في الواجهةمقالات قانونية

الطفل والهاتف الذكي

الاستاذ عزالدين بوديع

مدرب التنمية والوساطة الاسرية

 

الطفل والهاتف الذكي

 

لا ينكر عاقل أن الهواتف الذكية أصبحت الآن تلعب دورا كبيرا في حياة الناس، فقد أصبحت وسيلة للتواصل الاجتماعي والترفيه والمعرفة، ونتيجة لذلك أصبحت تنتشر بين الأطفال والمراهقين بشكل لافت، وزادت المدة التي يمضونها مع تلك الأجهزة الأمر الذي دفع كثيرا من الأخصائيين وولاة الأمور لدق ناقوس الخطر من الآثار السلبية التي قد تترتب على هذا الاستخدام مطالبين بتقنينه.ولا يخفي خبراء تربويون واجتماعيون تأييدهم للاستخدام المقنن لهذه الهواتف، ويتحدثون عن فوائد ذلك، إلا أنهم يحذرون في الوقت ذاته من الاستخدام المفرط له، وآثاره السلبية على تركيبة الطفل النفسية والاجتماعية وصولا لتسببه بأمراض نفسية وحتى عضوية.

وأنا كمدرس لأطفال الابتدائية ألاحظ الضرورة الملحة لدى الأطفال للهواتف الذكية، وأيضا كمدرب ومستشار أسري تأتيني شكوى الآباء نحو أطفالهم مع الهواتف الذكي. هنا يطرح الإشكال العلمي والمنهجي في كيفية الاستعمال الهواتف الذكية عند الأطفال؟هل نمنعها نهائيا؟ أم جزئيا؟

سيدي القارئ بكل واقعية و حيادية نجيب عن هذه التساؤلات في المحاور التالية:

  1. وقفة مع مرحلة الطفولة ومتطلباتها:

الطفل في اللغة هو المولود حتى البلوغ، والطفولة هي مرحلة من الميلاد إلى البلوغ.  ويشير قاموس أكسفورد إلى الطفل على أنه الإنسان حديث الولادة سواء كان ذكراً أو أنثى، كما يشير إلى الطفولة على أنها الوقت الذي يكون فيه الفرد طفلاً ويعيش طفولة سعيدة. كما جاء في  قاموس لونجمان عن الطفل أنه الشخص صغير السن منذ وقت ولادته حتى بلوغه سن الرابعة عشر أو الخامسة عشر وهو الابن أو الابنة في أي مرحلة سنية، كما يعرف الطفولة على أنها المرحلة الزمنية التي تمر بالشخص عندما يكون طفلاً.

وينطوي مفهوم الطفل في علم النفس على معنيين معنى عام ويطلق على الأفراد من سن الولادة حتى النضج الجنسي، ومعنى خاص ويطلق على الأعمار فوق سن المهد وحتى المراهقة.

وتعرف الطفولة من وجهة نظر علماء الاجتماع على أنها:

هي تلك الفترة المبكرة من الحياة الإنسانية التي يعتمد فيها الفرد على والديه اعتماداً كلياً فيما يحفظ حياته؛ ففيها يتعلم ويتمرن للفترة التي تليها وهي ليست مهمة في حد ذاتها بل هي قنطرة يعبر عليها الطفل حتى النضج الفسيولوجي والعقلي والنفسي والاجتماعي والخلقي والروحي والتي تتشكل خلالها حياة الإنسان ككائن اجتماعي.

كما يعرف الطفل وفقاً للمادة الأولى من مشروع اتفاقية الأمم المتحدة على أنه:

هو كل إنسان لم يتجاوز الثامنة عشرة ما لم يبلغ سن الرشد قبل ذلك بموجب القانون المنطبق عليه، وأما الطفولة فتعرف على أنها مرحلة لا يتحمل فيها الإنسان مسئوليات الحياة متعمدا على الأبوين وذوي القربى في إشباع حاجته العضوية وعلى المدرسة في الرعاية للحياة وتمتد زمنياً من الميلاد وحتى قرب نهاية العقد الثاني من العمر وهي المرحلة الأولى لتكوين ونمو الشخصية وهي مرحلة للضبط والسيطرة والتوجيه التربوي.

وتعتبر مرحلة الطفولة في الإنسان من أطول مراحل الطفولة بين الكائنات الحية حيث إنها تمتد من لحظة الميلاد وحتى سن الثانية عشرأو البلوغ، وسوف تستند هذه الدراسة إلى التقسيم التالي لمرحلة الطفولة للإنسان حيث إنه يحدد بدقه المجال البشري الذي سوف تطبق عليه الدراسة الحالية وهو الفئة العمرية من (6 سنوات إلى 12 سنة) وهو ما يسمى بمرحلة الطفولة المتأخرة وتنقسم مرحلة الطفولة وفقاً لهذا التفسير إلى فترتين متميزتين هما:

مرحلة الطفولة المبكرة من (2-5سنوات)

وهي المرحلة التي تمتد من عامين إلى خمسة أعوام وفيها يكتسب الطفل المهارات الأساسية مثل المشي واللغة مما يحقق قدراً كبيراً من الاعتماد على النفس.

مرحلة الطفولة المتأخرة (6-12سنة)

وهي المرحلة التي تمتد من سن السادسة حتى سن الثانية عشر من العمر وتنتهي هذه المرحلة ببلوغ الطفل ودخوله مرحلة مختلفة كثيراً عن سابقتها وهي مرحلة المراهقة.

 

  1. حاجات الطفل:

الحاجات هي افتقاد لشيء تكون به الحياة مستقيمة عضوياً ونفسياً، ثم كان تمايز الحاجات؛ فبعضها عضوي وبعضها بيولوجي أو فسيولوجي يلزم لحياة الإنسان لكي يستمر البقاء، وبعضها أولى أو أساسي، وبعضها نفسي، وبعضها حاجات عليا، وبعضها حاجات متوسط تتوسط المرتبتين السابقتين.

وقد تكون هذه الحاجات حاجة اجتماعية تتمثل في شعور الفرد بنقص أو رغبة في إشباع لا يتحقق إلا من خلال تواجده في جماعة فهي تعبر عن شوق شديد من جانب الفرد لأن يكون منتمياً إلى جماعة لأنه يشعر في داخلها بوجود حقيقي وسعادة كاملة وقد تكون هذه الحاجات حاجات أساسية وهي حاجات الفرد الأساسية التي لا يستطيع أن يستغنى عنها أو يصعب عليه العيش بدونها مثل حاجاته للطعام والشراب.

كما يشير “ماسلو” إلى أن الحاجات والدوافع تترتب ترتيبًا هرميًا على أساس أهميتها ودرجة الحاجة في الإشباع حيث إن الحاجة الأكثر إلحاحاً وأهمية ينبغي أن تشبع قبل أن تظهر حاجة أخرى أقل إلحاحاً من السابقة وأقل أهمية ومطالبة بالإشباع.

وهكذا فالترتيب يسير من الحاجات الأكثر أهمية إلى الحاجات الأكثر أهمية نسبياً وفقاً للمدرج التالي:

وتختلف حاجات الأطفال وتتنوع طبقاً للاختلاف والتباين في القدرات والاهتمامات ولذا يجب الوضع في الاعتبار عند إشباع هذه الحاجات مراعاة تلك الاختلافات حتى يتم العمل على تدعيم مهارات هؤلاء الأطفال وتحقيق السعادة لهم كما أن ذلك يساعد في رعاية الأطفال ذوى الظروف الاستثنائية في نواح معينة فهناك من يبدو عليهم علامات الغضب والانفعال وآخرين قد يكون لديهم صعوبات في التعلم أن العاطفة وهناك أطفال معتدلين لذا يجب أن تراعى خطط إشباع الحاجات كل ذلك حيث تتعامل مع كل فرد على حدة كما تتعامل مع المجموعة ككل.

ترتيباً على اختلاف وتنوع حاجات الطفولة فإنه من الصعب حصر هذه الحاجات أو تعديلها فليس من السهولة تحديد ما هو ضروري وما هو غير ذلك لأن ذلك يتأثر بعوامل عديدة منها نوع المجتمع وثقافته وما يتضمنه من عادات وتقاليد وقيم وتراث حضاري وديني ومدى تقدم هذا المجتمع ونموه أو أنه كلما نجحت الأسرة والمؤسسات المهنية لتقديم خدمات متنوعة ومتكاملة للأطفال وأدت دورها في إشباع احتياجات الأطفال لدرجة مناسبة أدى ذلك بدوره إلى نمو شخصية الطفل نمواً طبيعياً ومتوازياً وذلك كفيل بأن يعمل على تحقيق توافق اجتماعي ونفسي أفضل للأطفال وأيضاً يؤدي إلى تحقيق الأهداف المجتمعية.

  1. فوائد الهاتف الذكي على الطفل:

قد يعتبروا الأطفال أن الهاتف الذكي مجرد لعبة للتسلية والمرح، فهم يفضلون مشاهدة الصور واللعب عليه ببعض الألعاب الخاصة بالأطفال. هناك أيضًا بعض الهواتف الذكية التي تم تزويدها بالمزيد من الإمكانيات التي تتضمن دروساً وبرامج للتعلم . لذلك، لابد أن نجمع أنه على الرغم من أن الهواتف الذكية لها بعض الأضرار الصحية على الأطفال، إلا أنها تتمتع ببعض الفوائد أيضاً عليهم. ومنها :

  • تقدم الطفل علميا
  • سهولة التواصل مع الطفل
  • تعليم الطفل المسؤولية
  • مشاهدة الأفلام الهادفة
  • ترسيخ الاستقلالية وتوكيد الذات
  • تنمية الإبداع
  1. أضرار الهاتف الذي على الطفل:

حذرت دراسة بريطانية من تعرض الأطفال فى سن مبكرة يصل إلى 7 سنوات، إلى خطر الإصابة بقصر النظر بسبب استخدامهم المفرط للهواتف الذكية. وقال ديفيد الإمبى مؤسس عيادات “فوكاس كلينك” الشهيرة للعيون فى لندن إنه منذ إطلاق الهواتف الذكية فى الأسواق عام 1997، ارتفع عدد المرضى الذين يعانون من ضعف نظر متقدم بنسبة 35 بالمائة، محذرا من أن قصر النظر عند الأطفال أو الذين دخلوا مرحلة البلوغ يمكن أن يرتفع بنسبة 50 بالمائة خلال السنوات العشر القادمة. وهذه بعض أضرار الهواتف الذكية على الأطفال:

  • أضرار جسدية: السمنة ، ضعف النظر…
  • أضرار سلوكية: العزلة، انعدام روح العمل الجماعي ، عدم القيام بالمهام المكلف بها …
  • أضرار أخلاقية: رؤية الصور والمقاطع الإباحية أو العنيفة و تعلم الحيل و السخرية …

 

 

  1. منهجية استخدام الهاتف الذكي عند الأطفال؟

بعد التجارب و الإحصاءات وتفحص الكتب والمجلات، نأتي في هذا المحور لنقترح الحل لمشكلة استخدام الهاتف الذكي عند الطفل ونسطر برنامج مرن يستطيع من خلاله المربي النجاح في تعليم طفله استخدام الهاتف الذي الاستخدام الفعال المتوازن، وكما تقدم معنا في المحور الأول أن الطفولة تنقسم لمرحلتين المبكرة و المتأخرة. وخلال المرحلة المبكرة يمنع منعا كليا على الطفل استعمال الهاتف الذكي، ليس هذا فقط وإنما يتم وضع بديل كاف كالألعاب الجذابة و المتجددة حسب كل أسبوع أو شهر …أما في الطفولة المتأخرة فيستطيع الطفل استعمال الهاتف الذكي وفق برنامج زمني تشاوري بين المربي والطفل، كما يجب تحديد أنشطة متنوعة للهاتف الذكي كالألعاب وقراءة الحروف والجمل، وأيضا مشاهدة القصص والبطولات. و سيكون هذا البرنامج طبعا غير متعارض مع وجبات الأكل، أو حصص المذاكرة(وقد يستعمل الهاتف للمذاكرة) ولا ننسى عند موعد النوم أيضا.

وختاما :

لا يمكننا منع الأطفال من استخدام أو اقتناء هذه الهواتف الذكية، لكن يمكننا الاستخدام المقنن لها ما بين ساعة وساعتين يوميا على الأكثر، بحيث يتم التعزيز من إيجابيات استخدام هذه الهواتف والتقليل من سلبياتها. وللا أنسى أن أذكرك عزيزي المربي أن أحد أخطر الأمراض التي تصيب الأطفال بسبب الاستخدام الخاطئ لهذه الهواتف هو “التوحد الوظيفي” والناتج عن تعلق الطفل بعالم افتراضي وانعزاله عن محيطه الاجتماعي خاصة في حالات الآباء والأمهات العاملين وكثيري الغياب عن المنزل، وترك الطفل نهبا للأجهزة الذكي.  يا أيها المربي الناجح دعني أهمس في أذنيك وأقول: «قبل أن تعلم ابنك، الاستخدام المتوازن للهاتف الذكي، تعلمه أنت أولا، وشكرا».

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق