في الواجهةمقالات قانونية

  توضيح الرؤى حول تصنيف بعض الأحكام في المادة المدنية

مقال قانوني تحت عنوان:

توضيح الرؤى حول تصنيف بعض الأحكام في المادة المدني

  • الطالب الباحث معاذ فخصي
  • ماستر القانون المدني والتجاري
  • تخصص قانون الأعمال
  • كلية الحقوق بالدار البيضاء

    

مقدمة

تلعب القوانين المسطرية بشتى أنواعها واختلاف موضوعها دورا مهما في الترسانة القانونية، لما يصحبها من علاقة وطيدة بالقواعد الموضوعية، فهي المحرك الأساسي لها والتي بواسطتها نصل إلى مرحلة المناقشة الموضوعية في جوهر النزاعات، وكثيرة هي الحقوق التي ضاعت بالمسطرة، غير أن هذه القواعد المسطرية، لم تسلم بدورها من الإشكاليات القانونية والاختلالات النصية والتضاربات القضائية.

ولقد أثارت بعض تصنيفات الأحكام المنصوص عليها في قانون المسطرة المدنية، مجموعة من النقاشات القانونية من رجال القانون، سواء بين الفقهاء في كتبهم، أو بين القضاة في أحكامهم وقراراتهم، أو بين المحامون في مذكراتهم ومرافعاتهم، أو بين الطلبة في عروضهم. وذلك كله يعتبر نتاجا لبعض اللبس والغموض اللفظي الذي يطال هذه التصنيفات وما يصحب ذلك من آثار منتجة تختلف باختلاف إسقاط الوصف على الحكم. فوصف الحكم بالحضوري أو الغيابي أو بمثابة حضوري تصاحبه إمكانية الطعن في هذا الحكم من عدمها واتخاذ طرق ومساطر دون غيرها، كما أن إضفاء قوة الشيء المقضي به على الحكم تعطيه قوة تنفيذية مطلقة يستجلي من وراءها إرادته في كسب حقه، كما أن وصف الحكم بالحجية، يعطيه قبعة الحق في إسقاط أي إعادة للدعوى بشروط وضوابط.

لأجل ذلك كان موضوع تصنيف الأحكام المدنية موضوعا في غاية الأهمية يحتمل كثيرا من الآراء والجدالات.  فأين تكمن الرؤى الصحيحة لبعض تصنيفات هذه الأحكام المدنية؟

في محاولة منا لتوضيح أهم الفروق والتقاطعات بين بعض التصنيفات من الأحكام المدنية نقترح التصميم الآتي:

المطلب الأول: الحكم الحضوري والغيابي وبمثابة حضوري

المطلب الثاني: الحكم الحائز لقوة الشيء المقضي به والحكم الحائز لحجية الشيء المقضي به

 

المطلب الأول: الحكم الحضوري والغيابي وبمثابة حضوري.

خلف تصنيف المشرع للأحكام من حيث قابليتها للطعن والمنصوص عليها في الفصل 47 وما يليه من قانون المسطرة المدنية العديد من التساؤلات الاستنكارية حول القصد الصحيح فيه، وحكمة المشرع من تسمية كل حكم بوصف معين، وذلك على عكس التصنيف نفسه الذي يخص المرحلة الاستئنافية، والمنصوص عليه في الفصل 344 من ق.م.م والذي لم يثر الإشكالات التي أثارها الفصل 47، غير أن المتعمق في دلالات هذا الفصل -47- بشروطه وعباراته الدقيقة يمكن أن يهتدي إلى الخروج بتقسيم سليم لطبيعة هذه الأوصاف.

وعموما فالفصل 47 يتضمن مجموعة من الحالات التي يوصف من خلالها الحكم أنه حضوري أو غيابي أو بمثابة حضوري. وقبل سرد أهم هذه الحالات وجب التفرقة في هذا الخصوص ما بين المسطرة الشفوية والمسطرة الكتابية، إذ العبرة في المسطرة الكتابية بالإدلاء بالمستنتجات والمذكرات الكتابية والتي تغني عن الحضور الشخصي للطرف أو وكيله، عكس المسطرة الشفوية التي وجب الحضور الشخصي فيها لأخذ صفة الحضورية.

ومن المستحب أن نورد النص الكامل للفصل 47 من قانون المسطرة المدنية قبل تحليله

“إذا استدعي المدعي أو نائبه بصفة قانونية ولم يحضر في الوقت المحدد أمكن للمحكمة إذا لم تتوفر على أي عنصر يسمح لها بالبت في الطلب أن تقرر التشطيب على القضية من جدول الجلسة.

وتحكم المحكمة بإلغاء الدعوى على الحالة إذا لم يطلب المدعي متابعة النظر في قضيته خلال شهرين من قرار التشطيب من الجدول.

و إذا كانت المحكمة تتوفر على العناصر الضرورية للفصل في مطالب المدعي بتت استنادا إلى هذه العناصر بحكم بمثابة حضوري بالنسبة للمدعي الذي تغيب أو نائبه .

يحكم غيابيا إذا لم يحضر المدعى عليه أو وكيله رغم استدعائه طبقا للقانون ما لم يكن قد توصل بالاستدعاء بنفسه وكان الحكم قابلا للاستيناف ففي هذه الحالة يعتبر الحكم بمثابة حضوري تجاه الأطراف المتخلفة.

يجوز للقاضي مع ذلك تأجيل القضية إلى جلسة مقبلة، إذا أشعر برسالة من أحد الأطراف أو في الجلسة من أحد أقاربه أو جيرانه أو أصدقائه بأن الاستدعاء الموجه إليه في موطنه لم يصله أو أنه تعذر عليه الحضور لغيبته أو بسبب مرض خطير أو لقيامه بخدمة عمومية.”

الفقرة الأولى: بالنسبة للمدعي:

القاعدة الأساسية التي وجب الانطلاق منها هنا، هي ” أن المدعي حاضر بمقاله” ومفاد ذلك أنه ومادام قد وضع المدعي مقاله الافتتاحي للدعوى، أمام كتابة الضبط المختصة، فافتتح الخصومة وبدأها، فلا يمكن تصور صدور وصف حكم في حقه من غير وصف الحكم الحضوري، فوضعه لطلب أصلي دون فيه مجموعة من المطالب التي يدعي أنه صاحب الحق فيها، يغني عن حضوره من عدمه، والمسطرة المطبقة هنا، هو أنه وفي الحالة التي يستدعى فيها بطريقة قانونية ولم يحضر في الوقت المحدد، تكون المحكمة أمام خيارين، إما أن تبت في الملف إذا اتضح لها أنها تتوفر على العناصر الكافية للبت، أو أن تشطب على القضية من جدول الجلسات، ويبقى والحالة هذه للمدعي الحق في تدارك الأمر داخل أجل شهرين من يوم التشطيب، وبعد مرور هذا الأجل وعدم إبداء المدعي نيته في متابعة المسطرة، تحكم المحكمة بإلغاء الدعوى بصيغة مطلقة، ويبقى السؤال مفتوحا حول مدى حجية هذا الحكم الملغي وإمكانية إعادة المطالبة بالحق موضوع الدعوى الملغاة بين نفس الأطراف ولنفس السبب من عدمه، إضافة إلى إضفاء صفة الحكم أو الأمر عن هذا البت بالإلغاء

وتجدر الإشارة إلى أنه عمليا قد يكون المدعون أكثر من شخص واحد، ويتغيب أحدهم عن الحضور ويحضر البعض الآخر، وهي حالة لم يتعرض لها المشرع المغربي، وتعرضت لها بعض التشريعات المقارنة وقررت بخصوصها تأجيل القضية لمدة تحددها، واعتبار الحكم بعد ذلك حضوري بالنسبة للجميع[1]

الفقرة الثانية: بالنسبة للمدعى عليه:

إن الخلط الكبير الذي يهدد الدارس للفصل 47 من قانون المسطرة المدنية، يخص بالخصوص حالة المدعى عليه، لأن فيها تتحقق الأوصاف الثلاث، فثارة يصنف الحكم ضده بالحضوري، وثارة بمثابة الحضوري، وثارة بالغيابي.

وعموما يكون الحكم حضوريا في حق المدعى عليه إذا بلغ بالطريقة القانونية وحضر للجلسة المحددة، فإن كانت المسطرة شفوية، فيلزمه الحضور الشخصي، وإن كانت المسطرة كتابية، فيلزمه الحضور بمذكراته الكتابية، بل وأنه لو حضر شخصيا من دون الإدلاء بالمذكرات الكتابية فيكون والحالة هذه بمثابة الغائب عن الحضور. والأساس هنا هو أن الحكم يكون حضوريا بحضور المدعى عليه مع مراعاة نوع المسطرة.

لكن المشكل يطرح عند عدم حضور المدعى عليه للجلسة، فهنا لا يمكن أن نكون أمام حكم حضوري، بل سيأخذ الحكم وصف الغيابي أو وصف بمثابة حضوري حسب الحالات، ويكون الحكم غيابيا وفق الفصل 47 في الحالة التي يستدعى فيها المدعى عليه طبقا لقانون ولم يحضر، وهنا يتضح اللبس والغموض، لأن المشرع استعمل عبارة طبقا للقانون، والتي يعني بها استدعاء المدعى عليه بواسطة الغير، لأن المشرع وهو يتحدث في الفصل 38 و 39  من ق.م.م على الأشخاص المناط لهم تسلم الاستدعاء، وسع من دائرة هؤلاء الأشخاص، وبذلك فيمكن لأي شخص يوجد في موطن المدعى عليه من أقاربه أو خدمه أو عائلته أن يتسلم الاستدعاء، فإن تسلموا الاستدعاء المعين فيه تاريخ الجلسة ولم يحضر المدعى عليه، كان وصف الحكم اتجاهه غيابيا، وحكمة المشرع من ذلك، تنبؤه بإمكانية عدم توصله بالاستدعاء المسلم من طرف شخص آخر، إما بسبب عداوة أو غيرها من الأسباب الممكنة، وبذلك فكان يمكن للمشرع وسدا للدريعة، تصحيح عبارة طبقا للقانون هذه، بعبارة أخرى أكثر وضوحا.

وتجدر الإشارة إلى أن المشرع في هذا الباب، إذا ربط صدور الحكم غيابيا بالاستدعاء القانوني وعدم الحضور، وإذا كان الحكم الغيابي يعطي الحق في الطعن فيه بالتعرض كطريق طعن عادي، فإنه اشترط في الفصل 130 من قانون المسطرة المدنية لسلوك التعرض، أن يكون الحكم الصادر غيابيا لا يقبل الطعن بالاستئناف، أما إذا كان هذا الحكم -ولو تحققت الحالة التي ذكرنا هنا- قابلا للاستئناف فلا مجال للقول بسلوك التعرض كطعن، والغريب هو أن الفصل 19 من ق.م.م يتحدث عن قابلية كل الأحكام الابتدائية للطعن فيها بالاستئناف، سواء أمام غرفة الاستئنافات بالمحاكم الابتدائية أو أمام محكمة الاستئناف على حسب قيمة النزاع، مما يجعل شرط عدم قابلية الطعن بالتعرض في الأحكام القابلة للاستئناف شرطا يقلل ويحد من إمكانية الطعن في الحكم المدني الابتدائي بالتعرض، اللهم إن كنا أمام قرار غيابي صادر عن محكمة الاستئناف.[2]

أما الحكم الموصوف بمثابة حضوري، فيكون في الحالة التي يتسلم فيها المدعى عليه الاستدعاء بنفسه، أي التسلم الشخصي للاستدعاء، والذي يعتبر قرينة قاطعة تدل عن التسلم، فإن تسلم المدعى عليه الاستدعاء شخصيا، وقوبل ذلك بعدم الحضور، مع مراعاة دائما نوع المسطرة، فإن الحكم والحالة هذه يعتبر بمثابة حضوري، لكن الأمر لا يتوقف عن هذا الطرح، بل إن هذا الوصف –بمثابة حضوري- ربطه المشرع بشرط آخر يتمثل في  قابلية الحكم للاستئناف، وبمفهوم المخالفة، فإن توصل المدعى عليه بالاستدعاء شخصيا وكان الحكم غير قابل للاستئناف فلا يمكن الحكم هنا على المدعى عليه بوصف مثابة حضوري.

أما الفصل 48 فقد أشار إلى مسألة  تعدد المدعى عليهم وحضور بعضهم دون الآخر، وعمليا كثيرا ما يكون المدعى عليهم أشخاصا متعددة لسبب من الأسباب، كالشركاء في الشركة، أو مالكي نصيب شائع شياعا بينهم، فهنا إن حضر المدعى عليهم بأكملهم، فالحكم يوصف بالحضوري، لكن الإشكال يطرح عند حضور البعض دون الآخر، فهنا أعطى الفصل 48 من ق.م.م إمكانية تأخير القضية لمدة معينة قصد إعادة استدعاء المتخلفين على الحضور، وفي حالة عدم حضورهم للمرة الثانية، يحكم في حقهم بحكم بمثابة حضوري، أما الحاضرين فيحكم في حقهم بحكم حضوري نظرا لحضورهم.

هذه إذن كانت محاولة بسيطة لتوضيح الرؤى حول أهم الحالات التي يؤطرها الفصل 47 من ق.م.م.

وتجدر الإشارة، أنه إذا كانت هذا النوع من التصنيف في الأحكام المدنية، يخلق جدلا فقهيا وقضائيا في شأن تفسيره، فإن الجانب الزجري لم يسلم هو كذلك من هذا التضارب، حيث يأخذ تصنيف الأحكام فيه بين الحضورية والغيابية وبمثابة حضورية نفس فلسفة المشرع في المادة المدنية مع بعض الفروق البسيطة، أهمها اشتراط الغيابية في الحكم بعدم الإدلاء بالمبرر المقبول لسبب الغياب، والإشارة لها في الحكم تحت طائلة اعتبار الحكم غيابيا،  فإن استطاع المدعى عليه الذي بلغ شخصيا ولم يحضر الإدلاء بمبرر مقبول للتخلف، انتقل وصف الحكم من الغيابي إلى مثابة حضوري، لكن على المحكمة مراقبة ذلك وتوضيحه في حكمها، وقد عرض لذلك الفصل 314 من ق.م.ج والذي جاء في فقرته الرابعة ” إذا تسلم المتهم الاستدعاء شخصيا بصفة قانونية وتغيب عن الحضور من غير أن يبرر تخلفه بعذر مشروع، يمكن أن يحكم عليه ويكون الحكم الصادر بمثابة حضوري” وعلى الرغم من أن الفصل لا يتحدث صراحة عن شرط النص في الحكم على الإدلاء أو عدم الإدلاء بالعذر المشروع،  فإن المجلس الأعلى -محكمة النقض حاليا- قد تواثرت قراراتها على ضرورة حضور هذا الشرط تحت طائلة اعتبار الحكم غيابيا.

والإشكال الذي كان يطرح هو أن الحكم يصدر بوصف مثابة حضوري، ويطعن فيه بالنقض ويصطدم بعدم القبول بعدما تكيفه محكمة النقض أنه غيابي، ولازال يقبل الطعن فيه بالتعرض، وذلك بسبب عدم الإشارة في الحكم إلى مسألة المبرر المشروع المنصوص عليه في الفصل 314

وقد سبق للمجلس الأعلى أن وضح ذلك في عدة قرارات  ومن أمثلتها: “ إذا تسلم المتهم الاستدعاء شخصيا بصفة قانونية وتغيب عن الحضور من غير أن يبرر تخلفه بعذر مشروع، يمكن أن يحكم عليه ويكون الحكم الصادر بمثابة حضوري عملا بالفقرة 4 من الفصل 314 من ق.م.ج، لكن المحكمة لم تراقب ما إذا كان تخلف بعذر أو بغير عذر، الأمر الذي يجعل الحكم الصادر في حقه غيابيا وقابلا للتعرض عملا بالفقرة الرابعة من المادة 314  “[3]   وجاء في قرار آخر “ وحيث إن العبرة في وصف الأحكام بالقانون وليس بما وصفته بها المحاكم. لابد من ذكر العذر المشروع المبرر لعدم حضور بالجلسة لاعتبار الحكم بمثابة حضوري تطبيقا للفقرة الرابعة من الفصل 371[4] من ق.م.ج. التوصل بالاستدعاء شخصيا والتخلف عن الجلسة لا يكفي لوصف الحكم الصادر بأنه حضوري أو بمثابة حضوري[5] وقد جاء في تعليق للمستشار محمد السفريوي على هذا القرار الأخير ما يلي “الحكم المطعون فيه أشار إلى التوصل بالاستدعاء شخصيا للجلسة، وبذلك اعتبره بمثابة حضوري في حق  المعني بالأمر رغم أن ذلك مشروط بعدم تقديم أي عذر، لذلك وما دام القرار لم يشر إلى العذر المبرر للتخلف، فإن الحكم الصادر يعتبر غيابيا”

 

المطلب الثاني: الأحكام الحائزة لقوة الشيء المقضي به والأحكام الحائزة لحجية الشيء المقضي به.

خلف هذا التصنيف بدوره موجة من النقاشات والجدالات، فكل يحاول إعطاء الوصف الصحيح لكل نوع منه، غير أننا نقول، أن مقارنة هذين النوعين من الأحكام هو أمر بعيد نسبيا، لما لمعناهما من اختلاف جوهري وتباعد مفهومي، فلكل واحد منهما مدلوله الخاص ومناطه الخاص وحكمه الخاص الذي يمكن أن يقابله، ولعل مصدرية الخلط بينهما هو الترجمة الخاطئة لهما من المشرع الفرنسي، والذي يتحدث عن La force de la chose jugeè  بمعنى قوة الشيء المقضي به، و l autoritè de la chose jugeè  بمعنى حجية الشيء المقضي به.

الفقرة الأولى: حجية الشيء المقضي به:

للفهم الصحيح لهذه التصنيفات وجب وضع ما يقابلها من معنى، وحجية الشيء المقضي به يقابله معنى سبقية البت، ومفاده أن الحكم الصادر قد تجاوز المراحل الأولية له وبت في موضوع الدعوى وسببها وبين أطرافها، ووصل إلى مرحلة متقدمة توجت ببته في النزاع،  وهذه الأحكام هي التي يسميها أغلب الفقه بالأحكام القطعية[6]،  فبصدوره بهذا الشكل ووصوله إلى هذه المرحلة، أصبح حجة قاطعة بين أطرافه، ولا حق لهم في إعادة نشر النزاع من جديد أمام محكمة أخرى أو أمام نفس المحكمة، فكيف يعقل أن نسخر الجهاز القضائي بمكوناته من كتاب وأعوان وقضاة ومفوضين ومحامين وغيرهم، ويصدر حكم في الموضوع اجتهد فيه قاضي أو قضاة وتوج كل ذلك بإصدار حكم فصل في الخصومة ونزاعها، وبعد ذلك نعطي لهؤلاء الأطراف إعادة نشر النزاع ابتدائيا أمام نفس المحكمة أو أمام محكمة أخرى، وما قد يصحب ذلك من صدور أحكام متناقضة وأثرها على التنفيذ والطعن. ووجب عدم الخلط هنا ما بين إعادة نشر النزاع ابتدائيا والذي سيقابل بسبقية البت وحجية الشيء المقضي به، وبين الطعن في الأحكام كحق للمتقاضي ومبدأ أساسي معترف به دستوريا، فالطعن بالاستئناف يعيد نشر النزاع من جديد كأثر ناشر له، فلا نتحدث هنا عن الطعن، وإنما نتحدث عن إعادة النزاع من جديد ابتدائيا، فالحكم الصادر في الموضوع يحوز حجية الشيء المقضي به، والذي يمنع إعادة إثارته من جديد، شريطة أن يكون قد صدر في موضوع الدعوى وقد تمت إعادة إثارته بين نفس الأطراف وفي نفس الموضوع والسبب، فهذا هو المعنى الأصيل والأساسي الذي وجب أن يفهم من وصف الحكم بحجية الشيء المقضي به، ويقابل هذا الوصف تلك الأحكام الأولية التمهيدية التي لا تفصل في جوهر النزاع، وإنما في مسائل أولية لا أثر لها على موضوع الحق، وهي التي يسميها البعض بالأحكام الغير القطعية او التمهيدية أو الأولية، فهذه الأحكام لا تحوز حجية الشيء المقضي به، ويمكن إعادة نشرها من جديد، وأثر هذا التصنيف هو أنه وعند إعادة نشر الدعوى من جديد أمام درجة ابتدائية، يمكن أن يتمسك دفاع الطرف بالدفع بسبقية البت، فالقاضي هنا وجبه التفرقة ما بين الحكم الفاصل في الدعوى الأولى هل تجاوز المرحلة الأولية وصدر في الموضوع، وبذلك سيقول بسبقية البت واستحضار وصف الحكم الأول الذي حاز حجية الشيء المقضي به، أما إذا كان وصفه أوليا فقط ولم يصل إلى مرحلة البت في موضوع وجوهر النزاع، فلا يمكن قبول هذا الدفع وإنهاء النزاع بناء عليه، اللهم إن كانت الإمكانية للقاضي أن يسترشد به على سبيل الاستئناس.

ونتاجا لذلك فلا علاقة لطرق الطعن باكتساب الحجية من عدمها، بل إن الحكم وبمجرد صدوره ابتدائيا يكتسي هذا الوصف بآثاره ونتائجه، أما الطعن فلا يغير إلا في المستفيد من هذه الحجية، حيث أن الطعن من خصائصه أنه يغير المراكز القانونية للأطراف، فإن صدر حكم ابتدائي يحوز الحجية فلا يمكن إعادته ابتدائيا مرة أخرى، وهي مكنة لصالح المحكوم له، أما إن تم استئنافه أو التعرض عليه وقضت محكمة الطعن بعكس ما قضى به الحكم الابتدائي، فإن المصلحة في نيل الحجية تنتقل بين الأطراف.

الفقرة الثانية: قوة الشيء المقضي به:

إذا كان مصطلح سبقية البت يرادف وصف حجية الشيء المقضي به ويوضحه، فإن وصف قوة الشيء المقضي به، يقابله مصطلح ومعنى قابلية الحكم أو القرار للتنفيذ، فالمحلل الجيد لهذا المفهوم سيصل لا محاله لتعريف دقيق وصحيح لوصف قوة الشيء المقضي به.

إن الحكم خلق لينفذ، وتسخير الأجهزة القضائية بأنواعها في سبيل ذلك الحكم، لا يفسر سوى القيمة المعطاة لتنفيذ الأحكام، لكن هذا التنفيذ قد تقف أمامه عوارض ومعيقات قانونية، تمس من قابليته للتنفيذ، كالطعن فيه بطريق طعن من آثاره أنه موقف للتنفيذ. ومن خلال  ذلك فالحكم الحائز لقوة الشيء المقضي به، هو ذلك الحكم الذي وصل إلى درجة معينة من غجراءات الخصومة أصبح معها قابلا للتنفيذ، وبالرجوع إلى الأحكام القابلة للتنفيذ في قانون المسطرة المدنية، نجدها تتمثل في تلك الأحكام التي تتجاوز مرحلة الطعن فيها بالطرق العادية، ذلك أن من آثار الطعن بالاستئناف والتعرض كطرق عادية، هو الأثر الواقف الذي يوقف التنفيذ، عكس الطعن الغير العادي والذي لا يوقف التنفيذ كقاعدة عامة، وبذلك فإن مرت مرحلة الطعون العادية سواء بسلوكها أو مرور أجل سلوكها، فإننا والحالة هذه نكون أمام حكم حائز لقوة الشيء المقضي به، ونتاجا لذلك فالحكم الابتدائي الذي مر عليه أجل الطعن العادي، أو بتت فيه محكمة الطعن بقرارها، هو حكم حائز لقوة الشيء المقضي به، ولتوضيح الأمر أكثر، نورد قرارا عن المجلس الأعلى خص هذه المسألة بالشرح والتحليل، فجاء فيه “لكن حيث أن الأحكام التي تحوز قوة الأمر المقضي به هي الأحكام النهائية[7]، أي التي لا تكون قابلة للطعن بإحدى الطرق العادية، وهي التعرض والاستئناف، ولذلك فإن القرار الاستئنافي عدد 25 والذي اعتمدت عليه المحكمة للقول بصحة المطلوبين قد حاز خلافا لما يدعيه الطاعنون قوة الشيء المقضي به.”[8]

وإذا تعمقنا أكثر من ذلك، فإننا نجد أن هذه القاعدة العامة يرد عليها استثناء يتعلق بالقرارات الغيابية الصادرة عن محكمة الاستئناف، والتي لا تحوز قوة الشيء المقضي به رغم صدورها من محكمة الاستئناف، فإذا كانت القرارات الصادرة عن محكمة الاستئناف قرارات لا تقبل الطعن العادي، وبالتبعية قرارات حائزة لقوة الشيء المقضي به، فإنها وفي الحالة التي تصدر غيابية، تصبح قابلة للطعن فيها بالتعرض بمدلول المادة 352، والتي تحيل إلى المادة 130 المؤطرة للتعرض، فتتوقف القوة التنفيذية لهذه القرارات ريتما تبت محكمة التعرض أو يمر أجل البت فيه، فكأن تلك القوة تتريط نسبيا ريتما يتم البت، فإن أيدت ما سلكته المحكمة الابتدائية ومحكمة الاستئناف ازدادت هذه القوة التنفيذية قوة وحجية، وإن تعرضت محكمة التعرض لما استقرت عليها محكمة الاستئناف، انتقلت هذه القوة بين المراكز، وبذلك فالقرارات الاستئنافية التي تصدر غيابيا لا تحوز قوة الشيء المقضي به إلا بعد البت فيها، أو مرور أجل البت فيها أمام محكمة التعرض.

غير أن الطرح أعلاه والذي يعتد بوصف القوة بناء على عدم قابلية الحكم للطعن فيه بالطرق العادية، نجد له بعض المعارضين الذين يتجهون عكس هذا الطرح، فينفون إمكانية إسناد وصف قوة الشيء المقضي به بناء على اجتياز مرحلة الطرق العادية، وذلك بسبب أن هذا الحكم وعلى الرغم من اجتيازه مرحلة الطعن العادي، إلا أنه يمكن إيقافه بطلب من له المصلحة في ذلك، كما أنهم يستدلون بقابلية الحكم الابتدائي للتنفيذ في الحالة التي يكون فيها مشمولا بالنفاد المعجل، مما يفرغ الطرح الأول من محتواها، إضافة إلى بعض الحالات التي لا يمكن تنفيذها رغم عدم قابليتها للطعن العادي، وهي المحددة في الفصل 361 من ق.م.م والمتمثلة في الأحوال الشخصية، والزور الفرعي، التحفيظ العقاري، والتي اعتبرها المشرع استثناء من قاعدة عدم إيقاف التفيد في الطعن بالنقض.  فيسندون أنصار هذا التوجه إذن وصف الحكم الحائز لقوة الشيء المقضي به إلى القرارات النهائية الباتة المبرمة، والتي لم تعد تقبل أي طريق من طرق الطعن سواء كانت عادية أو غير عادية، وذلك إما بالمرور منها وانتهائها بقرار مبرم صادر عن محكمة النقض، أو مرور الأجل القانوني للطعن فيها بهذه الطعون سواء العادية أو غير العادية، فاستنفادها لطرق الطعن كاملة هي الأساس في وصفها بالوصف موضوع الدراسة.

وعموما فالطرحين معا ورغم اختلافهما نسبيا، إلا أنهما يتفقان في إسناد وصف القوة للأحكام بناء على قابليتهما للتنفيذ، فقابلية الحكم للتنفيذ من عدمه، هو النبراس الذي يعطي للحكم قبعة قوة الشيء المقضي به من عدمها.

وإذا كان لابد للوصف من مقابل يقابله، فإن الحكم الحائز لقوة الشيء المقضي به، يقابله الحكم الابتدائي الذي لا زال يقبل الطعن فيه بالطرق العادية، سواء الاستئناف إن كان قابل له، أو التعرض إن تحققت شروطه، مع التحفظ على الأحكام التي تبت فيها المحكمة الابتدائية ابتدائيا وانتهائيا، بسبب عدم قابليتها للطعن بالطرق العادية أو غير العادية، ولم يتبقى من هذه الأحكام إلا الحكم المتعلق بالغرامة التهديدية في القضايا الاجتماعية[9]، أما الأحكام التي تقل قيمتها عن 20.000 درهم، فهي أحكام تبت فيها المحكمة الابتدائية ابتدائيا، وتقبل الطعن فيها بالاستئناف أمام غرفة الاستئنافات بالمحكمة الابتدائية، فتصدر هذه الغرفة قرارات حائزة لقوة الشيء المقضي به بناء على عدم قابلية هذه القرارات لأي طعن عادي.

 

خاتمة

صفوة القول، أن تصنيف الأحكام قد أصبح فضاء للرأي والرأي الآخر، على غرار مجموعة من الإشكالات القانونية الأخرى، لكن يبقى هذا الموضوع  من المواضيع التي وجب الاهتمام بها وبتحليلها، نظرا للآثار الوخيمة التي تنتج عنه، فإعطاء وصف من الأوصاف يقابله إعطاء مجموعة من النتائج الأساسية كإمكانية الطعن في الحكم، وإمكانية تنفيذه، وغيرها من الآثار المنتجة، مما أصبح معه مطلب تدخل المشرع لتوضيح حكمته من كل تصنيف يضعه، أمرا ضروريا وواجبا، وذلك من خلال تخصيصه لجزء يتعلق بالتعاريف يوضح فيه أهم المفاهيم التي تخلق البس والغموض، خاصة هذه التي تنتج عنها آثار مهمة، فتجنب المشرع للتعريف وإسناد ذلك للفقه والقضاء أصبح أمرا متجاوزا اليوم، خاصة في قانون المسطرة المدنية التي تعتبر الشريعة العامة للقوانين الإجرائية، ولعل نهج المشرع لمسلك التعريف في أغلب القوانين الحديثة خير دليل على هذا المطلب المشروع.

[1] – انظر مقال الطالب الباحث عبد الرحمن الباقوري، ” تصنيف الأحكام بين الحضورية والغيابية وبمثابة الحضورية، منشور بالموقع www.bibliotdroit.com، يوم الدخول: الخميس 28 فبراير 2019 على الساعة السادسة والنصف مساء.

[2] – انظر المادة 353 من ق.م.م

[3] – قرار رقم 7803 بتاريخ 4/4/2007 منشور بالتقرير السنوي للمجلس الأعلى لسنة 2007 ص 178.

[4] – من القانون القديم قبل تعديله وتتمييمه والذي يقابله في القانون الحالي الفصل 142

[5] – قرار صادر عن المجلس الأعلى عدد 3/974 بتاريخ 1998/04/21، ملف جنائي عدد 97/2127 منشور بمجلة المجلس الأعلى عدد 55 يناير 200 ص472

[6] – ومنهم الدكتور عبد الكريم الطالب في كتابه: الشرح العملي لقانون المسطرة المدنية

[7] – اعتبر هذا القرار الحكم الغير القابل لطعن بالطرق العادية حكما نهائيا، وهو أمر لا يؤخذ على إطلاقه، إذ يعتبر البعض أن عدم قابلية الحكم للطعن بالطرق العادية هو حكم انتهائي، أما النهائي فيعطى للأحكام التي لم تعد تقبل أي طريق من طرق الطعن كيفما كانت.

[8] – قرار صادر عن المجلس الأعلى عدد 1440 بتاريخ 1998/3/4 في الملف المدني عدد 93/552، منشور بمجلة قضاء المجلس الأعلى عدد 55 سنة 2000 ص 417.

[9] – انظر الفقرة الأخيرة من الفصل 21 من ق.م.م

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق