في الواجهةمقالات قانونية

تأثير كورونا -كوفيد19- على المعاملات العقارية – محمد براد

إعداد: محمد براد

خريج ماستر قانون العقار والتعمير –جامعة ابن زهر- أكادير

منتدب قضائي متمرن

مقال تحت عنوان ” تأثير كورونا -كوفيد19- على المعاملات العقارية

مقدمة:

للعقار دورا بارزا في تحقيق التنمية المستدامة في شتى تجلياتها، باعتباره الأرضية الأساسية التي تنبني عليها السياسات العمومية للدولة في مختلف المجالات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والبيئية، وذلك من خلال  توفير الوعاء العقاري اللازم لإنجاز البنيات التحتية الأساسية والمرافق العمومية، وتوفير السكن المتنوع الذي يستجيب لحاجيات مختلف الفئات الاجتماعية، فضلا عن دعم الاستثمار المنتج في مختلف مجالات الفلاحة والصناعة والخدمات وغيرها.[1]

فكان العقار أحد الآليات الرئيسية لدعم مختلف القطاعات الحيوية داخل الدولة، وذلك من خلال المعاملات التي تعرفها المنظومة العقارية، بدءا من مساطر تطهيره، كآلية لتحقيق الأمن التعاقدي وتهيئة الأرضية الأساسية للمستثمر وطنيا كان أو أجنبيا، وتسهيل المعاملات المرتبطة بتداول العقار داخل السوق العقاري، وصولا إلى كون العقار محل مختلف العلاقات الكرائية بين المتعاقدين، وغيرها من المعاملات التي تعرفها المنظومة العقارية في مفهومها الواسع.

غير أن ما يعرفه العالم في الوضعية الراهنة بسبب تداعيات مرض كورونا -كوفيد19، الذي عرف انتشارا واسعا بين النفوس البشرية منذ بداياته، كانت له تأثيرات واضحة المعالم على مختلف القطاعات الحيوية بكل دول العالم وعلى العنصر البشري بدرجة أولى، إذ أن الأمر لا يتعلق اليوم، بأزمة نظام اقتصادي كما كان الحال عليه سنة 1929، ولا حتى بأزمة مضاربة وجشع مؤسسات بنكية وأشخاص إبان أزمة القروض المسمومة لسنة 2008، بل هي أزمة تحديد مصير الإنسانية،[2] الأمر الذي جعل مختلف الدول تلجأ حماية لكيانها ولمواطنيها بالدرجة الأساس إلى اتخاذ العديد من التدابير الاحترازية اختلفت بشكل طفيف بين مجمل الدول، الشيء الذي جعل لهذه الأخيرة آثارا واضحة المعالم -كما سبق بيان ذلك- على مختلف القطاعات الحيوية، فكيف لقطاع العقار، باعتباره أحد أكثر القطاعات حساسية، أن يبقى في منأى عن تداعيات وتأثيرات التدابير الاحترازية الرامية للحد من انتشار وباء كورونا -كوفيد19.

فكان لموضوع تأثير كورونا -كوفيد19 على المعاملات العقارية على ضوء ما سبق، أهمية بالغة سواء على المستوى القانوني لاعتباره أحد القطاعات التي أولاها المشرع المغربي عناية خاصة من خلال مسلسل الإصلاحات التشريعية التي عرفتها المنظومة العقارية والتي أبانت العديد منها عن ضعفها في تدبير المنظومة العقارية أمام تأثيرات مرض كورونا -كوفيد19، كما تظهر أهمية الموضوع على المستوى الاقتصادي لاعتبار موضوع الدراسة يشكل أحد القطاعات التي تعتمد عليها الدولة ضمن اقتصادها الوطني، فضلا عن مكمن أهميته الاجتماعية لاعتباره ملجأ مختلف فئات المجتمع عن طريق الاستعمالات المخصص لها سواء للسكن أو لممارسة الحرف المهنية أو التجارية أو غيرها.

فلا شك أن للموضوع راهنية أساسية نظرا لما يمتاز به القطاع العقاري من عناصر أساسية تشكل إحدى الآليات الفعالة ضمن السياسة الاقتصادية العامة للدولة، فكان بذلك أحد أهم القطاعات المتضررة من تداعيات مرض كورونا -كوفيد19.

الشيء الذي يجعلنا أمام إشكالية رئيسية للموضوع تتمحور حول مكمن تأثيرات كورونا -كوفيد19 على المعاملات العقارية

إذ تتفرع عن الإشكالية أعلاه عدة تساؤلات فرعية من قبيل:

الطبيعة القانونية لمرض كورونا -كوفيد19؟ وما هي الآليات المتخذة للحد من انتشاره؟ وأين تتجلى آثاره على المعاملات العقارية؟

للإجابة عن الإشكالات السالف ذكرها تقودنا ضرورة التقيد بمناهج البحث العلمي، الإعلان عن التصميم التالي:

المطلب الأول: كورونا -كوفيد19 والمعاملات العقارية

المطلب الثاني: تأثيرات كورونا -كوفيد19 على المعاملات العقارية في بعض الأنظمة العقارية الخاصة

 

المطلب الأول : كورونا -كوفيد19 والمعاملات العقارية

قبل الحديث عن تأثيرات كورونا -كوفيد19 على المعاملات العقارية(الفقرة الثانية) تقتضي ضرورة البحث بداية التطرق لطبيعة مرض كورونا -كوفيد19 ومختلف الآليات القانونية المتخذة من طرف الدولة المغربية للحد من انتشاره(الفقرة الأولى)

الفقرة الأولى: الطبيعة القانونية لمرض كورونا -كوفيد19 وآليات مواجهته

نسلط الضوء من خلال ذلك على طبيعة مرض كورونا -كوفيد19 (أولا) لتحديد مدى جسامة تأثر المعاملات العقارية به، على أن نبين مختلف الآليات المتخذة من طرف الدولة المغربية للحد من انتشاره(ثانيا) لاعتبار هذه الآليات نقطة انطلاق التأثير على القطاع العقاري

 

أولا: الطبيعة القانونية لمرض كورونا -كوفيد19

يعتبر مرض كورونا -كوفيد19 سلالة واسعة من الفيروسات التي قد تسبب المرض للحيوان والانسان، فهو مرض معد يسببه آخر فيروس تم اكتشافه من سلالة فيروسات كورونا،[3] إذ تظهر أعراضه من خلال متلازمة تنفسية شديدة، وقد تفشى المرض للمرة الأولى في مدينة ووهان الصينية في أوائل شهر ديسمبر 2019 ليطلق عليه بذلك نتيجة لسنة ظهوره كوفيد19، لتعلن منظمة الصحة العالمية رسميا في 30 يناير 2020 أن تفشي الفيروس يشكل حالة طوارئ صحية عامة تبعث على القلق الدولي، لتؤكد بعد ذلك في 11 مارس من نفس السنة تحول الفاشية إلى جائحة،[4] إذ تجد هذه الأخيرة أصلها في الشرع الإسلامي ومعناها اللغوي الإهلاك أو الإتلاف لمال أو نفس ولا يختلف مفهومها في اللغة عن المعنى الاصطلاحي الفقهي فعرفها ابن عرفة بأنها “ما أتلف من معجوز عن دفعة عادة قدرا من ثمر أو إنبات بعد بيعه”[5]

والمقصود بالمعجوز عن دفعه كل حدث لا يستطاع دفعه مثل الحريق والمطر والحروب وغيرها والأمراض الخطيرة الوخيمة المهلكة للزرع والحيوانات والانسان والمعطلة للحركة التجارية والاقتصادية مثل مرض كوفيد19 وقد قيد ابن عاصم رحمه الله في نظم التحفة الجائحة بعدم القدرة على دفعها بقوله في عبارة جامعة:[6]                          “وكل ما لا يستطاع الدفع له // جائحة مثل الرياح المرسلة”

وعلى نفس المنوال فضلا عما ذكر ذهب القضاء المغربي إلى اعتبار فيروس كورونا كوفيد19 يشكل كارثة بمفهوم الفصل 510 من مجموعة القانون الجنائي، والذي تضمن ما يلي:

” يعاقب على السرقة بالسجن من خمس إلى عشر سنوات إذا اقترنت بواحد من الظروف الآتية ـ ….

ـ ارتكاب السرقة في أوقات الحريق أو الانفجار أو الانهدام أو الفيضان أو الغرق أو الثورة أو أية كارثة أخرى،”

إذ جاء في حكم صادر عن المحكمة الابتدائية بالقنيطرة بتاريخ 9 أبريل 2020 قضى بعدم الاختصاص في القضية، مع إحالة المتهم على المحكمة المختصة، ما يلي: “… ومن جهة ثانية قد ارتكب السرقة أثناء حالة الطوارئ الصحية المعلن عنها من طرف حكومة المملكة بمقتضى المرسوم عدد 2.20.293 تطبيقا للمرسوم بقانون عدد 2.20.292 والناتجة عن التهديد العام لحياة الأشخاص وسلامتهم جراء انتشار جائحة كورونا، وهو ما يعد في نظر المحكمة كارثة بمفهوم الفص 510 أعلاه، وذلك بالنظر لما أحدثه انتشار هذا الفيروس في نفوس المواطنين من هلع واضطراب يعجز معهما عليهم حماية ممتلكاتهم، خصوصا أمام إلزامهم قانونا، وفق المادة الثانية من ذات المرسوم التطبيقي، بمنع مغادرة محال سكناهم إلا في حالة الضرورة القصوى وبشروط ضيقة ومحصورة تحت طائلة العقاب الجنائي…”

ثانيا: الآليات القانونية للحد من تداعيات كوفيد19

تقتضي ضرورة البحث الذي نحن بصدد دراسته التطرق لمختلف الآليات القانونية المتخذة من طرف المملكة المغربية للحد من انتشار مرض كورونا -كوفيد19، للوقوف عند مسألة على درجة من الأهمية، تكمن في ضرورة التفرقة بين تأثيرات مرض كورونا -كوفيد19، والتي لا يمكن أن تتجاوز ما هو صحي إنساني، وبين الإجراءات المتخذة للحد من تداعيات انتشار الفيروس باعتبارها المؤثر في مختلف القطاعات الحيوية وعلى رأسها المعاملات العقارية.

إذ في هذا الصدد أدى المغرب دورا أساسيا في تتبع التطور الوبائي عبر العالم منذ بداياته بمدينة ووهان الصينية، إلى أن تم الإعلان رسميا بتاريخ 2 مارس 2020 عن تسجيل أول حالة إصابة مؤكدة بالمغرب وافدة من إيطاليا، إذ كان نتيجة لذلك، المغرب أحد البلدان السباقة لسن تدابير احترازية للوقاية من انتشار الفيروس، بدءا بإغلاق الحدود المغربية، وبعد ذلك سن أحكام حاصة بحالة الطوارئ الصحية وإجراءات الإعلان عنها بتاريخ 23 مارس 2020 بمقتضى مرسوم بقانون رقم 2.20.292[7].

لتتجه من خلال ذلك الحكومة إلى إعلان حالة الطوارئ الصحية بسائر أرجاء التراب الوطني لمواجهة تفشي فيروس كورونا-كوفيد19،[8] ومن تم فرض الحجر الصحي ومنع التنقل والخروج إلا للضرورة القصوى وللأغراض المحددة من طرف السلطات المختصة وذلك لغاية 20 أبريل 2020 حسب المادة الأولى من المرسوم أعلاه، ليستمر تمديد حالة الطوارئ ومعها الحجر الصحي إلى أن تمت المصادقة من طرف مجلس الحكومة بتاريخ 9 يونيو 2020 على المرسوم رقم 2.20.406 بتمديد سريان مفعول حالة الطوارئ الصحية بسائر أرجاء التراب الوطني لمدة شهر، من يوم الأربعاء 10 يونيو 2020 إلى يوم الجمعة 10 يوليوز 2020 لمواجهة تفشي الفيروس وبسن مقتضيات خاصة بالتخفيف من القيود المتعلقة بها، وذلك حسب التطور الوبائي بالمناطق المحددة من طرف الحكومة.

 

 

الفقرة الثانية: تأثير كورونا -كوفيد19 على المعاملات العقارية

نسلط الدراسة على ذلك من خلال المعاملات الاستثمارية والقروض العقارية التي يعرفها القطاع العقاري ومدى تأثرها بمرض كورونا -كوفيد19 (أولا) على أن نبين مدى تأثر المساطر الخاصة بتحفيظ الوعاء العقاري وتأثر العلاقة الكرائية في زمن كورونا -كوفيد19 لاعتبار محل هذه الأخيرة عقارا(ثانيا)

أولا: تأثر الاستثمار العقاري والقروض العقارية بجائحة كورونا -كوفيد19

لا شك أن الاستثمار واللجوء إلى القروض العقارية يشكلان أحد المعاملات الرئيسية داخل المنظومة العقارية والتي أولاهما المشرع المغربي عناية خاصة خلال الآونة الأخيرة.

أ ـ تأثر الاستثمار العقاري بجائحة كورونا -كوفيد19

يعتبر الاستثمار عنصرا فاعلا في حركة النمو الاقتصادي باعتباره الحل الكفيل بضمان استمرارية التنمية، إذ لا يمكن تصور تنمية مستدامة بدون وجود استثمار، لذلك اتجهت الدولة المغربية إلى نهج العديد من الإصلاحات في السنين الأخيرة لأجل الرفع من حجم الاستثمارات،[9]

والعقار يعتبر أحد العوامل الرئيسية لدعم الاستثمار، إذ أكد صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله من خلال الرسالة الملكية الموجهة إلى المشاركين في المناظرة الوطنية حول موضوع “السياسة العقارية للدولة ودورها في التنمية الاقتصادية والاجتماعية المنعقدة يومي 8 و9 دجنبر 2015 بالصخيرات:

على أن العقار يعتبر عامل إنتاج استراتيجي، ورافعة أساسية للتنمية المستدامة بمختلف أبعادها، ومن ثم، فالعقار هو الوعاء الرئيسي لتحفيز الاستثمار المنتج المدر للدخل والموفر لفرص الشغل ولانطلاق المشاريع الاستثمارية في مختلف المجالات الصناعية والسياحية والخدماتية وغيرها.

غير أن انتشار وباء كورونا -كوفيد19 عبر أنحاء العالم كان له وقع كبير على الاستثمار العقاري خاصة الأجنبي منه أمام لجوء الدولة المغربية بتاريخ 15 مارس 2020 إلى إغلاق حدودها الجوية والبحرية، الشيء الذي أدى إلى تعطيل وتجميد بشكل كامل استقطاب المستثمر الأجنبي في المجال العقاري.

إذ المغرب من بين الدول التي أولت ضمن سياستها التشريعية أهمية بالغة لتوفير الأرضية اللازمة لاستقطاب رؤوس أموال أجنبية، من خلال تهيئة الوعاء العقاري اللازم لذلك وتبسيط مساطر استثماره، كانت التدابير الإجرائية المتخذة من طرف الحكومة المغربية للحد من انتشار وباء كورونا حائلا أمام الغاية المرجوة من وراء ذلك.

وفي نفس الصدد  لا بد من الإشارة على أنه لا يمكن أن يكون للاستثمار الوطني أهمية أقل مما ذكر إذ هو الآخر يعتبر فاعلا في تحريك عجلة الاقتصاد الوطني، من خلال تداول العقار داخل السوق العقاري، هو الآخر عرف تقليصا واضحا أمام قرار الحكومة بفرض الحجر الصحي والتزام المنازل، والخروج إلا للضرورة القصوى المبينة من طرف السلطات المختصة، وذلك للحد من انتشار الفيروس ومحاصرته، الأمر الذي كان له وقع كبير على تداول العقار، خاصة غير المحفظ منه والذي توقفت عجلة تداوله بشكل كامل أمام صرامة المادة الرابعة من مدونة الحقوق العينية والتي تشترط رسمية العقود المحررة في هذا الصدد، وإلزام الأطراف المخول لهم تحرير هذه العقود بتلقي الشهادة بشكل مباشر من طرف المعني بالأمر،[10] الشيء الذي لا يمكن تحققه أمام قرار الحكومة بفرض الحجر الصحي ومنع الخروج للحد من تفشي جائحة كورونا.

ب ـ تأثر القروض العقارية بجائحة كورونا -كوفيد19

إن التنمية الاقتصادية والاجتماعية تتطلب في معظمها التوفر على مصادر تمويلية لتحقيقها، يراعى فيها توفير السيولة اللازمة وكذا التوازن بين حقوق والتزامات أطراف العلاقة التعاقدية.

وتحقيق هذا الرهان مرهونا بالبحث عن الآليات التمويلية المقدمة من طرف مؤسسات الائتمان، خاصة منها البنوك التقليدية والتشاركية التي تقوم بدور مساعد في بناء الحياة الاقتصادية وتطورها، وذلك من خلال الخدمات التي توفرها لمختلف المؤسسات والأفراد المحتاجة لتغطية احتياجاتهم التمويلية.[11]

إذ يعتبر التمويل العقاري من بين أهم القطاعات التي تعمل مؤسسات الائتمان على تغطيتها، أمام رغبة الأشخاص في التملك وضعف السيولة المالية، لتبقى المؤسسات البنكية سواء التقليدية منها أو التشاركية الملجأ لمستهلكي العقار عن طريق مختلف القروض العقارية التي تقدمها هذه الأخيرة.

وفي هذا الصدد لا يمكن لاثنين الاختلاف حول التفاوت الحاصل في العلاقة التعاقدية بين مستهلكي القرض العقاري والمؤسسة البنكية، اعتبارا للمكانة الاقتصادية لهذه الأخيرة، مما يجعل عقد القرض، عقد اذعان بامتياز تلجأ المؤسسة البنكية من خلاله إلى ضخ مجموعة من الشروط التي تبقى محكومة بمنطق الربح والخسارة من جانب المؤسسة البنكية، ولا يبقى أمام الطرف الضعيف في هذه العلاقة التعاقدية سوى القبول أمام الحاجة الملحة للحصول على السيولة المالية من أجل اقتناء عقار إما للسكن أو لممارسة مهنة معينة، إما في شكل عقار جاهز أو في شكل بقعة أرضية، دون الاعتبار لما قد يترتب عن تسديد أقساط هذا القرض العقاري وتحمل فوائده.

الأمر الذي ازداد حدة أمام تداعيات فيروس كورونا -كوفيد19 بسبب الإجراءات الاحترازية التي بادرت إليها الحكومة المغربية والتي ترتب عنها فقد المدخول كليا أو جزئيا لفئة عريضة من المجتمع نتيجة فقدهم للعمل في ظل هذه الظرفية الصحية التي تستوجب الالتزام بقواعد الحجر الصحي للحيلولة دون انتشار الفيروس

مما جعل مستهلكي القروض العقارية مهددين بلجوء المؤسسات البنكية إلى كافة الطرق لاسترجاع مبلغ القرض والفوائد المستحقة مع احتساب فوائد التأخير واللجوء إلى القضاء لتحصيل ديونها والتنفيذ على الضمانات التي تمسكها، دون الالتفات إلى الأسباب الجوهرية التي أدت الى تأخر المقترض في الأداء.

ولمعالجة هذه الوضعية الحرجة أعلنت المجموعة المهنية لبنوك المغرب عن الخطة التي ستنهجها لتنزيل الإجراءات التي اتخذتها الأبناك في إطار لجنة اليقظة الاقتصادية[12]لدعم الأسر التي تأثرت بشكل مباشر بتداعيات فيروس كورونا -كوفيد19.

حيث في هذا الإطار تم بتاريخ 19 مارس 2020 الإعلان عن تأجيل سداد القروض سواء الاستهلاكية منها أو العقارية وذلك من خلال تقديم طلب التأجيل بشكل كتابي وفق المطبوع النموذجي الذي أعدته المجموعة المهنية للبنوك، والذي يتم تعبئته من طرف المقترض المعني ليصرح فيه بأن موارده المالية تأثرت بشكل كبير بالأزمة الصحية الحالية، وبالتالي لن يكون باستطاعته تسديد استحقاقات القرض وذلك لمدة ثلاثة أشهر قابلة للتجديد مرة واحدة بناء على طلب كتابي جديد يبين فيه المقترض أسباب ودواعي التأجيل.[13]

إذ نسجل في هذا الصدد مجموعة من الملاحظات التي تفرض طبيعة هذه المسطرة التطرق إليها والمتمثلة في قصر الآجال المفتوحة والمتمثلة في ثلاثة أشهر، إذ كيف لمن تضرر بتداعيات الظرفية الصحية الراهنة أن يستأنف سداد أقساط هذه القروض بعد مرور المدة المحددة، خاصة أن التمديد متوقف على طلب كتابي جديد وأسباب ودوافع تعزز هذا الطلب، هذا فضلا عن احتفاظ المؤسسة البنكية بحرية قبول الطلب من عدمه الشيء الذي قد يربك عمل المقترض في حال رفض طلبه.

كما نسجل في نفس المنوال ملاحظة أخرى إلى جانب مجموعة من الباحثين في هذا الصدد[14]والمتمثلة في إدراج طلب التأجيل عبارة تضمنت ” لذلك أصرح بمقتضى طلبي هذا أنني أقبل بشكل غير رجعي وغير مشروط جميع التغييرات التي ستنتج عن هذا التأجيل، والتي قد تؤثر على جدول الاستخماد المتعلق بهذا القرض، كمبلغ القرض المتبقى رأسمالا وفوائدا مترتبة عنه”

وهذا يجعل الغموض يكتنف هذه الفقرة التي يخشى منها تعسف البنوك في تحصيل فوائد وغرامات تأخيرية عن التأجيل بطريقة غير مباشرة عبر استغلال مراجعة جدول الاستخماد بالتحكم في سعر الفائدة ليجد المقترض نفسه بعد انتهاء القرض قد اضطر لأداء مبلغ اجمالي يفوق المبلغ المذكور في عقد القرض الأساسي.

وهذا يجعلنا أمام تساؤل مشروع حول مدى نجاعة هذه المساطر المعتمدة للخروج بالمقترضين من الازمة في ظل الوضعية الراهنة؟

إذ في مقابل ذلك نجد المشرع المغربي من خلال الفصل 149 من القانون 31.08 المتعلق بحديد تدابير لحماية المستهلك،[15] أعطى لمستهلك القرض العقاري في حالة الفصل عن العمل أو حالة اجتماعية غير متوقعة (والتي لا يمكن اعتبار الظرفية الراهنة لمرض -كوفيد19 خارجة عن هذه الحالات المحددة) اللجوء إلى رئيس المحكمة الابتدائية بناء على طلب قصد توقيف تنفيذ التزاماته، وإمكانية تقرير أن المبالغ المستحقة لا تترتب عليها أي فائدة طيلة مدة المهلة القضائية والتي لا يمكن أن تتجاوز سنتين.

إذ تبقى مسطرة الإمهال القضائي أنجع بكثير من المسطرة الودية لتأجيل سداد القروض لمدة ثلاثة أشهر[16]

ثانيا : مساطر التحفيظ العقاري والمعاملات الكرائية في زمن كورونا -كوفيد19

تعتبر مساطر التحفيظ العقاري سواء المتعلقة منها بالتحفيظ العقاري أو التقييدات (أ) من بين أهم المساطر تضررا بجائحة كورونا -كوفيد19، فضلا عن تأثر العلاقة الكرائية لاعتبارها من أهم المعاملات هي الأخرى المنصبة على العقار(ب)

 

 

أ: تأثر مساطر التحفيظ العقاري بجائحة كورونا -كوفيد19

تشمل مساطر التحفيظ العقاري حسب الفصل الأول من ظهير 12 غشت 1913 المتعلق بالتحفيظ العقاري كما وقع تعديله وتتميمه بمقتضى القانون 14.07، مسطرة التحفيظ إضافة إلى مسطرة التقييدات بالرسم العقاري.

إذ بذلك يعتبر اللجوء إلى مسطرة التحفيظ العقاري اختياريا وذلك بشكل مبدئي، وهذه الاختيارية تعتبر من بين المسائل المتأثرة بتداعيات مرض كورونا -كوفيد19 أمام الإجراءات الاحترازية المتخذة للحد من انتشار الوباء، عن طريق إعلان حالة الطوارئ، وخاصة الحجر الصحي والتي تجعل من هذه الاختيارية تتجه إلى العدم نظرا لعدم إقبال الملاك على المبادرة لتحفيظ أملاكهم خلال هذه الفترة،

خاصة أمام غياب توقع زمني لرفع الوباء، إذ يبقى الأمر رهين بمدى التقيد بواجبات السلامة والوقاية الصحية والتقيد بالقرارات المتخذة من طرف السلطات العمومية للحد من انتشار الجائحة، وهذا من شأنه التقليل إن لم نقل انعدام المبادرة إلى وضع مطالب التحفيظ خاصة بالنسبة للمدن التي تعرف انتشارا واسعا للوباء.

غير أنه وإن كانت مسطرة التحفيظ تعتبر أمرا اختياريا إلا أنه في حالة وضع مطلب التحفيظ فإنه لا يمكن لطالب التحفيظ سحبة بعد ذلك، الشيء الذي يقودنا إلى ضرورة التفرقة إضافة إلى ما ذكر سابقا، بين مطالب التحفيظ التي تم إيداعها قبل إعلان حالة الطوارئ الصحية، والتي اتخذت بشأنها الإجراءات المسطرية المعتمدة من خلال ظهير 12 غشت 1913 خاصة ما يتعلق بالتحديد الإداري، فانه يمكن الجزم على أنها لم تتأثر بتداعيات كورونا -كوفيد19 باستثناء تلك التي تقرر بشأنها إجراء تحديد تكميلي إما لسبب الزيادة في المساحة أو النقصان منها.[17]

وبين مطالب التحفيظ التي تم إيداعها بأيام قليلة قبل إعلان حالة الطوارئ أو خلال هذه الفترة الزمنية، فإنه على خلاف ما ذكر سلفا لا يمكن لهذه المطالب أن تسلم من تأثيرات تداعيات كورونا -كوفيد19 والإجراءات الاحترازية المصاحبة لها، وذلك لتأثيرها على مسطرة التحفيظ في أهم مراحلها، وهي مرحلة التحديد والتي تتطلب حضور طالب التحفيظ والمجاورين وأصحاب الحقوق العينية والتحملات العقارية، الشيء الذي لا يمكن مع فرض حالة الطوارئ الصحية والحجر الصحي، فضلا عن وقف جميع الآجال التشريعية والتنظيمية المعمول بها بموجب الفصل السادس من المرسوم بقانون المعلن لحالة الطوارئ الصحية، إضافة إلى تعليق المحافظة العقارية لكافة برامج التحديد سواء كان أوليا أو تكميليا، كما يتعذر مباشرة عمليات الاشهار بتوجيه الاستدعاءات عن طريق السلطة المحلية، فضلا عن توجيه ملخص مطلب التحفيظ إلى الجهات المحددة بمقتضى القانون 14.07 وبالتالي تبقى مسطرة التحفيظ أمام كل هذه التداعيات جامدة إلى حين رفع السلطات المختصة لحالة الطوارئ أو على الأقل التخفيف منها.

غير أنه وعلى خلاف ما ذكر بالنسبة للخدمات المرتبطة بالتحفيظ ومساطر التقييدات، فقد كان لتداعيات كورونا -كوفيد19 آثارا إيجابية عليها، وذلك من خلال تظافر الجهود بين المحافظة العقارية وباقي المتدخلين لتفعيل مقتضيات المرسوم المتعلق بالتحفيظ الالكتروني والخدمات المرتبطة به[18]وإقرار العمل عن بعد، والذي عرف صعوبات واقعية منذ دخوله حيز التطبيق من خلال ضعف الإمكانيات لتفعيل مقتضياته القانونية، والتي كانت لحالة الطوارئ المعلنة بالبلاد أثرا إيجابيا في ضرورة العمل بها من خلال اعتماد مجموعة من الإجراءات تمكن من تفعيل مقتضيات المرسوم المذكور والعمل عن بعد من قبيل:

ـ فتح منصة الكترونية جديدة لفائدة الموثقين  في مرحلة أولى تم لفائدة العدول في مرحلة ثانية من خلال الفضاء المخصص لهم بالبوابة الالكترونية للوكالة والتي تمكنهم من إيداع كل القضايا التي يتلقونها بمكاتبهم، كيفما كان نوعها من خلال البوابة الالكترونية للوكالة دون الحاجة إلى التنقل المتكرر إلى المحافظات العقارية.[19]

ـ إلزامية طلب شواهد الملكية والتصاميم الطبوغرافية عن طريق الخدمات الالكترونية التي توفرها الوكالة للمرتفقين ابتداء من تاريخ 4 ماي 2020[20]

ـ ضرورة العمل على تفعيل مقتضيات المرسوم المتعلق بالتحفيظ الالكتروني والخدمات المرتبطة به.

ب: العلاقة الكرائية في زمن كورونا -كوفيد19

لا شك أن العديد من مكتري العقارات سواء السكنية منها أو التجارية أو المهنية تضرروا من جراء تداعيات مرض كورونا -كوفيد19، مما أدى إلى الحيلولة دون استيفاء الوجيبات الكرائية والتوقف عن دفعها نظرا للإجراءات القانونية المتخذة من طرف الحكومة المغربية والمتمثلة في إقرار حالة الطوارئ الصحية والحجر الصحي فضلا عن توقيف العديد من الأنشطة التجارية والاقتصادية، غير أن هذه العقارات المكتراة في حد ذاتها تشكل مصدر رزق العديد من الملاك، الشيء الذي يجعل هؤلاء يلجئون إلى القضاء من أجل المطالبة بالإفراغ بعد ثبوت مطل المكتري وفق المساطر القانونية المعمول بها سواء من خلال القانون المتعلق بالكراء السكني أو المهني 67.12 أو القانون المتعلق بالكراء التجاري رقم 49.16.

إذ بعد ثبوت مطل المكتري لا يبقى للقضاء سوى اللجوء إلى إمهاله مدة زمنية نظرا لتداعيات الحالة الوبائية الراهنة والتي لا تحول دون الافراغ وإنهاء العلاقة الكرائية وإنما تحول دون التنفيذ لمدة معينة،[21]أمام غياب مقتضيات قانونية تقرر حماية واضحة لمكتري هذه المحلات خلال الوضعية الوبائية الراهنة ببلادنا.[22]

وهو ما حدى بالعديد من الفرق البرلمانية للتقدم بمشاريع قوانين ترمي إلى تتميم المقتضيات القانونية المتعلقة بالكراء، من بينها مقترح القانون بتميم القانون رقم 49.16 المتعلق بالكراء التجاري والذي تقدم به فريق الاصالة والمعاصرة بتاريخ 13/05/2020 والذي اعتبر أنه لا مجال للحكم بإفراغ المكتري من العين المكتراة إذا تعذر عليه أداء الوجيبة الكرائية بسبب القوة القاهرة، غير أنه يبقى ملتزما بأداء ما تخلد بذمته عن المدد المذكورة خلال أجل أقصاه سنة واحدة من انتهاء القوة القاهرة تحت طائلة اعتباره في حالة مطل موجب للحكم بالإفراغ.

إذ في مقابل ذلك ذهب بعض من العمل القضائي إلى عدم الاستجابة لطلبات الإفراغ بسبب التدابير الاحترازية المتخذة خلال الوضعية الراهنة ومن ذلك ما جاء في إطار أمر استعجالي صادر عن رئيس المحكمة الابتدائية بطانطان بتاريخ 8 أبريل 2020، والذي تضمن

” وحيث إن طرد المدعى عليه من السكن الوظيفي يبقى غير مؤسس واقعا وقانونا خاصة بالنظر إلى التدابير الاحترازية التي اتخذتها المملكة للحد من انتشار وباء كورونا المستجد -كوفيد19 حماية للصحة العامة، وهي تدابير أخذت بالفعل شكلها وصيغتها القانونية بصدور مرسوم بقانون رقم 2.20.239 صادر في 24 مارس 2020 بإعلان حالة الطوارئ الصحية بسائر أرجاء التراب الوطني، وعليه فإن هذه التدابير لا يمكن تعطيل آثارها القانونية أو الخروج على مقتضياتها إلا في الحالات التي يقررها تدبير الحظر نفسه أو قرارات لاحقة متخذة من نفس السلطة وذلك في إطار قاعدة توازي الشكليات، وحيث إنه عطفا على ما ذكر أعلاه، فإن الاستجابة للطلب في هذا التوقيت والظرفية يبقى غير ذي أساس ويتعين الحكم برفض الطلب.”

 

المطلب الثاني: تأثير كورونا -كوفيد19 على المعاملات العقارية في بعض الأنظمة العقارية الخاصة

يتميز النظام العقاري المغربي بتعدد أنظمته العقارية، وتبعا لذلك تعدد الجهات الساهرة على تدبيره، والتي لم تسلم هي الأخرى من تداعيات جائحة كورونا -كوفيد19، نركز من خلالها على ما يتعلق بالأملاك الوقفية(الفقرة الأولى) والتي تسهر على تدبيرها وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، على أن نتطرق لأملاك الدولة الخاصة وأملاك الجماعات السلالية لاعتبارهما يشكلان أحد الأسس المهمة داخل المنظومة العقارية بالمغرب (الفقرة الثانية)

الفقرة الأولى: المعاملات العقارية المتعلقة بالأملاك الوقفية في زمن كورونا -كوفيد19

يعرف الوقف حسب المادة الأولى من مدونة الأوقاف بأنه كل مال حبس أصله بصفة مؤبدة أو مؤقتة، وخصصت منفعته لفائدة جهة بر وإحسان عامة أو خاصة ويتم إنشاؤه بعقد أو بوصية أو بقوة القانون، ويكون الوقف إما عاما أو معقبا أو مشتركا.

وتبرز فائدته بالدرجة الأولى من خلال ما يدره من ريع وما ينتجه من ثمرة، لأنها مناط استفادة الموقوف عليهم من المال الموقوف إما مباشرة من الأملاك الوقفية، أو بطريقة غير مباشرة من خلال كراء هذه الأملاك الموقوفة أو بيع غلتها للغير وأخذ محصلات الكراء أو بيع الغلة[23]

وهكذا ترد على الأملاك الموقوفة وقفا عاما جملة من التصرفات القانونية الهادفة إلى الحفاظ عليها كالمعاوضات والأكرية وبيع الغلل ومنتوج الأشجار ومواد المقالع العائدة للأوقاف العامة أو تصفية الحقوق العرفية المنشأة عليها، وذلك من أجل تنمية مداخيلها بما يلائم طبيعتها[24]

لتعتبر بناء على ما ذكر صيغة الكراء أحد أهم الوسائل التدبيرية للأملاك الوقفية والتي عرفت تأثرا ملموسا جراء تداعيات فيروس كورونا -كوفيد19 وما صاحبه من إجراءات احترازية للحد من انتشاره الشيء الذي أدى إلى إغلاق العديد من المحلات التجارية والمهنية وفرض الحجر الصحي والتزام المنازل، مما أدى إلى فقد العديد من مكتري هذه المحلات لمدخولهم وبالتالي العجز عن سداد وجيبات الكراء، وهو ما حدى بصاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله بصفته أميرا للمؤمنين اعتبارا للطابع الإسلامي لهذا النظام العقاري، فضلا عن اعتباره الناظر الأعلى للأوقاف، للتدخل بتاريخ 8 أبريل 2020 وإعفاء مكتري المحلات الحبسية من أداء واجبات الكراء طيلة مدة سريان حالة الطوارئ الصحية ويشمل هذا القرار الفئات المتضررة من آثار جائحة فيروس كورونا -كوفيد19، ويهم على الخصوص إعفاء مكتري المحلات الحبسية المخصصة للتجارة والحرف والمهن والخدمات، والسكن ما عدا الموظفين،

إذ يتبين من خلال هذا الاعفاء أن الاستثناء منه يشمل مختلف مكتري المحلات التجارية والحرف والمهن والخدمات والسكن، باستثناء الموظفين والأراضي المخصصة للفلاحة، نظرا لعدم تأثرهم بآثار جائحة كورونا -كوفيد19.

كما حدد القرار الصادر عن صاحب الجلالة مدة سريان الإعفاء طيلة حالة الطوارئ الصحية، وهي الحالة التي يطرح معها التساؤل في حالة رفع حالة الطوارئ الصحية في منتصف الشهر، عن مدى إمكانية تجزيئ السومة الكرائية.

وبالإضافة إلى ما ذكر وعلى إثر ذلك عمل وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية على مراسلة السادة نظار الأوقاف وحتهم على التنزيل الفعلي لقرار صاحب الجلالة نصره الله مع التأكيد من خلال مراسلته عدد 64 بتاريخ 8 أبريل 2020 على الأخذ بعين الاعتبار من بادر من مكتري هذه المحلات إلى أداء الوجيبة الكرائية لشهر مارس، وتقرير إعفاءه من الأداء للشهر الأول بعد رفع الحجر الصحي.

وفي ختام هذه النقطة نشير إلى مسألة غاية في الأهمية تتعلق بهذا الإعفاء حيث جاء في مراسلة السيد وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية للسادة نظار الأوقاف، أن إعفاء مكتري المحلات الحبسية يكون طيلة مدة الحجر الصحي.

الشيء الذي يجعلنا أمام ضرورة التفرقة بين حالة الطوارئ الصحية كإجراء يمكن الحكومة من اتخاذ التدابير الرامية للحد من انتشار وباء كورونا -كوفيد19 وبين الحجر الصحي كآلية من الآليات المعتمدة للحد من انتشار الوباء،

وما إذا كان الاعفاء المقرر يسري إلى غاية رفع الحجر الصحي أم إلى حين انتهاء حالة الطوارئ الصحية؟

الشيء الذي يجعلنا أمام فرضيتين اثنتين:

الفرضية الأولى: أن الإعفاء مقرر طيلة حالة الطوارئ الصحية والتي لا زالت مستمرة على سائر أرجاء التراب الوطني إلى غاية 10 يوليوز 2020

الفرضية الثانية: أن الإعفاء مقرر طيلة مدة الحجر الصحي، مما يدفعنا للقول بأن قرار الحكومة بالرفع التدريجي من قيود الحجر الصحي والسماح بإعادة فتح المحلات التجارية والمهنية والخدماتية قد يكون زال معه سبب الاعفاء المذكور وبالتالي العمل على استئناف استيفاء الوجيبات الكرائية خاصة بالنسبة للمناطق رقم 1 والتي تعرف تخفيفا للحجر الصحي حسب التقسيم المعتمد من طرف الحكومة.

الفقرة الثانية: المعاملات العقارية الخاصة بملك الدولة الخاص وأملاك الجماعات السلالية في زمن كورونا

نسلط الضوء على ذلك من خلال التطرق لتأثر المعاملات المتعلقة بملك الدولة الخاص بجائحة كورونا كوفيد19 (أولا) على أن نتطرق لتداعيات الفيروس على المعاملات العقارية المنصبة على أراضي الجماعات السلالية(ثانيا)

أولا: تأثير كورونا -كوفيد19 على المعاملات العقارية المنصبة على ملك الدولة الخاص

يشمل الملك الخاص للدولة مجموعة من الأنظمة العقارية تختلف باختلاف الجهات المعهود لها بتدبيره، والمتمثلة في وزارة الداخلية بمساعدة مديرية أملاك الدولة بالنسبة لأراضي الجيش والمديرية السامية للمياه والغابات ومحاربة التصحر بالنسبة للأملاك الغابوية ومديرية أملاك الدولة بالنسبة لملك الدولة الخاص العادي أو ما يعرف بالأملاك المخزنية، نركز على هذا النظام الأخير نظرا لما يوفره من وعاء عقاري خدمة للتنمية الاقتصادية ومساهمة في إنعاش الاقتصاد الوطني.

إذ يعرف باعتباره مجموعة من العناصر العقارية والمنقولة التي تملك عليها الدولة حقوقا تشابه إلى حد كبير الحقوق التي يملكها الأشخاص العاديين على أموالهم الخاصة، والتي تتميز بكونها قابلة للتفويت والتقادم وعدم قابليتها للحجز.[25]

وقد عرف هذا الرصيد العقاري المملوك للدولة ملكية خاصة تأثر واضحا جراء آثار فيروس كورونا كوفيد19، حيث أن الدولة تعمل على تعبئة جزء مهم منها للاستثمار.

حيت تم خلال الأسدس الأول من سنة 2019 تعبئة أزيد 1996 هكتار لفائدة مختلف الأنشطة القطاعية من أجل إنجاز 125 مشروعا بمبلغ استثماري ب 6.147 مليون درهم وإحداث 8.524 منصب شغل.[26]

الأمر الذي لا يمكن أن يسلم من تقليص مساهمة الملك الخاص للدولة في مختلف السياسات القطاعية نتيجة تداعيات فيروس كورونا -كوفيد19 خاصة إغلاق الحدود أمام المستثمر الأجنبي منعا لتفشي الفيروس، وكذا إعلان حالة الطوارئ الصحية وفرض الحجر الصحي، هذا بالإضافة إلى تأثر الميزانية العامة للدولة جراء تداعيات الفيروس.

كما عرف الملك الخاص للدولة تأثرا واضحا بالإضافة إلى ما ذكر من خلال تضرر فئة عريضة من مكتري المحلات السكنية والتجارية والمهنية التابعة لهذا الملك نتيجة فقد مدخولهم تبعا لتداعيات فيروس كورونا، وهو ما يؤخذ سلبا على الجهة المدبرة لهذا القطاع في غض الطرف عن السير على خطى صاحب الجلالة نصره الله بخصوص مكتري الأملاك الحبسية وإعفاء مكتري هذه المحلات طيلة حالة الطوارئ الصحية.

ب : تأثر المعاملات الخاصة بأراضي الجماعات السلالية من تداعيات فيروس كورونا

تعرف أراضي الجموع بأنها تلك الأراضي التي ترجع ملكيتها إلى جماعات سلالية في شكل قبائل أو دواوير أو عشائر قد تربط بينهم روابط عائلية أو عرفية واجتماعية ودينية بحيث حقوق الأفراد غير متميزة عن حقوق الجماعة.[27]

وقد عرفت أراضي الجموع أكبر تحدي، تمثل في تطهيرها من أجل ضبط وعائها العقاري لاعتبارها تشكل مساحة مهمة داخل المنظومة العقارية بالمغرب، الشيء الذي أولته وزارة الداخلية(مديرية الشؤون القروية) عناية خاصة، حيث اعتزمت على تحديد مليون هكتار كمساحة يتعين تحفيظها سنويا بشراكة مع مصالح الوكالة الوطنية للمحافظة العقارية على أساس بلوغ 5 مليون هكتار متم سنة 2020، وذلك قصد تطهير هذا الوعاء العقاري، وتحقيق مبدأ الأمن التعاقدي بخصوص المعاملات المنصبة على هذه الأراضي، خاصة أمام انفتاح القانون 62.17 بشأن الوصاية الإدارية على أراضي الجماعات السلالية وتدبيرها، من خلال مادته 15 على إمكانية تفويت هذه الأراضي للخواص.

غير أنه أمام هذا التحدي الكبير في ظل الظروف التي يعرفها العالم بأكمله والتي لم تسلم منها بلادنا من خلال تفشي فيروس كورونا المستجد، والتي أثرت إلى حد كبير على وثيرة العمل داخل مختلف القطاعات الحكومية وغير الحكومية الشيء الذي  سيأثر بشكل كبير على الهدف المرسوم بشأن تصفية الأراضي الجماعية، إذ على إثر ذلك راسل وزير الداخلية السادة ولاة الجهات وعمال عمالات أقاليم المملكة،[28] وحثهم على العمل على إيلاء هذا الورش أهمية قصوى من خلال ربط الاتصال بمصالح المحافظات العقارية من أجل دراسة جميع ملفات مطالب التحفيظ العالقة لمعرفة أسباب عدم استكمال إجراءات التحفيظ بشأنها قصد ترتيب التدخل اللازم واتخاذ الإجراءات الضرورية بشأنها بتنسيق مع مصالح المحافظات العقارية والمسح الطبوغرافي المختصة داخل آجال معقولة.

 

[1] التقري التكريبي للمناظرة الوطنية حول: “السياسة العقارية للدولة ودورها في التنمية الاقتصادية والاجتماعية” المنعقدة بالصخيرات، دجنبر 2015 ص 3

[2] هشام عطوش “الآثار الاقتصادية لجائحة كورونا المستجد وإعادة التموقع الاقتصادي بالمغرب” مؤلف جماعي حول “جائحة كورونا والمجتمع المغربي فعالية التدخلات وسؤال المآلات” منشورات المركز المغربي للأبحاث وتحليل السياسات، يونيو 2020 ص 6

[3] الموقع الرسمي لمنظمة الصحة العالمية www.who.int تم الاطلاع عليه بتاريخ 14/06/2020 على الساعة 21:10

[4] الموقع الالكتروني m.wikipedia.org/wiki تم الاطلاع عليه بتاريخ 15/06/2020 على الساعة 10.45

[5] محمد بن يعيش “الالتزامات التعاقدية بين الاحكام الحمائية وتأثير مرض كوفيد19” مقال منشور بمواقع التواصل الاجتماعي

[6] محمد بن بعيش مرجع سابق

[7] مرسوم بقانون رقم 2.20.292 صادر بتاريخ 23 مارس 2020 يتعلق بسن أحكام خاصة بحالة الطوارئ الصحية وإجراءات الإعلان عنها، الجريدة الرسمية عدد 6867 مكرر بتاريخ 24 مارس 2020 ص 1782

[8]  مرسوم رقم 2.20.293 بتاريخ 24 مارس2020 بإعلان حالة الطوارئ الصحية بسائر أرجاء التراب الوطني لمواجهة تفشي فيروس كورونا -كوفيد19، الجريدة الرسمية عدد 6867 مكرر بتاريخ 24 مارس 2020 ص 1783

[9] اليعقوبي عبد الحميد “دور الوعاء العقاري للدولة في تنمية الاستثمار” مقال منشور ضمن منشورات مجلة دفاتر قانونية-سلسلة دفاتر عقارية، العدد 1، سنة 2016 ص 207

[10] وذلك بموجب القانون 16.03 المتعلق بخطة العدالة، والقانون 32.09 المنظم لمهنة التوثيق

[11] يوسف حمومي “التمويل العقاري من القروض بفائدة الى المنتجات التشاركية أية بدائل” مداخلة ضمن اشغال الندوة الوطنية تحت عنوان” العقار والتعمير والاستثمار” المنظمة يومي 25 و26 نوفمبر 2016 مطبعة العارف الجديدة -الرباط- الطبعة الأولى 2017 ص 1

[12] بادرت الحكومة المغربية في اطار المجهودات الاستباقية لمواجهة الانعكاسات الاقتصادية المباشرة وغير المباشرة لوباء كورونا المستجد -كوفيد19 على الاقتصاد الوطني، فتم انشاء لجنة لليقظة الاقتصادية على مستوى وزارة الاقتصاد والمالية وإصلاح الإدارية، اذ تعمل هذه اللجنة على الرصد الآني للوضعية الاقتصادية الوطنية ومواكبة القطاعات الأكثر عرضة للصدمات الناجمة عن فيروس كورونا المستجد.

[13] عبد المهيمن حمزة “تأجيل أقساط قروض السكن والاستهلاك بسبب فقدان الدخل على إثر جائحة كورونا” مقال منشور بالموقع الالكتروني www.marocdroit.com تم الاطلاع عليه بتاريخ 16/06/2020 على الساعة 18:10

[14] عبد المهيمن حمزة مرجع سابق

ـ نزهة الخالدي “تداعيات كورونا -كوفيد19 على القروض العقارية ومدى نجاعة إجراءات التخفيف منها” مداخلة ضمن اشغال الندوة الوطنية عن بعد حول موضوع ” المنظومة العقارية بالمغرب في زمن كورونا” منشورات كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بتطوان

[15] القانون رقم 31.08 المتعلق بتحديد تدابير لحماية المستهلك الصادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 1.11.03 بتاريخ 18 فبراير 2018 الجريدة الرسمية عدد 5932 بتاريخ 7 أبريل 2011 ص 1072

[16] – عبد المهيمن حمزة – نزهة الخالدي مراجع سابقة

[17] محمد الزوجال “تأثير جائحة كورونا على سير التحفيظ ودور الوسائل الالكترونية في التخفيف منها” مداخلة ضمن أشغال الندوة الوطنية عن بعد تحت عنوان “المنظومة العقارية بالمغرب في زمن كورونا” مرجع سابق

[18] مرسوم رقم 2.18.181 بتاريخ 10 ديسمبر 2018 بتحديد شروط وكيفيات التدبير الالكتروني لعمليات التحفيظ والخدمات المرتبطة به، الجريدة الرسمية عدد 6737 بتاريخ 24 ديسمبر 2018 ص 9743

[19] الدليل العملي لما بعد رفع حالة الطوارئ الصحية، الصادر عن المحافظة العقارية بتاريخ ماي 2020 الموقع الالكتروني للمحافظة العقارية ص 8

[20] قرار المدير العام للوكالة الوطنية للمحافظة العقارية والمسح العقاري والخرائطية عدد 003927 بتاريخ 28 ابريل 2020

[21] وهذا ما جاء في امر صادر عن نائب رئيس المحكمة الابتدائية بالخميسات عدد 318/1109/20 بتاريخ 16/03/2020 والذي تضمن ما يلي

” وحيث انه امام الوضعية الاستثنائية التي تمر بها المملكة المغربية والمتمثلة في انتشار وباء كورونا المستجد وما يمكن ان ينتج عنه من مساس الوضعية الصحية للمواطنين خاصة امام قرار الدولة المتمثل في التزام المواطنين بمساكنهم وعدم الاختلاط فان إفراغ المنفذ عليها هي وابنائها الصغار في الوقت الراهن من شانه الاضرار والمساس بالصحة العامة، مما يكون معه الطلب وجيها ومبرر ويتعين الاستجابة اليه وذلك بمنحها اجلا مناسبا لكلا الطرفين.

وعملا بمقتضيات الفصل 148 من قانون المسطرة المدنية

وتطبيق الفصل 440 من قانون المسطرة المدنية

لأجله نمنح الطالبة اجل شهر مهلة استرحامية على ان تستأنف عملية التنفيذ بعد انتهاء الاجل مباشرة.”

[22] عبد المهيمن حمزة “استيفاء وجيبات الكراء السكنية في ظل جائحة كورونا” مداخلة ضمن اشغال الندوة الوطنية عن بعد تحت عنوان “المنظومة العقارية بالمغرب في زمن كورونا” مرجع سابق

[23] إبراهيم قادم “النظام القانوني لكراء الأملاك الحبسية في ضوء مستجدات مدونة الأوقاف” مقال منشور بالموقع الالكتروني http//:almanhal.com تم الاطلاع عليه بتاريخ 17/06/2020 على الساعة 17:30

[24] إبراهيم قادم مرجع سابق

[25] حسن الخشين “ملك الدولة الخاص: المقاربة القانونية والمالية” أطروحة لنيل الدكتوراه في القانون العام، جامعة سيدي محمد بن عبد الله، كلية الحقوق-فاس- الموسم الجامعي 2002/2003 ص 3

[26] تقرير حول العقار العمومي المعبأ للاستثمار، الموقع الرسمي لمديرية أملاك الدولة

[27] محمد خيري ” حماية الملكية العقارية ونظام التحفيظ العقاري” مطبعة المعارف الجديدة-الرباط- طبعة 2001 ص 59

[28] كتاب وزير الداخلية عدد 7555 بتاريخ 1 يونيو 2020 حول التصفية القانونية للعقارات الجماعية المملوكة للجماعات السلالية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى