في الواجهةمقالات قانونية

عقد الكراء بين إرادة المتعاقدين وإرادة المشرع – إسماعيل الشيخي

عقد الكراء بين إرادة المتعاقدين وإرادة المشرع –

  • إسماعيل الشيخي

 

  • المقدمة :

لطالما اعتبرت الإرادة هي أساس العلاقة التعاقدية بوجه عام،باعتبارها تلعب دورا جوهريا في أغلبية العقود ،لهذا عملت أغلب التشريعات على إعطائها حيزا قانونيا مهما، سواء على مستوى انعقاد العقد وكذا على مستوى انتقالها لتنفيذ تلكم الالتزامات الملقاة على عاتق الطرفين ،فتارة يترتب أثر متمثل في البطلان عند عدم توفرها ،وتارة أخرى ينتج الإبطال حين توفر أي عيب من عيوب الإرادة ،بل إن هذه القوة التي يتميز بها عنصر الإرادة تنتج أثارها أيضا على مستوى تحمل الالتزامات التعاقدية وكذلك إثباتها.

 

ومن ثم فإن إرادة المتعاقدين تتجلى في أغلبية العقود كما هو الشأن بالنسبة للعقود المسماة التي نظمها المشرع بأحكام خاصة،وميزها عن غيرها بأسماء معينة،وهنا لابد من الإشارة لنقطة أساسية، وهي أن إرادة الأطراف بالرغم من أنها كانت تمكن أطراف العقد من استعمال كافة الشروط التي يرونها ضرورية لإبرامه، إلا أنه نتيجة للتغير الذي طرأ على مستوى تأثير العامل الاقتصادي على قانون الالتزامات بشكل عام ،والذي أفرز أطراف اقتصادية متباينة،حتم تدخل للمشرع بمقتضى قواعد آمرة تحل محل إرادة أطراف العلاقة التعاقدية .

 

ولاينبغي أن يستنتج من ذلك أن القواعد الآمرة التي جاءت بمقتضى قوانين خاصة جديدة أنها ألغت عنصر إرادة الأطراف بشكل كلي، كل ما هنالك أنها ركزت على تحقيق هدفين أساسيين الأول يرتبط بتحقيق الاستقرار التعاقدي الذي من شأنه أن يجعل هذه العملية مستمرة من جهة ، والهدف الثاني أنها أطرت أغلب الجوانب التي من شأنها أن تسهل عملية إثبات الإلتزامات التعاقدية ،وهو الأمر الذي أكده المشرع المغربي في المقتضيات القانونية المؤطرة بمقتضى القانون رقم 67.12 المتعلق بكراء المحلات المعدة للاستعمال السكني والمهني[1]

 

وكما هو معلوم في هذا الإطار فإن عقد الكراء المدني تطبق عليه القواعد العامة المنظمة وفق قانون الالتزامات والعقود المغربي بمقتضى الفصول من 626 إلى [2]699، إضافة إلى القانون الجديد رقم 67.12  المتعلق بكراء المحلات المعدة للاستعمال السكني والمهني ،ولعل أهم خاصية تميز بها هذا القانون الأخير هي أنه ترك الباب مفتوحا لأطراف العلاقة الكرائية للخضوع لمقتضياته، وذلك مايستنتج من خلال المادة 74 التي جعلت أمر الاستفادة من مقتضيات هذا القانون مربوط بشرط إحترام تلك الشكلية المنصوص عليها في المادة الثالثة،وفي حالة عدم إحترام هذه الشكلية فيظل عقد الكراء خاضع لقانون الالتزامات والعقود.

 

وبالتالي فإن  دراسة مقتضيات المادة 74 أعلاه تجعلنا أمام فرضيتين محورتين، الأولى هي أنه عندما لا تستجيب عقود الكراء لتلكم الشكليات المنصوص عليها في المادة الثالثة، فإنها تظل سارية المفعول وتطبق عليها القواعد العامة ،وعلى هذا الأساس سنسلط الضوء بالتحديد على أغلب النقط المركزية المتعلقة بتحديد طبيعته وكيفية إثباته بناءا على إرادة المتعاقدين ،مادام أن عنصر الشكلية في عقد الكراء والمنظم داخل قانون الالتزامات والعقود لا يعتبر إلا استثناء.

 

والثانية هي أنه في حالة كتابة عقود الكراء بشكل يتطابق مع مقتضيات المادة الثالثة المذكورة أعلاه، يقدم لأطراف هذه العلاقة التعاقدية كافة الضمانات القانونية التي يوفرها هذا القانون ،وهنا سنعمل على تحديد دور هذه الشكلية ليس فقط على مستوى تسهيل إثبات عنصر المسؤولية عند إخلال المكتري بالتزاماته المتمثلة في عدم أداء وجيبة الكراء وإنما كذلك من خلال تحديد طريقة استيفاءها.

 

-فهل تعتبر إرادة أطراف عقد الكراء في ظل قانون الالتزامات والعقود كافية لتسهيل إثبات كافة إلتزاماته؟وكيف يمكن لإرادة المشرع أن تقوم بهذا الدور كذلك في إطار قانون الكراء رقم 12.67 خاصة في ظل الجاذبية التي تتميز بها الشكلية ؟

 

 

 

وللإجابة على ذلك سنعتمد التصميم التالي:

 

المبحث الأول:دور إرادة أطراف عقد الكراء تحت ضوء ق.ل.ع.م.

 

المبحث الثاني: جاذبية شكلية عقد الكراء تحت ضوء القانون رقم 67.12.

 

 

 

إن التأكيد على عنصر إرادة المتعاقدين الذي مافتئ قانون الالتزامات والعقود يتطرق له باعتباره يأثر على مرحلة تكوين وتنفيذ عقد الكراء وكذا إثباته ،لايعني أنه الكفيل بتكريس تأطير قانوني لأطرافه على جميع المستويات (المبحث الأول) ويزداد هذا الأمر وضوحا عندما يأخذ منحى آخر أكثر جاذبية بواسطة عنصر الشكلية الذي يعبر على إرادة المشرع ،فضلا عن استفادة المتعاقدين من كافة الضمانات التي يوفرها هذا القانون بشكل عام ،ويظهر ذلك جليا من خلال عنصر الوجيبة الكرائية ،الذي لم يقتصر المشرع على تأطيره لعملية مراجعتها ،وإنما انتقل لتنظيم طريقة استيفاءها عند عدم أداءها في الأجل المتفق عليه (المبحث الثاني).

 

 

 

 

 

 

 

 

 

المبحث الأول: دور إرادة أطراف عقد الكراء تحت ضوء ق.ل.ع.م.

 

قبل أن نتطرق لدور إرادة أطراف عقد الكراء وتأثيرها على مستوى الإثبات (المطلب الثاني)سنقوم بتحديد دورها الأساسي في هذا العقد خاصة أنها تأثر بشكل مباشر على مرحلة تكوينه و تنفيذه (المطلب الأول).

 

 

المطلب الأول: تأثير عنصر الإرادة على مستوى تكوين وتنفيذ عقد الكراء.

 

 

يعتبر عقد الكراء من بين العقود الرضائية ، ولهذا فإن هذه الخاصية لا تقتصر تجلياتها على مستوى تكوين هذا العقد (أولا) وإنما تنتقل كذلك لمرحلة تنفيذه (ثانيا).

 

أولا: أثر الإرادة على مستوى تكوين عقد الكراء.

 

إن الإرادة المعبر عنها قد تكون متعارضة مع الإرادة الباطنية بسبب غموض في التعبير أو نتيجة خطأ وقع أثناء التعبير عن هذه الإرادة ؛مما تثار معه إشكالية البحث عن الإرادة التي ينبغي الإعتداد بها ،هل يؤخذ بالإرادة الظاهرة أو المعلنة أم بالإرادة الباطنية أو الكامنة ،أي الإرادة الحقيقية؟

 

وفي هذا الإطار نجد المشرع المغربي اتخذ موقفا وسطا بين النظريتين الألمانية واللاتينية الفرنسية ؛حيث إنه بالرجوع للفصلين 21 و461 من ظ.ل.ع يظهر لنا أن المشرع المغربي قد تأثر إلى حد كبير بنظرية الإرادة الظاهرة ،في حين أن مراجعة الفصلين 22 و 462 من ق.ل.ع تكشف لنا عدم إغفال المشرع المغربي لنظرية الإرادة الباطنية أو الحقيقية[3]وسنحاول التفصيل في ذلك على مستوى آثار عقد الكراء عند التطرق لدور إرادة أطراف عقد الكراء على مستوى التنفيذ.

 

وتجد هذه الإرادة تجلياتها على مستوى تكوين عقد الكراء في مقتضيات الفصل628من ق.ل.ع  الذي ينص على مايلي”يتم بتراضي الطرفين على الشيء وعلى الأجرة وعلى غير ذلك مما عسى أن يتفق عليه من شروط في العقد”،وعلى هذا الأساس القانوني فإن عقد الكراء يقوم على مبدأ أساسي متمثل في عنصر الرضائية .

 

وهذا ما أكد عليه القضاء المغربي ؛ففي قرار لمحكمة النقض المغربية بتاريخ 2 أبريل 2002،ذهبت فيه هذه الأخيرة إلى أنه ‘لما كان عقد الكراء رضائيا حسبما ينص عليه الفصل 628 من قانون الالتزامات والعقود يتم بتراضي الطرفين على الشيء المؤجر والأجرة،وأنه لايلزم أن يحرر العقد كتابة إلا إذا كان عقد لأكثر من سنة حسب ما ينص عليه الفصل 629 من نفس القانون ،فإن محكمة الاستئناف حينما رفضت ملتمس الطاعن بالإستماع إلى شهود لإثبات السومة التي يدعيها معتمدة على مقتضيات الفصل 443 من ق.ل.ع في حين أن إثبات عقد الكراء يخضع إلى مقتضيات الفصلين 628و629 المذكورين سلفا تكون طبقت المقتضيات المذكورة تطبيقا سيئا[4]

 

وهنا لابد من الإشارة لمسألة أساسية وهي أن تحديد طبيعة عقد الكراء تبرز أهميتها من خلال مسألتين أساسيتين الأولى وهي أن هذا العقد ينتج أثاره بمحرد تراضي الطرفين من جهة وكذلك من خلال معرفة طريقة إثباته بجميع وسائل الإثبات من جهة ثانية.

 

كما أنه بالرغم من اشتراط أركان أساسية داخل هذا العقد إلا أنه لا يعتد بنظرية البطلان في الجانب الخاص بعقد الكراء ،فكما هو معلوم فإن الفصل 306 من قانون الالتزامات والعقود أكد أن الالتزام الباطل بقوة القانون لايمكن أن ينتج أي أثر إلا استرداد مادفع بغير حق تنفيذا له وبالتالي فإن المتعاقدان يرجعان إلى نفس ومثل الحالة التي كانا عليها عند نشأة العقد.ومعنى ذلك أن البطلان يسري بأثر رجعي ملغيا كل مفعول للعقد الباطل.فاثره يعمل في الماضي والمستقبل معا.

 

غير أنه يجب في حالة بطلان عقد ما النظر إلى ما إذا كان هذا العقد قد شرع في تنفيذه أم لا.وبداهة فالعقد الذي لم يتم الشروع في تنفيذه هو عقد استقر في مرحلة التكوين ولم ينتقل إلى مرحلة إنتاج آثاره وتنفيذ المتعاقدين أو أحدهما للالتزامات المترتبة عليه بمقتضاه ،لهذا ميز الفقه في هذا الإطار بين حالتين .

 

الحالة الأولى هي أنه إذا لم يكن الطرفان قد شرعا في تنفيذ العقد أي أنهما لم يذهبا حد البدء في تنفيذ الالتزامات التي يلقيها على عاتق كل منهما العقد الذي تقرر بطلانه ،فلا شيء يترتب عن هذا البطلان ولا يلتزم أي منهما في مواجهة الآخر.وفي هذه الحالة آثار البطلان تنسحب على المستقبل ،لأن الماضي لايكون فيه أكثر من إبرام العقد.

 

والثانية هي إذا كان تنفيذ العقد قد بدأ بين طرفيه ،فتطبيق البطلان بأثر رجعي وإعادة المتعاقدين إلى نفس الحالة التي كان عليها حين نشأته يقتضي أن يرد كل منهما للآخر ماكان قد أخذه منه تنفيذا للعقد ،لأنه في هذه الحالة يكون أخذ ماهو غير مستحق[5]

 

لكن قد يحدث في بعض الحالات أن تكون إعادة المتعاقدين إلى الحالة التي كان عليها أثناء التعاقد أمرا مستحيلا لأن أحدهما أو كلاهما لايستطيعان رد ما أخذه استحالة الرد بسبب طبيعة العقد،ويبرز هذا الاستثناء بالنسبةللعقودالمستمرة والتي تعنينا في هذا السياق،ففي عقد الإيجار ،يستحيل استرداد المتعاقدين إلى الحالة التي كانوا عليها قبل إبرام العقد،فالمستأجر يكون قد انتفع بالعين المكتراة،وحيث إن الانتفاع يستحيل استرداره ،فإنه لم يبقى أمام المؤجر إلا اللجوء للمحكمة من أجل مطالبتها بالحكم له بتعويض بناء على أجرة المثل لا على أساس الأجرة المتفق عليها في العقد الباطل،تطبيقا للفصل 634 من ق.ل.ع الذي جاء فيه”إذا لم يحدد المتعاقدان الأجرة ،افترض فيهما أنهما قد قبلا أجرة المثل في مكان العقد،وإذا كان ثمة تعريفة رسمية ،افترض في المتعاقدين أنهما قد أرتضيا التعاقد على أساسها [6]

 

 

ثانيا: أثر الإرادة على مستوى تنفيذ عقد الكراء.

 

 

لا يقتصر أثر عنصر الإرادة على مستوى تكوين عقد الكراء فقط وإنما ينتقل لمرحلة تنفيذه أيضا ، ويمكن التطرق لهذا المحور وفقا لجانبين:

 

بالنسبة للجانب الأول يرتبط بالأثر الناتج عن اعتبار عقد الكراء زمني ،حيث لايسري أثار الفسخ في العقد الزمني على الماضي ،لأن مانفذ من العقد لايمكن إعادته.وهذا يرجع إلى كون الفقه أجمع على أنها وحدها العقود الفورية ينسحب آثر الفسخ فيها على الماضي ،حيث يمكن إرجاع الأطراف المتعاقدة إلى الوضعية السابقة على عملية التعاقد مادام ذلك ممكنا ،في حين أن العقود المستمرة فإن إقرار الفسخ قد يحصل أثناء تنفيذ العقد ،الأمر الذي يصعب مأمورية إرجاع الأطراف للوضع السابق.

 

– مع عدم إمكانية اعتماد وسيلة الدفع بعدم التنفيذ في العقد الزمني مقارنة بالعقد الفوري ؛مادام أن القاعدة تفرض على الملتزم بالتزام مستمر أن يقوم بتنفيذ إلتزامه أولا،ومن ثم فهو لايستطيع أن يتمسك بالدفع بعدم التنفيذ على الأقل في هذه المرحلة ،أي بالنسبة لأول أداءين متقابلين[7]

 

أما الجانب الثاني فيخص مرحلة تنفيذ العقد بالنسبة لمضمونه كما هو الشأن بالنسبة لتفسير العقد،وهنا تنبغي الإشارة إلى نقطة أساسية وهي أن قواعد التفسير تتعدد مابين تفسير تشريعي ،فقهي إداري وقضائي،غير أننا سنركز على هذا النوع الأخير لأنه هو الذي يهمنا في هذا المقام حيث قام المشرع المغربي بتنظيمه في الفصول من 461 إلى 473 من قانون الالتزامات والعقود ،وعند قراءة هذه القواعد نجدها لاتخلوا من حالتين : فإما وضوح العبارات المستعملة في عقد الكراء وإما غموضها حيث لكل حالة محدداتها التي يجب على القاضي عدم تجاوزها.

 

ففي حالة وضوح العبارة في العقد،نص المشرع المغربي من خلال الفصل 461 من قانون الالتزامات والعقود على ما يلي “إذا كانت ألفاظ العقد صريحة ،امتنع البحث عن قصد صاحبها” وأن المقصود بالعبارة ليس معناها الحرفي وإنما مدى مطابقتها لقصد الأطراف المتعاقدة منها .

 

ويمكن تعريفها بأنها هي التي يحسن الأطراف اختيارها واستعمالها بإتقان في موضوعها للدلالة عن المعنى المقصود من وضعها،فلا يحتمل التشابه ولا التأويل وقد كرس القضاء المغربي هذه المسألة ففي قرار لمحكمة النقض ( المجلس الأعلى سابقا[8]أكدت على ما يلي”حيث تبين صحة مانعته الوسيلتان ،ذلك أنه يتضح من تعليل القرار المطعون فيه أن المحكمة المصدرة له قد استنتجت جدية النزاع المؤدية إلى المساس بأصل الحق من تأويل الرسالة المؤرخة في 25 أكتوبر 1980 المتضمنة للالتزام بإفراغ المحل المكرى في متم دجنبر 1981،ومما دفع المطلوب من تجديد عقد الكراء بسومة جديدة لتاريخ الرسالة المتضمنة للالتزام،في حين أنه يتجلى بالرجوع إلى الرسالة المشار إليها والتي جاءت ألفاظها واضحة فيما تدل عليه من التزام المطلوب في النقض بمحض إرادتها ورضاها بإفراغ المحل المكترى من طرفها في متم دجنبر 1981 أنها لا تقبل أي تأويل مما يمنع معه عن قضاة الموضوع البحث عن القصد منها ،وأن مجرد الدفع بتجديد عقد الكراء دون الإدلاء بما يفيد هذا التجديد ،لاتنشأ عنه جدية النزاع طالما أن الإلتزام المطالب بتنفيذه مكتوب بالرسالة المؤرخة في 25 أبريل 1980،مما ينتج عنه إن التعديلات الواردة في القرار المطعون فيه التي أبرزت جدية النزاع بما ذكر ،غير مرتكزة على أساس قانوني صحيح استثناء من مقتضيات الفصول 230و 231و461 المشار إليها ،مما يكون معه القرار غير مرتكز على أساس صحيح ومعرض للنقض[9]

 

وفي حالة غموض عبارة عقد الكراء فإن اللفظ الغامض هو اللفظ غير الواضح الدلالة ،ومن ثم فإن التفسير الذي ينطبق في هذا الجانب يجب أن يكون بالمقاصد والمعاني لا بالألفاظ والمباني،وقد وردت هذه القاعدة في الفقرة الأخيرة من الفصل 462 من قانون الالتزامات والعقود التي جاء فيها “وعندما يكون للتأويل موجب يلزم البحث عن قصد المتعاقدين ،دون الوقوف عند المعنى الحرفي للألفاظ ولاعند تركيب الجمل” مسترشدا في ذلك بطبيعة التعامل وبما ينبغي أن تتوفر من أمانة وثقة بين المتعاقدين وفقا للعرف الجاري في المعاملات.

 

وتجد هذه القاعدة تطبيقاتها في عقد الكراء،حيث أكدت محكمة النقض في هذا الإطار “أن العقد الذي ينص في آن واحد على أنه أبرم لمدة اثنين وعشرين شهرا بينما أن احتساب هذه المدة من بدايتها إلى نهايتها التي وقع التنصيص عليها صراحة في العقد تفيد بصورة قطعية أنه أبرم لمدة ستة وثلاثين شهرا هو عقد غامض لايمكن التوفيق بين بنوده إلا عن طريق التأويل ،وأن المحكمة بما لها من سلطة قررت أن العقد باعتبار بداية مدته ونهايتها هو عقد أبرم لمدة ستة وثلاثين شهرا ،وأن ماورد فيه من أنه أبرم لمدة 22 شهرا هو خطأ مادي وقع في احتساب هذه المدة ،ورتبت على ذلك أن الإنذار الذي توصل به المكتري وجه إليه أثناء سريان مدة العقد وأن المكري لم يحترم شرط المدة الذي هو شرط ملزم للطرفين معا لا يمكن أن يوضع حد للعقد إلا عن طريق دعوى الفسخ وهو الأمر الذي لم يسلكه الطاعن الذي أقام هذه الدعوى على أساس أن العقد قد انتهت مدته[10]

 

بناءا على ماتطرقنا له أعلاه فإن عنصر الإرادة يلعب دوراً حيويا في عقد الكراء سواء على مستوى تكوينه أو تنفيذه ،فضلا أنه يعتبر النقطة المركزية التي تحدد طريقة إثباته وهو ماسيتم تناوله في المطلب الموالي.

 

 

 

 

المطلب الثاني:تأثير عنصر الإرادة على مستوى إثبات عقد الكراء.

 

 

باعتبار أن عقد الكراء ينعقد بمجرد توفر عنصر التراضي بين المتعاقدين ،فإن طريقة إثباته يمكن أن تكون بكل وسائل الإثبات بما في ذلك شهادة الشهود (أولا)فضلا عن إمكانية إستعانة القاضي بعنصر آخر حينما تكون وسائل الإثبات ناقصة كما هو الشأن بالنسبة لليمين المتممة (ثانيا).

 

أولا: إثبات عقد الكراء بشهادة الشهود.

 

تناول المشرع المغربي شهادة الشهود في المرتبة الثالثة من بين باقي وسائل الإثبات الأخرى ،بعد الإقرار والكتابة ،في الفصل 404 من ظ.ل.ع ثم خصص لها الفرع الثالث في الفصول من 443 إلى 448 من ظ.ل.ع،ومن أجل توضيح دور هذه الشهادة لكونها تعد وسيلة من وسائل الإثبات ضمن عقد الكراء سنعمل على تأطيرها من خلال نقطتين أساسيتين:

 

النقطة الأولى هي أنه في إطار الشهادة يمكن التمييز بين أنواع متعددة منها ،فهناك الشهادة المباشرة ،والشهادة السماعية والشهادة بالتسامع ،وإذا كانت الشهادة المباشرة والشهادة السماعية يمكن الإعتماد عليهم كوسيلة الإثبات أمام القضاء ،فإن الشهادة بالتسامع يصعب قبولها في الإثبات لاسيما في المادة المدنية ،بخلاف الأمر بالنسبة للمادة التجارية التي يمكن للقضاء أن يأخذ بها على سبيل الاستئناس.

 

وهو نفسه الموقف الذي سار عليه فقهاء المذهب المالكي ،حيث يذهب الرأي الراجح إلى أن هذه الشهادة ،التي تسمى بالسماع الفاشي ،تكون مقبولة في أمور دون غيرها.

 

الأمر الذي أكده القضاء المغربي في بعض أحكامه وقراراته ؛من ذلك حكم المحكمة الابتدائية بسلا بتاريخ 13 نونبر 2012،الذي ذهبت فيه إلى رفض العلاقة الكرائية باعتماد شهادة السماع ،كما يتضح لنا من مراجعة حيثيات هذا الحكم ،الذي حال فيه ‘وحيث إن المحكمة في إطار تحقيقها في الدعوى استمعت إلى الشاهد س.ح.الذي أفاد بأن المدعى عليه بدوري المحل المدعى فيه بسومة كرائية قدرها 650 درهما وأن سند علمه في ذلك هو السماع ،وأضاف بأنه لم يكن حاضرا أثناء إبرام عقد الكراء بين طرفي الدعوى ولا يعرف حتى تاريخ بدايته.

وحيث إن شهادة السماع لايمكن اعتمادها في إثبات العلاقة الكرائية وذلك حسب ما جاء في قرار المجلس الأعلى الصادر بتاريخ 6 يونيو 2007 في الملف عدد [11]2007/153.

 

النقطة الثانية وهي أن هذه الشهادة بشتى أنواعها تتطلب بعض الشروط الأساسية منها ما يرتبط بالشروط العامة المتطلبة في الشاهد من أن يكون أهلا للشهادة، وأن يكون الشاهد من الغير وغير ممنوع قانونا من أدائها ،ومنها مايتعلق بالشروط الخاصة كما هو الشأن بتلك المتعلقة بالواقعة محل النزاع ،لهذا نجد القضاء المغربي استبعد شهادة الشهود حينما يكون مضمونها بعيدا عن تحديد العناصر الأساسية للوقائع محل الإثبات.

 

ذلك أنه بالرغم من إثبات الشخص للوجود المادي للتصرف القانوني موضوع المنازعة ،إلا أنه حينما لم يستطيع إثبات عناصره الأساسية ،الأمر الذي جعل محكمة النقض المغربية تعتبر القرار الذي استبعد الأخذ بشهادة الشهود في مثل هذه الحالة قرارا جديرا بالتأييد.

 

ففي قرار لها ،ذهبت محكمة النقض المغربية بتاريخ 21 يناير 2014 إلى أنه ‘لكن ،حيث إن الكراء وإن كان عقدا رضائيا طبقا للفصلين 627 و628 من قانون الالتزامات والعقود وأنه يمكن إثباته بكل الوسائل المتاحة قانونا ،فإن تلك الوسائل يجب أن تكون واضحة ومنسجمة وتدل دلالة كافية على حصول التراضي بين طرفي العقد على منفعة عقار خلال مدة معينة وفي مقابل أجرة محددة ،ولما كان البين من وثائق الملف المعروضة على قضاة الموضوع أن الطالب يدعي كراءه للمحل المطلوب إفراغه منه من موروث المطلوبين وأن الشهود الذين استمعت إليهم المحكمة أكدوا تواجه الطالب بالمدعى فيه دون علمهم بطبيعة العلاقة التي تربطه بمالكيه باستثناء الشاهد محماد (ن) الذي أكد بأن الطاعن تربطه علاقة كرائية بموروث الطالبين وبأنه عاين أداء الطاعن الوجيبة الكرائية لهذا الأخير دون أن يحدد قيمتها أو حضوره مجلس العقد وبين باقي أركان عقد الكراء من حصول التراضي والمدة ولا وجود بالملف لإقرار صريح بقيام علاقة كرائية ولاتناقض في مواقف المطلوبين يوحي بقيام تلك العلاقة ،فإن المحكمة لما اعتبرت شهادة الشهود المستمع إليهم والشهادة الإدارية المدلى بها من طرف الطاعن وإن كانت تثبت الوجود المادي له بالمدعى فيه فإنها لاتحدد ثمن الكراء والتزامات طرفي العقد ولاتفيد مشروعية اعتمار المحل موضوع الدعوى ،تكون قد عللت قرارها تعليلا كافيا وليس فيه أي خرق لحق الدفاع والوجه من الوسيلة على غير أساس[12]

 

 

ثانيا: دور اليمين المتممة في إثبات عقد الكراء.

 

كما هو معلوم فإن القاضي حرا في توجيه اليمين المتممة لأي من الخصمين،فقط يلزم أن يتوفر دليل ناقص على مستوى الإثبات.

 

وهذا ما أكد عليه القضاء المغربي ،ففي قرار لمحكمة النقض المغربية بتاريخ 2 أبريل 2013 ،ذهبت فيه إلى أنه ‘لكن ،ردا على الوسيلتين معا لتداخلهما فإنه يتجلى من وثائق الملف أن القدر المطلوب عن وجيبة الكراء هو 200 شهريا وهو المعتبر أساسا في المنازعة في الأداء ويجوز إثبات انقضاء الإلتزام المترتب عليه بشهادة الشهود حسبما يقتضيه الفصل 443 من قانون الالتزامات والعقود وأن الشهادتين المستمع إليها أمام المحكمة بجلسة البحث في 2010/1/29 وهما ن.ش.وس.ش.أفادتا بعد أدائهما اليمين القانونية بأنهما حضرت واقعة تسليم المطلوبة للطاعنة وجيبة كراء بعض الشهور عن المدة المطالب بها من سنة 1993 كما أن الطاعن أفادت بنفس الجلسة أن المطلوبة تشغل المحل موضوع الدعوى على وجه المرأة وأنها لم تبرم معها أي عقد كتابي وأنها تتوصل منها بالوجيبة الكرائية دون تمكينها من وصولات الكراء ومنذ 16 سنة توقفت عن الأداء وأنه بمقتضى الفصل 87 من قانون المسطرة المدنية إذا اعتبرت المحكمة أن أحد الأطراف لم يعزز ادعاءاته بالحجة الكافية أمكن لها تلقائيا أن توجه اليمين إلى هذا الطرف بحكم يبين الوقائع التي ستلقى اليمين بشأنها وبذلك فإن المحكمة مصدرة القرار المطعون فيه وفي إطار تقييمها للأدلة المعروضة عليها استندت للمقتضيات المذكورة واعتمدت إقرار الطاعنة بتوصلها بوجيبة الكراء من المطلوبة عن المدة السابقة لسنة 1993 دون أن تسلمها تواصيل الأداء وتبين لها من شهادة الشهادتين أنهما حضرتا واقعة استيفاء الطاعنة لوجيبة كراء بعض الشهور عن المدة المطلوبة واعتبرت شهادتهما غير كافية ووجهت اليمين للمطلوبة طبقا لمقتضيات الفصل 87 المشار إليه وأوردت دفوع الطاعنة وعللت قضاياها بأنه: لئن كانت شهادة شهود المستأنفة قد تعذر تأسيسا عليها تحديد تاريخ تحصيل المستأنف عليها لوجيبة كراء المدة 1993/1/1 إلى نهاية دجنبر 2006 بكيفية مقبولة من حيث تاريخ وقوع ذلك التحصيل حسب التفصيل المسطر بالوقائع فإن الشهود لم يختلفوا في حصول الوفاء ومعاينتهم لذلك بين الفينة والأخرى وهي بذلك حجة غير كافية لإثبات الوفاء وهو ما ارتأت معه المحكمة أن تتممها باليمين الصادر بشأنها القرار التمهيدي عدد 2010/7/20 وأن القضية أدرجت بجلسة 2010/10/12 حضرها الطرفان ونائباهما وقد وجهت اليمين إلى المستأنفة هذه الأخيرة التي رفعت يدها اليمنى وأقسمت بالله العظيم بأنها أدت أقساط الكراء من 1993/1/1 إلى نهاية متم دجنبر 2006،فإنه نتيجة لذلك يكون القرار معللا تعليلا كافيا ومرتكزا على أساس وما بالوسيلتين غير جدير بالاعتبار[13]

 

بل إن اللجوء أحيانا إلى اليمين في في إطار إثبات عقد الكراء مرتبط بقواعد الفقه الإسلامي ،وهو ماذهبت له محكمة النقض المغربية الصادر بتاريخ 7 اكتوبر 2009 والذي جاء فيه بأنه”حيث صح ماعابه الطاعن على القرار ،ذلك أنه على قضاءه بإنه فيما يخص السومة الكرائية وفق الفصل 399 من قانون الالتزامات والعقود الذي ينص على أن إثبات الإلتزام على مدعين وأن اللجوء في مثل هذه الحالة إلى خبرة يشكل خرقا للفصل الثالث من قانون المسطرة المدنية باعتماد سبب هو غير سبب الإلتزام.أو أن إلزام المدعي بالأداء بالحجة هو غير ملزم بالأداء بها قانونا فإن السومة الكرائية التي يقر بها المكتري هي 115 درهم هي التي يتعين الحكم بها ،في حين أن الطرفان متفقان على تحديد الوجيبة الكرائية إلا أن الطاعن المكري يدعي على أنها 1150 والمطلوب المكتري يدعي إنها 115 درهم شهريا وأنه طبقا لما هو منصوص عليه فقها فإذا سكن المكتري بعض المدة فالقول قوله بيمينه إن أشبه وإلا فالقول قول المكري بيمينه إن أشبه،وإن لم يشبها معا حلفا ووجب كراء المثل .وأن القرار المطعون فيه لما اعتمد قول المكتري دون أن يبين ما إذا كان قد أشبه أم لا يكون ناقص التعليل الموازي لانعدامه مما عرضه للنقض[14]

 

 

ونستنتج مما سبق أن عنصر الإرادة يلعب دوراً مهماً في عقد الكراء ،وهنا لابد من الإشارة إلى مسألة أساسية وهي أنه إذا كانت القواعد العامة المنظمة وفق قانون الالتزامات والعقود والخاصة بعقد الكراء قد اشترطت التراضي كركن محوري لأنعقاد هذا العقد ،مع ماترتب عن ذلك من آثار على مستوى التنفيذ والإثبات،فإنه على مستوى قانون الكراء السكني والمهني رقم 67.12 سنجد أن جاذبية عنصر الشكلية تعطي لأطراف هذا العقد كافة الضمانات القانونية التي من شأنها أن تكمل إرادة هؤلاء الأطراف سواء من خلال تأطير الإلتزامات أو على مستوى تسهيل عملية إثباتها وهو ماسيتم تناوله في المحور الموالي.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

المبحث الثاني: جاذبية شكلية عقد الكراء تحت ضوء القانون رقم 67.12.

 

بطبيعة الحال إن استفادة أطراف عقد الكراء من كافة الضمانات التي يوفرها القانون رقم 67.12،متوقف على شرط واحد فقط وهو احترام الشكلية التي ينص عليها ،ويتجلى ذلك من خلال إلتزام المتمثل في الوجيبة الكرائية التي حدد المشرع طريقة مراجعتها من خلال تأطيره لحالة الرفع منها وتخفيضها (المطلب الأول) وكذلك من خلال مسطرة استيفاءها في حالة عدم أدائها في الأجل المتفق عليه (المطلب الثاني).

 

المطلب الاول: جاذبية الشكلية على مستوى مراجعة الوجيبة الكرائية.

 

إن جاذبية عنصر الشكلية ضمن قانون رقم 67.12 إذا كانت قد أعطت لأطراف عقد الكراء إمكانية تحديد طريقة رفع مبلغ الوجيبة الكرائية (أولا) فهذا لايعني أنها مكنتهم أيضا من مسألة التخفيض منها (ثانيا).

 

أولا: تحديد طريقة رفع مبلغ الوجيبة الكرائية في ظل القانون رقم 67.12.

 

بالرجوع إلى المقتضيات التي جاء بها القانون رقم 67.12 في المواد من 31 إلى 37 في الباب الخامس تحت عنوان الوجيبة الكرائية ،والتي نسخت أحكام القانون رقم 07.03 وإن كانت تتشابه معها إلى حد كبير ،يتبين لنا أن القاعدة العامة التي كرسها المشرع المغربي تتجلى في ترك الحرية للمكري والمكتري في تحديد ثمن الكراء وشروط مراجعته ونسبة الرفع من قيمته[15]

 

ويمكن إجمال هذه الأحكام فيما يلي:

 

-وضع المشرع لسقف محدد لنسب الزيادة في الوجيبة الكرائية حسب ما هو منصوص عليه في المادة 34 من القانون رقم 67.12 التي حددها على الشكل التالي:

 

  • 8% بالنسبة للمحلات المعدة للسكنى.
  • 10% بالنسبة للمحلات للمحلات المعدة للاستعمال المهني وجعل المشرع هذه النسب من النظام العام بحيث لايجوز الاتفاق على إلزام المكتري بزيارة تفوق ماهو منصوص عليه في المادة أعلاه (المادة 32) من القانون رقم 67.12.

 

ورغبة من المشرع في ثبات واستقرار العلاقات الكرائية فإنه بادر إلى منع الأطراف من كل اتفاق يهدف إلى مراجعة الوجيبة الكرائية داخل مدة تقل عن فترة الثلاث سنوات الموالية لإبرام عقد الكراء أو آخر مراجعة قضائية أو اتفاقية لهذه الوجيبة.

 

وقد توخى المشرع من وراء هذه القيود القانونية تحقيق غايتين أساسيتين الأولى تتمثل في إطالة أمد استقرار العلاقات الكرائية ،إلى الحد المعقول الذي لايقل في نظر المشرع على مهلة الثلاث سنوات كحد أدنى.

 

أما النتيجة الثانية فتتمثل في إضعاف هامش السلطة التقديرية التي يتمتع بها قضاة الموضوع في إطار الأنظمة السابقة المحددة لطرق الزيادة في الوجيبة الكرائية والتي كانت تختلف من محكمة لأخرى ومن قاض لآخر لذلك ارتأى المشرع تحديد نسبة الزيادة في الوجيبة الكرائية وفقا لمعايير موضوعية منصفة لطرفي العلاقة الإيجارية على حد سواء[16]

 

وإذا كانت أغلبية هذه الأحكام قامت بتقييد سلطة المحكمة على مستوى تحديد نسبة الزيادة في ثمن عقد الكراء ،فإن المشرع المغربي في المقابل أعطى للمحكمة السلطة التقديرية في إطار المادة 34 إذا كان مبلغ الوجيبة الكرائية لايتجاوز أربعمائة درهم شهريا، بشرط ألا تتجاوز نسبة الزيادة المحكوم بها %50 وذلك طبقا للمادة 35 من نفس القانون[17]

 

وإذا كانت نسبة الزيادة في مبلغ الوجيبة الكرائية قد حدده المشرع وفق ماتطرقنا له أعلاه ،فهل تخفيض مبلغ الوجيبة الكرائية يخضع لنفس المنطق كذلك ؟ وهو ماسيتم الإجابة عليه في إطار النقطة الموالية.

 

ثانيا: تخفيض مبلغ الوجيبة الكرائية في ظل القانون رقم 67.12.

 

إن المشرع المغربي بمقتضى المادة 36 من القانون رقم 67.12 والخاصة بتخفيض مبلغ الوجيبة الكرائية أحال على مقتضيات الفصلين 660و661 من ق.ل.ع مما يأكد أن طريقة تخفيض مبلغ الوجيبة الكرائية لم يقم المشرع بتحديدها كما هو الشأن بالنسبة طريقة رفعها كما تطرقنا لذلك أعلاه،وفي هذا الإطار يتوجب علينا الرجوع للقواعد العامة الخاصة بعقد الكراء ،للتمييز بين حالتين أساسيتين:

 

الأولى هي التي تخول للمكتري حق الخيار بين دعوى الفسخ ودعوى إنقاص الثمن حيث أن هذه القاعدة منصوص عليها بمقتضى الفصل 655 من ق.ل.ع الذي ينص على مايلي “عندما يكون للضمان محل ،يحق للمكتري أن يطلب فسخ العقد أو إنقاص الكراء.

 

الثانية هي الحالة التي يكون فيها حق المكتري مقتصرا على أحد الدعويين فقط دون إمكانية الخيار بينهما ،وإذا كان الخيار الأول يرتبط بمطالبة المكتري بفسخ عقد الكراء[18]فإننا لن نتناوله في هذا المقام لأن مايعنينا بالأساس هو الخيار الثاني المرتبط بالحالة التي يقتصر فيها حق المكتري على طلب إنقاص الوجيبة الكرائية بما يناسب نقصان المنفعة.

 

حيث بالرجوع لمقتضيات الفصل 660 من ق.ل.ع نجده ينص على مايلي: ” إذا لم تهلك العين المكتراة أو لم تتغير إلا جزئيا ،بحيث تبقى صالحة للاستعمال في الغرض الذي اكتريت من أجله،أو تبقى صالحة له جزئيا لم يكن للمكتري إلا حق إنقاص الكراء بقدر مانقص من انتفاعه”.

 

وبالتالي فإن المشرع المغربي إذا كان قد تدخل في إرادة المتعاقدين بمقتضى المادة 34 والخاصة بتحديد رفع مبلغ الوجيبة الكرائية فإنه لم يسلك نفس المنحى في إطار طريقة تخفيضها ،حيث جعلها تخضع للقواعد العامة ،وفي ختام هذا المحور لابد من الإشارة لنقطة أساسية وهي أن الوجيبة الكرائية يمكنها أن تكون محل مراجعة إما بالزيادة أو التخفيض منها كما تطرقنا لذلك أعلاه من جهة،ويمكن كذلك أن تصبح محل مطالبة باستيفاءها عند عدم أداءها داخل المدة المحددة من جهة أخرى ،وهو ماسيتم التطرق له في المحور الموالي.

 

المطلب الثاني: مسطرة استيفاء الوجيبة الكرائية.

 

خلافا للقواعد العامة التي تقضي بأن المدين يصبح في حالة مطل بمجرد حلول الأجل المقرر في السند المنشئ للإلتزام[19]فإن المكتري لايمكن أن يلحقه هذا الوصف لأن المكري يكون ملزما بإنذار المكتري بالأداء[20]وعند عدم قيام المكتري بأداء الوجيبة الكرائية ،فإن المشرع مكن المكري أن يطلب من رئيس المحكمة الإبتدائية أن يصادق على الإنذار والأمر بالأداء، وفي إطار السلطة التقديرية التي يملكها رئيس المحكمة فإن موقفه لايخلو من أحد الإحتمالين إما المصادقة على الإنذار والأمر بالأداء (أولا) وإما رفض المصادقة على الإنذار (ثانيا).

 

 

أولا: المصادقة على الإنذار والأمر بالأداء.

 

 

قبل التطرق لأمر المصادقة على الإنذار والأمر بالأداء لابد من الإشارة لنقطة أساسية ،وهي أن سلوك المكري لمسطرة الوجيبة الكرائية بوجه عام حسب ما هو منصوص عليه في القانون رقم 67.12 ليس أمرا واجبا أو مفروضا عليه بقوة القانون ،بل هي إمكانية متاحة له من أجل بلوغ هدفه المتمثل في الحصول على مقابل تخليه عن العين المكراة للمكتري ؛وهذا ما أكد عليه القضاء المغربي في العديد من المناسبات ،من ذلك محكمة الاستئناف بالدار البيضاء بتاريخ 21 يوليوز 2015 ،الذي جاء فيه ‘وحيث إن المادة 23 من قانون 67.12 المتعلق بالكراء السكني والمهني والمتمسك بها من طرف دفاع الطاعن تتعلق باستيفاء الوجيبة الكرائية وأعطت للمكري إمكانية سلوك مقتضياتها دون إلزامه بالتقيد بها ،هذا فضلا عن أن المادة 56 من نفس القانون أعطت للمكري الحق في طلب فسخ عقد الكراء في حالة عدم أداء المكتري للوجيبة الكرائية التي حل أجلها رغم توصله بالإنذار بالأداء دونما سلوك مقتضيات المادة 23 من القانون المذكور[21]

 

ونظرا لأن الإنذار بأداء المبالغ الكرائية يندرج عادة ضمن مايسمى بالأوامر المبنية على الطلب لذلك فإن المصادقة على الإنذار تكون بإصدار الرئيس أو من ينوب عنه أمرا بالتصديق على الإنذار في أسفل الطلب والأمر بالأداء خلال 48 ساعة من تاريخ تسجيله بالإعتماد على محضر التبليغ والمستندات التي أشار إليها المكري في الإنذار بالأداء وطلب الترخيص له بسلوك هذه المسطرة الخاصة وينفذ هذا الأمر على الأصل ولا يكون قابلا لأي طعن سواء كان عاديا أو غير عادي وذلك وفقا للمادة 27 من القانون [22]67.12.

 

ولايعني ذلك أن المشرع وقف ضد مصالح المكري بهذا الحكم،مادام أنه يحق لهذا الأخير في حالة رفض الطلب المطالبة باستيفاء وجيبة الكراء والتكاليف التابعة طبقا للقواعد العامة ،طبقا للفقرة الأولى من المادة 29 من القانون رقم 67.12،وهو ماسيتم تناوله في النقطة الموالية.

 

 

ثانيا: رفض المصادقة على الإنذار.

 

إذا رفض الرئيس التصديق على الإنذار لسبب من الأسباب فإنه لا يحق للمكري أن يطعن في هذا الرفض بأي وسيلة من الوسائل لأنه يعتبر أمرا نهائيا سواء قرر المصادقة أو الرفض ،وفي هذه الحالة الأخيرة فإنه يحق للمكري أن يطالب بحقه أمام المحكمة الابتدائية وذلك طبقا للقواعد العامة المتعارف عليها في هذا الباب ،وهذا الحق هو الذي خوله المشرع للمكتري أيضا في حالة المعاكسة عند قبول طلب المكري والمصادقة على الإنذار[23]

 

كما أن المشرع لم يتجاهل كذلك مسألة سوء نية المكري في إطار تعمده مواصلة مسطرة المصادقة على الإنذار بالرغم من توصله بمستحقاته،لهذا أكد من خلال مقتضيات المادة 30 من القانون رقم 67.12 على مايلي”إذا ثبت أن المكري قد توصل بمستحقاته وواصل بسوء نية مسطرة المصادقة على الإنذار، حق للمكتري المطالبة بالحكم له بتعويض عن الضرر يتراوح بين مقابل وجيبة كراء شهرين وستة أشهر وذلك بصرف النظر عن المتابعات الجنائية ضد المكري عند الاقتضاء”

 

ومن ثم فإن المشرع المغربي ألزم المكري بأدائه تعويضا لفائدة المكتري، إذا ما ثبت أنه واصل بسوء نية مسطرة المصادقة، في إطار المسطرة السريعة لاستيفاء الوجيبة الكرائية، بالرغم من توصله بمستحقاته، حينها يؤدي المكري للمكتري تعويضا عن الضرر يتراوح ما بين وجيبة كراء شهرين وستة أشهر (المادة 30 ق 67.12)، بالاضافة إلى أن المشرع قد قنن التعويض عن الإنهاء الذي يعود لأسباب لها ارتباط بالمكري، وحدده في وجيبة كراء سنة (المادة 51 ق 67.12)، دون أن ننسى أنه إذا تبين أن سبب الإنهاء الذي اعتمده المكري لإفراغ المكتري غير صحيح، أو أنه لم ينفذ من طرفه، جاز للمكتري المطالبة بتعويض يساوي قيمة الضرر الذي لحقه نتيجة الإفراغ، لا يمكن أن يقل عن وجيبة سنة[24]

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

خاتمة:

 

  • إن إرادة أطراف عقد الكراء لاتأثر على مستوى تكوينه وتنفيذه فقط،وإنما تنتقل لتشمل طريقة إثباته ،وهذا ما لاحظنا من خلال خاتمة الشق الأول من البحث،ثم انتقلنا بعد ذلك لتوضيح دور جاذبية الشكلية ضمن القانون رقم 67.12 باعتبارها أداة فعالة لتوفير الضمانات القانونية لأطراف عقد الكراء آخذين التزام الوجيبة الكرائية نموذجا على مستوى مراجعتها واستيفاءها،وإذا كانت إرادة المشرع في ظل هذا القانون الجديد قد قلصت من إرادة الأطراف وفقا لما تطرقنا له أعلاه ،فإنها في المقابل لم تلغي بشكل كلي تلك القواعد العامة المنصوص عليها في ظل قانون الالتزامات والعقود والخاصة بعقد الكراء ،والدليل على ذلك تمسك المشرع ببعض السبل القانونية الخاصة بانقاص الوجيبة الكرائية ،وكذلك المسألة الخاصة بإمكانية رجوع المكري أو المكتري للقواعد العامة في حالة قبول أو رفض طلب المصادقة على الأمر بالأداء.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

لائحة المراجع:

 

  • عبد الرحمان الشرقاوي ،دراسة حديثة للنظرية العامة للالتزام على ضوء تأثرها بالمفاهيم الجديدة للقانون الاقتصادي الجزء الأول التصرف القانوني

 – حياة البراقي،النظرية العامة للالتزامات ،المصادر الإرادية للالتزام ،العقد،الطبعة 2022

-عبد الرحمان الشرقاوي القانون المدني دراسة حديثة للنظرية العامة للالتزام في ضوء تأثرها بالمفاهيم الجديدة للقانون الاقتصادي . الجزء الرابع إثبات الالتزام .مطبعة الأمنية -الرباط .الطبعة الثانية 2022

– عبد الرحمان الشرقاوي،قانون العقود الخاصة ،الكتاب الثاني ،العقود الواردة على منفعة الشيء،عقد الكراء ،ص128.

عبد القادر العرعاري،كراء المحلات المعدة للسكنى والاستعمال المهني على ضوء القانون الجديد رقم 67.12

 

 

  • منير فوناني،ملاحظات على القانون رقم 67.12 الخاص بتنظيم العلاقات التعاقدية بين المكري والمكتري للمحلات المعدة للسكنى أو للإستعمال المهني،مقال منشور بمجلة مغرب القانون

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

[1] ظهير شريف رقم 1/13.11 صادر في محرم 1435 (19 نوفمبر 2013) بتنفيذ القانون رقم 67.12 المتعلق بتنظيم العلاقات التعاقدية بين المكري والمكتري للمحلات المعدة للسكنى أو للاستعمال المهني.

 

 

[2] ظهير 9 رمضان 1331 (الصادر في 12 أغسطس 1913).)

[3] عبد الرحمان الشرقاوي ،دراسة حديثة للنظرية العامة للالتزام على ضوء تأثرها بالمفاهيم الجديدة للقانون الاقتصادي،الجزء الأول،التصرف القانوني،ص45.

 

[4] قرار محكمة النقض،عدد 1147 في الملف عدد 2001/3/1/1828؛غير منشور.أشار له الاستاذ عبد الرحمان الشرقاوي في مؤلفه إثبات الإلتزام ،ص50.

 

 

[5] حياة البراقي،النظرية العامة للالتزامات ،المصادر الإرادية للالتزام ،العقد،الطبعة 2022،ص190.

[6] عبد الرحمان الشرقاوي ،دراسة حديثة للنظرية العامة للالتزام على ضوء تأثرها بالمفاهيم الجديدة للقانون الاقتصادي،الجزء الأول،التصرف القانوني،ص 226.

 

 

[7] عبد الرحمان الشرقاوي ،دراسة حديثة للنظرية العامة للالتزام على ضوء تأثرها بالمفاهيم الجديدة للقانون الاقتصادي،الجزء الأول،التصرف القانوني،ص81،80.

 

[8] القانون رقم 58.11 المتعلق بمحكمة النقض المغير بموجبه الظهير الشريف رقم 1.57.223 الصادر في 2 ربيع الأول 1377 (24 سبتمبر 1957) بشأن المجلس الأعلى ،الصادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 1.11.170 بتاريخ 27 من ذي القعدة 1432 (25 أكتوبر 2011) الجريدة الرسمية عدد 5989 مكرر بتاريخ 28 ذو القعدة 1432 (26 أكتوبر 2011)،ص5228.

 

 

[9] قرار منشور بالمجلة المغربية للقانون -السلسلة الجديدة-ع11_ سنة 1987_ص 44.

[10] قرار المجلس الأعلى رقم 1813 بتاريخ 1985/07/17 صادر في ملف مدني عدد 88826،منشور بمجموعات المجلس الأعلى -ج2-المادة المدنية -السنوات83-91،ص1.

 

[11] أشار الأستاذ عبد الرحمان الشرقاوي في هامش الصفحة 209 من مؤلفه إثبات الإلتزام ،بأن الأستاذ خالد سعيد أشار إليه في مولفه الإثبات في المنازعات المدنية في الصفحة 196.

 

[12] القرار عدد 25 في الملف المدني عدد 2012/3/1/1819،أشار له الاستاذ عبد الرحمان الشرقاوي في مؤلفه إثبات الإلتزام،ص212.

 

[13] قرار عدد 6/271 في الملف المدني عدد 2012/6/1/2285،أشار له الاستاذ عبد الرحمان الشرقاوي في مؤلفه إثبات الإلتزام،ص 246.

 

[14] قرار عدد 3432 في الملف عدد 2008/6/1/2979؛غير منشور ،أشار له الاستاذ عبد الرحمان الشرقاوي في مؤلفه إثبات الإلتزام،ص247.

 

[15] عبد الرحمان الشرقاوي،قانون العقود الخاصة ،الكتاب الثاني ،العقود الواردة على منفعة الشيء،عقد الكراء ،ص128.

[16] عبد القادر العرعاري،كراء المحلات المعدة للسكنى والاستعمال المهني على ضوء القانون الجديد رقم 67.12،ص70.

 

[17] تنص هذه المادة على مايلي “يمكن للمحكمة أن تحدد نسبة الزيادة في مبلغ الوجيبة الكرائية بما لها من سلطة تقديرية ودون التقيد بالنسبتين المذكورتين في المادة 34 أعلاه إذا كان مبلغ قيمة الوجيبة الكرائية لايتجاوز أربعمائة درهم شهريا على ألا تتعدى نسبة الزيادة المحكوم بها %50 .

[18] وهي الحالة المنصوص عليها في الفصل 659 من ق.ل.ع.م.

[19] انظر نص الفصل 255 من ق.ل.ع.م.

[20] إن المفهوم المبهم لمطل المكتري المنصوص عليه في الفقرة الثالثة من الفصل 692 من ق.ل.ع أفرز عدة اتجاهات بخصوص هذا الأمر فبعد أن كان مطل المكتري يثبت بالمطالبة القضائية فقط ،أصبح يثبت بانصرام أجل الإنذار بالأداء ؛للتوسع في هذه النقطة أكثر يمكن الرجوع لمؤلف الأستاذ عبد القادر العرعاري،كراء المحلات المعدة للسكنى والاستعمال المهني على ضوء القانون الجديد رقم 67.12.

 

 

[21] ملف رقم 2015/1303/841؛قرار غير منشور ،أشار له الاستاذ عبد الرحمان الشرقاوي في مؤلفه قانون العقود الخاصة ،الكتاب الثاني ،العقود الواردة على منفعة الشيء،عقد الكراء ،ص 189.

 

[22] عبد القادر العرعاري،كراء المحلات المعدة للسكنى والاستعمال المهني على ضوء القانون الجديد رقم 67.12،ص231

[23] عبد القادر العرعاري،كراء المحلات المعدة للسكنى والاستعمال المهني على ضوء القانون الجديد رقم 67.12،ص232.

منير فوناني،ملاحظات على القانون رقم 67.12 الخاص بتنظيم العلاقات التعاقدية بين المكري والمكتري للمحلات المعدة للسكنى أو للإستعمال المهني،مقال منشور بمجلة مغرب القانون ،تاريخ الإطلاع 22 مارس 2024،على الساعة 10.32 دقيقة[24]

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى