في الواجهةمقالات قانونيةوجهات النظر

المركز القانوني لرئيس البلدية في النظامين الجزائري والتونسي

المركز القانوني لرئيس البلدية في النظامين الجزائري والتونسي

عبد الرحيم لحرش

دكتوراه قانون عام

كلية الحقوق والعلوم السياسية – جامعة تونس المنار

 

إذا كانت الدول اليوم على اختلاف أنظمتها السياسية تعيش مرحلة من المراجعة الشاملة للمنظومة التشريعية للإصلاح الإداري، فإنها لا شك تبذل غاية الجهد من أجل الاقتراب أكثر من المواطن وتلبية حاجاته العامة، ومما لا شك فيه أيضا أن اختصاصات المجالس المحلية وتحكمها في الدور المنوط بها، يفرض كأصل عام حدا من الكفاءة والتأهيل في عنصرها البشري، خاصة وأن الأمر يتعلق بمهام معقدة ومتشعبة وبمجالات وميادين مختلفة في الاقتصاد والموارد المالية والمجتمع والثقافة والبيئة وغيرها.

فالنظامين السياسيين الجزائري والتونسي مستمد من الشرعية الشعبية التي تفرض مشاركة الشعب في تسيير كل المجالس المنتخبة، وهو ما دأب عليه المشرع منذ الاستقلال إلى اليوم.

ويتأثر مدى إتساع الصلاحيات والإختصاصات الموكلة للهيئات المحلية وخاصة البلدية بالمعطيات السياسية والإقتصادية والإجتماعية السائدة بالدولة، ذلك أن الجهاز التنفيذي للبلدية يمارس صلاحيات كثيرة تمس جوانب مختلفة، حيث يمثل رئيس البلدية إحدى الركائز الأساسية في تعزيز وتطوير التنمية المحلية، كما يمثل المسؤول الأول في البلدية مظهر من مظاهر تكريس مبدأ الديمقراطية للقيام بالدور المنوط به ما لم تكن له من الإستقلالية القانونية والمادية فما يسمح له بتحقيق ذلك.

    كما أن هذه الإستقلالية قد تؤدي أحيانا إلى سوء إستخدامها والحياد عن الإطار القانوني لها، الأمر الذي يفرض ضرورة وجود آلية رقابية لعدم تجاوز هذه الحدود، وهنا تثار إشكالية التوفيق بين إستقلالية رئيس المجلس البلدي للقيام بمهامه من جهة، وبين ضرورة خضوعه لرقابة الجهة الوصية لضمان عدم حياده عن هذه المهام من جهة أخرى.

      وسنحاول في هذه الدراسة تناول الوضع القانوني لرئيس البلدية في كل من الجزائر وتونس والاشارة إلى مكانة هذا المنصب خلال المراحل التي مر بها البلدين سواء أثناء فترة الاستعمار أو في فترة الاستقلال وكذا كيفية عمله، تم شرح الاختصاصات والصلاحيات التي يتمتع بها باعتباره المسؤول الأول ممثلا لعدة أصناف للدولة والشعب.

المبحث الأول: المراحل التشريعية لانتخاب رئيس البلدية

إن النظام اللامركزي أو بالأحرى إدارة الجماعات المحلية في الجزائر وتونس مر بعدة مراحل سواء قبل فترة الإستعمار أو بعدها، ولأن المفهوم العام شبه هذه الجماعات بجماعة إنسانية، غير أنها محددة مكانا ومشخصة قانونا أي تتمتع بالشخصية القانونية، مهمتها تكمن في إدارة شؤونها المحددة على مستوى الإقليم، في إطار ما يفرضه عليها النظام القانوني المتعلق بها،[1] تحت وصاية الجماعة المركزية.[2]

وإذا كان المجلس البلدي يشكل إطارا للتعبير عن الديمقراطية محليا وفقا للدساتير التي تعترف باللامركزية كشكل من أشكال الدولة باعتبار الأخير يمثل قاعدة اللامركزية الإدارية ومكان مشاركة المواطن في تسيير الشؤون العامة، فإن رئيس البلدية أول معني بتجسيد هذه التصورات باعتبار أن:[3]

– رئيس البلدية هو المسؤول على هيئة المداولة، فهو يعرض على المجلس شتى المواضيع للمداولة بشأنها والمصادقة عليها.

– رئيس البلدية هو المسؤول عن الهيئة التنفيذية والجهاز التنفيذي للبلدية.

المطلب الأول: مكانة رئيس البلدية  قبل الاستقلال

       مرت الجزائر بظروف صعبة نتيجة التدخلات الخارجية فترة العهد العثماني من طرف الإسبان والإيطاليين بعد إحتلالهم للموانئ الجزائرية، لهذا شهدت هذه الفترة عدة تقسيمات إدارية،[4] كما أنه خلال هذه المرحلة لم تحد البلدية عن أدوارها مثل الولاية فقد كانت هدفا ووسيلة لفرض الإستعمار الفرنسي هيمنته وبسط نفوذه،[5] وقد ظهرت عدة أصناف من البلديات بداية من القوانين المنظمة لها إلى تسييرها.

لقد تم في هذه المرحلة ترقية خمس تجمعات سكانية إلى بلديات وهي الجزائر، وهران، عنابة، بجاية، ومستغانم طبقا لقرار الحاكم المؤرخ في01 سبتمبر 1834 المتضمن التنظيم البلدي، ويتألف المجلس البلدي من رئيس بلدية ومساعدين فرنسيين ومسلمين ويهود ومستشارين بلديين حيث يعين كل هؤلاء من طرف الحاكم العام، وقد تحددت صلاحيات هذا المجلس في الحالة المدنية والشرطة البلدية وتحضير الميزانية.[6] 

والأساس في هذه المرحلة ظهور هيئتان مختلفتان:

– الأولى تتكون من رئيس البلدية والمساعدين يعينون من طرف الإمبراطور أو عامل العمالة.

– الثانية وهي المجلس البلدي الذي يتراوح أعضاؤه من 9 إلى 24 عضو حسب الأهمية العددية للبلديات أي من 2000 ساكن إلى 30.000 ساكن.

– وهذه الفترة تميزت بنظام الإدارة غير مباشرة أين حلت القبائل محل المجالس البلدية و يتم انتخاب رئيس البلدية كل 3 سنوات.[7] 

كما صدر في هذه المرحلة أيضا المرسوم المؤرخ في 27 ديسمبر 1866 المتضمن التنظيم البلدي، ويتضمن هذا التنظيم مجموعة من النصوص تجعل كل المستشارين البلديين ينتخبون باستثناء الرئيس والمساعدين يعينون من طرف الإمبراطور أو عامل العمالة، كما أن، هذا المرسوم سمح للجزائريين أو الأهالي وكذلك الأجانب بالانتخاب ضامنا لهم نسبة الثلث.[8]

وقد شهدت الجزائر في مرحلة الإستعمار الفرنسي إنشاء بلديات تتمتع بالإستقلالية،[9] تسيرها مجالس منتخبة على غرار قانون سنة 1947 الذي جاء في بعض مواده منها المادتين 53 و55 اللتان قضتا على البلديات المزدوجة، لكن مشروع هذا القانون لم يجسد إلى غاية 1956 أين شهدت تزايد في عدد البلديات أين وصلت إلى 78 بلدية مزدوجة و164 بلدية تسمى مراكز بلديات و333 كاملة الاختصاص.[10]

أما في تونس فقد عرفت تونس قبل فترة إستقلالها ظهور ما يعرف بالبلدية وإن بشكل محتشم بعدما تأسس ما يعرف بمشيخة الحاضرة مع نهاية القرن الثامن عشر وتحديدا سنة 1789،[11] حيث كان شيخ الحاضرة يعين من قبل ملك تونس من بين الأعيان من كبار التجار وعلماء الزيتونة وغيرهم، وفي سنة 1858 تأسست رسميا بلدية الحاضرة أي بلدية تونس بموجب الأمر العلي المؤرخ في 30 أوت 1858 وهي المدينة التي ترأسها يومها رجل الإصلاح في تلك الحقبة، خريج المدرسة الحربية بباردو الجنرال حسين، وقد تم دمج وظيفة شيخ المدينة مع وظيفة رئيس البلدية في سنة 1858، فأصبح رئيس بلدية الحاضرة أي مدينة تونس العاصمة كما تعرف اليوم، غير أن هذه الأخيرة لم تكن تتمتع بالشخصية القانونية، وينعت رئيس البلدية منذ ذلك التاريخ وإلى غاية اليوم بشيخ المدينة، ويعين رئيس البلدية من طرف باي تونس من بين المرموقين والبارزين في المنطقة،[12] أساسا من عائلات كبار التجار أو من العلماء أو من ملاك الأراضي الكبيرة،[13] حيث نال في تلك الفترة الكثير من التكريمات والتشريفات.

المطلب الثاني: مكانة رئيس البلدية  بعد الاستقلال

     شهدت الجزائر بعد إستقلالها فراغا إداريا نتيجة قلة وغياب الإطارات الجزائرية المؤهلة لتسيير الشؤون المحلية والإدارية إضافة إلى العجز الكبير في ميزانيات البلديات بعد إنخفاض الموارد المالية التي كانت تعاني منها في تلك الفترة، كما أن المساعدات التي تم تقديمها للمتضررين من الحرب ومختلف النفقات الإجتماعية إستنزفت الخزينة المالية.

    كما واصلت السلطات الجزائرية سلسلة الإصلاحات الرامية إلى بناء البنى التحتية،[14] ففي المجال التشريعي جاء دستور 1963 واضحا في المادة 9 منه على اعتبار أن البلدية تعتبر القاعدة الأساسية للمجموعة الترابية والإدارية والإقتصادية والإجتماعية،[15] وهي الخطوة الأولى في هذه المرحلة التي تلهتا عدة قوانين للبلدية. [16]

وقد أقر الميثاق الجزائري سنة 1964 بضرورة منح الجماعات المحلية صلاحيات وسلطات تجعلها رقما في معادلة التنظيم الإداري للبلاد، وهو ما أعطى الضوء لانطلاق ترسانة من القوانين، كان من بينها صدور الأمر 67-24 الصادر بتاريخ 18 جانفي 1967 المتضمن قانون البلدية، أين كان هذا القانون بمثابة اللبنة الأولى لمنح البلدية صلاحيات أكبر لبناء هياكل الدولة والنظام السياسي في الجزائر، مع إشراك المواطنين في تسيير شؤونهم المحلية لتجسيد مفهوم النظام اللامركزي.[17] 

واعتبر الأمر67-24 البلدية النواة الأساسية لتنظيم البلاد، حيث اعتبرها مؤسسة لامركزية والوحدة الأساسية في هرم مؤسسات الدولة، لها مهام تلبية حاجات المواطنين على المستوى المحلي ونقل انشغالاتهم على مستوى السلطات المركزية، كما تعد البلدية حسب هذا الأمر ركيزة أساسية من ركائز التنمية ومحرك أساسي لها من أجل تحقيق تطور شامل والنهوض بها.[18]

كما أعطى التعديل الأول بمقتضى القانون رقم 81-09 المؤرخ بتاريخ 04 جويلية 1981، معززا بمراسيم منحت كل الصلاحيات للبلديات للقيام بدورها التنموي، من خلال إشراك المواطنين في تسيير ومراقبة شؤونهم المحلية عن طريق ممثليهم.[19]

حيث كان التنظيم البلدي يتكون من هيئتين أساسيتين وهما:

  • المجلس الشعبي البلدي: وهو يتألف من أعضاء يتم انتخابهم عن طريق الإقتراع العام المباشر لعهدة انتخابية مدتها خمس سنوات من قائمة واحدة يعدها حزب جبهة التحرير الوطني وهو الحزب الوحيد آنذاك قبل التعددية الحزبية.

ويعد المجلس الشعبي البلدي الجهاز الأساسي للبلدية، حيث يعتبر جهاز مداولة تكون جلساته علنية، حيث يشكل المجلس الشعبي لجان دائمة ومؤقتة لدراسة المسائل المتعلقة بأهداف البلدية، كما لا يجوز لأي منتخب أن يكون عضوا في أكثر من لجنتين.

  • الهيئة التنفيذية للبلدية: حيث ينتخب المجلس الشعبي البلدي رئيسا يكون من بين أعضائه المنتخبين ونائبا له أو عدة نواب، توكل لهم مهام تسيير البلدية، وقد حدد عدد نواب المجالس الشعبية البلدية في هذا القانون حسب الكثافة السكانية.

    وقد توالت الإصلاحات للجماعات المحلية بغية إعطائها الدور الحقيقي في مجال التنمية المحلية،[20] حيث كان لدستور 1989 التأثير في صدور قانون البلدية لسنة 1990، حيث إعتمد هذا الأخير على نظام التعددية السياسية من بلدية أحادية الحزب الواحد إلى بلدية ذات تعددية حزبية، بعدما أقر مبادئ الديمقراطية، حاول المشرع الجزائري التلاؤم مع المتغيرات الجديدة التي عرفتها الساحة السياسية في ذلك الوقت.[21]

كما ضمت البلدية في هذا القانون هيئتان طبقا للمادة 13 منه هما المجلس الشعبي البلدي ورئيس المجلس الشعبي البلدي.

– المجلس الشعبي البلدي: ويتكون من مجموعة من المنتخبين يتمتعون بالحقوق المدنية والسياسية يكون عمرهم 25 سنة وقت الاقتراع لمدة 5 سنوات، ويعتبر المجلس البلدي هيئة تداولية يتراوح أعضاؤه من 7 إلى 33 عضو حسب الكثافة السكانية للبلدية وفق ما حدده القانون العضوي رقم 97-07 المؤرخ في 06 مارس 1997.[22] 

رئيس المجلس الشعبي البلدي: وكما جاء في القانون 90-08 في المادة 48 “يعين أعضاء القائمة التي نالت أغلبية المقاعد عضوا من بينهم رئيسا للمجلس الشعبي البلدي يتم التنصيب في مدة لا تتعدى ثمانية أيام بعد الإعلان عن نتائج الاقتراع، يعين الرئيس للمدة الانتخابية للمجلس الشعبي البلدي”.

وقد أعطى قانون البلدية مهمة القيام بصلاحيات متعددة باعتباره ممثل للدولة من جهة وباعتباره ممثلا للبلدية كهيئة تنفيذية للمجلس الشعبي البلدي من جهة ثانية.

وقد حصر قانون البلدية حالات إنهاء مهام رئيس المجلس الشعبي البلدي في عاملين وهما:[23]

الاستقالة: وهي كل تعبير صريح ومكتوب يعبر فيه رئيس المجلس الشعبي البلدي رغبته في التخلي عن رئاسة المجلس بإرادة شخصية، حيث حدد القانون مدة شهر حتى تصبح الاستقالة سارية المفعول، في حين يمكن له سحب الاستقالة قبل انتهاء هذه المدة، وسواء في كلتا الحالتين دفع الاستقالة أم لا فإنه يظل يمارس مهامه بصفة عادية، ولا يجوز له الانقطاع عن أداء مهامه تحت أي ظرف إلا بعد انتهاء المدة القانونية في كلتا الحالتين.

سحب الثقة: وهي طريقة منحها قانون البلدية للأغلبية في المجلس بسحب الثقة منه وتجريده من صفة قانونية شرط موافقة ثلثي أعضاء المجلس لهذا الإجراء، وتكون موافقة ثلثي الأعضاء مهما كان انتمائه لأي قائمة، كما لم تحدد الأسباب التي تؤدي إلى هذا الإجراء.

أما في تونس وبعد إستقلالها عرف النظام اللامركزي تطورا سريعا تماشيا مع الإصلاحات التي تم مباشرتها بهدف الإنتقال نوعا ما من النظام المركزي إلى النظام اللامركزي الذي تم إعتباره مضرا وغير ناجع في عدة أصعدة خاصة وأن البلاد خرجت من دوامة الإستعمار،[24] الأمر الذي جعلها مرهونة بتطوير النظام اللامركزي من أجل مسايرة متطلبات التنمية، بحيث تزايد عدد البلديات بوتيرة سريعة. [25]

     في هذه الفترة لم يتغير الأمر جوهريا رغم التطور السريع للظاهرة العمرانية وإدخال بعض الإصلاحات على التنظيم البلدي، فبالرغم من توسيع مجال إختصاص السلطة المحلية بموجب القانون الأساسي عدد 33 لسنة 1975 المؤرخ في 14 ماي 1975 إلا أن السلطة المحلية بقيت تشكو من الضعف بسبب خضوعها للسلطة السياسية التي ترشح ممثليها في قوائم الحزب الحاكم، أي أن إستقلالية البلديات أمام السلطة المركزية واللامحورية كانت محدودة.[26]

المطلب الثالث: مكانة رئيس البلدية في ظل الإصلاحات الأخيرة

 إن إحداث القانون رقم 11-10 المؤرخ في 22 جوان 2011 الصادر في الجريدة الرسمية للجمهورية الجزائرية عدد 37 بتاريخ 03 جويلية 2011 المتضمن قانون البلدية، إستدرك مجموعة النقائص التي كانت في سابقيه، ولعل أهم ما جاء في القانون ، إضافة شخصية الأمين العام الذي جاء بصريح العبارة في المادة 15 على أن هياكل البلدية هي المجلس الشعبي البلدي كهيئة مداولة، وهيئة تنفيذية يرأسها رئيس المجلس الشعبي البلدي وإدارة ينشطها الأمين العام تحت سلطة رئيس المجلس، كما جاءت المادة 29 من قانون البلدية لتعترف صراحة للأمين العام بممارسة أمانة المجلس الشعبي البلدي، والمادة 125 التي نصت على أن البلدية إدارة توضع تحت سلطة رئيس البلدية ينشطها الأمين العام، وجاءت المادة 129 بإعطاء دفع كبير للأمين العام للبلدية بمنحة صلاحية تنشيط وتنسيق المصالح الإدارية والتقنية وضمان تنفيذ القرارات ذات الصلة بتطبيق المداولات المتضمنة الهيكل التنظيمي ومخطط تسيير المستخدمين المنصوص عليها في المادة 126 إضافة إلى مهام أخرى كإعداد مشروع ميزانية البلدية وتسيير أرشيف البلدية في المادة 139، كما تم إضافة صلاحيات جديدة لرئيس المجلس الشعبي البلدي، مبينا شروط إنتخابه، وكذا عمل البلدية ومصادر تمويلها، كما منح القانون الأولوية للمنتخبين الشباب في حال تعادل الأصوات.

 يؤكد هذا القانون على بروز كفاءات وأجيال جديدة من القيادات للنساء والشباب، في تغير جديد لإستراتيجية الجزائر، نحو إعطاء دفع جديد للتنمية في البلديات بتسيير أكثر ديناميكية، وفي هذا الإطار عالج هذا الأخير المتطلبات المشروعة والمختلفة المرتبطة بالعصرنة الشاملة التي تستدعي إستجابات من نمط جديد، بعد حالة الركود والعجز الذي شهدته أغلب ولايات الوطن.

ويهدف هذا القانون إلى استقرارا هيئات البلدية وتدعيم الاقتراع الشعبي والسهر على تماسك المجلس الشعبي البلدي، وتفادي استحواذ جماعات المصالح على هيئات البلدية لأغراض شخصية، خاصة أمام المشاكل الكبيرة والنزاعات بين الكتل السياسية والأشخاص التي عرفتها مختلف المجالس.

وقد منح النص الجديد صلاحيات إضافية لرئيس المجلس الشعبي البلدي، مبينا شروط انتخابه، وكذا عمل البلدية ومصادر تمويلها، كما منح القانون الجديد الأولوية للمنتخبين الشباب في حال تعادل الأصوات.

وخلافا للوضع الذي كان سائدا في النظام الإشتراكي للأحادية السياسية وحسب النظام الإنتخابي السابق سواء القانون البلدي لسنة 1967 أو قانون الإنتخابات لسنة 1980، كان المجلس يقوم بجميع أعضاءه بعد تنصيبه بانتخاب أحد الأعضاء رئيسا له، غير أنه وخلافا للنظام التأسيسي التعددي طبقا للقانون البلدي رقم 90-08 حيث كان يقوم أعضاء القائمة التي نالت أغلبية المقاعد بتعيين عضو منها رئيسا للمجلس الشعبي البلدي لمدة 5 سنوات، إلا أن القانون البلدي الجديد 11-10 أقرت بأنه” يعلن رئيسا للمجلس الشعبي البلدي متصدرا للقائمة التي تحصلت على أغلبية أصوات الناخبين وفي حالة تساوي الأصوات يعلن رئيسا الأصغر سنا”.

ففي تونس فقد كان الفصل 56 من القانون الأساسي للبلديات ينص على أن رئيس البلدية يقع إختياره من بين أعضاء المجلس كبقية الدول، إذ يعين على رأس كل بلدية كهيئة تمثل السلطة التنفيذية، إلا إن مجلة الجماعات المحلية لسنة 2018 التي جاءت بعد ثورة الياسمين وضعت العديد من الخطوط العريضة وأحدثت القطيعة مع سلطة الإشراف باعتبار أن القضاء هو الفيصل في كل النزاعات أو الرقابة أو إلغاء القرارات والمداولات وغيرها، وقد جاء الفصل 203 من مجلة الجماعات المحلية بانتخاب المجلس البلدي في أول اجتماع له من بين أعضائه رئيسا ومساعدين وفقا لأحكام القانون الانتخابي، ويمكن لرئيس الجماعة أو لثلث أعضاء المجلس الطعن في قرارات الايقاف أو الحل أمام المحكم الإدارية الابتدائية المختصة.

المبحث الثاني: صلاحيات رئيس البلدية المتعددة

     عهد القانون البلدي رقم 11-10 في الجزائر صلاحيات متنوعة لرئيس البلدية بإعتباره ممثلا للدولة من جهة وبإعتباره هيئة تنفيذية للمجلس البلدي من جهة أخرى وبإعتباره ممثلا للبلدية في حد ذاتها من جهة ثالثة.

ونظرا لتشعب اختصاصات رئيس البلدية وتعدد صلاحياته فإن الواقع العملي يفرض أسلوبا معينا لعمله ورسم ميكانيزمات محددة يتم على ضوئها أداؤه لمهامه الإنتخابية. [27]

أما في تونس فيتخذ لرئيس البلدية صنفين أساسين من الإختصاصات فهو يمثل البلدية كجماعة محلية لا مركزية من جهة ويمثل الدولة بإعتباره عون غير مركزي من أعوان الدولة من جهة أخرى، كما تعززت إختصاصات جديدة لرئيس البلدية في مجلة الجماعات المحلية لسنة 2018 تماشيا مع الباب السابع من دستور 2014 المتعلق بالسلطة المحلية.

المطلب الأول: صلاحيات تجعله ممثلا للدولة

    عزز المشرع الجزائري في قانون البلدية صلاحيات متعددة لرئيسها بإعتباره يمثل الدولة على مستوى الإقليم،[28] كما يتمتع بصفة ضابط الحالة المدنية التي تخوله للقيام بإبرام جميع العقود المدنية ذات الطابع الرسمي تحت وصاية النائب العام المختص إقليميا، مع جواز تفويض إمضاءه لمندوبين خاصين ولكل موظف بلدي فيما يخص إستقبال التصريحات بالولادة والأحكام في سجلات الحالة المدنية بإعداد وتسليم كل العقود، إلى جانب التصديق على كل توقيع يقوم به أي مواطن بعد تقديم وثيقة الهوية، وتحت إشراف الوالي يقوم الرئيس بتبليغ القوانين والتنظيمات على مستوى إقليم بلديته،[29] كما يسهر على الحفاظ على النظام العام والسكينة والنظافة العمومية، مع السهر على حسن التدابير الإحتياطية والوقاية منها والتدخل في مجال الإسعاف، بالإضافة لهذا يخول لرئيس المجلس البلدي اتخاذ كل القرارات المتعلقة بهدم الجدران والعمارات والبنايات الآيلة للسقوط طبقا للتشريع المعمول به، وفي حالة الكوارث الطبيعية والتكنولوجية التي تمس إقليم البلدية يناط بالرئيس تفعيل مخطط الإسعافات لحماية الأشخاص والممتلكات مع إخطار الوالي.[30]

ويقوم أيضا رئيس البلدية بصفة ضابط الشرطة القضائية، من خلال تسخير قوات الشرطة أو الدرك الوطني المختصة إقليميا، ويعهد القانون لرئيسها اتخاذ كل إجراء من شأنه ضمان تدعيم الجانب الوقائي وكذا سلامة الأشخاص والممتلكات على أن يعلم الوالي بذلك، كما يعهد له تنظيم ضبطية الطرقات المتواجدة في إقليم البلدية واتخاذ الإحتياطات الضرورية لمكافحة الأمراض المتنقلة والوقاية منها، إضافة إلى حماية التراث التاريخي والثقافي ورموز ثورة التحرير الوطني، والسهر على إحترام المقاييس في مجال السكن والتعمير ونظافة الشوارع والساحات العمومية، ومنع تشرد الحيوانات المؤدية والضارة، والسهر على سلامة المواد الغذائية الاستهلاكية المعروضة للبيع، وكذلك السهر على حماية البيئة وضمان ضبطية الجنائز والمقابر حسب الشعائر الدينية المختلفة.[31]

أما في تونس فقد أوكل القانون التونسي لرئيس البلدية مجموعة من المهام باعتباره هيئة تمثل الدولة على المستوى المحلي، إذ يتمتع رئيس البلدية في تونس كضابط للحالة المدنية.

ويمكننه أن يفوض بسلطته عن طريق قرار بالإمضاءات وغيرها لمساعديه والكاتب العام للبلدية والأعوان التابعين للبلدية إضافة للموظفين من صنفي “أ” و “ب” غير الشاغلين لخطط وظيفية والذين لهم على الأقل خبرة سنتين في الميدان، ما لم تعرض قرارات التفويض على الوالي.

ففي فرنسا مثلا يتولى العمدة ممارسة عدة اختصاصات يتسلمها مباشرة من المشرع دون ربط بالمجلس البلدي الذي لا يستطيع أن يتدخل فيها كقاعدة عامة، حيث أن البعض من هذه الإختصاصات ينجزها العمدة وحده، يمارسها بصفته عاملا بلديا، أي عاملا باسم ولحساب الكميونة كجماعة إقليمية لها شخصية قانونية عامة مميزة والبعض الآخر يمارسها العمدة بصفته عاملا مركزيا للدولة، ولكن من المفيد أيضا للإشارة إلى النوع الثاني من الإختصاصات التي يمارسها العمدة بصفته عاملا للإدارة المركزية أو أكثر اتساعا عاملا للدولة في الجماعة المحلية.

فهو مكلف بمراقبة الإدارة العليا بالتراتيب للبلدية وتنفيذ مقررات السلطة العليا المتعلقة بها،[32] حيث يهدف الضبط المحلي الممارس من قبل رئيس البلدية إلى تحقيق أمن العموم وتسهيل المرور بالشوارع والساحات والطرق العمومية وكل ما تعلق براحة المواطن والمحافظة على إطار العيش السليم له، كما يلاحظ أن رئيس البلدية إقتصر دوره في هذا المجال على اتخاذ الإجراءات اللازمة في مجال الصحة بإدماج الجانب البيئي لنظافة المحيط بعد تعديل سنة 1995، أين تم إقصاء تدخل رئيس البلدية في مجال الأمن العام الذي إحتفظ به التعديل للوالي وحده.[33]

منح المشرع التونسي في مجلة الجماعات المحلية لسنة 2018 تكليف الوالي لأعوان قوات الأمن الداخلي ومختلف أعوان المراقبة بتنفيذ القرارات المتخذة في نطاق التراتيب البلدية، إذ أن رئيس البلدية مكلف بالتراتيب وتنفيذ قرارات المجلس البلدي، إلا أن تسخير قوات الأمن وأعوان الداخلية يكون للوالي بإستثناء الموجبات القصوى للأمن العام أين تلتزم الدولة بتنفيذ كل القرارات البلدية بالقوة العمومية عند الإقتضاء وتعيين مخاطبا أمنيا لكل رئيس بلدية من طرف السلطة المركزية، كما حدد المشرع إختصاص الضبط لرئيس البلدية وإقتصارها في مجال تحقيق السكينة والراحة والصحة العامة والمحافظة على إطار العيش والسلم،[34] وبالتالي ضمان الأمن والكرامة والجمالية والسلامة البيئية والإستقرار لمختلف الفئات والأجيال سواء كان ذلك ملك للدولة بالمنطقة البلدية أو ملكا للبلدية[35].

إضافة لهذا يتولى رئيس المجلس إسناد رخص التقسيم والبناء والهدم وإعداد القوائم الإنتخابية ومراجعتها[36].

ويتعين أيضا على رئيس البلدية بعد إستيفاء إجراءات التنبيه وبناءا على محاضر قانونية، إصدار قرارات هدم البناءات غير المرخص لها أو التي لا تحترم شروط العقد، خاصة إذا لم تقم بتسوية وضعيتها من طرف مكتب المجلس وإشهار العملية في غضون 3 أشهر، إلى جانب ذلك يتعين على رئيس الوحدة الأمنية المختصة رفع تقرير لرئيس البلدية حول نتائج عمليات الهدم في ظرف شهرين من قرار الرئيس،[37] ويمكن لرئيس البلدية أن يفوض بقرار جانبا من سلطته في إمضاء القرارات الترتيبية لمساعديه وكواهي الرئيس بصورة إستثنائية للمستشارين البلديين، على أن ينشر ذلك في الجريدة الرسمية للجماعات المحلية، إلى جانب ذلك حدد المشرع في تونس لرئيس البلدية تفويض الموظفين للتعريف بالإمضاء والإشهاد بمطابقة النسخ للأصل وإمضاء وثائق الحالة المدنية بإستثناء إبرام عقود الزواج.[38]

المطلب الثاني: صلاحيات بإعتباره على رأس هيئة تنفيذية

     أقر القانون لرئيس المجلس البلدي في الجزائر إختصاص إستدعاء الهيئة التنفيذية، حيث يبلغ الأعضاء بجدول الأعمال، كما يتخذ كل الإجراءات التي تسهل عملية تنفيذ المداولات، مع تقديمه تقريرا لضمان تنفيذها، تتكون الهيئة التنفيذية التي تساعد رئيس البلدية التي تتولى الإشراف ومتابعة المداولات، على عدد يتراوح بين نائبين إلى ستة نواب حسب تعداد أعضاء المجلس على النحو التالي:

– 02 نائبان في البلديات التي تتكون من 7 إلى 9 مقاعد.

– 03 نواب في البلديات التي تتكون من 11 مقعد.

– 04 نواب في البلديات التي تتكون من 15 مقعد.

– 06 نواب في البلديات التي تتكون من 33 مقعد.

غير أن قانون القانون العضوي رقم 16-10 المؤرخ في 25 غشت 2016 المتضمن قانون الإنتخابات، في المادة 79 نجدها عدلت في الأرقام الموضوعة في قانون البلدية، بحيث أن البلديات التي تتكون من 7 و9 و11 مقعد لم يعد لها وجود، ذلك أن الحد الأدنى لمقاعد المجلس الشعبي البلدي في قانون الإنتخابات لسنة 2012 هو 13 مقعدا ما يستوجب 04 نواب كحد أدنى، أما البلديات التي بها 43 مقعدا فقد إكتفى القانون بمنحها 6 نواب مثلها مثل البلديات ذات 33 مقعدا.  

ففي تونس يساعد رئيس المجلس البلدي في تسيير شؤون البلدية مكتب بلدي يتكون من مساعدين ورؤوساء اللجان ورؤوساء الدوائر وعند الإقتضاء الكاتب العام للبلدية، حيث يجتمع المجلس البلدي مرة في الشهر على الأقل على أن يترأسه الرئيس أو من ينوبه في حالات غيابه المبرر، تتضمن المداولات محاضر مدونة في دفتر خاص يكون مرقم وموقع عليه من طرف الرئيس، على أن يجوز لبقية الأعضاء الإطلاع عليه في أي وقت، وقد حددت مجلة الجماعات المحلية لسنة 2018 عدد مساعدي الرئيس بخمس أعضاء المجلس دون إحتساب رؤوساء الدوائر الذين لهم صفة نائب رئيس، كما إستثنت المجلة أعوان الإدارات المالية المختصون بالنظر في الحسابات وإستخلاص المعاليم من أن يكونوا رؤوساء أو مساعدين في البلديات التي تضم ولاية إقامتهم، بحيث لا يمكن لأجراء الرئيس أن يكونوا مساعدين له، على أن ينتخب الرئيس ومساعدوه من طرف المجلس البلدي بالإقتراع السري وبالأغلبية المطلقة لأعضائه[39].

المطلب الثالث: صلاحيات تجعله ممثلا للبلدية

        أقرت مجموعة من المواد القانونية في الجزائر لرئيس المجلس البلدي صلاحيات متنوعة بإعتباره ممثلا للبلدية، منها تمثيله للبلدية في جميع التظاهرات الرسمية، وكل أعمال الحياة المدنية والإدارية وفق ما يعهده القانون، إلى جانب استدعاءه للمجلس وإعداد جداول أعمال الدورات وتنفيذ المداولات[40].

إلى جانب هذا يتولى رئيس البلدية تنفيذ الميزانية ومتابعتها كونه الآمر بالصرف وفق ما يقتضيه القانون، وباعتباره المسؤول الأول في البلدية عهد له المشرع مهمة القيام بجميع التصرفات الخاصة بالمحافظة على الأملاك والحقوق والتقاضي بإسمها وإبرام عقود الصفقات، وإتخاذ كل قرارات التقادم والإسقاط، مع ممارسة حقوقه على الأملاك العقارية والمنقولة والمحافظة على الأرشيف، وكل ما يجعله يحافظ على السير الحسن للبلدية[41].

وفي تونس فقد منح المشرع التونسي لرئيس البلدية وظائف متعددة على غرار ما كان عليه الوضع في السابق، فرئيس البلدية يعد مسؤولا في نطاق القانون عن مصالح بلديته المتمثلة في[42]:

– تنشيط المجلس البلدي وإعداد الميزانية بمساعدة المكتب البلدي والسهر على تركيز اللجان وحسن سير أعمالها، إضافة لإعداد الميزانية طبقا للنظام المالي مع إصدار الأذون بالدفع ومراقبة حسابية البلدية وتفرعاتها والتخاطب مع القابض المتعهد بالمالية البلدية حول إستخلاص الديون.

إلى جانب ذلك يقوم بالطعن لدى المحاكم لحماية مصالح البلدية ونياباتها في القضايا الإدارية والمالية، ويتخذ المسؤول الأول للبلدية بإعداد كل المقررات المتعلقة بالعقود العامة وتنفيذها وخلاصها مع الأخذ بالإعتبار لمبلغها ونوعها.

– ضبط جدول أعمال ومقررات المجلس البلدي والدفاع عن مصالح البلدية بكل الطرق القانونية.

– تمثيل البلدية في جميع الأعمال المدنية والإدارية وفقا لما هو مشروط عليه في النصوص القانونية، مع إتخاذ التدابير اللازمة بإسم البلدية لإدارة الممتلكات ورعاية الحقوق التي يتكون منها الملك البلدي والمحافظة عليها كما هو مكلف بصفة عامة بما يلي:

– التصرف في مداخيل البلدية وإصدار الإذن بالدفع ومراقبة حساباتها.

– إبرام عقود البيع والمعاوضة والمقاسمة والإقتناء والمصالحة وقبول الهبات والتبرعات وكذلك الصفقات إن كان ذلك مرخصا به طبقا لأحكام القانون شرط موافقة المجلس، كما يبرم رئيس المجلس الصلح على أن يتم عرضه على مصادقة المكتب البلدي.

– إتخاذ كل الإجراءات التحفظية أو ما يوجب إيقاف سقوط الحق.

إضافة إلى أن رئيس البلدية مكلف بتركيز مصالح بلديته وحسن تسييرها، فهو يعمل على:

– تسيير أعوانها والسهر على العناية بالمحفوظات وإتخاذ التدابير المتعلقة بالطرقات البلدية وكل ما يهم الأمن العام والشوارع والطرقات والساحات من تنظيف وإصلاح وهدم، وكل الإجراءات التي تخص التلوث الناجم عن المؤسسات الصناعية والتجارية المتمركزة في تراب البلدية[43]، إضافة إلى إتخاذ الإجراءات اللازمة للمحافظة على جمالية المدينة وشوارعها والوقاية من كل الأخطار على غرار الكوارث والآفات والحيوانات المفترسة.

نستخلص مما سبق أن المشرع وسع في الصلاحيات الممنوحة لرئيس البلدية في الجزائر بإعتباره ممثلا للدولة وضيق من صلاحياته بإعتباره ممثلا للبلدية وعلى النقيض من ذلك نجد في تونس أن المشرع منح رئيس البلدية صلاحيات أوسع بإعتباره ممثلا للبلدية وضيق من صلاحياته بإعتباره ممثلا للدولة، وقد تم إستحداث إختصاصات لم تكن ممنوحة له في السابق والمتمثلة على وجه الخصوص في المجالات الإقتصادية لإعطاء دفع للتنمية الإقتصادية ووضع شبكة صناعية وتطوير العمل الصناعي.[44]

وعليه فإن رئيس البلدية في الجزائر وتونس يتولى ممارسة مجموعة من الصلاحيات المتنوعة والمتعددة، حيث يشترك عمل رئيس البلدية في الجزائر وتونس في أن المشرع منح لهما صلاحيات بصفتهما ممثلان للدولة والبلدية، غير أنه يلاحظ أن المشرع الجزائري تناول هذا التوزيع بشكل واضح مميزا بين كل صنف وهو ما لم يتطرق له المشرع التونسي.

 

خاتمة

     من خلال هذه الدراسة يمكن القول أن مكانة رئيس البلدية في الجزائر وتونس شهدت تطورا كبيرا عبر مختلف المراحل، الأمر الذي جعل منها تتعزز بترسانة قوية من التشريعات التي تمنح للمسؤول الأول في البلدية المكانة الحقيقية له استجابة لحتميات وعوامل عديدة فرضتها الإصلاحات الأخيرة، وقد أدى إقرار استقلالية المؤسسات المحلية وإقحام البلدية في مجالات كثيرة أهمها الاستثمارات الاقتصادية، سيعمق من حجم الاستقلالية المالية التصرف في الموارد بكل حرية خاصة في تونس بعد إنهاء إجراءات رقابة الاشراف والاكتفاء بالرقابة اللاحقة المتمثلة أساسا في القضاء، على غير الجزائر التي لا تزال تتمسك برقابة الوصاية تحت سلطة الوالي ممثلا عن السلطة المركزية في الكثير من الإجراءات التي من شأنها أن تكون مقيدة لحرية رئيس البلدية وعائقا على التنمية في بعض الأحيان بإلغائه للمداولات أو التحفظ عليها، إلا أن هذا لن يكون مانعا من فرض رئيس البلدية سلطته في تنفيذ صلاحياته الواسعة التي منحها له المشرع.

 

[1] – فائق مشعل العبيدي وآخر، مداخلة بعنوان التوجهات التنموية ومتطلبات إصلاح وتطوير الإدارة المحلية، أعمال إدارة التغيير في الإدارات المحلية والبلدية، المنظمة العربية للتنمية الإدارية، 2011، ص236.

[2]Ben Achour (Y), Droit Administratif, 3éme édition, Centre de Publication Universitairen, Tounise, 2010, p179.

[3] _ جلول شيتور، المركز القانوني لرئيس المجلس الشعبي البلدي، مجلة العلوم الانسانية، جامعة محمد خيضر بسكرة، العدد الثالث، أكتوبر 2002، ص 178.

[4]– علي محمد، مدى فاعلية دور الجماعات المحلية في ظل التنظيم الإداري الجزائري، رسالة لنيل شهادة الماجستير، جامعة أبوبكر بلقايد، تلمسان، 2011/2012، ص9.

[5] – محمد خشمون، مشاركة المجالس البلدية في التنمية المحلية، رسالة لنيل شهادة دكتوراه علوم، جامعة منتوري قسنطينة، 2010/2011، ص136.

[6] – محمد العربي سعودي، المؤسسات المحلية في الجزائر الولاية– البلدية 1516-1962، ديوان المطبوعات الجامعية، طبعة ثانية، الجزائر، 2011، ص172.

[7] محمد خشمون، مشاركة المجالس البلدية في التنمية المحلية، مرجع سابق، ص 137.

[8] – محمد العربي سعودي، المؤسسات المحلية في الجزائر الولاية– البلدية 1516-1962، مرجع سابق، ص 174.

[9] – محمد الصغير بعلي، الإدارة المحلية الجزائرية، دار العلوم لنشر والتوزيع، الجزائر، 2013، ص 39 وما يليها.

[10] – مع اندلاع الثورة التحريرية في الفاتح من نوفمبر عام 1954 شرعت السلطات الاستعمارية بإقامة مصالح خاصة بشؤون الجزائريين لتأطير وتعزيز العمال في الوحدات الإدارية والجماعات المحلية خوفا من صدى اندلاع الثورة التحريرية ومراقبة تحركات العمال بصفة خاصة والمجتمع الجزائري عامة.

[11] في العديد من الدول تستعمل نظام العمدة ونظام المحافظ حيث يقوم هذا النظام على أساس وجود تنفيذي يجمع ما بين الصفة السياسية والصفة التنفيذية ويكون هذا الرئيس هو رئيس المجلس المحلي والمجلس التنفيذي معا، ويسود هذا النظام في كثير من الدول كالمملكة العربية السعودية والسودان ومصر والولايات المتحدة الأمريكية وفرنسا.

[12] – ماجد البرهومي، اللامركزية الإدارية في تونس، يومية إيلاف الإلكترونية – www.elaph.com، الخميس 20 نوفمبر 2014.

[13] _أجمع المؤرخون على أنه رغم وجود قيادات وسطية في تونس في تلك الحقبة وإن كانت ضعيفة أو شبه غائبة تماما، إلا أن تونس كانت الدولة المغاربية الأكثر تمركزا وإندماجا ممثلة أساسا في القيادات والخلايف والمشائخ.

[14] _ إتخذت السلطات الجزائرية مجموعة من الإصلاحات، أهمها الإعتماد على الإطار القانوني الذي ورثته عن الإستعمار بموجب القانون رقم 62-157 المؤرخ في 3 ديسمبر 1963، ومن جملة الإصلاحات التي إتخذتها القيادة أناداك الإصلاح الإقليمي للبلديات أين تم تقليص عدد البلديات إلى 676 بلدية في 16 ماي 1963 بعد ما كان عددها 1500 بلدية سنة 1962، أي بمعدل سكاني قدره 18 ألف نسمة لكل بلدية، ناهيك على تغيير أسماء بعض البلديات ودمج بعضها الآخر.

[15] – كواشي عتيقة، اللامركزية الإدارية في الدول المغاربية، رسالة لنيل شهادة الماجيستير، جامعة قاصدي مرباح ورقلة، الجزائر، 2010-2011، ص87.

[16] – عبد النور ناجي، دور الإدارة المحلية في تقديم الخدمات العامة تجربة البلديات الجزائرية، مجلة دفاتر السياسة والقانون، جامعة قاصدي مرباح ورقلة، العدد الأول، ماي 2009، الجزائر، ص155.

[17] – كواشي عتيقة، اللامركزية الإدارية في الدول المغاربية، رسالة لنيل شهادة الماجيستير، جامعة قاصدي مرباح ورقلة، الجزائر، 2010-2011، ص87.

[18] علي ساسي ، تنظيم وتمويل الجماعات المحلية في الجزائر، مذكرة تخرج لنيل شهادة الماجيستير، جامعة الجزائر 03، 2008/2009، ص54.  

[19]  – شيوح بن عثمان، دور الجماعات المحلية في التنمية المحلية – دراسة حالة البلدية ، مذكرة لنيل شهادة الماجستير، جامعة أبي بكر بلقايد تلمسان، الجزائر، 2010/2011، بدون ص.

[20]  – قادة دليلة، دور تكنولوجيا المعلومات والاتصالات في تحسين أداء الجماعات المحلية في الجزائر– دراسة حالة ولاية بومرداس، مذكرة لنيل شهادة الماجستير، جامعة الجزائر3، 2010/2011، ص 37.

[21] _ كانت هذه الإصلاحات بمثابة قفزة نوعية في تأهيل الجماعات المحلية إداريا وسياسيا وإقتصاديا، حتى تكون أكثر إستعدادا للمتغيرات المستقبلية من خلال إشراك المواطنين في تسيير ومراقبة شؤونهم المحلية عن طريق ممثليهم.

[22]  – انظر المادة 75 من الأمر 97-07 المؤرخ في 06 مارس 1997، المتضمن القانون العضوي المتعلق بنظام الانتخابات، الجريدة الرسمية للجمهورية الجزائرية العدد 12 المعدل والمتمم بالعدد 09 لسنة 2004  .

[23]  – عمار بوضياف، التنظيم الإداري في الجزائر بين النظرية والتطبيق، دار الجسور للنشر والتوزيع، ط2، الجزائر،2014، ص 217 ص218.

[24] – الصغير الزكراوي، الجباية المحلية واللامركزية في تونس، أطروحة دكتوراه في القانون العام، جامعة تونس المنار، 2005-2006، ص29.

[25] _ إكتفى المشرع التونسي في دستور 1959 في الفصل 71 بإقرار وجود الجماعات المحلية، كما لم يوضح مفهوم اللامركزية بشكل صريح، لتنظم البلديات بعدها بموجب الأمر العلي المؤرخ في 14 مارس 1957، الذي أثار جدلا بين الدارسين لعدم مواكبته للدور المنوط بعهدة البلديات ووطأة الرقابة مع ضعف الموارد المالية.

[26] – محمد رضا جنيح، القانون الإداري، طبعة ثانية محينة، مركز النشر الجامعي، تونس، 2008، ص115.

[27]– هدى نويوة، صلاحيات رئيس المجلس الشعبي البلدي في الجزائر بين التبعية والإستقلالية، مجلة العلوم الإنسانية، عدد 46، جامعة قسنطينة 1، الجزائر، ديسمبر 2016، ص280.

[28]– أنظر المادة 85 من القانون البلدي الجزائري رقم 11-10.

[29]– لقد وردت أيضا صلاحيات رئيس المجلس الشعبي البلدي تحت هذا العنوان في كثير من النصوص منها قانون الحالة المدنية من الأمر رقم 70-20 المؤرخ في 19 فبراير من سنة 1970 وقانون الإجراءات الجزائية رقم 17-07 وقانون الإنتخابات رقم 16-10 المؤرخ في 25 غشت لسنة 2016.

[30]– أنظر المواد 87 و88 و89، من نفس القانون البلدي الجزائري.

[31]– أنظر المواد 92 و93 و94، من نفس القانون البلدي الجزائري رقم 11-10.

[32]– أنظر الفصل 80 من القانون عدد 33 لسنة 1975 المتعلق بالقانون الاساسي للبلديات بتونس.

[33]– أنظر الفصول 11 و12 و13 و14 من القانون عدد 52 لسنة 1975 المؤرخ في 13 جوان 1975 المتعلق بالإطارات العليا للإدارة الجهوية بتونس.

[34]– أقر المشرع الفرنسي للعمدة صلاحيات تحت إشراف الإدارة العليا بالبوليس البلدي والبوليس الريفي وتنفيذ أعمال السلطة العليا التي تكون مرتبطة بها دون تحديد، فالفقه التقليدي اعتبر العمدة عاملا لا مركزيا في ممارسته لاختصاصات البوليس تحت إشراف الإدارة العليا.

[35]– الفصل 257 من المجلة، وترمي التراتيب الضبطية إلى تحقيق الراحة والصحة العامة والمحافظة النظام العام والآداب العامة في إطار العيش السليم.

[36]– رخصة البناء هي القرار الإداري الصادر من سلطة مختصة قانونا تمنح بمقتضاه للشخص الحق في البناء بمعناه الواسع طبقا لقانون العمران، وكذلك رخصة البناء هي الإقرار الإداري الصادر عن سلطة مختصة قانونا تمنح بمقتضاه الحق للشخص طبيعيا او معنويا بإقامة بناء جديد أو تغيير بناء قائم قبل البدء في أعمال البناء التي يجب أن تحترم قواعد قانون العمران.

[37]– أنظر الفصلين 258 و259 من مجلة الجماعات المحلية لسنة 2018.

بقطع النظر عن دفع المعاليم المطلوبة للبلدية لا يمكن تسوية مخالفات رخص البناء إلا متى تم احترام مسافات التراجع عن الطرقات والأنهج وأملاك الدولة والجماعات المحلية والمنشآت العامة والاتفاق مع الأجوار المتضررين، ويحدد معلوم لمخالفة بحسب ثلث سعر البيع لكل متر مربع إضافي تحدده المحكمة الابتدائية المختصة ترابيا بناء على تقرير خبير تعينه لهذا الغرض.

[38]– الفصلين 261 و262 من قانون أساسي عدد 29 لسنة 2018 مؤرخ في 9 ماي 2018 يتعلق بـ م.ج.م لسنة 2018 ، الرائد الرسمي للجمهورية التونسية، عدد 39 صادر بتاريخ 15 ماي 2018.

[39]– الفصل 269 من مجلة الجماعات المحلية لسنة 2018.

[40]– المواد 77 و78 و79 و80 من القانون البلدي الجزائري رقم 10-11

[41]– المادتين 81 و82 من القانون البلدي الجزائري رقم 10-11

[42]– الفصول 263 و264 و265 و266 و267 من مجلة الجماعات المحلية لسنة 2018.

[43]– في عام 1992 أعطت خطة النشاط البيئي الخامسة للإتحاد الأوروبي للحكم المحلي دورا أكبر من الخطط السابقة، إذ تستطيع الجماعات المحلية أن تؤدي دورا كبيرا في حماية البيئة من خلال التحكم في معدل التلوث البيئي بتطبيق القوانين والقواعد والحفاظ على الصحة العامة والسلامة لتقليل الآثار البيئية السلبية.

[44]– جلول شيتور، المركز القانوني لرئيس المجلس الشعبي البلدي، مرجع سابق، ص 184.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق