبر 1962 بالمصادقة على مجموعة القانون الجنائي .

6 – OUZZANI CHAHBI LOUBNA : «  COURS DE DROIT PENAL DES AFFAIRES »UNIVERSSITE MOHAMMED 5 . FSJES SOUISSI RABAT. ANNEE UNIVERSITAIRE ; 2014/2015 p :6

 

7-مقال منشور على الموقع الاليكتروني : http : //WWW.UTRF.GOV.MA/imolex. PHP ? O PTION= cam_conthnt 8 view = article 8id = 1528Itemid = 89488panu =on .

8 – المرسوم رقم 572-08-2 الصادر في 24-12-2008  المحدث لوحدة معالجة المعلومات المالية-( نشر بالجريدة الرسمية عدد5698 بتاريخ 18-01-2009).

9-ثم تغيير تسمية الوزير الأول، إلى رئيس الحكومة، بمقتضى دستور المملكة لسنة 2011.

10-مجلس القيم المنقولة ، ثم تغييره، بالهيئة المغربية لسوق الرساميل.

11- المادة 5 من المرسوم المحدث لوحدة معالجة المعلومات المالية.

12- الظهير الشريف رقم 148-11-1- تنفيذ قانون رقم 10-34 بتاريخ 7-08-2011.

13- المادة 23 من قانون مكافحة غسيل الأموال.

14- مرسوم 445-11-2، الصادر في 4 نوفمبر 2011 بتحديد عدم  المحاكم الاستئنافية المحدثة بها أقسام للجرائم المالية ، وتعيين دوائر نفودها.

15-  مراد العلمي ” السرية المصرفية بين متطلبات العمل البنكي  وتحديات الأموال  غير النظيفة، أطروحة  لنيل  الدكتوراه في القانون الخاص- جامعة محمد الخامس- كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية- الرباط- أكدال- السنة الجامعية 2011-2012 ، ص:  137.

olivier jerez : «  le blanchiments d’argents,  deuxième édition 2003 p : 310 . –16

17- مراد العلمي، مرجع سابق ص 154 .

18-  قانون منشور بالجريدة الرسمية عدد 4210 بتاريخ 07 يوليوز 1993 .

19- قانون صادر بموجب الظهير الشريف رقم 1-05-178ن المؤرخ في 15 محرم 1427 ( 14 فبراير 2006)ن منشور بالجريدة الرسمية عدد 5327  بتاريخ 20 فبراير 2006 .

20- قانون صادر  بموجب ظهير شريف رقم 193-14-1 صادر في فاتح ربيع الاول 1436 (24 ديسمبر 2014)، بتنفيذ القانون رقم 12-103 المتعلق بمؤسسات الائتمان  والهيئات المعتبرة في حكمها .

21- ظهير شريف رقم 38-05-1 صادر في 20 شوال 1426 (23 نونبر 2005) بتنفيذ القانون 03-76 المتعلق بالقانون لأساسي لبنك المغرب .

22- مراد العلمي ، م.س. / ص: 159.

23-تم تغيير وتتميم القانون 05-43 بموجب قانون رقم10-13 الصادر في 24 يناير 2011  الذي شكل قفزة نوعية في اتجاه مكافحة أكثر  فعالية  وشمولية لغسيل الأموال .

24-  محمد الناجي : “المسؤولية عن إفشاء السر المهني البنكي “’رسالة لنيل دبلوم الماستر في القانون الخاص ، جامعة محمد الأول ، كلية العلوم القانونية والإقتصادية والإجتماعية وجدة ، السنة الجامعية 2014/2013 ص : 26.

 

 

 

 

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock