مقالات قانونية

“العقوبات البديلة “في مسودة مشروع القانون الجنائي المغربيبين توجهات الردع وغائيات النفع

091815_2328_1.jpg

محمد البكوري

دكتور في الحقوق-جامعة محمد الخامس الرباط-

مقدمة:

تشكل السياسة الجنائية مجمل القواعد التي تجمع في إطار "توليفي" مختلف النصوص القانونية المحددة لأوجه التجريم والعقاب، وذلك بغية تحقيق جملة من الأهداف المتعلقة بالجرائم المرتكبة عبر معالجتها والوقاية منها من خلال اتخاذ تدابير زجرية / تقويمية، تتوخى أساسا إصلاح المجتمع عبر إصلاح الفرد ولو اقتضى الأمر ردع هذا الأخير. وقد تعددت الآراء واختلفت الرؤى حول مصطلح " السياسة الجنائية"، فالعالم الألماني فيورباخ يحددها في كونها تشمل " مجموع الوسائل التي يمكن اتخاذها في وقت معين والكفيلة بمكافحة الجريمة "، في حين يحصرها بعض الفقه في مسألة "تحديد الجزاء الجنائي المترتب على ارتكاب الجريمة ".وفي إطار توصيفه بالعلم الذي يتربع على رأس هرم بقية العلوم الجنائية، هناك اتجاه فقهي يعتبر السياسة الجنائية "العلم الذي يدرس النشاط المتوسل به من طرف الدولة من أجل تحقيق غائيات تعود بالنفع على المجتمع برمته، من قبيل الحد من الجريمة ومنع وقوعها ومتابعة مقترفيها ومعاقبة مرتكبيها "، وبالتالي توفير سبل الأمن والطمأنينة والأمان. وفي إطار نوع من التحديد المتصف بالشمولية حاول الفقيه الفرنسي مارك انسل إعطاء تحديد للسياسة الجنائية، باعتبارها نتاجا خالصا لتداخل توجهات ثلاث مؤسسات: مؤسسة المشرع ( التي تسن القوانين ) ومؤسسة القاضي ( التي تطبق القوانين) والمؤسسة العقابية( التي تحرص على تنفيذ التدابير المرتبطة باحكام المؤسسة الثانية). وبعيدا عن الجدل القائم حول مضمون السياسة الجنائية، نجد أن ثنائية الردع والنفع، تبقى ثنائية مهيمنة في حقل هذه السياسة على مستوى التوجهات والأهداف .فالتشريعات الجنائية -وعبرها النظام العقابي السائد في أية دولة من الدول -تظل بشكل أساسي محصورة بين تيمتي هذه الثنائية، اذ أن التوجه العام هو ردع الفرد من أجل نفع الفرد والمجتمع معا. نفع الفرد، من حيث اصلاحه وحمايته وضمان حقوقه وحرياته وعلى رأسها تلك المتعلقة بأمنه، ونفع المجتمع عبر جعله يتسم بصفات الطمأنينة والأمان ويحقق بالتالي أسس استقرار الجماعة. ان ثنائية الردع والنفع، يمكن أن تشمل ما يعرف ب "العقوبات البديلة"(1) .فهذه الأخيرة من جهة، يمكن أن تردع كل من سولت له نفسه ارتكاب فعل جرمي وكذا التقليل من حالات العود، ومن جهة ثانية وبالنظر إلى محتواها، يمكن أن تنفع المجتمع (أداء خدمة عمومية، التخفيف من الاكتظاظ المرصود على مستوى السجون …) وبالنظر إلى أهمية ذلك ( بلورة ثنائية الردع والنفع ) فقد حرصت العديد من الدول على تضمينها في تشريعاتها الجنائية وجعلها إحدى الأنماط المعول عليها للمزيد من الأنسنة وإضفاء الحس الحقوقي والمعنى التهذيبي على مفهوم " العقوبة"، التي تتمظهر هنا باعتبارها تركيبة من"الجزاء والعلاج" تفرض باسم المجتمع(2). في هذا الإطار، خطا المشرع المغربي خطوة جبارة، حيث أقرت مسودة مشروع القانون الجنائي المغربي، ولأول مرة، العقوبات البديلة إلى جانب العقوبات الأصلية والإضافية المعمول بها في القانون الجنائي الساري المفعول، والتي يمكن الحكم بها كبديل للعقوبة السالبة للحرية. هكذا نجد أنه حسب المادة 35-1 من المسودة، فان العقوبة البديلة يحكم بها في غير حالة العود كبديل للعقوبات السالبة للحرية في الجنح التي لا تتجاوز العقوبة المحكوم بها من أجلها سنتين حبسا، أي أنها تشمل فقط الجنح الضبطية، وبالتالي فهي تبرز كعقوبة مشروطة. وحسب المسودة دائما، فإن العقوبة البديلة تحول دون تطبيق العقوبة السالبة للحرية عن المحكوم عليه، في حالة تنفيذه للالتزامات المفروضة عليه بمقتضاها. على هذا الأساس فهي عقوبة متوقفة على مدى حصول أمر( تنفيد الالتزامات ). وتحدد المسودة في مادتها 35-2 أصناف هذه العقوبة في ثلاثة : العمل من أجل المنفعة العامة، الغرامة اليومية، وأخيرا تقييد بعض الحقوق أو فرض تدابير رقابية أو علاجية أو تأهيلية.

الفرع الاول : العقوبات البديلة وتوجهات الردع :

تعبر الجريمة سوسيولوجيا عن الظاهرة التي على ضوئها يخرق شخص ما معايير الضبط الاجتماعي التي أسس لها المجتمع لضمان قواعد الامن والاستقرار والطمأنينة في أعماقه، والحفاظ بالتالي على مختلف المقومات الأساسية التي يرتكز عليها. من خلال هذا التحديد، تبرز التشريعات الجنائية كتشريعات ضابطة في كثير من الأحيان، وذلك عبر التوسل المستمر بمفاهيم الردع والزجر والوقاية والإصلاح… من أجل بناء مجتمع آمن. وهو المعنى الذي يمكن أن نقف عليه في الفصل الأول من مجموعة القانون الجنائي المغربي، المعمول به حاليا، إذ يؤكد هذا الفصل على مايلي : "يحدد التشريع الجنائي أفعال الإنسان التي يعدها جرائم، بسبب ما تحدثه من اضطرابات اجتماعية، ويوجب زجر مرتكبيها بعقوبات أو تدابير وقائية ". وبذلك فالبعد الردعي يحتل مكانة خاصة في صلب التشريعات الجنائية المتعددة. وهو الأمر الذي يتم استحضاره بالمغرب في مختلف أنماط العقوبات، من عقوبات أصلية وعقوبات إضافية، بالإضافة إلى العقوبات البديلة المنصوص عليها في مسودة مشروع القانون الجنائي ومختلف التدابير الوقائية. في هذا الإطار، يمكن التأكيد على أن العقوبات البديلة عن سلب الحرية، تحمل في طياتها أبعادا ردعية، مادام أن الأمر يتعلق بعقوبات حقيقية تجازي عن سلوك اجتماعي " مضطرب " مجرم قانونا، ومادامت تتضمن في جوهر تعريفها عنصر إكراه على الشخص موضوع العقوبة. ومن ثم، فالتوجه الردعي يبقى جزءا لايتجزأ من منظومة العقوبات البديلة وعنصرا من عناصر تحديدها.

و بذلك يتماهى المعنى السوسيولوجي للعقاب بصفة عامة مع المعنى السوسيولوجي للجريمة. هذه الأخيرة التي تبرز كمجال متعدد المنطلقات، تنصهر في دواخله التصورات والتمثلات الاجتماعية المسبقة بالاختيارات الأساسية التي يخططها لنفسه كل مجتمع من المجتمعات(3) . إن رؤية الردع، وإن كانت رؤية كثيرا ما تتصف بالنجاعة، فإنها غالب،ا إن لم تحاول أن تطور نفسها لتصبح رؤية شمولية تسعى لإصلاح المجرم وتهذيبه، تبقى رؤية قاصرة، و بعيدة كل البعد عن التعامل الأنسب مع " المجرم "، بحكم أن ذلك يمكن أن يرسخ السلوك الإجرامي في نفسه ويجعله في عرضة مستمرة لمختلف أنواع الانحراف الإجرامي. وهنا تنبثق العلاقة الترابطية والتكاملية بين علم الاجتماع وتطبيق العقوبات البديلة، باعتبار أن الإصلاح والسجون إحدى أبرز مجالات علم الاجتماع الجنائي. ولا شك أن التطور التاريخي للمجرم والانتقال من رؤيته كشخص مخالف للنظام، يستحق أشد أنواع العقوبات إلى شخص مناهض للمجتمع أدى إلى النظرة للخارج عن القانون كشخص غير قادر على التكيف الاجتماعي ويحتاج من المجتمع الشيء الكثير إلى النهوض به وإدماجه في بوتقته. بالإضافة إلى ما سبق ذكره، فعقوبة السجن أثبتت فشلها في إصلاح الجاني ومساعدته على الانخراط في المجتمع ،حيث يؤدي السجن إلى عزل المجرم عن أسرته وعن سائر المجتمع، مما يولد في أحشائه مشاعر الحقد والكراهية والضغينة تجاه المجتمع. ومن ثم يتضح بشكل ملموس، أنه هناك علاقة وثيقة بين علم الاجتماع وتطبيق العقوبة البديلة باعتبارها تندرج تحت العقوبة والإصلاح(4). إن تطور الفكر الفلسفي و الديني و الأخلاقي و النظامي حول وظائف العقوبة -خاصة جانبها الردعي- اتجه إلى الاخذ ببدائل للعقوبة كنوع من السياسة العقابية الحديثة، نظرا للزيادة المروعة للجريمة -كما و كيفا -والمرتبطة بالتقدم الإنساني و تنوع النشاط الناتج عن احتياجات الإنسان و رفاهيته. وقد ظهرت اتجاهات فكرية- نتيجة لهدا القلق- تنادي بالعقوبات البديلة ،سواء على المستوى التقليدي أو المستوى المعاصر للجرائم، لمواجهة مختلف أشكال الإجرام ،والذي اضحى يرتكب بوسائل فنية وعلمية متقدمة ،وهو نوع من السياسة الجنائية.

في هذا الصدد، فان السياسة الجنائية الحقة، لابد وأن تكون نظاما متناسقا لرد الفعل الاجتماعي ضد الجريمة، للعمل على ردع الجاني، وفي ذات الوقت، لا يجب أن يقلص الدور الذي يشغله التأهيل والإصلاح. فهذا هو الجانب الإنساني للعقوبة(5).

إن هذا المنظور الإنساني للعقوبة، وفي إطار إضفاء المزيد من الأنسنة عليها، ظل بالنسبة للسياسة الجنائية المغربية مطلبا أساسيا من مطالب الحركة الحقوقية. وهو الشيء الذي تمت الاستجابة له من خلال الدعوة إلى تبني العقوبات البديلة. في هذا السياق، وقبل مسودة مشروع القانون الجنائي الحالي، نجد أن من بين توصيات الميثاق الوطني لإصلاح منظومة العدالة إدراج العقوبات البديلة في إطار الهدف الرئيسي الثالث، الهادف لتعزيز الحماية القضائية للحقوق والحريات وبشكل أدق في إطار الهدف الفرعي الثالث الذي يوصي باعتماد سياسة ناجعة للعقاب. وهي السياسة التي لايمكن أن تقوم لها قائمة إلا بالإستناد إلى جملة من المبادئ الموطدة للبعد الإنساني للعقوبة، ومنها ما يرتبط بجدوائية وفعالية العقوبات البديلة، والتي أكد مؤتمر الأمم المتحدة السادس المخصص للوقاية من الجريمة ومعاملة المجرمين(6)،أنها يمكن أن تكون في حالات عديدة أكثر فعالية من العقوبات السالبة للحرية، هذا مع تأكيده على ضرورة حماية سلامة المجتمع وأمنه عبر عنصر الردع المتوفر فيها، و بالتالي المناداة بأهمية تطوير هذا النوع من العقوبات. فهذه المسألة هي الكفيلة بتحسين الوضعيات الأمنية داخل المجتمعات وليس تبني نظام صارم من العقوبة ذات النسبة الكبرى من الردع . في هذا الصدد ،أشار مكتب الأمم المتحدة لمكافحة المخدرات والجريمة في وثيقة صادرة عنه سنة 2008 ،على أنه "في الممارسة فإن اللجوء العام إلى الاعتقال يتصاعد، دون أن يتمكن من البرهنة على أن ذلك ينتج عنه تحسن في الأمن العمومي. ففي العالم حاليا أكثر من تسعة ملايين سجين والعدد في تصاعد"(7).

إن العقوبات البديلة تظل هي التدابير الكفيلة بتحقيق جملة من الغايات الفضلى، ومنها التخفيف من ظاهرة الاكتظاظ السجني، مع المحافظة دائما على توجهها الردعي. وهنا نجد أن مؤتمر الأمم المتحدة الثاني عشر للوقاية من الجريمة والعدالة الجنائية(8)،خصص ورشة للاستراتيجيات ولأفضل الممارسات المتعلقة بالوقاية من اكتظاظ الساكنة السجنية. وقد أبرزت هذه الورشة مختلف العوامل الرئيسية التي تساهم في تزايد الاكتظاظ السجني ومنها :غياب بدائل العقوبات السالبة للحرية وسياسات ومبادئ توجيهية في مجال العقوبات والتي تشجع اللجوء إلى التدابير غير السالبة للحرية.

انطلاقا مما سلف، يتضح أن لتوجهات الردع أهمية قصوى في منطلقات العقوبات البديلة، لكنها توجهات تظل دون تحقيق الطموح الجماعي للمجتمعات في محاربة الظواهر الإجرامية أو على الأقل التخفيف منها، إن لم تستند إلى مبادئ أخرى تقويمية مثل التهذيب و الوقاية والإصلاح، وهو ما يمكن أن تبرزه تطبيقات المرحلة المقبلة لهذه العقوبات ببلادنا.

الفرع الثاني: العقوبات البديلة و غائيات النفع
:

بشكل عام، تتأرجح العقوبة بين تيمتي "الردع" و "النفع". وهو التأرجح الذي يحضر أيضا على مستوى "العقوبة البديلة". فإذا كان "التوجه الردعي" يعتبرمن صميم الأهداف المتوخاة من توقيعها، فإن الجانب النفعي يظل كذلك من بين أبرز غائياتها. وهو الجانب الذي يمكن أن يشمل الفرد كما يمكن أن يشمل المجتمع.

  1. بالنسبة للفرد :خاصة الفرد / الجاني، وذلك عبر تمتيعه بالظروف المواتية التي تساعده على عدم الوقوع مرة أخرى في حالات العود. في هذا السياق، ترى المدرسة الكلاسيكية- التي لعبت دورا كبيرا في الفقه الجنائي إبان النصف الأول من القرن 19 – في إحدى مبادئها على أن اعتبار أساس حق عقاب الجاني هو نفع هذه العقوبة، بحيث يكون الغرض من توقيعها ليس التنكيل بالجاني، وإنما منعه من العودة للجريمة، أي إصلاحه .. فما يبرز العقوبة هو نفعها أو على الاصح ضرورتها(9). ولن تتأتى جدوائية هذا الجانب النفعي إلا بتبني سياسة جنائية رصينة وناجعة، قائمة بالأساس على التخفيف من قساوة العقوبات واقتراح بدائل العقوبات السالبة للحرية. وهي المسائل التي ما فئتت تؤكد عليها العديد من مبادئ المرجعية الدولية المهتمة بالعقوبات البديلة، و منها قواعد الأمم المتحدة النموذجية الدنيا للتدابير غير الاحتجازية أو قواعد طوكيو(10)، و كذا قواعد الأمم المتحدة للسجينات والتدابير غير الاحتجازية للجانحات أو قواعد بانكوك(11) ،ثم المبادئ الأساسية للأمم المتحدة المتعلقة ببرامج العدالة التعويضية في المادة الجنائية(12).هذا دون إغفال مجموعة من المبادئ والقواعد الأخرى(13)، والتي تؤكد في مجملها على ضرورة الاخذ ببدائل العقوبات الحبسية، لماتوفره من فرص حقيقية لجعل الفرد في منأى عن حالات العود الإجرامي، وذلك عبر تمكينه من إدماج فعال و تهذيب قويم، يجعلانه فردا ينخرط بانسيابية وإنسانية في المنظومة المجتمعية، وفردا مراجعا لتصرفاته وأفعاله، مما يشكل بالنسبة له وفي إطار نفعي إمكانية حقيقية لبناء شخصية سليمة بعيدة كل البعد عن الشخصية ذات النزعة الإجرامية المقيتة. إن الخاصية النفعية للفرد الجاني على مستوى العقوبة البديلة تبرز من جهة أخرى على مستوى تمركزها كتدبير ناجع يتوخى معالجة زيغ المجرم وانحرافاته، وهو ما يجعل العقوبة في حد ذاتها تدبيرا نفعيا، يتمثل في حرص الفرد الجاني على عدم تكرار الفعل الإجرامي. وهي المسألة التي يمكن أن نستشفها من المبادئ التي وطدتها المدرسة الإيطالية(14)، ومنها المبدأ الذي ينص على ضرورة علاج الخطورة الإجرامية التي تتوافر لدى المجرم عن طريق اتخاذ التدابير الملائمة، والتي تمكن في نهاية المطاف من الحيلولة بينه وبين ارتكاب فعل إجرامي آخر، وهي التدابير التي يمكن أن تكون بدائل العقوبات جزءا لا يتجزأ منها. هذا وإذا أخذنا بعين الإعتبار كون تطبيقات العقوبات البديلة، غالبا ما ترتبط بأفعال إجرامية قد تكون عبارة عن مخالفات أو جنح بسيطة أو غير عنيفة، فإن من المنطقي وكحل نفعي اللجوء إليها وترك تدابير سلب الحرية جانبا، لما قد تشكله من فرص سلبية لتغذية الروح الإجرامية وجعلها تنمو وتترعرع في أحشاء من سلبت حريته، وبالتالي تحوله إلى فاعل إجرامي "عنيف"، بمجرد خروجه من غياهب السجون وذلك بعد اختلاطه بمجرمين معتادين ومقترفين لأفعال إجرامية خطيرة ،الشيء الذي قد يشكل خطرا محدقا بالمجتمع برمته. إن التدبير العقلاني وفي إطار نوع من العدالة الجنائية، يستوجب بذلك عدم اللجوء إلى العقوبات السالبة للحرية إلا كحل أخير وعندما يمثل الشخص تهديدا حقيقيا للمجتمع. فالسياسة الجنائية الصائبة، ينبغي الا تستبعد العقوبة السالبة للحرية من حيث المبدأ، إذ ينبغي أن تظل موجودة بين الأدوات الأخرى لتفريد العقاب، حيث يتم اللجوء إليها إذا لزم الأمر في حالات محددة(15) ، مع عدم إغفال التدابير التي بإمكانها أن تنفع الفرد الجاني، كما بإمكانها أن تنفع باقي الأفراد والمجتمع بأسره.
  2. بالنسبة للمجتمع: إن مفهوم "العقوبات البديلة" يمكن أن نجد له -وفي إطار نفعه المجتمعي- جذورا ضاربة في أعماق التاريخ و منها التاريخ الإسلامي. ومثال ذلك، ما كان يطبق في عهد الرسول عند الحروب والفتوحات الإسلامية، حيث كان يطلب من كل أسير بدلا من معاقبته بعقوبات الحرابة وإحلال الفساد في الأرض، والتي حددت عقوباتها بموجب الآيات القرآنية قطع الأيدي والأرجل عن خلاف، كان يطلب منه أن يعلم عشرة أولاد المسلمين القراءة والكتابة لقاء حريته، وهذه هي العقوبة البديلة بعينها ومفهومها وفلسفتها(16). وبذلك تتوطد الأسس النفعية لمفهوم "العقوبة البديلة" على مستوى المجتمع وجعله يستفيد ممن يمكن أن تطبق عليه، استفادة تعود عليه بالخير العميم والنفع الدائم. مما يجعلها في نهاية المطاف عقوبة نافعة. ومن ثم تكمن الجزاءات الحديثة التي يراد إحلالها محل العقوبات التقليدية، في استبدال العقوبات التي تكلف المجتمع الأموال الطائلة وخدمة الشخص المعاقب داخل أسوار السجن إلى أخرى يكلف على ضوئها المحكوم عليه بخدمة المجتمع الذي أضر به من خلال سلوكه غير القويم، عن طريق تقديم الخدمات الاجتماعية أو غرامات مالية، لصالح الخزينة العامة للدولة أو غيرها من العقوبات النافعة(17). إن الغائية النفعية للعقوبة البديلة يمكن أن تتمظهر في عدة مظاهر وتجسيدات إيجابية ومنها أساسا :
  • التقليل من الأعباء المالية الملقاة على الدولة، فيما يخص تسيير وتدبير المؤسسات العقابية ،مع ما يمثله ذلك من تكلفة مالية باهظة يمكن أن يستفاد في تصريفها في ميادين و مجالات أخرى تعود بالنفع على المجتمع.
  • معالجة قضية الاكتظاظ السجني، والذي – حسب الكثير من المختصين -يعد نتاجا لجوانب قصور في نظام العدالة الجنائية، وهو الاكتظاظ الذي يشكل بالنسبة للدولة عبئا إضافيا من حيث الجانب المالي، فهو مسبب مباشر لسوء في الأحوال الصحية والنفسية والاجتماعية للساكنة السجنية.
  • العمل بغير مقابل للمصلحة العامة والقيام بالعديد من الخدمات الاجتماعية لصالح المجتمع، وحتى ولو كان ذلك بمقابل، فإن توفير جزء من المال – ولو النزر اليسير منه – للمعاقب يمكن أن يفيده في تدبير حياته اليومية-ما بعد السجن- تدبيرا يغنيه عن ارتكاب أفعال إجرامية أخرى، كالسرقة والاختلاس والنصب والاحتيال، كما يوفر له إمكانية الاندماج في المجتمع، عبر قيامه عن طريق المال الذي جمعه – بعرق جبينه – بالتفكير في إنجاز أنشطة مدرة للدخل، مما يعود بالضرورة بالنفع على المجتمع ككل.
  • دفع مبلغ من المال إلى بعض المؤسسات، كعقوبة بديلة، يمكن أن يرفع من الموارد المالية لهذه المؤسسات التي غالبا ما تكون مجالات تدخلها ذات أبعاد اجتماعية، مما يمكن جميع أفراد المجتمع من الإستفادة المباشرة من مشاريع وبرامج وأنشطة تعود بالخير والنفع عن مختلف شرائح هذا المجتمع.
  • الحرص على توسيع مجالات تشغيل السجناء في المصانع والمقاولات، الشيء الذي يكسبهم بالضرورة تجربة عملية وخبرة تراكمية تعود عليهم بالمنفعة، وبالتالي يقررون عدم العودة لارتكاب الجرائم مرة أخرى.

الفرع الثالث: الجوانب الردعية والغائيات النفعية للعقوبات البديلة : المنطلقات المرجعية: انطلاقا مما سلف، ينبغي العمل على تنويع العقوبات البديلة، مع وضع الضوابط الضرورية لها، بما يعود بالنفع على الفرد الجاني وأسرته و على المجتمع بأسره. فسياسة الإصلاح أهم من سياسة العقاب. كما أن معنى" البديل "– ووفق السلطة التقديرية للقاضي – يظل في أساسه "متنوعا" لا حصر له، إذ يتوقف على شروط ترتبط بشخصية المحكوم عليه وما يلائمه و يناسبه من تدابير، على أن لاتخلو هاته الأخيرة من أبعاد ذات حمولة ردعية أو زجرية.

إن هذا المعنى المتنوع للعقوبات البديلة،هو الذي جعل المجلس الاقتصادي والاجتماعي للأمم المتحدة يصادق بتاريخ 25 يوليوز 2013 على القرار رقم2013/25 حول القواعد الدنيا النموذجية لمعاملة السجناء، والذي أوصى في فقرته الثالثة عشرة على ما يلي: "تبذل الأعضاء مجهودا. . . لتعزيز بدائل العقوبات السالبة للحرية كالغرامات والعمل من أجل المنفعة العامة، والعدالة التعويضية والمراقبة الإلكترونية، كما تدعم برامج إعادة التقويم وإعادة الإدماج، طبقا للقواعد الدنيا النموذجية للأمم المتحدة للتدابير غير الاحتجازية ( قواعد طوكيو ) ".

وفي نفس السياق، وتتويجا لمجموعة من المبادرات التي قام بها ببلادنا المجلس الوطني لحقوق الإنسان حول مسألة العقوبات البديلة(18)، ما فتئ هذا المجلس يصدر جملة من التوصيات تدخل في هذا الإطار، ومنها على وجه الخصوص ما يلي :

أولا : يذكر المجلس الوطني لحقوق الإنسان، أن أي مسعى لإدراج العقوبات البديلة في المنظومة الجنائية الوطنية، يجب أن يتأسس على مقتضيات البابين الثاني والسابع من الدستور، واللذان يتضمنان على التوالي المقتضيات المتعلقة بالحريات والحقوق الأساسية، والسلطة القضائية وحقوق المتقاضين وقواعد سير العدالة. وفي نفس الإطار، وبهدف إعمال التزامات المغرب الدولية والإقليمية، فإن المجلس الوطني لحقوق الإنسان يوصي بأن يتم اعتبار في أي مسعى لتنويع العقوبات البديلة، المرجعية الدولية التصريحية، و خاصة مختلف قواعد الأمم المتحدة والوثائق المختلفة الصادرة عن مختلف هيئات مجلس أوربا في مجال العقوبات البديلة.

ثانيا : ينبغي أن يتم على مستوى الكتاب الأول من القانون الجنائي، إدراج فصل إضافي للعقوبات والتدابير البديلة، حيث يعتبر المجلس الوطني لحقوق الإنسان أنه من الممكن اغناء المنظومة الجنائية الوطنية بعدد من التدابير، ومنها على سبيل المثال لا الحصر: اليوم- غرامة، تداريب المواطنة، الأشغال من أجل المنفعة، المنع لمدة محددة من مزاولة نشاط مهني أو اجتماعي إذا كانت التسهيلات التي تمنحها هذه المهنة، قد استعملت عمدا لإعداد أو ارتكاب الجريمة، المنع من الالتقاء ببعض المدانين المحددين بقرار قضائي، خاصة مرتكبي أو المساهمين أو المشاركين في الجريمة، المنع لمدة محددة من إقامة علاقة مع بعض الأشخاص المحددين بقرار قضائي خاصة ضحاياها، الأمر بالخضوع للعلاج، العقوبة – التعويض، التتبع السوسيو قضائي، الوضع تحت المراقبة الإلكترونية الثابتة أو المتحركة. و يمكن التفكير أساسا في وضع هذه التدابير بالأولوية في مجال المخالفات وجزئيا في مجال الجنح.

ثالثا: استلهام التدابير المقترحة في التوصية السابقة من أجل :

  • تنويع تدابير الوضع تحت المراقبة القضائية المنصوص عليها في الفصلين 160 و 161 من القانون المسطرة الجنائية كبدائل عن الاعتقال الاحتياطي.
  • تنويع تدابير مسطرة الصلح المنصوص عليها في الفصل 41 من قانون المسطرة الجنائية كبدائل عن المتابعة.
  • تنويع تدابير الوضع تحت المراقبة القضائية في اطار مسطرة الإفراج المؤقت المنصوص عليه في الفصل 178 من قانون المسطرة الجنائية.
  • التنصيص على التدابير التكميلية لمسطرة الإفراج المقيد بشروط، المنصوص عليه في الفصل 622 إلى 632 من قانون المسطرة الجنائية.
  • التنصيص في قانون المسطرة الجنائية و في مدونة تحصيل الديون العمومية على تدابير بديلة لتنفيذ الإكراه البدني.

وقد كان لهذه التوصيات وغيرها الدور البارز في جعل الهيئة العليا للحوار الوطني حول إصلاح منظومة العدالة(19)، تتبنى في "ميثاق إصلاح منظومة العدالة "جملة من الأهداف الإستراتيجية الكبرى تدخل في سياقات الحكامة القضائية الجيدة والسياسة الجنائية الناجعة الموطدة لدعائم رصينة خاصة بالتجريم والعقاب، ومنها ما يرتبط بمفهوم العقوبات البديلة أو بدائل العقوبات السالبة للحرية، التي اعتبر إقرارها هدفا فرعيا يرتبط بإرساء سياسة عقابية ناجعة، وهو الهدف الذي يندرج ضمن تعزيز حماية القضاء للحقوق والحريات كهدف رئيسي من الأهداف الاستراتيجية الكبرى لإصلاح منظومة العدالة، بالإضافة الى أهداف فرعية أخرى مرتبطة بنهج سياسة جنائية جديدة تنص أساسا على ملائمة القوانين الزجرية الوطنية مع أحكام الدستور ومبادئ الاتفاقيات الدولية المتعلقة بمكافحة الجريمة وبحقوق الإنسان المصادق عليها والمنشورة، كما تنص أيضا على التنسيق بين السياسة الجنائية ومختلف السياسات العمومية للدولة لمكافحة الجريمة والوقاية منها، ووضع خطط فرعية متخصصة ضمنها لمواجهة ظواهر إجرامية محددة. وكذلك الهدف الفرعي الآخر ذي الصلة الوثيقة بتطوير سياسة التجريم من خلال جملة من الخطوات والمتمثلة أساسا في : نزع التجريم عن بعض الأفعال، توسيع قاعدة الجرائم القابلة للصلح، إقرار نظام للغرامات التصالحية بالنسبة للجرائم البسيطة، توسيع مجال الأخذ بالعقوبات الإدارية في ميدان الأعمال بدل العقوبات الزجرية(20).

خاتمة :

عموما، يمكن القول أن مسودة مشروع القانون الجنائي والمطروحة للنقاش منذ 31 مارس 2015، حاولت أن تمتح الجوانب المتعلقة بالعقوبات البديلة، بدءا من المرجعية الدولية المعمول بها في هذا الصدد ( قواعد طوكيو، قواعد بانكوك … ) و بعض أحكام الدستور الحالي ( الحريات والحقوق الأساسية، حقوق المتقاضين وقواعد سير العدالة .. . ) مرورا بمختلف التوصيات الصادرة عن مبادرات المجلس الوطني لحقوق الإنسان فيما يتعلق بالعقوبات البديلة ( تنويع بدائل العقوبات، استلهام التجارب الرائدة في هذا المجال … ) وصولا إلى الخلاصات التي خرجت بها الهيئة العليا للحوار الوطني حول إصلاح منظومة العدالة ( إرساء سياسة عقابية ناجعة … ) وهي الجوانب التي تدور برمتها في فلك حكامة قضائية /جنائية تتوخى بالدرجة الأولى خلق مواءمة مستمرة بين الجانب الردعي والتوجه النفعي لمسألة العقاب، وهو ما حاولت مسودة مشروع القانون الجنائي تحقيقه من خلال تنصيصها في الباب الأول مكرر على العقوبات البديلة، والتي – وانطلاقا من هاته المسودة –تعري عن جدوائيتها، فيما يخص المقاربة الثنائية: الردع و النفع( إنجاز أعمال ذات منفعة عامة لصالح مؤسسات اعتبارية و جمعيات المجتمع المدني، استهداف اختبار المحكوم عليه والتأكد من استعداده لتقويم سلوكه و استجابته لإعادة الإدماج، خضوع المحكوم عليه لعلاج نفسي أو علاج ضد الإدمان في إطار نفع الفرد / الجاني، تعويض أو إصلاح المحكوم عليه للأضرار الناتجة عن الفعل الجرمي في إطار نفع المجتمع وردع الفرد الجاني و حثه على عدم العودة للارتكاب هذا الفعل، فرض رقابة ردعية على المحكوم عليه عن طريق تنقيطه وتتبعه عن كثب ، الزام المحكوم عليه بالاستجابة الردعية لممارسة نشاط مهني معين أو تتبع دراسة محددة … ) وهي المقاربة التي تجعل من العقوبات البديلة أو بدائل العقوبات السالبة للحرية ضمانة أخرى من ضمانات إرساء حكامة قضائية / جنائية عادلة وناجعة، وبالتالي تعزيز أسس بناء دولة الحق والقانون.

الإحـــالات

  1. و إن كنا نتحفظ بخصوص هذه التسمية، كما يرى ذلك البعض، إذ غالبا ما تقترح تسميات أخرى من قبيل، "التدابير البديلة" أو " بدائل العقوبات "، أي أنها ليست بعقوبات بل هي مجرد تدابير وإجراءات يبقى هدفها الأول هو الهدف الإصلاحي /التقويمي.

 

  1. فؤاد عبد المنعم احمد "مفهوم العقوبة وأنواعها في الأنظمة المقارنة" ضمن أشغال الملتقى العلمي "الاتجاهات الحديثة في العقوبات البديلة" المنظم من طرف وزارة العدل السعودية بمدينة الرياض من 15 إلى 17 أكتوبر 2011.
  2. la sociologie du crime P.U.F 1982 P 56 " J.Michel Bessette
  3. عبد الله بن عبد العزيز اليوسف "علاقة علم الاجتماع بتطبيق العقوبات البديلة "ضمن أشغال الملتقى العلمي "الاتجاهات الحديثة في العقوبات البديلة " مرجع سابق.
  4. رضا متولي وهدان "ضوابط العمل بالعقوبات البديلة " نفس المرجع السابق.
  5. المنعقد سنة 1980 في كراكاس بفنزويلا.
  6. دليل المبادئ الأساسية والممارسات الواعدة في مجال بدائل العقوبات السالبة للحرية 2008.
  7. المنعقد في سلفادور بالبرازيل من 12 إلى 19 ابريل 2010.
  8. جعفر العلوي "مدخل لدراسة القانون الجنائي العام المغربي "محاضرات لطلبة السنة الأولى حقوق، جامعة سيدي محمد بن عبد الله فاس 2004 ص 21.
  9. تم تبنيها من طرف الجمعية العامة بموجب القرار رقم 110/45 بتاريخ 14 دجنبر 1990.
  10. تم تبنيها من طرف الجمعية العامة بموجب القرار 229/65 بتاريخ 21 دجنبر 2010.
  11. وهي المبادئ التي تبنتها الجمعية العامة بموجب القرار رقم 12/2001 ل 24 يوليوز 2002.
  12. ومنها أساسا قواعد الأمم المتحدة النموذجية الدنيا لإدارة شؤون الأحداث أو قواعد بيكين لسنة 1985 (قرار الجمعية العامة رقم 33/40 ) وقواعد الأمم المتحدة لحماية الأحداث المجردين من حريتهم أو قواعد هافانا لسنة 1990 (قرار الجمعية العامة رقم 113/45 ) والمبادئ المتعلقة بحماية جميع الأشخاص الذين يتعرضون لأي شكل من أشكال الاحتجاز أو السجن لسنة 1988 (قرار الجمعية العامة رقم 173 /43 ) والمبادئ أو الخطوط التوجيهية للأمم المتحدة حول الولوج إلى المساعدة القانونية في نظام العدالة الجنائية لسنة 2012.
  13. وهي المدرسة التي رأت النور مع صدور كتاب "الانسان المجرم" لصاحبه لمبروزو سنة 1876.
  14. رضا متولي وهدان ،مرجع سابق .
  15. عبد المحسن بن زايد آل مسعد "مشروعية العقوبات البديلة" ضمن أشغال الملتقى العلمي الاتجاهات الحديثة في العقوبات البديلة" مرجع سابق.
  16. نفس المرجع السابق.

 

  1. من بين هذه المبادرات :اصدار تقرير حول المؤسسات السجنية 2012 وتنظيم الندوة الدولية حول العقوبات البديلة( الرباط 30 اكتوبر 2013) والندوة الدولية حول السياسات الجنائية و آثارها على الانظمة العقابية(من 4 الى 5 فبراير 2014).
  2. تم تنصيبها بتاريخ 8 مايو 2012.
  3. "ميثاق إصلاح منظومة العدالة" الهيئة العليا للحوار الوطني حول إصلاح منظومة العدالة ،يوليوز 2013،من ص 63 الى ص 72.

 


 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock