في الواجهةمقالات قانونية

الجانب الإرادي في التحكيم – المهدي الشناني

 

الجانب الإرادي في التحكيم

–        المهدي الشناني

طالب باحث بسلك الماستر – ماستر العلوم القانونية بكلية العلوم القانونية ولاقتصادية والاجتماعية أكدال.

مقدمة:

أدى اتساع المعاملات التجارية خاصة على المستوى الدولي كمظهر للعولمة إلى تنامي اللجوء إلى الوسائل البديلة لفض النزاع، خاصة منها التحكيم حتى أصبح هذا الأخير قاعدة لحسم النزاعات و أصبح القضاء يمثل الاستثناء.

فعمل الفقه والقضاء بل جل التشريعات على محاولة تعريف هذا النظام، فتباينت واختلفت في ذلك، حيث كل منها ينظر له من زاوية خاصة، لذلك يكمن تعريفه بأنه ” نظام يختاره الأطراف بناء على اتفاق بينهم لفض منازعاتهم عن طريق طرح النزاع والبث فيه أمام شخص أو أكثر يطلق عليهم المحكم أو المحكمين دون اللجوء إلى القضاء”[1].

فكما هو معلوم أن القانون تاريخ، فالتحكيم مؤسسة عريقة ترجع جذورها إلى بداية تواجد الإنسان على وجه الأرض، فعرفته مختلف الحضرات القديمة كالحضارة الإسلامية واليونانية والرومانية، حيث كان محلا للإقرار و الاعتراف به من كافة هذه الأنظمة القانونية الأساسية المعروفة منذ البداية البشرية، فقد مر بمراحل  وأتت عليه حقب من الزمن فقد قيمته وكادت تنطفئ شعلته، خصوصا بعدما أصبح قضاء الدولة هو القضاء الرسمي[2]. غير أنه الأمر على هذا الوضع، بل تطور خلال القرن 19م في كامل ربع العالم وفرض وجوده كوسيلة خاصة مستقلة على القضاء، فأﺻﺒﺢ ﻣﻦ أﻫﻢ اﻟﻈﻮاﻫﺮ اﻟﻘﺎﻧﻮﻧﻴﺔ المعاصرة، وﻣﻦ الموضوعات الهامة التي ﺗﺸﻐﻞ ﻣﻜﺎﻧﺎ ﺑﺎرزا في اﻟﻔﻜﺮ القانوني والاﻗﺘﺼﺎدي ﻋﻠﻰ المستوى الدولي، وﻋﻠﻰ ﻣﺴﺘﻮى ﻣﻌﻈﻢ اﻷﻧﻈﻤﺔ اﻟﻘﺎﻧﻮﻧﻴﺔ المقارنة، ﻋﻠﻰ إﺧﺘﻼف ﻧﻈﻤﻬﺎ وأوﺿﺎﻋﻬﺎ اﻹﻗﺘﺼﺎدﻳﺔ واﻟﺴﻴﺎﺳﻴﺔ .ﻓﻠﻬﺬا تعزز اﻟﺘﺤﻜﻴﻢ ﻛﻀﺮورة ﺛﺎﺑﺘﺔ ﻣﻦ اﻟﻀﺮورات وﻣﺴﺘﻠﺰﻣﺎت اﻟﺘﺠﺎرة اﻟﺪوﻟﻴﺔ، ﻓﻬﻮ ﻋﻠﻰ ﺣﺪ تعبير ﺑﻌﺾ اﻟﻔﻘﻪ “ﺗﻮأﻣﺎن ” ﻻ يمكن ﻓﺼﻠﻬﻤﺎ، ووبمثابة اﻟﺮوح ﻣﻦ الجسد، فإذا كان قانون التجارة إنسانا فالتحكيم عقله المفكر“.[3]

وﺗﺄﺳﻴﺴﺎ ﻋﻠﻰ ذﻟﻚ، أﺻﺒﺢ اﻟﺘﺤﻜﻴﻢ اﻟﺘﺠﺎري خاصة الدولي في اﻟﻮﻗﺖ الحاضر أﻫﻢ وﺳﻴﻠﺔ ﻳﺮﻏﺐ المتعاملون في اﻟﺘﺠﺎرة خاصة اﻟﺪوﻟﻴﺔ اﻟﻠﺠﻮء إﻟﻴﻬﺎ لحسم خلافاتهم الناتجة ﻋﻦ تعاملاتهم، ﻓﻼ ﻳﻜﺎد يخلو ﻋﻘﺪ ﻣﻦ ﻋﻘﻮد اﻟﺘﺠﺎرة اﻟﺪوﻟﻴﺔ ﻣﻦ ﺷﺮط يصار بموجبه إلى إﺗﺒﺎع اﻟﺘﺤﻜﻴﻢ ﻋﻨﺪ ﺣﺪوث ﻧﺰاع ﻳﺘﻌﻠﻖ بتفسير أو ﺗﻨﻔﻴﺬ اﻟﻌﻘﺪ المذكور ﻟﻴﺘﻤﻜﻦ ﺑﺬﻟﻚ ﻫﺬا اﻟﻌﻘﺪ ﻣﻦ اﻹﻓﻼت ﻣﻦ ﺳﻠﻄﺔ ﻗﻀﺎء اﻟﺪوﻟﺔ، ويخضع إلى ﻗﻀﺎء ﺧﺎص ﻣﻦ ﺻﻨﻊ أﻃﺮاف اﻟﻨﺰاع أﻧﻔﺴﻬﻢ.

وﻻ ﺷﻚ أن ذﻳﻮع اﻟﺘﺤﻜﻴﻢ واﺗﺴﺎع مجاله في ﺣﻘﻞ اﻟﺘﺠﺎرة اﻟﺪوﻟﻴﺔ ﻳﺮﺟﻊ إلى ﻋﺪة إﻋﺘﺒﺎرات أهمها، رﻏﺒﺔ المتعاملين في اﻷﺳﻮاق التجارية خاصة اﻟﺪوﻟﻴﺔ في اﻟﺘﺤﺮر ﺑﻘﺪر اﻹﻣﻜﺎن ﻣﻦ اﻟﻘﻴﻮد التي ﺗﻮﺟﺪ في اﻟﻨﻈﻢ اﻟﻘﺎﻧﻮﻧﻴﺔ اﻟﺪوﻟﻴﺔ، ورﻏﺒﺘﻬﻢ أﻳﻀﺎ الهروب ﻣﻦ ﻣﺸﻜﻠﺔ ﺗﻨﺎزع القوانين، ﻧﻈﺮا لميل اﻟﻘﺎﺿﻲ ﻟﺘﻄﺒﻴﻖ ﻗﺎﻧﻮﻧﻪ الوطني حتى في المنازعات المتعلقة ﺑﺎﻟﺘﺠﺎرة الدولي[4]، وكذلك لم ﻳﻌﺪ ﻣﻨﺎﺳﺒﺎ إﺧﻀﺎع المنازعات اﻟﻨﺎﺷﺌﺔ ﻋﻦ ﻫﺬﻩ اﻟﻌﻼﻗﺎت ﻟﻠﻘﻀﺎء اﻟﻮﻃني، ﻧﻈﺮا ﻟﻌﺪم ﺛﻘﺔ المتعاملين الاقتصادين في ﺗﻮاﻓﺮ ﺿﻤﺎﻧﺎت اﻟﺘﻘﺎﺿﻲ الحقيقية أﻣﺎم ﻫﺬا اﻟﻘﻀﺎء في مختلف اﻟﺪول، ﺿﻒ إلى ذﻟﻚ ﻣﺎ ﻳﻌﺎب ﻋﻠﻰ ﻗﻀﺎة المحاكم  ﻣﻦ ﻗﻠﺔ الخبرة  ﺑﺘﻠﻚ المنازعات المعقدة، إلى ﺟﺎﻧﺐ ﺗﻘﻴﺪ ﻫﺆﻻء اﻟﻘﻀﺎة ﺑﺈﺟﺮاءات وﻗﻴﻮد ﻻ ﺗﺘﻨﺎﺳﺐ ﻣﻊ ﻃﺒﻴﻌﺔ اﻟﺘﺠﺎرة خاصة اﻟﺪوﻟﻴﺔ، وما تحتاجه ﻣﻦ ﺳﺮﻋﺔ في ﺣﺴﻢ ﻫﺬﻩ المنازعات.

وﻳﻀﺎف إلى ﻛﻞ ذﻟﻚ، أن اﻟﺘﺤﻜﻴﻢ ﻳﺴﺘﻨﺪ في اﻷﺳﺎس إلى إرادة اﻷﻃﺮاف، ﻓﻬﻢ اﻟﺬﻳﻦ يختارون اﻷﺷﺨﺎص اﻟﺬﻳﻦ ﻳﺘﻮﻟﻮن ﻣﻬﻤﺔ اﻟﺘﺤﻜﻴﻢ ﻣﻦ بين المعروفين  ﻟﺪﻳﻬﻢ، وممن ﻳﺘﺼﻔﻮن بمعرفة ﻧﻮﻋﻴﺔ اﻟﺘﻌﺎﻣﻞ اﻟﺘﺠﺎري اﻟﺬي ﺣﺪث اﻟﻨﺰاع ﺑﺴﺒﺒﻪ، وﻣﻦ المعروفين بحيادهم واستقلالهم. وللطرفين  أﻳﻀﺎ ﺣﺮﻳﺔ إﺧﺘﻴﺎر ﻣﻜﺎن اﻟﺘﺤﻜﻴﻢ، واﻟﻘﻮاﻋﺪ اﻟﻮاﺟﺒﺔ اﻟﺘﻄﺒﻴﻖ لتسوية ﻧﺰاﻋﻬﻢ، ﻓﻜﻞ ﻫﺬﻩ اﻷﻣﻮر تجعل أﻃﺮاف اﻟﻨﺰاع ﻋﻠﻰ ﺛﻘﺔ من أن نزاعهم سوف تتم  تسويته بشكل عادل وقانوني وفي ﻫﺬا اﻟﺼـﺪد ﻳﺮى “أرﺳﻄـﻮ” أن أﻃﺮاف اﻟﻨﺰاع ﻳﻔﻀﻠﻮن اﻟﺘﺤﻜﻴﻢ ﻋﻠﻰ اﻟﻘﻀﺎء، لأن المحكم يرى العدالة بينما القضاء لا يرى إلى التشريع[5].

ﻓﺎﻟﺘﺤﻜﻴﻢ ﻧﻈﺮا لما ﻳﺘﻤﺘﻊ به من مزايا جعلته محط أﻧﻈﺎر أﻃﺮاف اﻟﻌﻼﻗﺎت اﻟﺘﺠﺎرﻳﺔ اﻟﺪوﻟﻴﺔ، وﻟﻌﻞ أهمها، ﻣﺎ ﻳﺘﻤﻴﺰ ﺑﻪ اﻟﺘﺤﻜﻴﻢ ﻣﻦ ﺳﺮﻋﺔ وتخصص فني، وأﻧﻪ يجرى في ﺳﺮﻳﺔ ﺗﺘﻔﻖ وﺣﺎﺟﺔ المعاملات اﻟﺘﺠﺎرﻳﺔ، ﻓﻬﻮ أداة ﻻ ﺗﻘﻮم ﻋﻠﻰ ﺣﻞ اﻟﻨﺰاع ﺑﻔﺮض ﻣﻦ أﻋﻠﻰ، وﺑﻘﻮة اﻟﺴﻠﻄﺔ اﻟﻌﺎﻣﺔ، وإنما ﻋﻠﻰ إﻣﺘﺜﺎل اﻷﻓﺮاد ﻟﺮأي الغير اﻟﺬي يحوز ﺛﻘﺘﻬﻢ، ﻓﻬﻲ ﻛﻤﺎ سماها  ﺑﻌﺾ اﻟﻔﻘﻪ “ﻋﺪاﻟﺔ ﻟﻄﻴﻔﺔ[6]  تعمل للوصول إلى النتيجة المتوخاة، ﻋﻦ ﻃﺮﻳﻖ وﺳﺎﺋﻞ أﻗﻞ ﺷﺪة ﻣﻦ ﺗﻠﻚ المعروفة في  اﻟﻌﺪاﻟﺔ اﻟﺘﻘﻠﻴﺪﻳﺔ، إذ أن المتعاملين في اﻷﺳﻮاق اﻟﺪوﻟﻴﺔ ﻳﺴﻌﻮن داﺋﻤﺎ ﻟﻠﺘﺨﻠﺺ واﻟﺘﺤﺮر ﺑﻘﺪر اﻹﻣﻜﺎن ﻣﻦ اﻟﻘﻴﻮد المعروفة في المحاكم الداخلية، والحرص ﻋﻠﻰ أن ﻳﺘﻢ ﺣﻞ المنازعات اﻟﻘﺎﺋﻤﺔ بينهم ﺑﺄﻗﻞ ﻗﺪر ممكن ﻣﻦ اﻟﻌﻼﻧﻴﺔ واﻟﻨﺸﺮ، وأن ﺗﺘﻢ اﻹﺟﺮاءات في أﺿﻴﻖ ﻧﻄﺎق، إﺿﺎﻓﺔ إلى أن اﻷﺷﺨﺎص اﻟﺬﻳﻦ ﻳﻨﺎط بهم ﺣﻞ ﺗﻠﻚ المنازعات ﻫﻢ أﺷﺨﺎص يختارون ﻟﺘﻮاﻓﺮ اﻟﺸﺮوط اﻟﻔﻨﻴﺔ واﻟﺘﻘﻨﻴﺔ ﻟﺪﻳﻬﻢ، واﻟﻘﺪرة ﻋﻠﻰ ﺗﻔﻬﻢ الخصائص المميزة، لهذه اﻟﻄﺎﺋﻔﺔ أو ﺗﻠﻚ ﻣﻦ ﺿﺮوف المعملات خاصة  اﻟﺘﺠﺎرﻳﺔ، وما يرتبط بها من مصطلحات.

وﻋﻠﻴﻪ، ﻓﻨﻈﺮا للأهمية اﻟﺒﺎﻟﻐﺔ والمكانة الخاصة التي أﺻﺒـﺢ اﻟﺘﺤﻜﻴـﻢ يحتلها- ﺧﺎﺻﺔ ﻣﻦ بين اﻟﻄﺮق اﻟﺒﺪﻳﻠﺔ اﻷﺧﺮى لحل اﻟﻨﺰاعت – سارعت الدول إلى مسايرة التطورات التي  شهدتها المعاملات وخاصة في الحقل اﻟﺘﺠﺎري، وإﻋﻄﺎء اﻟﺘﺤﻜﻴﻢ أﻛﺜﺮ ﻗﺪر ﻣﻦ اﻟﻔﻌﺎﻟﻴﺔ وذﻟﻚ ﻋﻦ ﻃﺮﻳﻖ اﻟﺘﺨﻔﻴﻒ ﻣﻦ اﻟﻘﻴﻮد التي أوردتها، واﻟﺬي ﻗﺪ ﻳﺮﺟﻊ اﻟﺴﺒﺐ في ذﻟﻚ الى اﻟﺘﺨﻮف المستمر لهذه  اﻟﺪول –  التي غالبا ما تكون دولا نامية – نظرا لكون نظام التحكيم التجاري خاصة الدولي كان غريبا عن المتعاملين الاقتصادين في هذه الدول، بسبب الانغلاق الاقتصادي الذي عاشت فيه.

وﻟﻌﻞ أﺑﺮز نموذج ﻋﻦ ﻫﺬﻩ اﻟﺪول المغرب، باعتباره من الدول الذي يعمل بنظام التحكيم خصوصا في المجالين التجاري و المدني، وذلك من خلال توقيعه على اتفاقية عمان العربية للتحكيم التجاري والتي أقرها مجلس وزراء العدل العربي في دورته الخامسة بالقرار 80/د 5 بتاريخ 14 أبريل 1987، كما أصدر قانون يحمل رقم 08-05[7] الذي يقضي بنسخ وتعويض الباب الثامن بالقسم الخامس من قانون المسطرة المدنية لكي يكون قانون منفرد بالتحكيم في المغرب يطبق على كل المنازعات بالرغم من كونه لقي انتقادا كبيرا من حيث غموضه وذلك بتوسيع نطاق التحكيم التجاري على حساب التحكيم المدني بشكل غير مباشر من خلال اقتصار أغلب فصوله على المعاملات التجارية وإقصائها للمدنية[8].

فاﻟﺗﺣﻛﯾم وﺳﯾﻠﺔ ﺧﺎﺻﺔ ﻟﻠﻔﺻل ﻓﻲ اﻟﻧازﻋﺎت، ﯾﻠﺟﺄ إﻟﯾﻪ اﻷطارف ﺑﻣوﺟب اﺗﻔﺎق ﻣﺳﺑق ﺑﯾﻧﻬم ﻟﻌرض اﻟﻧازﻋﺎت اﻟﺗﻲ ﻧﺷﺄة أو ﺗﻧﺷﺄ ﻣﺳﺗﻘﺑﻼ ﺑﺷﺄن ﻋﻼﻗﺔ ﻗﺎﻧوﻧﯾﺔ ﻣﻌﯾﻧﺔ، فهو ﻣﺑﻧﻲ ﻋﻠﻰ ﻣﺑدأ ﺳﻠطﺎن اﻹرادة ﻣﻧذ اﻻﺗﻔﺎق ﻋﻠﯾﻪ، وﯾﺗﺧذ ﺷﻛل ﺷرط أو ﻣﺷﺎرطﺔ، وﯾﻘﺻد ﺑﺎﻟﺻورة اﻷوﻟﻰ اﺗﻔﺎق اﻷطراف ﻗﺑل ﻧﺷوء اﻟﻧازع ﻋﻠﻰ ﻋرﺿﻪ ﻟﻠﺗﺣﻛﯾم ﻟﯾﺗوﻟﻰ اﻟﻔﺻل ﻓﯾﻪ، أﻣﺎ اﻟﺻورة اﻟﺛﺎﻧﯾﺔ واﻟﻣﺗﻣﺛﻠﺔ ﻓﻲ ﻣﺷﺎرطﺔ اﻟﺗﺣﻛﯾم واﻟﺗﻲ ﯾﻘﺻد ﺑﻬﺎ اﺗﻔﺎق اﻷطراف ﺑﻌد ﻧﺷوء اﻟﻧازع ﻹﺣﺎﻟﺗﻪ ﻟﻠﺗﺣﻛﯾم  ﻓﻬﻲ إذا اﺗﻔﺎق ﻻﺣق ﻟﻠﻌﻘد اﻷﺻﻠﻲ، واﻟﻠﺟوء إﻟﻰ اﻟﺗﺣﻛﯾم ﻻ ﯾﻛون إﻻ إذا ﻋﺑر اﻷطراف ﻋن إرادﺗﻬم ﺑﺻﻔﺔ ﺻرﯾﺣﺔ أو ﺿﻣﻧﯾﺔ واﻟﺗﻲ ﯾﺟب أن ﺗﻛون ﺻﺣﯾﺣﺔ وﺳﻠﯾﻣﺔ ﺧﺎﻟﯾﺔ ﻣن ﻋﯾوب اﻟرﺿﺎ ﻛﺎﻟﻐﻠط واﻟﺗدﻟﯾس واﻹﻛارﻩ.وهذا ما سلكه أيظا المشرع المغربي من خلال الفصلين306  و307[9].

وﻋﻠﻴﻪ، ﻓﻘﺪ ﻋﺮﻓﺖ إرادة اﻷﻃﺮاف في ﻇﻞ ﻫﺬا اﻟﻨﻮع ﻣﻦ اﻟﺘﺤﻜﻴﻢ اﻟﻄﺮﻳﻖ نحو اﻟﺘﺤﺮر أﻛﺜﺮ ﻓﺄﻛﺜﺮ وﻳﻈﻬﺮ ذﻟﻚ ﻣﻦ ﺣﻴﺚ اﻹﺗﻔﺎق ﻋﻠﻰ ﻛﻞ ﻣﺎ ﻳﺘﻌﻠﻖ ﺑﺎﻟﺘﺤﻜﻴﻢ ﻣﻦ ﺑﺪاﻳﺘﻪ إلى حين ﺻﺪور اﻟﻘﺮار اﻟﺘﺤﻜﻴﻤﻲ. إﻻ أن ﻫﺬﻩ الحرية ﻻﺑﺪ أن تخضع ﻟﺒﻌﺾ اﻟﻘﻴﻮد التي ﺗﻘﺘﻀﻴﻬﺎ وﺗﻔﺮﺿﻬﺎ اﻟﻀﺮورة ﻟﻀﻤﺎن إﺳﺘﻤﺮارﻳﺔ ﻋﻤﻠﻴﺔ اﻟﺘﺤﻜﻴﻢ، ﻷﻧﻪ كثيرا ﻣﺎ ﺗﺴﺘﺪﻋﻲ اﻟﻀﺮورة ﺗﺪﺧﻞ اﻟﻘﺎﺿﻲ الوطني ﺧﻼل سير عملية  اﻟﺘﺤﻜﻴﻢ ﺳﻮاء ﻛﺠﻬﺔ ﻣﺴﺎﻋﺪة ﻟﻠﺘﺤﻜﻴﻢ أو ﻣﺮاﻗﺒﺔ ﻟﻪ.

وﻋﻠﻴﻪ، ﻓﺘﺤﺖ ﻛﻞ ﻫﺬﻩ اﻷﻓﻜﺎر إشكالية تتمحور حول:

 

” مظاهر حفاظ مبدأ سلطان الارادة على سيادته في ظل التحكيم أمام تدخل الجهاز القضائي “.

ليتولد على ذلك تساؤلات:

أين تتجلى مظاهر سيادة إرادة الأطراف في ظل التحكيم ؟

وما القيود الواردة على هذه السيادة؟.

وهل هذه الإرادة مطلقة أو مقيدة؟.

 

وللإجابة على الإشكالية أعلاه ارتأينا تقسيم الموضوع وفق الشكل الآتي:

 

المبحث الأول: هامش إرادة الأطراف في ظل التحكيم.

المبحث الثاني: تحصيل سيادة إرادة الأطراف في التحكيم.

المبحث الأول: هامش إرادة الأطراف في ظل التحكيم.

أﺿﺤﻰ اﻟﺘﺤﻜﻴﻢ ﻳﺸﻐﻞ ﻣﻜﺎﻧﺎ ﺑﺎرزا، ﺑﺎﻋﺘﺒﺎرﻩ ﻋﺪاﻟﺔ اﺗﻔﺎﻗﻴﺔ وﻇﺎﻫﺮة ﻣﻬﻤﺔ في مجال اﻟﻌﻼﻗﺎت القانونية، ﻳﻠﺠﺄ إﻟﻴﻬﺎ أﻃﺮاف بمحض إدرادتهم لحل اﻟﻨﺰاﻋﺎت اﻟﻨﺎﺷﺌﺔ أو التي ﻗﺪ ﺗﻨﺸﺄ ﻋﻦ اﻟﻌﻘﺪ اﻟﻘﺎﺋﻢ ﺑﻴﻨﻬﻢ، رﻏﺒﺔ ﻣﻦ المتعاملين ﻣﻦ اﻟﺘﺤﺮر ﺑﻘﺪر اﻹﻣﻜﺎن ﻣﻦ اﻟﻘﻴﻮد الموجودة في مختلف اﻟﻨﻈﻢ اﻟﻘﺎﻧﻮﻧﻴﺔ لمختلف اﻟﺪول، والخروج ﻣﻦ ﻫﻴﻤﻨﺔ القوانين اﻟﻮﻃﻨﻴﺔ التي ﺗﺘﻤﻴﺰ ﺑﺎﻻﻧﻄﻮاء والانحياز اﻻﻋﺘﺒﺎرات اﻟﺪاﺧﻠﻴﺔ، وﻛﺬا رﻏﺒﺘﻬﻢ في الهروب ﻣﻦ ﻣﺸﻜﻠﺔ ﺗﻨﺎزع القوانين.

ﻓﺎﻟﺘﺤﻜﻴﻢ الحر أو تحكيم الحالات الخاصة هو الصورة التقليدية للتحكيم الذي يعهد فيه الأطراف، وفي الحدود التي يسمح بها القانون، لشخص من الغير بحسم نزاع ناشئ فيما بينهما أو يحتمل نشوؤه مستقبلا، وفيه يتم تحديد الاجراءات والقواعد التي تطبق على النزاع[10].

وإذا كان الجانب اﻻﺗﻔﺎﻗﻲ ﻟﻠﺘﺤﻜﻴﻢ يرتكز أساسا على إرادة الأطراف كقاعدة عامة، التي ﺗﻠﻌﺐ دورا ﻣﻬﻤﺎ في ﺗﻨﻈﻴﻢ إﺟﺮاءات اﻟﺘﺤﻜﻴﻢ، اﺑﺘﺪاءا ﻣﻦ اﺗﻔﺎق اﻷﻃﺮاف ﻋﻠﻰ اﻟﻠﺠﻮء إلى اﻟﺘﺤﻜﻴﻢ إلى ﻏﺎﻳﺔ ﺗﻨﻔﻴﺬ اﻟﻘﺮار اﻟﺘﺤﻜﻴﻤﻲ.

المطلب الأول: مظاهر سيادة الأطراف في تنظيم التحكيم.

تشير اﻟﺪراﺳﺔ اﻟﻘﺎﻧﻮﻧﻴﺔ إلى أﻧﻪ ﻋﻠﻰ اﻟﺮﻏﻢ ﻣﻦ اﻟﺒﺴﺎﻃﺔ التي ﻳﺘﻤﻴﺰبها اﻟﺘﺤﻜﻴﻢ ، ﻓﺈﻧﻪ يخفي في ﻃﻴﺎﺗﻪ مجموعة ﻣﻌﻘﺪة ﻣﻦ اﻟﺘﺼﺮﻓﺎت ﺗﺸﺘﻤﻞ ﻋﻠﻰ ﻋﺪة إﺟﺮاءات وﻣﺮاﺣﻞ ﻣﺘﻌﺎﻗﺒﺔ، إﺑﺘﺪاءا ﻣﻦ ﻣﺮﺣﻠﺔ المفاوضات – التي تعتبر ﻣﺮﺣﻠﺔ ﻣﻬﻤﺔ –  وﺗﻨﺘﻬﻲ ﺑﺈﺗﻔﺎق اﻷﻃﺮاف ﻋﻠﻰ ﺗﻨﻈﻴﻢ إﺟﺮاءات إﺗﻔﺎﻗﻴﺔ اﻟﺘﺤﻜﻴﻢ، وذﻟﻚ ﺑﺘﺤﺪﻳﺪ ﻛﻞ المسائل المتعلقة ﺑﺘﻨﻈﻴﻢ وسير ﻋﻤﻠﻴﺔ اﻟﺘﺤﻜﻴﻢ، ﺳﻮاء ﻓﻴﻤﺎ ﻳﺘﻌﻠﻖ بتعين المحكمين، تحديد إاختصاصهما وسلطتهما، وﻛﺬا تحديد اﻟﻘﺎﻧﻮن اﻟﻮاﺟﺐ اﻟﺘﻄﺒﻴﻖ ﻋﻠﻰ اﻹﺟﺮاءات ومحل اﻟﻨﺰاع، وﻣﻜﺎن اﻟﺘﺤﻜﻴﻢ  …إلخ.

يستند تنظيم التحكيم في تحكيمه في الأساس على إرادة الأطراف[11]، إذ أن اتفاق الأطراف ﻫﻮ اﻟﺸﺮﻳﻌﺔ اﻟﻌﺎﻣﺔ وأﺳﺎس ﻧﻈﺎم اﻟﺘﺤﻜﻴﻢ، لذلك فدور الارادة أساسي حيث بناءا عليه يتم تحديد موضوع النزاع وتعيين المحكمين وتحديد الاجراءات التي تتبع في تنظيم التحكيم، وقد تحدد القانون الواجب التطبيق[12].

وعليه سيتم تناول الفقرة من خلال ثلاث نقاط، اتفاق التحكيم (ف 1) ثم تشكيل محكمة التحكيم (ف2) وأخيرا سلطات والتزامات المحكم (ف3).

 

الفقرة الأولى: اتفاق التحكيم:

 

إﺗﻔﺎق اﻟﺘﺤﻜﻴﻢ[13] إﺗﻔﺎق الطرفين ﻋﻠﻰ اﻹﻟﺘﺠﺎء إلى اﻟﺘﺤﻜﻴﻢ، ﻟﺘﺴﻮﻳﺔ ﻛﻞ أو ﺑﻌﺾ المنازعات التي نشأت أو يمكن أن تنشأ بينهما، بمناسية علاقة قانونية، عقدية كانت أو غير عقدية، فإتفاق التحكيم التحكيم قد يوجد في صلب العقد الأصلي، وبالتالي يكون سابقا عن نشوء النزاع و قد يكون في عقد مستقل و هذا قد يكون قبل حودث النزاع وقد يكون لاحقا له[14]، حيث يقوم اتفاق التحكيم بدور مهم وذلك من خلاله يتم سلب الولاية للقضاء العام ومنحها للقضاء الخاص ( التحكيم ).

ويبدوا أن اتفاق التحكيم هو المرحلة الأولى التي يقوم عليها التحكيم، بحيث فيها يتم تحديد المبادئ الاساسية التي ستحكم ملية التحكيم[15]، و التحكيم يقوم على ارادة الاطراف إعمالا لمبد سلطان الارادة، ومن تم فإن الارادة هي التي تنشأ اتفاق التحكيم وبدنها لا يمكن تصور نظام التحكيم حيث يرى جانب من الفقه على ” الاتفاق على التحكيم هو عقد يتم باتفاق أطراف النزاع، ويعتبر مظهرا لسلطان ارادتهم”[16].

وبناءا على ما تقدم يمكن طرح التساؤل : إلى أي مدى يمكن إعمال سلطان الارادة في اتفاق الاطراف على التحكيم؟

وللاجابة على التساؤل تطرقنا له من خلال نقطتين: دور الارادة في انشاء اتفاق التحكيم وصياغته (أ) ثم القانون الواجب التطبيق على اتفاق التحكيم (ب).

  • دور الارادة في انشاء اتفاق التحكيم وصياغته:

يقوم اتفاق التحكيم بدور أساسي لذلك لابد من أن يكن انشائه وصياغته واضحا ودقيقا.

  • إنشاء اتفاق التحكيم:

كان اتفاق التحكيم في لقدم يتمثل في مشارطة التحكيم المستلقة، الذي يتعهد أطراف العقد بحل النزاع القائم بينهم عن طريق التحكيم، غير أنه في القرن 19م ومع تطور المعاملات التجارية، والخلاف بين مؤيد للتحكيم و معارض[17]. فأصبح التحكيم على منحى جديد يمكن ابرامه قبل حدوث النزاع.

لكن هذه الفكرة لم تلقى رواجا من مختلف التشريعات الداخلية والتي لم تتعترف إلى بالتحكيم في صيغته القديمة، فمثلا فرنسا كان القضاء لا يعترف بصحة شرط التحكيم وهذا ما أقرته محكمة النقض الفرنسية سنة 1943 بإجازة الاتفاق الاحق على نشوء النزاع[18] .

وعليه  فإنه سرعان ما غير الشرع الفرنسي موقفه حيث اعترف بصحة شرط، لكن حصر صحته على المعاملات الخارجية دون الداخلية[19]، لكن سنة 1980 بتعديل قانون المرافعات الفرنسي تم توسيع دائرة المسائل التي يجوز فبها هذا الشرط و بالتالي أصبح شرط التحكيم قاعدة وحضره استثناء[20] وقد غير القضاء الفرنسي نضرته مرة آخرى حيث عمم الشرط على كل الجالين الداخلي والخارجي حيث يلاحظ في قضية  لسنة GOSSET  لسنة [21]1963 أنه استعمل تسمية جامعة لشارطة التحكيم و شرط التحكيم و هي ” اتفاق التحكيم “، ومن تم استقر العمل بها فقهيا وقضائيا.

والملاحظ أن المشرع الجزائري سار على نفس منوال المشرع الفرنسي من خلال قانونه رقم  08-09[22] بنصه على ” اتفاقية التحكيم ” الذي تشمل الشرط و المشارطة.

أما بخصوص المشرع المغربي فإنه يلاحظ أنه كذلك سار على نفس منوال التشريع الفرنسي و الجزائري وذلك من خلال الفصل307 من قانون رقم 08-05 [23]، حيث نص على “اتفاق التحكيم هو التزام الأطراف باللجوء إلى التحكيم قصد حل نزاع نشأ أو قد ينشأ عن علاقة قانونية معينة ، تعاقدية أو غير تعاقدية .

يكتسي اتفاق التحكيم شكل عقد تحكيم أو شرط تحكيم.”

إن اتفاق التحكيم مهما كان شرط أو مشارطة فإنه يعتبر عقد بين أطرافه ينبغي أن يخضع للقواعد لعامة للعقود[24]، حيث لابد من توافر الشروط الموضوعية العامة للعقد من رضا ومحل و سبب وشروط خاصة بالتحكيم من أهلية وتحكيمية النزاع و الكتابة، فلا مجال لدراسة كل هذه الشروط بقد ما يهما من إعمال عنصر الارادة في اتفاق التحكيم، وبالتالي ستنصب دراستنا حول ارادة أطراف التجارة، والتي ترتبط بالأساس بعنصر الرضا، الذي يعتبر مركز الثقل وحجر الزاوية في اتفاق التحكيم، و المصدر الذي يستمد منه هذا الاخير قوته فمن هذا المنطلق لابد أن يكون التراضي واضحا و صريحا خاليا من العيوب[25] وأن يكون مكتوبا وتتم صياغته بصورة دقيقة وهذا ما سيتم معالجته في النقطة الثانية من هذا المحور.

  • صياغة اتفاق التحكيم:

أﺷﺮﻧﺎ ﺳﻠﻔﺎ إلى أن إﺧﺘﻴﺎر اﻷﻃﺮاف ﻟﻄﺮﻳﻖ اﻟﺘﺤﻜﻴﻢ ﻛﻮﺳﻴﻠﺔ ﺑﺪﻳﻠﺔ لحل اﻟﻨﺰاﻋﺎت التي ﺗﻨﺸﺄ ﺑﻴﻨﻬﻢ يترتب ﻋﻠﻴﻪ أﺛﺮ ﻫﺎم وﻫﻮ إﺳﺘﺒﻌﺎد إﺧﺘﺼﺎص اﻟﻘﻀﺎء اﻟﻌﺎدي في ﻧﻈﺮ اﻟﻨﺰاع، وﻣﻦ ثم ﻓﻼﺑﺪ أن ﻳﻨﺪرج ﻫﺬا اﻟﺘﺤﻜﻴﻢ في إﻃﺎر وﺛﻴﻘﺔ ﻣﻜﺘﻮﺑﺔ ﺗﻔﻴﺪ المعنى اﻟﺴﺎﺑﻖ، ﻛﻮن اﻹﺗﻔﺎق ﻋﻠﻰ اﻟﺘﺤﻜﻴﻢ وﺳﻴﻠﺔ إﺗﻔﺎﻗﻴﺔ للتقاضي.[26].

ﻓﻌﻠﻰ اﻟﺮﻏﻢ ﻣﻦ ﻛﻮن إﺗﻔﺎق اﻟﺘﺤﻜﻴﻢ ﻋﻘﺪا رﺿﺎﺋﻴﺎ، ﻛﻤﺎ ﺳﺒﻖ ﺗﺒﻴﺎﻧﻪ، ﻓﻘﺪ ﺗﺒﺎﻳﻨﺖ ﻣﻮاﻗﻒ اﻟﺘﺸﺮﻳﻌﺎت المقارنة ﺑﺸﺄن ﺷﺮط اﻟﻜﺘﺎﺑﺔ في اﻟﺘﺤﻜﻴﻢ ﻓﻴﻤﺎ إذا ﻛﺎن رﻛﻨﺎ ﻣﻦ أرﻛﺎن إﺗﻔﺎق اﻟﺘﺤﻜﻴﻢ، أي ﺷﺮﻃﺎ ﻟﺼﺤﺘﻪ، أم مجرد وﺳﻴﻠﺔ ﻹﺛﺒﺎﺗﻪ ؟

ففي فرنسا نصت المادة 1443 من المرسوم الفرنسي للتحكيم الذاخلي لعام 1980 على أنه ” يجب أن يكون شرط التحكيم مكتوبا في العقد، أو في أي مستند، وإلا كان التحكيم

كما أضافت المادة 1499 من نفس المرسوم ” يجب أن تكون مشارطة التحكيم ثابتة بالكتابة” وقد أكد ذلك الفصل 1494 من قانون الاجراءات الفرنسي[27].

أما الدول الانجلوسكسونية بصفة عامة نجدها قد اشترطت الكتابة للإثبات ولم تعتبرها شرطا لاتفاق التحكيم[28].

أما فيما يتعلق بالاتفاقيات والمعاهدات، فقد اختلفت في التحديد حيث ذهبت اتفاقية نيويورك لسنة 1958 إلى الزامية الكتابة في حين اتجه القانون النموذجي للتحكيم الى توحيد شكل اتفاق التحكيم، وأوجب الكتابة كشرط انعقاد وهو ما نصت عليه المادة 32 من قانون التحكيم التجاري الدولي الصادر سنة 1950[29].

أما المشرع المغربي فقد ألزم كذلك بالكتابة وذلك ما يضهر من خلال الفصل 313 الفقرة الأولى من قانون المسطرة المدنية حيث نص على ” يجب أن يبرم اتفاق التحكيم كتابة ، إما بعقد رسمي أو عرفي وإما بمحضر يحرر أمام الهيئة التحكيمية المختارة” .بل أكثر من ذلك فإنه الفصل 317 يعتبر بطلان كل اتفاق تحكيم لم يتم تضمينه إلى العقد الأصلي أو عقد يحيل عليه.

ويرى بعض الفقه على إلزامية الكتابة وذلك لما لها من أهمية ووظيفة في تحديد نطاق التحكيم وذلك من ناحية أنها مطلوبة لوجوده و ثانيا أنها أذات لإثباته[30].

ﻧﺴﺘﺨﻠﺺ مما ﺳﺒﻖ ذﻛﺮﻩ أن القوانين اﻟﻮﻃﻨﻴﺔ واﻹﺗﻔﺎﻗﻴﺎت اﻟﺪوﻟﻴﺔ التي اشترطت أن ﻳﻜﻮن إﺗﻔﺎق اﻟﺘﺤﻜﻴﻢ مكتوبا، لم تشترط شكلا ﻣﻌﻴﻨﺎ للكتابة، وﺗﺮﻛﺖ ذﻟﻚ ﻹرادة اﻷﻃﺮاف اﻟﺬﻳﻦ لهم ﻛﺎﻣﻞ الحرية في ﺻﻴﺎﻏﺔ إﺗﻔﺎق اﻟﺘﺤﻜﻴﻢ، وﺗﻀﻤﻴﻨﻪ اﻷﻣﻮر التي يرونها ﻣﻨﺎﺳﺒﺔ والتي ﻳﺮﻏﺒﻮن ﻓﻴﻬﺎ، والتي ﻻ ﺗﺘﻌﺎرض ﻣﻊ ﻃﺒﻴﻌﺔ اﻟﺘﺤﻜﻴﻢ

لكن المشرع المغربي في هذه النقطة لم ينحو نفس الاتجاه و ذلك بالزامه للأطراف في الفصل  315[31] من ق م م بتضمين العقد موضوع النزاع وكذ تعيين هيئة التحكيم.

وفي الأخير تجدر اﻹﺷﺎرة إلى ﻣﺒﺪأ ﻫﺎم أﺻﺒﺢ ﻣﻦ المبادئ المستقرة في اﻟﺘﺤﻜﻴﻢ اﻟﺘﺠﺎري الدولي، وهو ” ﻣﺒﺪأ إﺳﺘﻘﻼﻟﻴﺔ إﺗﻔﺎق اﻟﺘﺤﻜﻴﻢ ﻋﻦ اﻟﻌﻘﺪ اﻷﺻﻠﻲ”[32]،  ﻓﻘﺪ ﻳﺘﻌﺮض اﻟﻌﻘﺪ اﻷﺻﻠﻲ اﻟﺬي ﻳﺘﻀﻤﻦ إﺗﻔﺎق اﻟﺘﺤﻜﻴﻢ ﻟﻠﺒﻄﻼن أو اﻟﻔﺴﺦ، ﻓﻬﻞ يؤثر ذلك ﻋﻠﻰ ﺻﺤﺔ إﺗﻔﺎق اﻟﺘﺤﻜﻴﻢ ؟ بمفهوم المخالفة، إذا ﻛﺎن إﺗﻔﺎق اﻟﺘﺤﻜﻴﻢ ﺑﺎﻃﻼ ﻓﻬﻞ ﻳﺆﺛﺮ ذﻟﻚ ﻋﻠﻰ ﺑﻄﻼن اﻟﻌﻘﺪ اﻷﺻﻠﻲ؟

ﻗﺮر المشرع اﻟﻔﺮﻧﺴﻲ أن ﺑﻄﻼن ﺷﺮط اﻟﺘﺤﻜﻴﻢ ﻻ ﻳﻜﻮن ﻟﻪ أﺛﺮ ﻋﻠﻰ ﺑﻘﺎء اﻟﻌﻘﺪ اﻷﺻﻠﻲ، وﻫﻮ ﻣﺎ كرسه الفصل 1444/3 من قانون المرافعات الفرنسي. وكذلك المشرع المصري في قانون التحكيم لسنة 1994 في المادة [33]23، وهو نفس توجه المشرع الجزائري بالمادة 1040/4[34] من قانون الاجراءات المدنية والادارية رقم 09 لسنة 2008.

أما عن المشرع المغربي فقد ذهب على نفس المنوال – الاستقلالية – حيث بموجب المادة 318 نص على ”  يعتبر شرط التحكيم اتفاقا مستقلا عن شروط العقد الأخرى . ولا يترتب على بطلان العقد أو فسخه أو إنهائه أي أثر على شرط التحكيم الذي يتضمنه إذا كان هذا الشرط صحيحا في ذاته” و عليه يتضح أن المشرع المغربي يساير التشريعات في هذا الأمر، لما لذلك من توفير حماية قانونية لاتفاق التحكيم وتدعيم فاعليته، وأن غياب مثل هذه الحماية سيؤدي حتما الى تعريض التحكيم الذات النقص والعيوب التي يتميز بها القضاء العادي[35] .

ويترتب عن مبدأ الاستقلالية هذا إمكانية خضوع التحكيم لقانون مستقل عن القانون المطبق على العقد الاصلي وهو ما سنعالج في المحور الآتي.

ب : القانون الواجب التطبيق على اتفاق التحكيم.

يؤدي اعتناق مبدأ استقلالية اتفاق التحكيم عن العقد الاصلي إلى التسليم بإمكانية خضوع اتفاق التحكيم إلى نظام قانوني خاص يختلف عن النظام المطبق على العقد الاصلي، فلا شرط يلزم بخضوعهم الى نفس النظام حيث يمكن للأطراف اختيار قانون آخر ليحكم اتفاق التحكيم وآخر ليحكم اتفاق التحكيم.

غير أن ﻣﺴﺄﻟﺔ تحديد اﻟﻘﺎﻧﻮن اﻟﻮاﺟﺐ اﻟﺘﻄﺒﻴﻖ ﻋﻠﻰ إﺗﻔﺎق اﻟﺘﺤﻜﻴﻢ ﻣﺴﺄﻟﺔ ﻣﻌﻘﺪة ﺟﺪا، والأمر راجع للخلاف الفقهي والقضائي نظرا لاختلاف التكيفات بشأن تحديد طبيعة اتفاق التحكيم. لهناك اتجاهين رئيسيان يذهب الأول إلى إﻋﻤﺎل ﻗﺎﻧﻮن اﻹرادة ﻋﻠﻰ إﻋﺘﺒﺎر أن إﺗﻔﺎق اﻟﺘﺤﻜﻴﻢ ﻋﻘﺪ ﻣﺴﺘﻘﻞ ﻋﻦ اﻹﺟﺮاءات التي ﻳﻌﺪ ﻣﺼﺪرﻫﺎ وأﺳﺎﺳﻬﺎ القواعد المستقر العمل بها، أﻣﺎ اﻵﺧﺮ ﻓﻴﻨﺤﺎز إلى ﺗﻄﺒﻴﻖ ﻗﺎﻧﻮن ﻣﻘﺮ اﻟﺘﺤﻜﻴﻢ ﻷﻧﻪ ﻳﻨﻈﺮ إلى إﺗﻔﺎق اﻟﺘﺤﻜﻴﻢ مسألة تتعلق بالاجراءات لما يؤذي ذلك من خضوعة قانون هذه الآخيرة[36].

وعلى وقع هذا الخلاف سنحاول تناول هذا المحور من خلال نقطتين، من حيث أنصار سيادة ارادة الأطراف ثم من حيث أنصار الطبيعة القضائية الذي ينادون بتطبيق قانون مقر التحكيم. مبرزين في هذا الأمر موقف التشريعات المقارنة والاتفاقيات الدولية لنخلص للحل الذي جاء به المشرع المغربي.

  • تطيبق قانون الارادة:

ينطلق هذا الاتجاه من نقطة أن العقود التجارية تخضع لقانون الارادة، ومن ثم فللأطراف اختيار القانون الواجب التطبيق على اتفاق التحكيم، وبالتالي لهم اختيار قانون آخر غير الذي يحكم العقد الأصلي سواء كان هذا القانون قانون بلد التحكيم أو قانون بلد آخر[37]، فإذا لم يكن إتفاق بين الأطراف جاز أنذاك الرجوع إلى الضوابط الاحتياطية التي تنص على قواعد الاسناد….[38]، فتبنى المشرع المصري نفس المنوال و ذلك من خلال المادة [39]19 من القانون المدني، وهو نفس توجه القضاء الفرنسي[40].

وبالرجوع إلى اتفاقية  نيويورك لسنة 1958 في المادة 5/1 البند الأول، فقد حددت القانون الواجب التطبيقﻋﻠﻰ إﺗﻔﺎق اﻟﺘﺤﻜﻴﻢ ﺑﻘﺎﻋﺪة أﺻﻠﻴﺔ وﻫﻮ ﻗﺎﻧﻮن اﻹرادة.[41]

من خلال ما تقدم يتضح أنه لا يطرح أي إشكال حالة اتفاق الأطراف على القانون الواجب التطبيق بشكل صريح، بل الاشكال يثار حالة عدم اختيار الأطراف بشكل صريح للقانون الواجب التطبيق، فالسؤال المطروح هنا هو: هل المقصود الإرادة الصريحة هنا فقط؟ أم يتم الاعتداد حتى بالارادة الضمنية أو المفروضة؟.

اتجه أغلب الفقه والقضاء، كما اتجهت الاتفاقيات والتشريعات المقارنة إلى أن المقصود الارادة في هذا الصدد هي الارادة الصريحة أو الضمنية، حيث خولتها الأولوية في الاختيار سواء بشكل صريح أو ضمني[42].

ومنه فإنه يمكن لأطراف  اتفاق التحكيم أن يحددوا القانون الواجب التطبيق سواء في شكل صريح أو بشكل ضمني يستخلص من ظروف الاتفاق وملابساته في حالة سكوت الأطراف. وﻣﻬﻤﺎ ﻛﺎن اﻟﺸﻜﻞ اﻟﺬي ﺗﺘﺨﺬﻩ إرادة اﻷﻃﺮاف، ﺳﻮاء ﻛﺎﻧﺖ صريحة أو ﺿﻤﻨﻴﺔ، ﻓﺈن اﻷوﻟﻮﻳﺔ ﺗﻌﻮد لقانون اﻹرادة  وﻣﺎ ﻫﺬا إلا تكريس للمفهوم الكلاسيكي لمبدأ ﺳﻠﻄﺎن اﻹرادة[43].

  • بتطبيق قانون مقر التحكيم.

يذهب هذا الاتجاه إلى أن التحكيم ليس إلا مجرد صورة من صور التقاضي، ومن تم يرى في اتفاق التحكيم مجرد حلقة من حلقات قضاء التحكيم[44]، فنادى الأستاذ ” SAUSSER hall ” بهذا الأمر في تقريره المقدم إلى معهد القانون الدولي سنة 1957 – 1958[45]حيث أكد في توصياته على ضرورة تغليب قانون مكان اجراء التحكيم على قانون الارادة، فإعتباره قانون قاعدي ( المادة الخامسة ).

لكن هذا الاتجاه تعرض للعديد من الانتقادات ولذلك لأنه غير من المنطقي أن تكون للدولة سلط مطلقة، ومن الواضح أن هذا الاتجاه يرى في التحكيم حقيقة قضائية تتجرد من أصلها التعاقدي ويتجاهل أن اتفاق التحكيم هو عقد كسائر العقود يخضع لضوابط الاسناد التي يقررها المشرع له[46].

—-«  موقف المشرع المغربي:

من خلال ما سبق نتساءل عن موقف المشرع المغربي من القانون الواجب التطبيق على اتفاق التحكيم؟

فبالرجوع إلى مقتضيات القانون 08/05 فإنه نلاحظ أنه نهج نفس توجه أنصار الإرادة في تحديد القانون الواجب التطبيق على اجرءات التحكيم، وهذا ما يتضح من خلال مقتضيات الفصل 42-327 من ق م م “يمكن  لاتفاق التحكيم أن يحدد ، مباشرة أو استنادا إلى نظام للتحكيم ، المسطرة الواجب اتباعها خلال سير التحكيم .

كما لاتفاق التحكيم إخضاع التحكيم لقانون المسطرة المحدد فيه .

إذا لم يرد نص بشأن ذلك في اتفاق التحكيم ، قامت الهيئة التحكيمية ، عند الحاجة ، بتحديد القاعدة المسطرية الواجب اتباعها إما مباشرة واما بالرجوع إلى  قانون أو نظام تحكيم معين.”

كما أنه من خلال الفصل 44-327 “تحدد في اتفاق التحكيم ، بكل حرية ، القواعد القانونية التي يتعين على الهيئة التحكيمية تطبيقها على جوهر النزاع.

وفي حالة عدم اختيار الأطراف للقواعد المذكورة ، فان الهيئة التحكيمية تفصل في النزاع طبقا للقواعد التي تراها ملائمة .

في جميع الأحوال ، تأخذ الهيئة التحكيمية بعين الاعتبار مقتضيات العقد الذي يربط بين الأطراف والأعراف والعادات السائدة في ميدان التجارة”

ومما سبق يتضح أن المشرع المغربي نهج المنهج التحرري ونوع من المرونة وإعطائه الأولوية لسلطان الارادة لتحديد القواعد القانونية المطبقة على موضوع النزاع سواع تعلق الأمر بالتحكيم الداخلي أو الدولي، وهو نفس النهج الذي نهجه في القواعد المسطرية المطبقة على سير اجراءات التحكيم[47].

الفقرة الثانية: تشكيل محكمة التحكيم.

ﻣﻦ اﻟﻮاﺿﺢ أن أﻃﺮاف اﻟﻨﺰاع، ﻋﻨﺪﻣﺎ ﺗﺘﺠﻪ إرادتهم إلى اﻟﻠﺠﻮء إلى اﻟﺘﺤﻜﻴﻢ، فإنهم ﻻ ﻳﻜﺘﻔﻮن بالتعبير ﻋﻦ إﺧﺮاج اﻟﻨﺰاع ﻣﻦ ﺳﻠﻄﺔ اﻟﻘﻀﺎء الوطني، ﺑﻞ ﻳﺘﺠﺎوزون ذﻟﻚ إلى اﻹﻓﺼﺎح ﻋﻦ ﻋﺰﻣﻬﻢ إﺧﺘﻴﺎر ﻫﻴﺌﺔ تحكيمية يخضعون ﻫﺬا اﻟﻨﺰاع ﻟﺴﻠﻄﺘﻬﺎ اﻟﺘﺤﻜﻴﻤﻴﺔ، ﻟﺬا ﻓﺈن اﻟﺒﺪأ في إﺟﺮاءات  اﻟﺘﺤﻜﻴﻢ يفترض ﻧﺸﻮء ﻧﺰاع بين أﻃﺮاف ﻳﺮﺑﻄﻬﻤﺎ إﺗﻔﺎق تحكيم، إﺗﻔﻘﺖ ﻣﺴﺒﻘﺎ أو ﺑﻌﺪ ﻇﻬﻮر اﻟﻨﺰاع ﻋﻠﻰ اﻟﻠﺠﻮء إلى اﻟﺘﺤﻜﻴﻢ، وﺑﻌﺪ  إخطارأﺣﺪ اﻷﻃﺮاف اﻵﺧﺮ ﻧﻴﺘﻪ بتحريك إﺟﺮاءات اﻟﺘﺤﻜﻴﻢ، فإنهم ﻳﺒﺪؤون ﺑﺄول إﺟﺮاء والمتمثل في ﺗﺸﻜﻴﻞ المحكمة اﻟﺘﺤﻜﻴﻤﻴﺔ، وﻋﻠﻴﻪ ﻓﺈن ﻫﺬﻩ المسألة ﻣﻦ المواضيع الهامة التي ﻳﺘﻔﻖ ﻋﻠﻴﻬﺎ أﻃﺮاف اﻟﻨﺰاع، حيث ﺗﺮﺗﻜﺰ ﻋﻠﻰ إرادة اﻷﻃﺮاف المعنية ﻣﻦ ﺟﻬﺔ، وﻋﻠﻰ ﻗﺒﻮل المحكمين ﻟﻠﻤﻬﻤﺔ المسندة إﻟﻴﻬﻢ ﻣﻦ ﺟﻬﺔ أﺧﺮى، ذﻟﻚ أن المحكم ﻳﺒﻘﻰ ﺣﺮا في ﻗﺒﻮل المهمة المسندة إليه إﻟﻴﻪ أو رﻓﻀﻬﺎ.

ومن ما سبق فإنه سيتم التطرق إلى إرادة الأطراف في تعيين المحكمين (أ) ثم نحاول الاشارة إلى قبول المحكمين إلى هذه المهمة (ب).

  • تعيين المحكمين.

يخضع تعيين المحكمين ﻹرادة اﻷﻃﺮاف، ويمكن أن ﺗﺘﻜﻮن الهيئة اﻟﺘﺤﻜﻴﻤﻴﺔ ﻣﻦ ﺷﺨﺺ واﺣﺪ أوعدة أشخاص، بشرط أن يكون العدد وترا[48]، ويمكن أن ﻳﺘﻢ التعيين ﺑﺎﻹﺳﻢ واﻟﺼﻔﺔ (ﻛﻨﻘﻴﺐ المحامين،أو نقيب المهندسين … )، وذﻟﻚ في إﺗﻔﺎق اﻟﺘﺤﻜﻴﻢ أو في إﺗﻔﺎق ﻻﺣﻖ، ﻛﻤﺎ يجوز تخويل ﺟﻬﺔ ﻣﻌﻴﻨﺔ إﺧﺘﻴﺎر المحكمين[49].

وﻳﺴﻮد ﻣﺒﺪأ الحرية والمساواة بين اﻷﻃﺮاف في إﺧﺘﻴﺎر الهيئة اﻟﺘﺤﻜﻴﻤﻴﺔ، ﻓﻼ ﻳﻜﻮن لأحدهما أﻓﻀﻠﻴﺔ ﻋﻠﻰ اﻵﺧﺮ في إﺧﺘﻴﺎر المحكمين، ﻓﺈذا ﻛﺎﻧﻮا ﺛﻼﺛﺔ – مثلا- ﻟﻜﻞ ﻃﺮف إﺧﺘﻴﺎر محكم خاص، ويتولى اﻟﻄﺮﻓﺎن أو المحكمان المختاران إﺧﺘﻴﺎر المحكم اﻟﺜﺎﻟﺚ واﻟﺬي ﻳﺴﻤﻰ بالمحكم الرئيسي أو المحكم المرجح، والذي لا يتدخل إلا في حالة حدوث خلاف[50].

ويؤخد عن فكرة اختيار المحكم الثالث للأطراف لأنه غالبا ما ينحاز لأحد الأطراف الذي عينه وذلك كأنه محامي له، مما يضرب في مبدأ الاستقلال و الحياد والنزاهة الواجب توفرها[51].

وﻗﺪ أﻗﺮت ﺑﻌﺾ المعاهدات اﻟﺪوﻟﻴﺔ المتعلقة ﺑﺎﻟﺘﺤﻜﻴﻢ الدولي ﻣﻨﻬﺎ ﻣﻌﺎﻫﺪة ﺟﻨﻴﻒ ﻟﺴﻨﺔ 1961، اﻟﻄﺒﻴﻌﺔ اﻹﺗﻔﺎﻗﻴﺔ لمسألة تعيين المحكميين، وﻛﺬﻟﻚ اﻟﺘﻨﻈﻴﻢ اﻟﺪﻗﻴﻖ اﻟﺬي وﺿﻌﺘﻪ ﻟﻜﻴﻔﻴﺔ تعيين المحكمين في حالة عدم تحديد اﻷﻃﺮاف لهذا التعيين في مادته الرابعة[52] كما أنه تم تأكيد الطبيعة الاتفاقية لهذا التعيين في أحد القرارات الفرنسية لعل أبرزها القرار Uryc-galeries lafayette[53] والذي أولى أهمية كبيرة لإحترام إرادة الأطراف.

أما بخصوص المشرع المغربي فإنه يلاحظ أنه سلك نفس التوجه، وذلك من خلال الفصل 2-327 الذي نص على ”  تتشكل الهيئة التحكيمية من محكم واحد أو عدة محكمين ، تكون للأطراف حرية تحديد إجراءات تعيينهم وعددهم إما في الاتفاق التحكمي،  واما بالاستناد إلى نظام التحكيم الموضوع للمؤسسة المختارة فإذا لم يتفق الأطراف على عدد المحكمين كان العدد ثلاثة”، فبذلك يضح أنه خول الحرية للأفراد في تحديد الإجراءات المتخذة في تعيين المحكمين.

فالملاحظ أن غالبية التشريعات ذهبت في اتجاه تخويل الأطراف حرية الاختيار بناءا على مبدأ سلطان الإرادة، لذلك فإن قرار التحكيم يتوقف على حسن اختيار الأطراف لمحكم يقوم على الدقة والحذر في اتخاد قراراته[54].

لكن بالرغم من ذلك، فإنه جل التشريعات فرضت شروط يجب احترامها في هذا التعيين الواجب توفرها في المحكم منها:

  • أن يكون المحكم شخص طبيعي:

إن اﻟﺸﺨﺺ اﻟﻄﺒﻴﻌﻲ ﻫﻮ اﻟﺬي ﻳﻔﻜﺮ وﻳﻘﺮر ﻋﻠﻰ ﺿﻮء ﻣﺎ يحيط ﺑﻪ ﻣﻦ ﻇﻮاﻫﺮ وﺣﻘﺎﺋﻖ، وﻣﺎ ﻣﻦ  ﺷﺨﺺ ﻣﻌﻨﻮي إﻻ وﻟﻪ ﺷﺨﺺ ﻃﺒﻴﻌﻲ يعبر ﻋﻦ إرادﺗﻪ، وﻣﻦ أﺟﻞ ذﻟﻚ ﻧﺼﺖ المادة ﻣﻦ ﻗﺎﻧﻮن 1415 المرافعات الفرنسي على ” لا يجوز اسناد مهمة التحكيم إلا لشخص طبيعي “[55].

وبالرجوع إلى المشرع المغربي فإنه يلاحظ عليه أنه سار على نفس النهج وذلك من خلال الفصل 320 من ق م م الذي نص على ” لا يمكن إسناد مهمة المحكم إلا إلى شخص ذاتي كامل الأهلية لم يسبق أن صدر عليه حكم نهائي بالإدانة من أجل ارتكاب أفعال تخل بالشرف أو صفات الاستقامة أو الآداب العامة أو بالحرمان من أهلية ممارسة التجارة أو حق من حقوقه المدنية .

إذا عين في الاتفاق شخص معنوي، فان هذا الشخص لا يتمتع سوى بصلاحية تنظيم التحكيم وضمان حسن سيره”.

فالمشرع المغربي كذلك لم يسمح لإرادة الأطراف أن تنصب على شخص معنوي، بل فرض على الأطراف تعيين شخص طبيعي، أما الشخص المعنوي فهو لا يمكن له سوى تسيير إجراءات التحكيم.

  • توافر الأهلية القانونية:

أجمعت ﻏﺎﻟﺒﻴﺔ اﻷﻧﻈﻤﺔ اﻟﻘﺎﻧﻮﻧﻴﺔ الخاصة ﺑﺎﻟﺘﺤﻜﻴﻢ[56]، ﺑﺼﻔﺔ ﻋﺎﻣﺔ ﺗﻮاﻓﺮ اﻷﻫﻠﻴﺔ المدنية ﻟﻠﻤﺤﻜﻢ، ﻓﺎﻷﻫﻠﻴﺔ المطلوبة ﺗﻮاﻓﺮﻫﺎ في المحكم ﻫﻲ ﺻﻼﺣﻴﺘﻪ ﻹﻛﺘﺴﺎب الحقوق وتحمل اﻹﻟﺘﺰاﻣﺎت، وبمعنى آﺧﺮ  ﺻﻼﺣﻴﺔ المحكم لمباشرة ﺣﻘﻮﻗﻪ المدنية. وهذا ما أشار له المشرع المغربي في الفص 320 من ق م م حيث نص ” لا يمكن إسناد مهمة المحكم إلا إلى شخص ذاتي كامل الأهلية.

  • استقلال وحياد المحكم:

إن ﺣﻴﺎد المحكم وإﺳﺘﻘﻼﻟﻪ ضمانة رﺋﻴﺴﻴﺔ ﻹﺳﺘﻤﺮار إﺟﺮاءات اﻟﺘﺤﻜﻴﻢ، واحترام ﺣﻜﻢ اﻟﺘﺤﻜﻴم3 ﺑﻌﺪ ﺻﺪورﻩ.والمقصود ﺑﺎﻹﺳﺘﻘﻼل إﻧﺘﻔﺎء ﺻﻠﺔ المحكم بموضوع اﻟﻨﺰاع وأﻻ ﻳﻜﻮن ﻟﻪ ﻣﺼﻠﺤﺔ ﻓﻴﻪ، أو ارتباط ﺑﺄي ﻣﻦ اﻷﻃﺮاف، فالمحكم باعتباره ﻗﺎﺿﻴﺎ ﻻ يجوز له أن ﻳﻜﻮن ﻃﺮﻓﺎ في اﻟﻨﺰاع ﺑﺄي ﺷﻜﻞ ﻣﻦ اﻷﺷﻜﺎل، أو ﻟﻪ ﻣﺼﻠﺤﺔ ﻓﻴﻪ ﻋﻠﻰ أي وﺟﻪ، أﻣﺎ الحياد فيعني ﻋﺪم الميل أو الحكم بالهوى لصلح أي ﻣﻦ   الطرفين[57].

  • توافر مؤهلات علمية و اختصاص:

وﻳﺸﻤﻞ ﻫﺬا اﻟﺸﺮط ﻛﻞ ﻣﺎ ﻳﺘﻌﻠﻖ ﺑﺎﻟﺮﺻﻴﺪ اﻟﻌﻠﻤﻲ ﻟﻠﻤﺤﻜﻢ، ﻷن نجاح اﻟﺘﺤﻜﻴﻢ ﻳﺘﻮﻗﻒ ﻋﻠﻰ اﻟﻘﻴﻤﺔ اﻟﻌﻠﻤﻴﺔ ﻟﻠﻤﺤﻜﻢ، وتخصصه في اﻟﻨﺰاع المعروض ﻋﻠﻴﻪ  .

فمن اﻟﺒﺪﻳﻬﻲ أن يختار أﻃﺮاف اﻟﻨﺰاع محكمين ذوي خبرة وﻣﺆﻫﻼت ﻋﻠﻤﻴﺔ ﻣﻘﺒﻮﻟﺔ ﻟﻀﻤﺎن السير الحسن ﻟﻌﻤﻠﻴﺔ اﻟﺘﺤﻜﻴﻢ.

 

كانت هذه بعض الشروط الواجب توفرها في المحكم من أجل اختياره بناء الى إرادة الأطراف، لكن في بعض الأحيان قد يتم تدخل أطراف آخرى في التعيين وذلك كما هو الحال في حالة تدخل سلطة نقابية كما هو الحال في غالبية العقود النموذجية التي تتضمن عقد التحكيم، او حالة السلطة العامة[58] – السلطة القضائية – لما لهذ التدخل من تقليص لمبدأ الإرادة وهو ما سيتم مناقشته كمظهر من مظاهر القيود لهذا المبدأ كما أنه سبب من أسباب تراجع سيادة الارادة.

  • قبول المحكمين لمهمة التحكيم:

إذا كان عنصر التعيين وهو العنصر الجوهري في اتفاق التحكيم يترتب على مبدأ سلطان الإرادة المشتركة للأطراف، فإن قبول المهمة من طرف المحكم تبقى متوقفة على إرادته كذلك، ومن ثم فإن هذا القبول – من جانب المحكم – يتطلب أن يكون ثمة علاقة تعاقدية مبنية على أساس الإرادة و مستقلة على الاتفاق الأصلي[59].

وتجمع ﻏﺎﻟﺒﻴﺔ اﻟﺘﺸﺮﻳﻌﺎت واﻹﺗﻔﺎﻗﻴﺎت اﻟﺪوﻟﻴﺔ ﻋﻠﻰ أن ﻗﺒﻮل المحكم لمهامه ﻻﺑﺪ أن ﻳﻜﻮن ﻛﺘﺎﺑﻴﺎ، وﻫﺬا اﻹﺟﺮاء يعتبر ﻫﺎﻣﺎ، ﻷن تخلف ﻫﺬﻩ اﻟﻜﺘﺎﺑﺔ ﻗﺪ يخلق ﺑﻌﺾ اﻟﻌﺮاﻗﻴﻞ ﻣﻨﻬﺎ ﻓﺘﺢ الباب ﻟﻠﻄﻌﻦ ﺑﺒﻄﻼن الحكم اﻟﺘﺤﻜﻴﻤﻲ لنص المادة 1502/3. ، ﻛﻤﺎ أﻛﺪ المشرع المصري ذﻟﻚ في ﻧﺺ المادة 16/3 ﻣﻦ ﻗﺎﻧﻮن اﻟﺘﺤﻜﻴﻢ المصري لسنة1994، والتي ﺟﺎء ﻓﻴﻬﺎ “:ﻳﻜﻮن ﻗﺒﻮل المحكم اﻟﻘﻴﺎم بمهمته ﻛﺘﺎﺑﻴﺎ….”[60].

أما المشرع المغربي فهو بدوره أيضا جعل للمكم حق قبول المهمة  من عدمها بناء على إرادته، إذ ألزمه في حالة القبول أن يكون ذلك في شكل كتابي، هذا ما يتضح لنا من خلال الفصل  6-327 من ق م م ( قانون 05/08) حيث جاء به ” لا يعتبر تشكيل الهيئة التحكيمية كاملا إلا إذا قبل المحكم أو المحكمون المعينون المهمة المعهود إليهم بها .

ويجب على المحكم الذي قبل مهمته أن يفصح كتابة عند قبوله عن أي ظروف  من شأنها إثارة شكوك حول حياده واستقلاله .

يثبت قبول المهمة كتابة بالتوقيع على اتفاق التحكيم أو بتحرير عقد ينص على الشروع في القيام بالمهمة.”

وبناء على ما سبق يتضح أن بمجرد قبول المحكم لمهمة، فإنه يترتب على ذلك آثار مهمة ناتجة عن العلاقة التعاقدية بين الأطراف و المحكم، فيلتم المحكم بالتحكيم في مقابل التزام الأطراف بدفع أتعابه. كما أنه حالة رفض المحكم لمهمته أو أراد التخلي، فإنه في هذه الحالة يتوجب عليه تقديم أسباب مشروعة وإلا تعذر تخليه، هذا ما يتضح من خلال الفصل 327-6 من ق م م الفقرة الآخيرة ” ولا يجوز له ، تحت طائلة دفع تعويضات أن يتخلى عنها دون سبب مشروع بعد قبولها ، وذلك بعد إرساله إشعارا يذكر فيه أسباب تخيله .”

 

 

 

 

الفقرة الثالثة: تحديد سلطات المحكم والتزاماته.

 

عينت القوانين الوطنية و الدولية سلطات المحكم والتزاماته، ذلك أن اختصاص القاضي الوطني هو اختصاص عام وشامل، أما التحكيم خاصة التحكيم التجاري فإن مصدرها – سلطات والتزامات – هو ارادة الأطراف، وبالتالي المحكم لا يمكه الخروج عن هذه الالتزامات التي عهدت له. لذلك ما مدى حرية الأفراد في تحديد سلطات والتزامات المحكم؟.

سنحاول الإجابة عن التساؤل وفق نقطتين (ا) تحديد سلطات المحكم و (ب) تحديد الالتزامات.

  • تحديد سلطات المحكم.

رأﻳﻨﺎ ﺳﺎﺑﻘﺎ ﻛﻴﻒ أن سلطات المحكم ﺗﺴﺘﻤﺪ ﻣﻦ اﻟﻄﺒﻴﻌﺔ الخاصة ﻟﻠﻮﻇﻴﻔﺔ التي يمارسها ﺑﺈﻋﺘﺒﺎرﻩ ﻗﺎﺿﻲ ﻣﻦ ﻧﻮع ﺧﺎص، وأﻧﻪ ﻳﺴﺘﻤﺪ ﺳﻠﻄﺎﺗﻪ ﻣﻦ المصدر اﻟﻮﺣﻴﺪ المتمثل في إرادة اﻷﻃﺮاف، وﻫﺬا  ﻣﺎ يخلق ﻧﻮع ﻣﻦ اﻟﺘﻼزم واﻹرﺗﺒﺎط بين ﺳﻠﻄﺔ ﺗﺼﺮف اﻷﻃﺮاف وﺳﻠﻄﺎت المحكم ﻣﻦ ﺟﻬﺔ ﺛﺎﻧﻴﺔ، حيث  ﺗﺘﺴﻊ ﻫﺬﻩ السلطات وﺗﻀﻴﻖ وﻓﻘﺎ اﻷﻃﺮاف، ﺑﻞ أﻧﻪ في ﺑﻌﺾ اﻷﺣﻴﺎن ﺗﻌﻄﻲ اﻷﻃﺮاف ﻟﻠﻤﺤﻜﻢ إﻣﻜﺎﻧﻴﺔ إﺳﺘﺒﻌﺎد اﻟﻘﻮاﻋﺪ اﻟﻘﺎﻧﻮﻧﻴﺔ التي ﺗﻜﻮن في ﻧﻈﺮ اﻷﻃﺮاف غير ﻋﺎدﻟﺔ وغير ﻣﻼﺋﻤﺔ، واﻟﻔﺼﻞ ﻋﻠﻰ أﺳﺎس ﻣﺒﺎدئ اﻟﻌﺪاﻟﺔ واﻹﻧﺼﺎف المستمدة من الإرادة[61]. وهذا ما يسمى بتحكيم الصلح.

وفي هذا السياق ذهب الفقيه ” Lazareff” إلى أن “المحكم ﻫﻮ ﺟﺰء ﻣﻦ اﻟﻨﻈﺎم اﻹﺗﻔﺎﻗﻲ ، وأن اﻟﻘﺮار اﻟﺬي ﻳﺼﺪرﻩ ﻳﻘﻊ في ﻧﻔﺲ ﻣﺴﺘﻮى أﺣﻜﺎم إﺗﻔﺎق اﻷﻃﺮاف” كما أضاف ” المحكم بهذا اﻟﺸﻜﻞ في وضية محيرة بحيث ﻳﺴﺘﻤﺪ ﻠﻄﺎﺗﻪ ﻣﻦ إرادة اﻷﻃﺮاف المتعاقدة ﻣﻦ ﺟﻬﺔ، أي أﻧﻪ ﻃﺮف في ﻫﺬا اﻟﻨﻈﺎم اﻹﺗﻔﺎﻗﻲ، وﻣﻦ ﺟﻬﺔ أﺧﺮى ﻓﻬﻮ ﻣﻠﺰم ﺑﺘﻄﺒﻴﻖ اﻟﻘﺎﻧﻮن واحترام اﻷﺣﻜﺎم اﻹﺟﺮاﺋﻴﺔ المحددة ﺳﻠﻔﺎ  ﻣﻦ ﻗﺒﻞ اﻷﻃﺮاف في إﺗﻔﺎق اﻟﺘﺤﻜﻴﻢ اﻟﺬي ﻳﻌﻜﺲ إرادتهم المشتركة”[62].

فالمحكم يكون مقيد بإرادة الأطراف، وبالسلطات التي تخولها له وتوجيهاتهم وكذا المبادئ التي أجازوها له من خلال إتفاق التحكيم.

والجدير ﺑﺎﻟﺬﻛﺮ أن المشرع اﻟﻔﺮﻧﺴﻲ ﻗﺪ أﺧﺬ ﺑﻜﻼ النوعين ﻣﻦ اﻟﺘﺤﻜﻴﻢ اﻟﺘﺤﻜﻴﻢ القانوني واﻟﺘﺤﻜﻴﻢ اﻟﻮدي في ﻗﺎﻧﻮن المرافعات الجديد[63]، وﻛﺬا المشرع المصري في  ﻧﺺ  المادة 39/3 ﻟﺴﻨﺔ 1994 في ﻗﺎﻧﻮن اﻟﺘﺤﻜﻴﻢ المصري.

أما المشرع المغربي، فإنه في الفصل 319 من ق م م فقرة 2 نص ” يكون التحكيم إما خاصا أو مؤسساتيا .

في حالة تحكيم خاص تتكفل الهيئة التحكيمية بتنظيمه مع تحديد المسطرة الواجب اتباعها ما عدا إذا اتفق الأطراف على خلاف ذلك أو اختاروا نظام تحكيم معين”، حيث يلاحظ أنه قسم التحكيم إلى مؤسساتي و خاص، هذا الأخير الذي خول للأطراف فيه الإتفاق على المسطرة الواجبة الإتباع من طرف المحكم، وبالمفهوم الواسع سلطات المحكم في أداءه لمهمته التحكيمية.

  • تحديد التزامت المحكم.

إن الالتزام الرئيسي للمحكم بموجب عقد التحكيم، هو النظر في النزاع وإصدار قرار صحيح ونهائي بشأنه، هذا الالتزام الذي تتفرع عنه التزامات منها:

  • احترام القواعد الاجرائية الاتفاقية.

تترك اﻟﻄﺒﻴﻌﺔ اﻹﺗﻔﺎﻗﻴﺔ ﻟﻠﺘﺤﻜﻴﻢ ﻹرادة اﻷﻃﺮاف بشكل كبير الحرية في اختيار القواعد التي تسير عليه الخصومة التحكيمية، إما بوضع قواعد خاصة أو إخضاعها إلى نظام تحكيمي أوالإحالة على قانون اجرائي معين، أو دمج جل هذه القوانين في قالب واحد للتطبيق على اتفاق التحكيم وفق مبدأ الإرادة[64].

ﻓﻤﺎدام أن المحكم ﻳﺴﺘﻤﺪ ﺳﻠﻄﺎﺗﻪ ﻟﻠﻔﺼﻞ في اﻟﻨﺰاع ﻣﻦ إرادة اﻷﻃﺮاف، ﻓﻼﺑﺪ ﻋﻠﻴﻪ ﻣﻦ احترام ﻫﺬﻩ اﻟﻘﻮاﻋﺪ اﻹﺟﺮاﺋﻴﺔ وﻋﺪم مخالفتها، وﻛﻞ مخالفة لها ﻗﺪ ﺗﻌﺮض اﻟﻘﺮار اﻟﺘﺤﻜﻴﻤﻲ ﻟﻠﻄﻌﻦ ﺑﺎﻟﺒﻄﻼن[65].

  • احترام حقوق الدفاع.

يعتبر ﻣﺒﺪأ احترام ﺣﻘﻮق اﻟﺪﻓﺎع،  ﻣﻦ المبدئ اﻷﺳﺎﺳﻴﺔ التي ﻳﻘﻮم ﻋﻠﻴﻬﺎ ﻧﻈﺎم اﻟﺘﻘﺎﺿﻲ ﺑﻮﺟﻪ ﻋﺎم، ﻓﻌﻠﻰ اﻟﺮﻏﻢ ﻣﻦ اﻟﻄﺎﺑﻊ اﻟﺮﺿﺎﺋﻲ واﻹﺗﻔﺎﻗﻲ ﻟﻠﺘﺤﻜﻴﻢ، وإﻋﺘﺒﺎرﻩ أﺳﺎﺳﺎ ﻟﻠﻘﻮاﻋﺪ التي تسير ﻋﻠﻴﻬﺎ ﺧﺼﻮﻣﺔ اﻟﺘﺤﻜﻴﻢ[66]، ﻓﺈﻧﻪ يجب ﻋﻠﻰ المحكم احترام ﻣﺒﺪأ ﺣﻘﻮق اﻟﺪﻓﺎع، وﻟﻮ ﻛﺎﻧﺖ الخصومة التحكيمية، تماما ﻛﻤﺎ ﻫﻮ اﻟﺸﺄن ﺑﺎﻟﻨﺴﺒﺔ ﻟﻠﺨﺼﻮﻣﺔ القضائية، وهو ﻣﺎ ﻳﺴﺘﻮﺟﺐ تمكين ﻛﻞ ﺧﺼﻢ ﻣﻦ إﺑﺪاء دﻓﺎﻋﻪ ودﻓﻮﻋﻪ وتقديم الأدلة التي يؤيد بها كل طرف إدعاءاته.

 

  • احترام المساواة بين الخصوم.

ﻣﻦ المبادئ اﻷﺳﺎﺳﻴﺔ المستقرة في الخصومة اﻟﺘﺤﻜﻴﻤﻴﺔ، – ﻛﺨﺼﻮﻣﺔ اﻟﻘﻀﺎء – احترام المحكم لمبدأ المساواة بين الخصوم، بمعنى إﻋﻄﺎء ﻠﺨﺼﻮم ﻓﺮص ﻣﺘﻜﺎﻓﺌﺔ ﻹﺑﺪاء وﺟﻬﺔ ﻧﻈﺮﻫﻢ، وإﻻ إﺧﺘﻞ ﻣﻴﺰان العدل، ويعتبر هذا المبدأ ﻣﺴﻠﻤﺎ ﺑﻪ في ﻛﻞ اﻟﺘﺸﺮﻳﻌﺎت المقارنة دون الحاجة إلى وﺟﻮد ﻧﺺ ﺧﺎص ﺑﻪ.

 

فكانت هذه بعض الالتزامات الملقاة على عاتق المحكم بناء على اتفاق التحكيم القائم على إرادة الطرفين في تحديد التزامات المحكم، وذلك بناء على صدور إرادته للقبول بها في إطار قبوله لمهمته في حل النزاع.

 

المطلب الثاني: مظاهر سيادة الأطراف أثناء سير الخصومة التحكيمية.

ﺗﻨﻌﻘﺪ الخصومة بإعلان أﺣﺪ أﻃﺮاف اﻟﻨﺰاع رﻏﺒﺘﻪ في اﻟﻠﺠﻮء إلى اﻟﺘﺤﻜﻴﻢ وتحريك إﺟﺮاءاﺗﻪ إلى اﻟﻄﺮف اﻵﺧﺮ، ﻓﺒﻌﺪ ﺗﺸﻜﻴﻞ الهيئة اﻟﺘﺤﻜﻴﻤﻴﺔ ﺣﺴﺐ اﻟﻨﻈﺎم المتفق عليه ﻋﻠﻴﻪ، وﻗﺒﻮل المحكمون ﻟﻠﻤﻬﻤﺔ المستندة إﻟﻴﻬﻢ، ﻳﻜﻮن اﻷﻃﺮاف ﻗﺪ ﺑﺪأوا إﺟﺮاءات اﻟﺘﺤﻜﻴﻢ، وﻣﻮاﺻﻠﺔ في إﻋﻤﺎل إرادة الأطراف وﻓﻘﺎ ﻹﺗﻔﺎق اﻟﺘﺤﻜﻴﻢ المبرم بينهم، ﺗﺒﺪأ الهيئة اﻟﺘﺤﻜﻴﻤﻴﺔ في تجسيد إرادتهم ﺗﻄﺒﻴﻘﺎ لهذا اﻹﺗﻔﺎق، وذﻟﻚ بإعمال الاجراءات المختلفة حتى صدور القرار التحكيمي وتسوية النزاع[67].

لذا دراستنا ستنصب على الجانب الارادي لأطراف الخصومة أثناء سير الخصومة من خلال ثلاث جوانب، من حيث القانون الواجب التطبيق على الجانب الشكلي – الجانب الإجرائي – (1) ثم من الجانب الموضوعي (2) وأخيرا من حيث تنفيد قرار التحكيم (3).

 

الفقرة الاولى: تحديد القانون الواجب التطبيق على اجراءات التحكم.

ﺗﺘﻤﺘﻊ إﺟﺮاءات اﻟﺘﺤﻜﻴﻢ بأهمية ﺧﺎﺻﺔ، إذ ﻳﺘﻮﻗﻒ نجاح ﻧﻈﺎم اﻟﺘﺤﻜﻴﻢ أو إﺧﻔﺎﻗﻪ ﻋﻠﻰ ﻣﺪى ﺳﻼﻣﺔ إﺟﺮاءات اﻟﺘﺤﻜﻴﻢ المتبعة ﻟﻠﻨﻈﺮ في اﻟﺪﻋﻮى اﻟﺘﺤﻜﻴﻤﻴﺔ واﻟﻔﺼﻞ ﻓﻴﻬﺎ، إذ تعتبر ﻫﺬﻩ اﻹﺟﺮاءات بمثابة اﻟﻌﻤﻮد اﻟﻔﻘﺮي ﻟﻨﻈﺎم اﻟﺘﺤﻜﻴﻢ، وﻫﻲ اﻟﺴﻴﺎج اﻟﺬي ﻳﻀﻤﻦ ﺷﺮﻋﻴﺘﻪ[68]، ﺣﻴﺚ أن ﻣﺮاﻋﺎة ﻫﺬﻩ اﻹﺟﺮاءات ﻋﻠﻰ نحو ﺻﺤﻴﺢ ﻣﻦ شأنه اﻟﻮﺻﻮل إلى ﺣﻜﻢ ﻳﻜﻮن بمنأى ﻋﻦ اﻟﻄﻌﻦ ﻓﻴﻪ، وبالتالي ﻳﻜﻮن ﻗﺎﺑﻼ للإعتراف ﺑﻪ وﺗﻨﻔﻴﺬﻩ.

فالمقصود من القواعد الاجرائية، المساطر الواجب اتباعها من طرف هيأة التحكيم منذ تشكيلها إلى غاية صدور قرار التحكيم[69]، حيث تلعب إرادة الأطراف في هذا الجانب دور مهم وأساسي، إذ يمكن للأطراف عن طريق اتفاق التحكيم تحديد القواعد التي تنظم الاجراءات التي تتبعها الهيئة التحكيمية.

وﺗﺘﻔﻖ أﻏﻠﺐ القوانين اﻟﻮﻃﻨﻴﺔ واﻹﺗﻔﺎﻗﻴﺎت اﻟﺪوﻟﻴﺔ ﻋﻠﻰ إﺧﻀﺎع إﺟﺮاءات اﻟﺘﺤﻜﻴﻢ ﻟﻘﺎﻧﻮن اﻹرادة، ولهذا ﺳﻮف نبين اﻷﺻﻞ وﻫﻮ ﻗﺎﻧﻮن اﻹرادة في تحديد اﻟﻘﺎﻧﻮن اﻟﻮاﺟﺐ اﻟﺘﻄﺒﻴﻖ ﻋﻠﻰ إﺟﺮاءات اﻟﺘﺤﻜﻴﻢ (أ) حيث في غياب هذا العنصر نرجع إلى ضوابط الاحتياط (ب) على ضوء القوانين الوطنية أو الدولية.

 

  • تطبيق قانون الإرادة.

يعتبر ﺧﻀﻮع اﻟﻘﺎﻧﻮن اﻹﺟﺮاﺋﻲ في اﻟﺘﺤﻜﻴﻢ اﻟﺘﺠﺎري ﻹﺧﺘﻴﺎر اﻷﻃﺮاف ﻫﻮ اﻷﺻﻞ المعتمد ﻟﺪى القوانين اﻟﻮﻃﻨﻴﺔ ﻟﻠﺪول، وﻛﺬا اﻻﺗﻔﺎﻗﻴﺎت اﻟﺪوﻟﻴﺔ، وﻣﻘﺘﻀﻰ ﻫﺬا اﻷﺻﻞ أن تخضع إﺟﺮاءات اﻟﺘﺤﻜﻴﻢ ﻟﻠﻘﺎﻧﻮن اﻟﺬي يختاره اﻷﻃﺮاف في اتفاق التحكيم[70].

وﻳﺼﻒ اﻟﻔﻘﻪ اﻟﺘﺤﻜﻴﻢ اﻟﺬي ﺗﺼﻞ ﻓﻴﻪ ﺣﺮﻳﺔ اﻷﻃﺮاف إلى ﺣﺪ اﻟﺘﺤﺮر ﻣﻦ ﻛﻞ اﻟﻘﻮاﻋﺪ اﻟﻮﻃﻨﻴﺔ اﻋﺘﻤﺎدا على ارادة الأطراف في صياغة القواعد اﻹﺟﺮاﺋﻴﺔ ﺑﺄﻧﻪ تحكيم “ﺣﺮ ﻃﻠﻴﻖ”، أو تحكيم ﺑﻼ ﻗﺎﻧﻮن،  ﻛﻮن اﻷﻃﺮاف ﻳﺘﻮﻟﻮن ﻣﻬﻤﺔ ﺗﻨﻈﻴﻢ اﻟﻘﻮاﻋﺪ اﻹﺟﺮاﺋﻴﺔ دون أن ﻳﺴﺘﻨﺪوا إلى ﻗﺎﻧﻮن معين، ﻟﺬﻟﻚ ﻓﻬﻮ ﻧﻮع ﻣﻦ اﻟﺘﻨﻈﻴﻢ المادي ﻟﻠﻘﻮاﻋﺪ اﻹﺟﺮاﺋﻴﺔ اﻟﺬي ﻳﺴﺘﻤﺪ ﻣﺼﺪرﻩ ﻣﻦ اﻟﻨﻈﺮﻳﺔ اﻟﺸﺨﺼﻴﺔ التي ﺗﺪﻋﻮ إلى ﺗﻜﺮﻳﺲ ﻣﺒﺪأ ﺳﻠﻄﺎن اﻹرادة في ﻧﻄﺎق واﺳﻊ، دون إﺧﻀﺎﻋﻪ إلى ﺑﻌﺾ اﻟﻘﻴﻮد التي يمكن أن ﺗﻔﺮﺿﻬﺎ القوانين اﻟﻮﻃﻨﻴﺔ[71].

وﻗﺪ تم ﺗﻜﺮﻳﺲ ﻣﺒﺪأ ﺳﻠﻄﺎن اﻹرادة في إﺧﻀﺎع إﺟﺮاءات اﻟﺘﺤﻜﻴﻢ ﻹرادة اﻷﻃﺮاف في مختلف اﻟﺘﺸﺮﻳﻌﺎت الحديثة،  ﻓﻬﺬا ما يظهر في نص المادة 1494/1 ق إ م ق[72]، في تكرس ﻣﺒﺪأ ﺳﻠﻄﺎن إرادة اﻷﻃﺮاف في تحديد اﻟﻘﺎﻧـﻮن اﻟﺬي يحكم اﺟﺮاءات اﻟﺘﺤﻜﻴﻢ.

 

ﻛﻤﺎ ﺳﺎر المشرع المصري في ﻧﻔﺲ الاتجاه، ﺣﻴﺚ نجده ﻳﺄﺧﺬ ﺑﻘﺎﻧﻮن اﻹرادة ﻛﺄﺻﻞ ﻋﺎم في تحديد اجراءات التحكيم في المادة 25 من القانون رقم 17 لسنة 1994 الخاص بالتحكيم في المواد المدنية والتجارية[73].

فمن خلال ما سبق يطرح نتساءل عن موقف التشريع المغربي من تدخل الإرادة في تحديد القانون الجرائي الواجب التطبيق؟

يصل الفصل 42-327 ” يمكن  لاتفاق التحكيم أن يحدد ، مباشرة أو استنادا إلى نظام للتحكيم، المسطرة الواجب اتباعها خلال سير التحكيم .

كما لاتفاق التحكيم إخضاع التحكيم لقانون المسطرة المحدد فيه…”

يلاحظ أن المشرع المغربي هو الآخر بدوره خول لإرادة الأطراف الاتفاق على القواعد الاجرائية الواجبة التطبيق، وبالتالي أعطى الأولية لمبدأ سلطان الارادة والسيادة في تحديد الجانب الشكلي  الواجب التطبيق، وعليه فهو اتبع المنهج التحرري والمرن في الاختيار وكذا المنهج المادي واستبعد منهج التنازع، هذا ما يتضح ما اذا استحضرنا مقتضيات الفصل [74]318 من 05-08 وذلك أن اتفاق التحكيم مستقل على اتفاق العقد الأصلي، وبالتالي لا تبعية بينهما[75].

إلا أنه يلاحظ أنه بالرغم من سيادة مبدأ سلطان الارادة، إلا أنه في الواقع لا يمكن أن تمتد إلى المبادئ الأساسية في مجال الإجراءات كمبدأ المساواة والمواجهة وحقوق الدفاع، فهذه الاجراءات تعتبر من النظام العام حيث لا يجوز المساس بها[76].

ب : تطبيق ضوابط الاحتياط

ﻟﻘﺪ أﻋﻄﻰ ﻛﻞ ﻣﻦ اﻟﻔﻘﻪ واﻟﻘﻀﺎء ﻟﻸﻃﺮاف ﻋﺪة ﺧﻴﺎرات أهمها: ﺗﻄﺒﻴﻖ ﻗﺎﻧﻮن ﻣﻘﺮ اﻟﺘﺤﻜﻴﻢ، ﻛﻤﺎ أﻋﻄﻰ ﻟﻠﻬﻴﺌﺔ اﻟﺘﺤﻜﻴﻤﻴﺔ اﻟﺴﻠﻄﺔ في اﺧﺘﻴﺎر اﻟﻘﺎﻧﻮن المطبق ﻋﻠﻰ اﻹﺟﺮاءات.

  • تطبيق قانون مقر التحكيم:

تبنى ﻫﺬا الحل اﻟﻔﻘﻴﻪ “SAUSSER HALL  ” في  ﺗﻘﺮﻳﺮﻩ المقدم إلى ﻣﻌﻬﺪ اﻟﻘﺎﻧﻮن الدولي، ﺣﻴﺚ  إﺳﺘﻨﺪ لتبرير ﻓﻜﺮﺗﻪ إلى أﻧﻪ إذا ﻛﺎن أﻃﺮاف الخصومة ﻗﺪ إﺧﺘﺎروا ﻗﺎﻧﻮن وﻃﻨﻴﺎ ﻟﻴﺤﻜﻢ اﻟﻨﺰاع، ﻓﺈن ذﻟﻚ يعني ﺑﺎﻟﻀﺮورة إﺧﺘﻴﺎر دوﻟﺔ ﻫﺬا اﻟﻘﺎﻧﻮن ﻣﻜﺎﻧﺎ ﻹﺟﺮاء اﻟﺘﺤﻜﻴﻢ، ويعبر ﻋﻦ ذﻟﻚ أن “ﺳﻠﻄﺎن اﻹرادة لا يمكن أن يمارس إلى في الحدود التي تسمح بها قواعد الاسناد في مقر ﻓﻬﺬﻩ اﻟﻘﻮاﻋﺪ ﻫﻲ التي تحدد نطاق الذاتية التي يتوجب الاعتراف بها للأطراف في هذا المجال”[77]، وعليه فنظريته – Sausse – تغلب الطبيعة القضائية للتحكيم، وتعمل على الحد من إرادة الأطراف المطلقة بخصوص تحديد القانون الواجب التطبيق على اجراءات التحكيم، وترجح الكفة لصالح قانون مكان التحكيم باعتباره مركز الثقل الموضوعي.

وقد ذهبت اتفاقية نيويورك لسنة 1958 إلى وجوب الرجوع إلى قانون الإرادة بشأن الاجراءات، لكن حالة تخلفها – الارادة – يحكم هذه الاجراءات قانون الدولة مقر التحكيم[78].

وﻟﻘﺪ ﺗﻌﺮض ﻫﺬا الاتجاه ﻟﻺﻧﺘﻘﺎد ﻋﻠﻰ أﺳﺎس أن إﻋﻤﺎل ﻧﻈﺮﻳﺔ ﻗﺎﻧﻮن ﻣﻘﺮ اﻟﺘﺤﻜﻴﻢ ﻋﻠﻰ إﻃﻼﻗﻪ ﻟﻴﺤﻜﻢ إﺟﺮاءات المنازعة ﻳﺘﺼﻒ بالجمود إلى حد كبير، ﺑﺎﻹﺿﺎﻓﺔ إلى ﺻﻌﻮﺑﺔ ﺗﻄﺒﻴﻘﻬﺎ ﻣﻦ اﻟﻨﺎﺣﻴﺔ اﻟﻌﻤﻠﻴﺔ ﻷﻧﻪ كثيرا ﻣﺎ ﻳﺜﻮر اﻟﺘﺴﺎؤل[79] ﺣﻮل تحديد معنى ﻗﺎﻧﻮن ﻣﻘﺮ اﻟﺘﺤﻜﻴﻢ، ﻓﻬﻞ ﻫﻮ ﻗﺎﻧﻮن اﻟﺪوﻟﺔ التي ﺗﻨﻌﻘﺪ ﻓﻴﻬﺎ ﻫﻴﺌﺔ اﻟﺘﺤﻜﻴﻢ ﻷول ﻣﺮة ﻛﻤﺎ ﻗﺪ ﻳﻜﻮن ﻗﺎﻧﻮن ﻣﻘﺮ اﻟﺘﺤﻜﻴﻢ، أو ﻗﺎﻧﻮن اﻟﺪوﻟﺔ التي ﺻﺪر ﻓﻴﻬﺎ اﻟﻘﺮار، كما قد يكون قانون مقر التحكيم هو القانون الوطني لأحد الأطراف وبالتالي ترجيح كفة أحدهم على الآخر.

 

 

  • اختيار هيئة التحكيم للقانون الاجرائي الواجب التطبيق.

 

ﺟﺎء ﻫﺬا الحل  اﺳﺘﺜﻨﺎءا واﺣﺘﻴﺎﻃﻴﺎ في ﺣﺎﻟﺔ ﻏﻴﺎب دور إرادة اﻷﻃﺮاف في اﺧﺘﻴﺎ ر اﻟﻘﺎﻧﻮن اﻟﻮاﺟﺐ اﻟﺘﻄﺒﻴﻖ على اجراءات التحكيم، أواغفال لبعض الجوانب الاجرائية وحتى ﻻ ﻳﻔﻘﺪ اﻟﺘﺤﻜﻴﻢ ﻓﻌﺎﻟﻴﺘﻪ وجديته، وتفاديا لأي فراغ قانوني قد ينجم عن سكوت الأطراف عن تحديد هذا القانون فقد نصت أغلب التشريعات المقارنة وكذا الاتفاقيات الدولية على دور الهيئة التحكيمية في وضع القواعد الاجرائية التي تراها مناسبة سواء بالاحالة على قانون وطني داخلي يراه المحكم أكثر ارتباطا بموضوع التحكيم محل النظر، وإما بالرجوع إلى قواعد نظام تحكيمي يراه أكثر ملائمة.

فقد نص المشرع الفرنسي على هذا الأمر صراحة في نص المادة 1494/2 ق م ف[80]، وكذلك المشرع المصري من خلال المادة 25 من القانون 27 لسنة 1994 حيث جاء به ” فإذا لم يوجد مثل ﻫﺬا اﻹﺗﻔﺎق، ﻛﺎن لهيئة اﻟﺘﺤﻜﻴﻢ، ﻣﻊ ﻣﺮاﻋﺎة أﺣﻜﺎم ﻫﺬا اﻟﻘﺎﻧﻮن، أن تختار إﺟﺮاءات اﻟﺘﺤﻜﻴﻢ اﻟتي ﺗﺮاﻫﺎ مناسبة”.

فإذا كان هؤلاء القانونين حاولوا سد الفراغ عند حالة عدم اتفاق الأطراف على القواعد القانون الاجرائي الواجب التطبيق، عن طريق تخويل التعيين للهيئة التحكيمية مهمة التعيين، لذا نتساءل عن موقف المشرع المغربي؟.

بالرجوع إلى الفصل 327/42 من قانون رقم 05-08 في الفقرة الأخيرة نجذ ” إذا لم يرد نص بشأن ذلك في اتفاق التحكيم ، قامت الهيئة التحكيمية ، عند الحاجة ، بتحديد القاعدة المسطرية الواجب اتباعها إما مباشرة واما بالرجوع إلى  قانون أو نظام تحكيم معين” .

يتضح أن المشرع المغربي سار على نفس النهج الذي سار عليه التشريعات المقارنة، حيث حتى لا يفقد التحكيم مصداقيته و يتوقف لعدم اختيار الأطراف، فإنه ها تدخل المشرع عن طريق اقرار الحل الثاني وهو تخويل الهيئة حق اتخاد المبادة في تعيين القوانين الاجرائية الواجب اتباعها.

 

الفقرة الثانية. تحديد القانون الواجب التطبيق على موضوع النزاع.

 

إن تحديد اﻟﻘﺎﻧﻮن اﻟﻮاﺟﺐ اﻟﺘﻄﺒﻴﻖ ﻋﻠﻰ ﻣﻮﺿﻮع اﻟﻨﺰاع ﻻ ﻳﻘﻞ أهمية ﻋﻦ ﻣﻮﺿﻮع تحديد اﻟﻘﺎﻧﻮن اﻟﻮاﺟﺐ اﻟﺘﻄﺒﻴﻖ ﻋﻠﻰ إﺟﺮاءات اﻟﺘﺤﻜﻴﻢ، إذ ﻟﻴﺲ ﻣﻦ اﻟﻮاﺟﺐ ﻋﻠﻰ اﻷﻃﺮاف تحديد ﻗﺎﻧﻮن ﻣﻮﺣﺪ يحكم إﺟﺮاءات اﻟﺘﺤﻜﻴﻢ وﻣﻮﺿﻮع اﻟﻨﺰاع في آن واﺣﺪ، ﺑﻞ ﻗﺪ يختلف اﻟﻘﺎﻧﻮن اﻟﺬي يحكم ﻣﻮﺿﻮع اﻟﻨﺰاع ﻋﻦ ذﻟﻚ اﻟﺬي يحكم ﻣﺴﺎﺋﻞ اﻹﺟﺮاءات. واختيار القانون الواجب التطبيق على موضوع النزاع له أهمية بالغة في العقود التجارية الدولية، حيث يتم التأكد من صحة بنود العقد على أساسه، وفي حالة غموضها أو عدم كفايتها يتم الاستناد إلى هذا القانون الموضوعي لتكملة ذلك[81]، كما أن هذا القانون المذكور هو الأساس في إصدار حكم التحكيم، وبالتالي حسم النزاع وإنهائه.

السؤال : كيف عالجت التشريعات المقارنة و الاتفاقيات مسألة تعيين القانون الواجب التطبيق على الموضوع؟ وما موقف المشرع المغربي؟

ﺗﺘﻔﻖ اﻟﺘﺸﺮﻳﻌﺎت المقارنة واﻹﺗﻔﺎﻗﻴﺎت اﻟﺪوﻟﻴﺔ ﻋﻠﻰ أﺻﺎﻟﺔ إرادة اﻷﻃﺮاف في تحديد اﻟﻘﺎﻧﻮن اﻟﺬي ﻳﻄﺒﻖ ﻋﻠﻰ ﻣﻮﺿﻮع اﻟﻨﺰاع، وفي ﺣﺎﻟﺔ تخلف ﻫﺬا اﻟﻘﺎﻧﻮن ﻳﻌﻘﺪ اﻹﺧﺘﺼﺎص ﻟﻠﻬﻴﺌﺔ اﻟﺘﺤﻜﻴﻤﻴﺔ[82].

لذلك سنتاول الأمر من خلال نقطتين: دورالارادة في تحديد القانون الموضوعي الواجب التطبيق(أ) ثم دور هيئة التحكيم في ذلك (ب).

 

  • دورالارادة في تحديد القانون الموضوعي الواجب التطبيق.

 

الأصل في التحكيم هو حرية الأطراف في اختيار القواعد القانونية الواجبة التطبيق على موضوع النزاع، باعبار ما لهم من سلطان الارادة في تحديد حقوقهم والتزاماتهم والتصرف فيها، فإذا ما اتفق الأطراف على تطبيق قانون دولة معينة أو قانون معين على الموضوع، فإنه من واجب هيئة التحكيم التقييد والإمثثال لهذا الاتفاق و احترام الارادة[83]،  لذلك فقانون الارادة هو القانون الذي يختاره الأطراف ليحكم علاقتهم ويكون مصدرا للقواعد التي تحكم موضوع العقد.

إن ختيار الأطراف لقانون موضوعي للتطبيق على موضوع النزاع يتم في شكل شرط مرفوق مع العقد الأصلي كما قد يكون في شكل مشارطة يقع بعد حدوث النزاع، وكلا الحالتين يتم الاشارة له صراحة في اتفاق التحكيم[84] وهذا لا يثير أي مشاكل، لكن المشكل يوجد حالة السكوت فهنا هيئة التحكيم تكون ملزمة بتحديد القانون الواجب التطبيق على الموضوع بناءا على الارادة الضمنية للأطراف ليتم تطبيقها على النزاع.

ﻟﻘﺪ أﺻﺒﺢ ﻣﺒﺪأ ﺧﻀﻮع ﻣﻮﺿﻮع اﻟﻨﺰاع ﻟﻘﺎﻧﻮن اﻹرادة ﻣﻦ المبادئ السلم بها في اﻟﺘﺸﺮﻳﻌﺎت اﻟﻮﻃﻨﻴﺔ واﻹﺗﻔﺎﻗﻴﺎت اﻟﺪوﻟﻴﺔ، إذ تعترف اﻟﺘﺸﺮﻳﻌﺎت  ﺑﺄوﻟﻮﻳﺔ إرادة اﻷﻃﺮاف المشتركة في إﺧﺘﻴﺎر اﻟﻘﺎﻧﻮن الموضوعي الواجب التطبيق، وهذا ما يتضح من خلال المادة 1496/2 من ق م الفرنسي حيث أعطت المادة الحرية الكاملة للأطراف لتحديد هذا النوع من القوانين.

أما المشرع المصري، فقد سار على نفس الدرب من خلال المادة 39/1 من قانون27 لسنة 1994.

أﻣﺎم ﺗﺄﻛﻴﺪ المشرعين اﻟﻔﺮﻧﺴﻲ والمصري ﻋﻠﻰ أوﻟﻮﻳﺔ دور اﻷﻃﺮاف في تحديد اﻟﻘﺎﻧﻮن الموضوعي لاتفاق التحكيم، ﻟﻨﺎ أن ﻧﺘﺴﺎءل ﻋﻦ موقف المشرع المغربي؟.

نص الفصل 44-327 من القانو 05-08 في الفقرة الأولى على ” تحدد في اتفاق التحكيم بكل حرية، القواعد القانونية التي يتعين على الهيئة التحكيمية تطبيقها على جوهر النزاع”.

يلاحظ أن المشرع المغربي هو الآخر بدوره خول لإرادة الأطراف الاتفاق على القواعد الموضوعية الواجبة التطبيق، وبالتالي أعطى الأولية لمبدأ سلطان الارادة والسيادة في تحديد الجانب الموضوعي الواجب التطبيق على النزاع، وعليه فهو اتبع المنهج التحرري والمرن[85] في الاختيار. وبهذا يكون قد ساير التشرعين السابقين في تعزيز وتكريس مبدأ سيادة الأطراف.

 

  • دور الهيئة التحكيمية في تحديد القانون الموضوعي الواجب التطبيق.

 

في ﻏﻴﺎب اﻹرادة الصريحة ﻟﻠﺨﺼﻮم في إﺧﺘﻴﺎر اﻟﻘﺎﻧﻮن اﻟﺬي ﻳﻄﺒﻖ ﻋﻠﻰ ﻣﻮﺿﻮع اﻟﻨﺰاع، ﻓﺈﻧﻪ ﻳﻘﻊ ﻋﻠﻰ ﻋﺎﺗﻖ المحكم أن ﻳﺘﺼﺪى إلى ﻫﺬﻩ المشكلة ﺣﻴﺚ ﻳﺘﻤﺘﻊ ﺑﺴﻠﻄﺔ ﺗﻘﺪﻳﺮﻳﺔ واﺳﻌﺔ في اﻟﺒﺤﺚ ﻋﻦ ﻫﺬا اﻟﻘﺎﻧﻮن.

فتتجه أﻏﻠﺐ اﻟﺘﺸﺮﻳﻌﺎت المقارنة أﻧﻪ في ﻏﻴﺎب اﺗﻔﺎق اﻷﻃﺮاف ﻋﻠﻰ ﻗﺎﻧﻮن يحكم ﻣﻮﺿﻮع اﻟﻨﺰاع، ﻓﻌﻠﻰ المحكم ﺣﻴﻨﺌﺬ إﺧﺘﻴﺎر اﻟﻘﺎﻧﻮن اﻷﻛﺜﺮ إﺗﺼﺎﻻ بموضوع اﻟﻨﺰاع أووﻓﻘﺎ ﻟﻠﻘﻮاﻋﺪ اﻟﻘﺎﻧﻮﻧﻴﺔ التي ﻳﺮاﻫﺎ واجبة التطبيق[86].

واﺳﺘﺨﺪام المحكم لهذه اﻟﺴﻠﻄﺔ اﻟﺘﻘﺪﻳﺮﻳﺔ لا يجب أن ﻳﻜﻮن اﺳﺘﺨﺪاﻣﺎ ﻣﺰاﺟﻴﺎ وﻋﺸﻮاﺋﻴﺎ إذ ﻻﺑﺪ أن ﻳﻜﻮن اﺧﺘﻴﺎرﻩ ﻟﻠﻘﺎﻧﻮن اﻟﺬي يطبق ﻋﻠﻰ ﻣﻮﺿﻮع اﻟﻨﺰاع ﻣﻼﺋﻤﺎ ﻟﻠﻤﻮﺿﻮع، وذلك ﻋﻠﻰ ﺿﻮء ﻇﺮوف اﻟﻘﻀﻴﺔ وملابساتها[87].

لذلك أصبح مبدأ سلطان لإرادة مبدأ مسلما به في جل التشريعات الوطنية والاتفاقيات الدولية، إذ تعترف التشريعات بأولوية إرادة الأطراف المشتركة في اختيار الأطراف القانون الذي يرونه مناسبا لحكم موضوع نزاعهم، طالما أنه لا يتضمن ما يمس بالقواعد الآمرة المتعلقة بالنظام العام[88].

فالمشرع الفرنسي من خلال المادة 1496/2 من ق م ف، فرض مسبقا – فقرة 1 من ذات المادة- على الأطراف تحديد قواعد القانون الواجب التطبيق على موضوع النزاع، فبعبارة القواعد القانونية[89] أعطى المشرع كامل الصلاحية لإرادة الاطراف لتحديد هذا النوع من القوانين سواءا كانت ذات طابع وطني أو ذات طابع دولي، ما لم تكن مخالفة للنظام العام[90] لكن أمام غياب هذه الاتفاق غموض فيه، فإنه في هذه الحالة تتدخل الهيئة التحكيمية من أجل تحديد ذلك، لكن الأمر يبقى مشروط بأن تبحث في تحديد ذلك وفقا لإرادة الأطراف وكذلك وفقا للقانون الذي له علاقة بموضوع النزاع هذا ما يستخلص من تعبير” [91] APPROPRIEES”.

أما عن المشرع المصري، فهو الآخر أعطى الأولوية لأطراف النزاع لتحديد موضوع النزاع من خلال المادة 39/3 من قانون الحكيم المصري[92].

فأمام تأكيد التشريعين السابقين سيادة أطراف النزاع في اختيار القاون الموضوعي الواجب التطبيق، فما موقف مشرعنا المغربي من هذه الناحية؟.

جاء الفصل 237-44 من قانون 05-08 في الفقرة الثانية على ” وفي حالة عدم اختيار الأطراف للقواعد المذكورة ، فان الهيئة التحكيمية تفصل في النزاع طبقا للقواعد التي تراها ملائمة .” .

من خلال الفصل أعلاه  يتضخ أن المشرع المغربي خول للهيئة التحكيم اختيار القانون الوضوعي الواجب التطبيق على موضوع النزاع، وبهذا يظهر أنه اتجه في نفس منحى التشريعات الآخرى، حيث أعطى كامل الحرية لأطراف النزاع للأختيار، ولكن في حالة السكوت أو عدم الدراية بالقانون أو حالة المماطلة، أن تتدخل الهيئة في تحديد هذا القانون حتى لا يفقد التحكيم مصداقيته ويسقط في نفس عيوب القضاء الرسمي.

 

الفقرة الثالثة:  تنفيد القرار التحكيمي.

 

ﺗﻨﺘﻬﻲ إﺟﺮاءات اﻟﺘﺤﻜﻴﻢ ﺑﺈﺻﺪار ﺣﻜﻢ اﻟﺘﺤﻜﻴﻢ، وﺗﺒﻠﻴﻐﻪ ﻟﻸﻃﺮاف ﺑﻐﻴﺔ اتخاد اﻹﺟﺮاءات الخاصة بتنفيده، ﻳﺘﻀﻤﻦ الحكم اﻟﺘﺤﻜﻴﻤﻲ الحكم ﻋﻠﻰ أﺣﺪ أﻃﺮاف اﻟﻨﺰاع وإﻋﻄﺎء الحق ﻟﻠﻄﺮف اﻵﺧﺮ، وﻗﺪ ﻳﺘﻀﻤﻦ أﻳﻀﺎ إﻟﺰام الطرفين ﻛﻤﺎ ﻟﻮ ﻗﺴﻤﺖ المصاريف ﺑﻴﻨﻬﻤﺎ، وﻻﺑﺪ ﻋﻠﻰ اﻟﻄﺮف اﻟﺬي ﺻﺪر الحكم ﺿﺪﻩ أن ﻳﻨﻔﺬ الحكم لمصلحة خصمه.

وﻗﺪ إﺧﺘﻠﻒ اﻟﻔﻘﻪ في تحديد اﻟﻄﺒﻴﻌﺔ اﻟﻘﺎﻧﻮﻧﻴﺔ لحكم اﻟﺘﺤﻜﻴﻢ، ﺣﻴﺚ ﻳﺆﻛ ﺟﺎﻧﺐ ﻣﻦ اﻟﻔﻘﻪ -أﻧﺼﺎر اﻟﻄﺒﻴﻌﺔ اﻟﻘﻀﺎﺋﻴﺔ ﻟﻠﺘﺤﻜﻴﻢ – أن اﻟﺘﺤﻜﻴﻢ ﻫﻮ ﻧﻈﺎم ﻗﻀﺎﺋﻲ ﻳﻘﻮم ﻋﻠﻰ إرادة اﻷﻃﺮاف، واﻟﻨﻘﻄﺔ اﻷﺳﺎﺳﻴﺔ في اﻟﺘﺤﻜﻴﻢ ﻟﻴﺴﺖ إﺗﻔﺎق اﻟﺘﺤﻜﻴﻢ ﻧﻔﺴﻪ، وإنما ﻫﻲ ﺣﻜﻢ اﻟﺘﺤﻜﻴﻢ اﻟﺬي ﻳﻌﺪ اﻟﻌﻤﻞ اﻷﺳﺎﺳﻲ اﻟﺬي ﻳﺪورﺣﻮﻟﻪ ﻧﻈﺎم اﻟﺘﺤﻜﻴﻢ ﺑﺄﻛﻤﻠﻪ، ويمثل الهدف اﻟﻨﻬﺎﺋﻲ المراد ﻣﻦ وراﺋﻪ ﺗﺴﻮﻳﺔ اﻟﻨﺰاع، ﻷن إﺗﻔﺎق اﻟﺘﺤﻜﻴﻢ أﺑﺮم ﻣﻦ أﺟﻠﻪ[93].

وﻋﻠﻰ ﺧﻼف ذﻟﻚ ﻓﺈن أﻧﺼﺎر اﻟﻄﺒﻴﻌﺔ اﻹﺗﻔﺎﻗﻴﺔ ﻟﻠﺘﺤﻜﻴﻢ يعتبرون أن إﺗﻔﺎق اﻟﺘﺤﻜﻴﻢ ﺣﺠﺮالزاوية ومركز الثقل في كل مراحل التحكيم وقرار التحكيم ﻳﺴﺘﻤﺪ ﻗﻮﺗﻪ اﻟﻘﺎﻧﻮﻧﻴﺔ ﻣﻦ إﺗﻔﺎق اﻟﺘﺤﻜﻴﻢ ذاﺗﻪ، فإذا كان اتفاق التحكيم هو الأساس فإن القرار الصادر عن المحكم لحل النزاع ليس إلا انعكاسات الإتفاق، ومن ثم فلا بد أن يتخذ الصفة التعاقدية[94].

وﻣﻬﻤﺎ ﻳﻜﻦ ﻣﻦ إﺧﺘﻼفحول الطبيعة اﻟﻘﺎﻧﻮﻧﻴﺔ ﻟﻘﺮار اﻟﺘﺤﻜﻴﻢ، فإن هذا الأخير يعتبر من بين أهم العناصر المشكلة لعملية التحكيم، لأنه الهدف المنشود للأطراف من اللجوء إلى هذا النظام، فهو من يعكس اتفاقهم على التحكيم و مظهر من مظاهر إرادتهم[95].

والأصل أن ﺗﻨﻔﻴﺬ ﺣﻜﻢ المحكمين ﻣﻦ ﻗﺒﻞ اﻷﻃﺮاف ﻳﻜﻮن إﺧﺘﻴﺎرﻳﺎ، فمتى ﺻﺪر ﺣﻜﻢ اﻟﺘﺤﻜﻴﻢ ﺧﺎﻟﻴﺎ ﻣﻦ اﻟﻌﻴﻮب التي ﻗﺪ ﺗﺆدي إلى اﻟﻄﻌﻦ ﻓﻴﻪ، ﻓﺈن ﺣﺴﻦ اﻟﻨﻴﺔ اﻟﺬي ﻳﺴﻮد ﻣﻨﺎخ اﻟﺘﺤﻜﻴﻢ يفترض ﻗﻴﺎم اﻷﻃﺮاف ﺑﺘﻨﻔﻴﺬﻩ، ﻧﺘﻴﺠﺔ ﺣﺘﻤﻴﺔ ﻟﻠﻄﺎﺑﻊ اﻹﺧﺘﻴﺎري لاتفاق التحكيم، غير أﻧﻪ ﻣﻦ المتصور أن ﻻ ﻳﻘﻮم المحكوم ﺿﺪﻩ ﺑﺎﻟﺘﻨﻔﻴﺬ اﻹﺧﺘﻴﺎري، وﻫﻨﺎ ﻳﺼﻄﺪم ﻗﺮار اﻟﺘﺤﻜﻴﻢ ﺑﻌﻘﺒﺔ ﻫﺎﻣﺔ وﻫﻲ ﺗﻨﻔﻴﺬه، وﻋﻠﻴﻪ ﻓﺈن اﻟﺬي تم الحكم لصالحه بموجب حكم التحكيمي، ﻓﺈﻧﻪ ﻳﻠﺠﺄ إلى السلطة المختصة.

وعلية سيتم دراسة هذه المرحلة من خلال نقطتين التنفيد الإرادي (أ) أو القاعدة العامة، ثم التنفيد الجبري(ب) أي الاستثناء.

 

  • التنفيد الارادي ( القاعدة والأصل ).

 

اﻷﺻﻞ أن ﻳﻨﻔﺬ اﻷﻃﺮاف الحكم اﻟﺘﺤﻜﻴﻤﻲ طواعيا، ﻓﻐﺎﻟﺒﺎ ﻣﺎ يحدد اﻷﻃﺮاف ﺻﺮاﺣﺔ اﻹﻟﺘﺰام ﺑﺘﻨﻔﻴﺬ اﻟﻘﺮار اﻟﺘﺤﻜﻴﻤﻲ ﺑﻌﺪ ﺻﺪورﻩ في إﺗﻔﺎق اﻟﺘﺤﻜﻴﻢ، ﺣﻴﺚ ﻳﺬﻛﺮ أن اﻟﻘﺮار اﻟﺘﺤﻜﻴﻤﻲ يعتبر ﻣﻠﺰﻣﺎ ونهائيا، ﻓﺈرادة اﻷﻃﺮاف ﻛﻤﺎ رأﻳﻨﺎ ﺳﺎﺑﻘﺎ  ﺗﻠﻌﺐ دورا أﺳﺎﺳﻴﺎ ومحوريا في اﻟﺘﺤﻜﻴﻢ اﻟﺘﺠﺎري.

وﻋﻠﻴﻪ ﻓﺎﻟﺘﻨﻔﻴﺬ اﻹرادي ﻟﻘﺮار اﻟﺘﺤﻜﻴﻢ ﻳﺴﺘﻤﺪ أﺳﺎﺳﻪ ﻣﻦ إﺗﻔﺎق اﻷﻃﺮاف ﻋﻠﻰ اﻟﺘﺤﻜﻴﻢ، فقد وضعت اتفاقية نيويورك لسنة 1958، بدورها اتفاق التحكيم في مرتبة تسمو على القانون حين اعتبرت وجود اتفاق التحكيم وتوافق ارادتين على تشكيل الهيئة والاجراءات التحكيمية معه، فيحول دون رفض تنفيد القرار التحكيمي[96].

وترجع أسباب التنفيد الاختياري إلى عدة اعتبارات، والتي منها ما قد يتعرض له الطرف من ضغوط من طرف المتعاملين معه كرفض التعامل معه و الإساءة له، لما لذلك من آثار وخيمة عليه وخاصة على في المجال التجاري حيث يكون لذلك آثار سلبية على مستقبل تجارته، لذلك فالتنفيد الارادي له آثار مهمة منها المحافضة على الأسرار وربح الوقت أي لا يتم انتضار أمر بالتنفيد وضمان استمرار العلاقات وغيرها من الزايا.

والجدير بالذكر أنه في أغلب الأحيان لا يتم تحديد طريقة تنفيد المقرر التحكيمي، حيث يترك ذلك لإرادة الأطراف، لذلك فقد يكون التنفيد ودي وصريحا كما لم قام المحكوم عليه بإرسال رسالة يوجه للمحكوم عليه يبين استعداده للتنفيذ، وقد يكون ضمني يستخلص من ظروف الحال التي لا تدع مجالا للشك في صدور هذا القبول عن ارادة واضحة لتنفيذ الحكم التحكيمي[97]، كما لو شرع في المحكوم عليه فعلا في التنفيذ.

أما عن المشرع المغربي، فإنه نص من خلال الفصل 31-327  من قانون 05-08 ” لا ينفذ الحكم التحكيمي جبريا إلا بمقتضى أمر بتخويل الصيغة التنفيذية يصدره رئيس المحكمة الصادر الحكم في دائرتها، ليتضح أن المشرع المغربي لا يلزم التنفيد إلا عن طريق السلطة المختصة ، بمفهوم المخالفة إن التنفيذ كأصل هو التنفيد الإرادي و الإختياري و الاستثناء التنفيد الجبري.

 

  • التنفيذ الجبري ( الاستثناء ).

 

إذا ﻛﺎن ﻣﻦ أﻫﺪاف ﻧﻈﺎم اﻟﺘﺤﻜﻴﻢ ﻫﻮ ﺳﺮﻋﺔ اﻟﻔﺼﻞ في اﻟﻨﺰاع ورﺑﺢ اﻟﻮﻗﺖ اﻟﺬي ﺗﺘﻄﻠﺒﻪ اﻟﺘﺠﺎرة، وﻫﺬا ﻻ ﻳﺘﺤﻘﻖ إﻻ ﻋﻦ ﻃﺮﻳﻖ اﻟﺘﻨﻔﻴﺬ اﻟﻄﻮﻋﻲ، واﻟﺬي يمنع اﻷﻃﺮاف ﻣﻦ اﻟﻠﺠﻮء إلى الجهات اﻟﻘﻀﺎﺋﻴﺔ ﻟﻄﻠﺐ اﻟﺘﻨﻔﻴﺬ، ﻓﺈﻧﻪ ﻣﻦ أﻫﻢ المشاكل التي ﺗﻌﻴﻖ رواج اﻟﺘﺤﻜﻴﻢ ﻫﻲ ﻣﺸﻜﻠﺔ ﺗﻨﻔﻴﺬ القرارات اﻟﺘﺤﻜﻴﻤﻴﺔ ﺧﺎﺻﺔ ﻋﻨﺪ ﻋﺪم ﺗﻨﻔﻴﺬﻫﺎ إرادﻳﺎ أو المماطلة في ﺗﻨﻔﻴﺬﻫﺎ[98]، وﻫﺬا ﻣﺎ يتريب ﻋﻠﻴﻪ ﻋﺪم اﻟﻠﺠﻮء إلى اﻟﺘﺤﻜﻴﻢ، وﻳﻀﻌﻒ اﻟﺜﻘﺔ في ﺟﺪوى ﻫﺬا اﻟﻨﻈﺎم ﻓﻨﺤﻦ ﻧﻌﻠﻢ أن المحكم  ﻳﻔﺘﻘﺮ إلى ﺳﻠﻄﺔ اﻷﻣﺮ ﺑﺎﻟﺘﻨﻔﻴﺬ، لأنه ﺑﺼﺪور ﻗﺮار اﻟﺘﺤﻜﻴﻢ ﺗﻨﺘﻬﻲ ﻣﻬﻤﺔ المحكم، مما ﻳﺴﺘﻠﺰم ﻣﻌﻪ ﺗﺪﺧﻞ اﻟﻘﻀﺎء الوطني لإتمام ﻋﻤﻞ المحكم ﻋﻦ ﻃﺮﻳﻖ اﻟﺘﻨﻔﻴﺬ الجبري وذﻟﻚ ﺑﺈﺿﻔﺎء اﻟﺼﻴﻐﺔ اﻟﺘﻨﻔﻴﺬﻳﺔ ﻋﻠﻰ ﻫﺬا اﻟﻘﺮار اﻟﺘﺤﻜﻴﻤﻲ[99]، ويرجع ذلك إلى كون القرارات التحكيمية التي يصدرها المحكم في أغلب الدول لا تكون لها القوة التنفيذية لتقوم السلطات العامة باستعمالها لإجبار المحكوم عليه بالتنفيذ.

إن ﻫﺬا اﻷﺳﻠﻮب في اﻟﺘﻨﻔﻴﺬ يعتبر ﺻﻮرة ﻣﻦ صور الحماية اﻟﻘﻀﺎﺋﻴﺔ، ﻷﻧﻪ ﻧﺸﺎط ﻗﻀﺎﺋﻲ ﺗﻘﻮم ﺑﻪ المحاكم، إذ ﻳﺘﺪﺧﻞ اﻟﻘﻀﺎء ﺑﻨﺎءا ﻋﻠﻰ طلب ﺻﺎﺣﺐ المصلحة، ﻟﺘﺄﻛﻴﺪ الحقوق أو المراكز اﻟﻘﺎﻧﻮﻧﻴﺔ أو لإعادتها لأصحابها، وﻫﺬﻩ المهمة اﻟﻘﻀﺎﺋﻴﺔ ﻫﻲ التي ﻳﻄﻠﻖ ﻋﻠﻴﻬﺎ ﻓﻘﻪ المرافعات “الحماية اﻟﺘﻨﻔﻴﺬﻳﺔ ”  ﺑﺈﻋﺘﺒﺎرﻫﺎ ﺻﻮرة ﻣﻦ ﺻﻮر الحماية القضائية[100].

وﻳﺘﻔﻖ اﻟﻔﻘﻪ ﻋﻠﻰ أن الحكم اﻟﺼﺎدر ﻋﻦ المحكمين ﻳﺘﻤﺘﻊ بحجية اﻟﺸﻲء المقضي ﺑﻪ  وﻫﻲ ﻗﺮﻳﻨﺔ ﻗﺎﻃﻌﺔ  بحل اﻟﻨﺰاع، أي أن اﻟﻮﻗﺎﺋﻊ المثبتة ﻟﻠﺤﻘﻮق التي ﻗﺮرت ﻻ يمكن ﻣﻨﺎﻗﻀﺘﻬﺎ ﻣﻦ ﺟﺪﻳﺪ[101]، فبالرغم من أنه لا يتمتع إلى بحجية الأمر المقضي به إلا أنه لا يتمتع بالقوة التنفيدية، لهذا لا بد أن يكون القرار التحكيمي محلا بالتنفيذ قبل السلطات المختصة التي تعطيه القوة التنفيدية.

وقد اختلفت التشريعات في الإجراءات المتبعة من أجل الحصول على الأمر بالتنفيذ ومدى الرقابة التي تباشرها الجهة المختصة، لذلك سنحاول تناول بعض التشريعات بشكل مقتضب.

 

  • موقف الاتفاقيات الدولية :

لقد ساهمت اتفاقيتي جنيف ونيويورك بقسط وافر في الموضوع، حيث يلاحظ من خلال المادة 3 من اتفاقية نيويورك لسنة 1958 ” تلتزم كل دولة متعاقدة بالاعتراف بحجية القرار التحكيمي وتنفيذه” فهي بذلك لم تتعرض ببإجراءات بل خولة كل دولة مصادقة على الاتفاقية أن تتبع اجراءاتها الوطنية في ذلك.

  • المشرع الفرنسي:

وفقا للمادة 185  ق م ف، فإنه يصدر الأمر بالتنفيد من قاضي التنفيذ بالمحكمة الابتدائية،للمحكمة التي أودع الحكم فيها بناءا على طلب من ذوي الشأن[102].

وطبقا للمادة 1477 من ذات القانون فإنه يشترط أن يتم إيداع قرار التحكيم الأصلي ونسخة من اتفاق التحكيم، و ذلك من أجل وضع الصيغة التنفيذية على أصل قرار التحكيم.

والملاحظ من خلال المادة 185 من ق م ف، أن المشرع الفرنسي في هذه النقطة ألزم الأفراد بجهة واحدة، و بالتالي إعدام عنصر الارادة في اختيار الجهة المختصة.

  • موقف المشرع المصري:

في ظل قانون التحكيم المصري رقم 27 لسنة 1994 فغنه سواء كان التحكيم وطني أو خارج البلاد، فإنه يعود الاختصاص لمحكمة الاستئناف بالقاهرة، ما لم يتفق الاطراف على اختصاص محكمة آخرى في مصر[103].

يلاحظ أن المشرع المصري لم يساير نظيره الفرنسي، حيث أعطى القاعدة في – محكمة الاستئناف القاهرة – و مع امكانية اتفاق الأطراف على اختيار جهة آخرى بناءا على ارادتهم داخل الدولة المصرية، لما لذلك من تعزيز لعنصر الارادة.

  • موقف المشرع المغربي:

جاء الفصل 327-31 من قانون 05-08 بأن في الفقرة الأولى ” لا ينفذ الحكم التحكيمي جبريا إلا بمقتضى أمر بتخويل الصيغة التنفيذية يصدره رئيس المحكمة الصادر الحكم في دائرتها “ن وجاء بالفقرة الأخيرة ” ويصدر الأمر بتخويل الصيغة التنفيذية عن الرئيس الأول لهذه المحكمة .”.

من خلال ما سبق يضح أن المشرع المغربي يعهد بهذه المهة إلى الرئيس الأول للمحكمة الصادر الحكم بدائرتها، وعليه المشرع المغربي سار تقريبا على نفس منوال المشرع الفرنسي، إذ ينتج عن ذلك تقليص لمبدأ سلطان الارادة الذي يخول للأفراد اختيار الجهة التي تطبع قرار الحكيم بالصيغة التنفيدية.

في الأخير، ﻣﻦ ﺧﻼل دراﺳﺘﻨﺎ لمظاهر ﺳﻴﺎدة أﻃﺮاف اﻟﺘﺠﺎرة في تحكيم الحالات الخاصة، ﻧﺴﺘﺨﻠﺺ الدور الكبير الذي تلعبه ارادة الأطراف عبر مراحل التحكيم، بداية من اتفاق التحكيم الذي يعتبر حجر الزاوية والأساس في عملية التحكيم، وإنتهاء بالقرار التحكيمي الذي يعتبر الآلية القانونية التي تعتبر من خلالها اتفاقية التحكيم عن الحلول المناسبة لفض النزاع الذي يثور في هذا الموضوع.

 

المبحث الثاني: تحصيل سيادة إرادة الأطراف في التحكيم.

إذا كان مبدأ حرية ارادة الأطراف في التحكيم ، فإن هذا المبدأ ترد عليه بعض القيود التي يلتزم الأطراف والمحكمون باحترامها  من أجل ضمان تنفيد القرارات التحكيمية، و ضمان فاعليتها، الذي يرتب عن عدم احترامها رفض الإعتراف وتنفيد هذه المقررات.

وهذه القيود منها ما هو كلاسيكي معروف في القانون الدولي الخاص، مثل قواعد النظام العام والقوانين البوليسية ( المطلب الأولى)، و منها ما يرتبط بالتحكيم وذلك من خلال تذخل القضاء لمرافقة أو مساعدة ضمان سير عملية التحكيم ( المطلب الثاني).

المطلب الأول: القيود الكلاسيكية الواردة على سيادة الأطراف في التحكيم.

إن التوجه العام للتجارة خاصة التجارة الدولية لصلح التحكيم في فض النزاعات الناشئة عنها، أدىالى منح التحكيم استقلالية واسعة، لكن هذه الاستقلالية ليست مطلقة بل ترد عليها قيود كلاسيكية التي تنصب حول عدم مخالفة القواعد الآمرة، والمبادئ الأساسية والجوهرية في الدولة، حيث بهذه القواعد لم يستطع التحكيم الافلات من رقابة الدولة.

ويمكن تناول هذه القيود وفق فقرتين قواعد لنظام العام (ف 1) ثم قوانين البوليس (ف 2).

الفقرة الأولى: القواعد النظام العام.

إذا كان اتفاق التحكيم هو اتفاق وتوقيع الأطراف بناءا على ارادة حرة على تطبيق قواعد قانونية مختارة، فإنه هذا التوقيع لا يكون لا يكون على بياض، وبالتالي لا يجب أن يكون على حساب المبادئ الأساسية للمجتمع.

ﻓﻼﺷﻚ أن ﻏﺎﻟﺒﻴﺔ اﻟﻔﻘﻬﺎء ﻳﺆﻛﺪ ﻋﻠﻰ أهمية دور اﻟﻨﻈﺎم اﻟﻌﺎم ﻛﺄداة ﻹﺳﺘﺒﻌﺎد اﻟﻘﺎﻧﻮن الأجنبي،وبالتالي الحد ﻣﻦ إرادة اﻷﻃﺮاف متى ﺗﻌﺎرض مضمون هذا القانون مع الأسس الجوهرية في المجتمع[104]، ﻟﺬﻟﻚ نجد ﻣﻌﻈﻢ اﻷﻧﻈﻤﺔ اﻟﻘﺎﻧﻮﻧﻴﺔ ﻟﻠﺪول ﺗﺸﺘﻤﻞ ﻋﻠﻰ ﻗﻮاﻋﺪ ﺧﺎﺻﺔ ﺗﺴﻤﻰ ﻗﻮاﻋﺪ اﻟﻨﻈﺎم اﻟﻌﺎم[105]، التي تحقق مصلحة عامة، وتحمي المصالح اﻹﻗﺘﺼﺎدﻳﺔ واﻹﺟﺘﻤﺎﻋﻴﺔ وحتى اﻟﺪﻳﻨﻴﺔ ﻣﻦ اﻟﺘﺠﺎوزات التي ﺗﻠﺤﻘﻬﺎ ﻋﻤﻠﻴﺔ اﻟﺘﺤﻜﻴﻢ ﻣﻦ ﺧﻼل إﺧﺘﻴﺎر اﻷﻃﺮاف أو ﻫﻴﺌﺔ اﻟﺘﺤﻜﻴﻢ ﻟﻠﻘﺎﻧﻮن اﻟﻮاﺟﺐ اﻟﺘﻄﺒﻴﻖ ﺳﻮاء ﺗﻌﻠﻖ اﻷﻣﺮ بقاعدة موضوعية أم إجرائية، وتعتبع بذلك سدا منيعا لتنفيد أي قرار تحكيمي أجنبي أو وطني يخالفها[106]، وﻋﻠﻴﻪ ﻳﻘﻊ على ﻋﺎﺗﻖ أﻃﺮاف اﻟﻨﺰاع في مجال المعاملات اﻟﺘﺠﺎرﻳﺔ خاصة الجانب الدولي ﺿﺮورة اﻷﺧﺬ بعين اﻹﻋﺘﺒﺎر ﻫﺬﻩ المبادئ  واﻷﺳﺲ الجوهرية في اﻟﺘﺸﺮﻳﻌﺎت اﻷﺟﻨﺒﻴﺔ، أو ﻋﻠﻰ اﻷﻗﻞ ﺗﻮﻗﻌﻬﺎ.

ﻓﻤﻦ اﻟﻮاﺿﺢ أن ﻓﻜﺮة اﻟﻨﻈﺎم اﻟﻌﺎم تعتبر أﻫﻢ ﻋﻘﺒﺔ ﺗﻮاﺟﻪ ﻋﻤﻠﻴﺔ اﻟﺘﺤﻜﻴﻢ، ﻓﻬﺬﻩ اﻟﻔﻜﺮة وإن  ﻛﺎﻧﺖ ﻻ ﺗﺘﻌﺎرض ﻣﻊ ﺣﺮﻳﺔ أﻃﺮاف اﻟﺘﺠﺎرة وخاصة اﻟﺪوﻟﻴﺔ في إﺧﺘﻴﺎر اﻟﻘﺎﻧﻮن اﻟﻮاﺟﺐ اﻟﺘﻄﺒﻴﻖ ﻋﻠﻰ ﻋﻘﺪﻫﻢ، إلا أنها ﺗﺮد ﻋﻠﻰ ﺗﻄﺒﻴﻘﻪ ﻛﻘﻴﺪ ﻋﺎم يجب أخده بعين الاعتبار[107].

وﻧﻈﺮا ﻟﻜﻮن ﻓﻜﺮة اﻟﻨﻈﺎم اﻟﻌﺎم ﺻﻌﺒﺔ اﻟﻀﺒﻂ واﻟﺘﺤﺪﻳﺪ، ﻓﻘﺪ اتجه اﻟﻔﻘﻪ إلى ﺗﺮك أﻣﺮ تحديد الحالات التي ﻳﺘﺪﺧﻞ ﻓﻴﻬﺎ اﻟﻨﻈﺎم اﻟﻌﺎم ﻹﺳﺘﺒﻌﺎد اﻟﻘﺎﻧﻮن الأجنبي ﻟﺘﻘﺪﻳﺮ اﻟﻘﺎﺿﻲ، مع تقييد سلطته بهذا الشأن بمعيار ﻣﻮﺿﻮﻋﻲ ﻳﻠﺘﺰم ﺑﻪ في إﻋﻤﺎل اﻟﺪﻓﻊ ﺑﺎﻟﻨﻈﺎم اﻟﻌﺎم، ويخضع في ذﻟﻚ ﻟﺮﻗﺎﺑﺔ المحكمة اﻟﻌﻠﻴﺎ[108].

والجدير بالذكر أن المشرع المغربي مثله مثل المشرع الفرنسي والمشرع المصري، جعل النظام العام قيدا على تطبيق القانون الأجنبي، وهذا ما يتضح من خلال مقتضيات الفصل 328- 46 من قانون 05-08 أنه ” يعترف بالأحكام التحكيمية الدولية في المملكة إذا أثبت وجودها من يتمسك بها ، ولم يكن هذا الاعتراف مخالفا للنظام العام الوطني أو الدولي”.

فبالرغم من عدم وجود معيارمحدد لتحديد فكرة النظام العام، بناءا على طبيعته الخاصة التي تلفها المرونة والغموض، فإنه تلتقي كل الاتجاهات كيف ما كانت في فكرة أساسية هي ” ضرورة استبعاد أحكام القانون الأجنبي الذي يتعارض أثناء تطبيقه مع الأسس السياسية والاجتماعية والاقتصادية في دولة القاضي”، فهو لا يضع تعريفا لفكرة النظام العام، بل يكتفي بإبراز الغاية والهدف الذي تسعى فكرة النظام العام إلى تحقيقه وحماية المصالح في المجتمع[109].

 

 

 

الفقرة الثانية:  قوانين البوليس.

 

إلى ﺟﺎﻧﺐ ﻗﻮاﻋﺪ اﻟﻨﻈﺎم اﻟﻌﺎم، يعترف اﻟﻘﺎﻧﻮن الدولي الخاص ﺑﻮﺟﻮد ﻣﻔﻬﻮم دﻗﻴﻖ ﻟﻠﻨﻈﺎم اﻟﻌﺎم، يعرف بقوانين البوليس، حيث أضحت هذه الفكرة تحتل مكانا بارزا في القانون الدولي الخاص، التي ظهرت كنتيجة حتمية لبعض الضروريات الاجتماعية والاقتصادية للدولة، وتحقيقا للصالح العام، وذلك للحد من حرية الأطراف في المجال التعاقدي، حيث لا يكمنهم الافلاة من قواعد البوليس.

فما مفهوم هذه القواعد؟ وما الالتزامات الناشئة عنها؟

ارﺗﺒﻂ ﻇﻬﻮرﻗﻮاﻋﺪ اﻟﺒﻮﻟﻴﺲ ببروز ﻣﺒﺪأ ﺗﺪﺧﻞ اﻟﺪوﻟﺔ في مجال اﻟﻨﺸﺎط اﻹﻗﺘﺼﺎدي واﻹﺟﺘﻤﺎﻋﻲ للأفراد، تحقيقا للمصلحة العامة، وحماية الطرف الضعيف في العلاقات التعاقدية، وهو المبدأ الذي جاء ليعبرعن رواج الفكر الاشتراكي في العلم في  القرن 19م، حين تطوردورالدولة من الدولة الحارسة إلى الدولة المتدخلة، لذلك دعمها التشريعات لـتأخذ الصفة الآمرة حيث لا يجوز مخالفتها[110].

وﻳﻌﺪ اﻟﻔﻘﻴﻪ اليوناني ”  Frances-cakis” أول من تعرض لقواعد البوليس، وذلك في رسالته للدكتوراه حول نظرية الإحالة وتنازع الأنظمة في القانون الدولي الخاص، وأيده في هذه النظرية جانب من الفقه ندكر ” De Nova ” و ” Sperduti ” الذي يرى أنها قواعد ضرورية للتطبيق[111].

والمقصود بقوانين اﻟﺒﻮﻟﻴﺲ (اﻟﻘﻮاﻋﺪ ذات اﻟﺘﻄﺒﻴﻖ اﻟﻀﺮوري)” مجموعة اﻟﻘﻮاﻋﺪ الموضوعية في اﻟﻨﻈﺎم القانوني الوطني التي يتعين ﺗﻄﺒﻴﻘﻬﺎ ﻣﺒﺎﺷﺮة، دون اﻟﻨﻈﺮ إلى ﺗﺼﻨﻴﻔﻬﺎ إلى اﻟﻘﺎﻧﻮن اﻟﻌﺎم أو اﻟﻘﺎﻧﻮن الخاص، ودون الحاجة إلى إﻋﻤﺎل ﻣﻨﻬﺞ ﻗﻮاﻋﺪ اﻹﺳﻨﺎد”[112].

وﻗﺪ إﺧﺘﻠﻒ اﻟﻔﻘﻪ ﺣﻮل اﻹﺻﻄﻼح القانوني ﻟﻘﻮاﻋﺪ قوانين اﻟﺒﻮﻟﻴﺲ، ﺣﻴﺚ يمكننا أن ﻧﻔﺮق بين ﺛﻼث اتجاهات رﺋﻴﺴﻴﺔ:

الإتجاه الأول: القوانين البوليس والأمن.

الإتجاه الثاني: القواعد الفورية التطبيق.

الإتجاه الثالث: قواعد النظام العام الوقائي أو التوجيهي.

ﻓﻌﻠﻰ اﻟﺮﻏﻢ ﻣﻦ الخلاف اﻟﺪاﺋﺮ بين اﻟﻔﻘﻪ ﺣﻮل اﻹﺻﻄﻼح القانوني ﻟﻘﻮاﻋﺪ قوانين اﻟﺒﻮﻟﻴﺲ ﻓﺈن اﻷﻣﺮ المتقف ﻋﻠﻴﻪ ﻫﻮ أن إﺧﺘﺼﺎص قوانين اﻟﺒﻮﻟﻴﺲ ﻳﻨﺠﻢ ﻋﻦ الحياة اﻟﻀﺮورﻳﺔ المشروعة وﺗﻄﺒﻴﻘﻬﺎ بهدف حماية اﻟﺘﻨﻈﻴﻢ اﻟﺴﻴﺎﺳﻲ واﻹﺟﺘﻤﺎﻋﻲ واﻹﻗﺘﺼﺎدي ﻟﻠﺪوﻟﺔ، ﻻ ﺷﻚ أن إدراك اﻷﻫﺪاف المرجوة ﻣﻦ قوانين البوليس ﺗﺘﻀﻤﻦ ﻗﻴﻮدا ﻋﻠﻰ ﺣﺮﻳﺔ اﻷﻓﺮاد في إﺑﺮام اﻟﻌﻘﻮد وﺗﻨﻔﻴﺬﻫﺎ، ﺑﻐﺾ اﻟﻨﻈﺮ ﻋﻦ اﻟﻘﺎﻧﻮن اﻟﺬي يحكم الاتفاق[113].

أشرنا سابقا أن المحكم ليس له قانون داخلي بل يستمد القواعد القانونية الواجبة التطبيق من إرادة الأطراف سواء كانت صريحة أو ضمنية، وبالتالي فهو المبدأ العام إلا أنه من ناحية آخرى يقضي تطبيق قواعد البوليس و احترام مقتضياتها.

ﻓﺘﻄﺒﻴﻖ المحكم ﻜﻢ ﻟﻘﻮاﻋﺪ قوانين اﻟﺒﻮﻟﻴﺲ ﻳﻨﺒﻊ ﻣﻦ ﻛﻮن ﻫﺬا اﻟﺘﻄﺒﻴﻖ يجعله ﻣﺜﻞ اﻟﻘﺎﺿﻲ الوطني ﻋﻨﺪ حمايته للمصالح اﻟﻌﺎﻣﺔ، في حين أن ﻣﻬﻤﺘﻪ ﻫﻲ رﻋﺎﻳﺔ المصالح الخاصة ﻟﻸﻃﺮاف، وﻫﺬا ﻣﺎ يجعل  ﺗﻄﺒﻴﻖ المحكم لقوانين اﻟﺒﻮﻟﻴﺲ ﻳﺒﺪو وكأنه ” الضريبة التي يدفعها المحم لضمان تنفيذ حكمه”[114].

ويجب التمييز بينما إذا كانت تلك القوانين البوليسة منتمية إلى قانون العقد أو لا.

ففي حالة كانت تنتمي إلى قانون العقد، فإنها في هذه الحالة لا يثار أي إشكال ما عدا مشكلة قابليته للتطبيق وليس مشكلة تحديد هويته، فهو يكون الأطراف على دراية به ووفق ارادتهم. وبالتالي هذه القوانين يجب تطبيقها من طرف المحكم تحت تحفظ وحيد وهو النظام العام الدولي الحقيقي الذي يفرض نفسه على المحكم[115].

ﻓﻌﻠﻰ ﺳﺒﻴﻞ المثال إﺳﺘﺒﻌﺪ المحكم قوانين اﻟﺒﻮﻟﻴﺲ المتعلقة بالحضر اﻹﻗﺘﺼﺎدي ﻋﻠﻰ إﺳﺮاﺋﻴﻞ المنصوص ﻋﻠﻴﻪ في ﻗﺮارات الجامعة اﻟﻌﺮﺑﻴﺔ، لمخالفتها النظام العام الدولي الحقيقي لأنها تقوم – على حسب رأي المحكم – على التمييز العنصري والدني والعرقي، على الرغم من أن الأطراف هم من اختارو قانون العقد[116].

ﻛﻤﺎ ذﻛﺮﻧﺎ ﺳﺎﺑﻘﺎ، ﻳﻠﺘﺰم المحكم ﺑﺘﻄﺒﻴﻖ القانون اﻟﺬي إﺧﺘﺎرﻩ اﻷﻃﺮاف، وﻛﻨﺘﻴﺠﺔ ﻟﺬﻟﻚ ﻓﺈﻧﻪ ﻋﻨﺪﻣﺎ يحدد اﻷﻃﺮاف اﻟﻘﺎﻧﻮن اﻟﻮاﺟﺐ اﻟﺘﻄﺒﻴﻖ ﻋﻠﻰ ﻋﻘﺪﻫﻢ اﻟﺘﺠﺎري الدولية، فعلى المحكم أن يطبق قانون البوليس لهذا القانون[117]، لأن إعمال قوانين البوليس في هذا القانون لا يشكل مفاجآة للمتعاقدين، ولا يخل بتوقيعاتهم.

وﺑﺎﻟﻄﺒﻊ يمكن ﺗﺼﻮر ﺣﺎﻟﺔ ﻣﺎ إذا رﻓﺾ المحكم إﻋﻄﺎء أﺛﺮ لقوانين اﻟﺒﻮﻟﻴﺲ في اﻟﻘﺎﻧﻮن اﻟﺬي إﺧﺘﺎرﻩ الأطراف في حالة تعارضه مع النظام العام الدولي الحقيقي كما سبق تبيانه أعلاه.

كما أنه كما هو معلوم أن المحكم ليس مثل القاضي الوطني، فنجده في حالة لم يختار الأطراف قانونا يحكم العقد، فإنه يتدخل – المحكم – لتطبيق قوانين البوليس مباشرة التي لها علاقة بالعقد، ليتضح لنا من هذه القاعدة أنه لا توجد صعوبة في الممارسة العملية، فعندما يتحقق المحكم من القانون الواجب التطبيق على العقد[118]، فإنه يقوم بإعمال قوانين البوليس في هذا القانون، وهذا لا يشكل أي مفاجآة للأطراف المتعاقدة،  لكن ما إذا كانت هذه القواعد البوليسة تتخالف مع بعض المقتضيات في العقد فإنها تحول إلى بطلانها، وبالتالي إعدام إلى إرادة الأطراف التي تذهب إلى تطبيقها.

أما عن حالة ما إذا كانت قوانين البوليس أجنبية على العقد، فإنه يجب مراعاة ارادة الأطراف، حيث يجب أن تكون لها الأولوية على سائر القوانين الأجنبية، لأن الأطراف على بصيرة بهذا القانون ولا يخل بالتالي بتوقعاتهم المشروعة، لكن إذا كان قانون البوليس المختار من طرف الأطراف، فإنه في هذا الحالة لا  يلزم المحكم بتطبيقها، ولما لهذا من قيد على إراة الأطراف.

لكن حالة اختيار المحكم للقانون البوليس الواجب التطبيق، فإنه في الواقع لا يوجد اجماع من المحكمين بهذا الخصوص، إذ تميل أغلب الأحكام التحكيمية إلى تطبيق قوانين البوليس لمكان تنفيذ الالتزامات التعاقدية أومكان تنفيذ الحكم التحكيمي[119]، لما لهذا من إعدام لعنصر الإرادة لدى الأطراف وبالتالي الضرب في مبدأ سلطان الإرادة.

المطلب الثاني: تدخل القضاء الوطني في التحكيم.

إن إﺧﺘﻼف ﺟﻮﻫﺮ ﻛﻞ ﻣﻦ اﻟﺘﺤﻜﻴﻢ واﻟﻘﻀﺎء اﻟﻌﺎدي ﻻ يعني ﻗﻄﻊ اﻟﺼﻠﺔ ﺑﻴﻨﻬﻤﺎ، ﻓﺎﻟﻘﻀﺎء واﻟﺘﺤﻜﻴﻢ تحكمهما ﻋﻼﻗﺔ ﻣﺘﺼﻠﺔ وﻳﻈﻬﺮ ﻫﺬا ﺧﻼل ﻛﻞ ﻣﺮاﺣﻞ اﻟﺘﺤﻜﻴﻢ، ﻓﺈذا ﻛﺎن اﻟﻘﻀﺎء ﻳﻘﻮم ﺑﺪور المراقب ﻋﻠﻰ اﻟﺘﺤﻜﻴﻢ ﻋﻨﺪ ﺻﺪور ﺣﻜﻢ اﻟﺘﺤﻜﻴﻢ، ﻓﺈن ذﻟﻚ ﻻ بعني أﺑﺪا أن دور اﻟﻘﻀﺎء ﻳﻘﻒ ﻋﻨﺪ ﻫﺬا الحد، ﺑﻞ ﻳﺘﻌﺪاﻩ ﻟﻴﻠﻌﺐ دورا ﻫﺎﻣﺎ في اﻟﻌﻤﻠﻴﺔ اﻟﺘﺤﻜﻴﻤﻴﺔ ﻣﻦ ﺑﺪاﻳﺘﻬﺎ إلى نهايتها[120]، ﻓﻘﺪ ﻳﻈﻬﺮ ﻟﻨﺎ ﻣﻦ اﻟﻮﻫﻠﺔ الأولى ﻋﺪم وﺟﻮد أﻳﺔ ﺳﻠﻄﺔ ﻟﻠﻘﻀﺎء على اﻟﺘﺤﻜﻴﻢ، ذﻟﻚ أن ﻋﻤﻠﻴﺔ اﻟﺘﺤﻜﻴﻢ تجري بين اﻷﻃﺮاف أﻣﺎم المحكمين، وإرادة اﻷﻃﺮاف أو المحكمين ﻫﻲ التي تحدد إﺟﺮاءات اﻟﺘﺤﻜﻴﻢ، إﻻ أﻧﻪ في الواقع قد تتدخل المحاكم اﻟﻌﺎدﻳﺔ في ﺑﻌﺾ الحالات وﺗﻠﻌﺐ دورا ﻫﺎﻣﺎ في ﻛﻮاﻟﻴﺲ اﻟﺘﺤﻜﻴﻢ، ﻋﻨﺪﻣﺎ ﺗﻨﺤﺮف ﻋﻤﻠﻴﺔ اﻟﺘﺤﻜﻴﻢ ﻋﻦ المسار المحدد لها ﻓﻔﻲ ﻫﺬﻩ الحالة ﻳﺴﺘﻄﻴﻊ اﻟﻘﺎﺿﻲ إرﺟﺎﻋﻬﺎ إلى المسار اﻟﺼﺤﻴﺢ، أو ﻋﻨﺪﻣﺎ ﻻ ﻳﺘﻔﻖ اﻷﻃﺮاف ﻋﻠﻰ ﻣﺴﺄﻟﺔ إﺟﺮاﺋﻴﺔ ﻣﻌﻴﻨﺔ، وﻳﻜﻮن المحكمون غير ﻗﺎدرﻳﻦ ﻋﻠﻰ إيجاد الحل، وﺣﺪﻫﺎ المحاكم التي ﺗﺴﺘﻄﻴﻊ إيجاد ﺣﻠﻮﻻ ﻣﺮﺿﻴﺔ[121]، وبالتالي ﻳﻜﻮن اﻟﺒﺎب ﻣﻔﺘﻮﺣﺎ ﻹﻓﺴﺎح المجال ﻟﺘﺪﺧﻞ اﻟﻘﻀﺎء الوطني لمساعدة اﻟﺘﺤﻜﻴﻢ ﻋﻠﻰ تحقيق ﻓﺎﻋﻠﻴﺘﻪ، وﺳﺪ اﻟﻌﺠﺰ اﻟﻨﺎﺟﻢ ﻋﻦ اﻟﺼﻌﻮﺑﺎت التي تثيرها ﻋﻤﻠﻴﺔ اﻟﺘﺤﻜﻴﻢ ﺧﻼل سير إﺟﺮاءات اﻟﺘﺤﻜﻴﻢ، أو أﺛﻨﺎء ﺗﻨﻔﻴﺬ اﻟﻘﺮار اﻟﺘﺤﻜﻴﻤﻲ.

انطلاقا من فلسفة التحكيم وأهدافه، فإن التشريعات الحديثة تنظم علاقة القضاء الوطني والتحكيم، لتوضح أوه المساعدة والتدخل وكذا حدود الرقابة والإشراف على التحكيم.

لذلك يطرح التساؤل بخصوص دور القضاء في مساعدة و رقابة التحكيم؟

للإجابة على التساؤل فإن الدراسة ستنصب على تدخل القضاء على سير إجراءات التحكيم (ف 1 ) ثم تدخل القضاء في تنفيد مقررات التحكيم(ف 2 ).

 

 

الفقرة الأولى: تدخل القضاء من خلال سير اجراءات التحكيم.

 

ﻋﻠﻰ اﻟﺮﻏﻢ ﻣﻦ ﻛﻮن اﻟﺘﺤﻜﻴﻢ إﺗﻔﺎق بين اﻷﻃﺮاف ﻹﺳﺘﺒﻌﺎد ﻋﺮض ﻧﺰاﻋﻬﻢ ﻋﻠﻰ اﻟﻘﻀﺎء الوطني، والتالي ﻧﻘﻞ اﻹﺧﺘﺼﺎص ﻣﻦ القاضي إلى ﻗﻀﺎء اﻟﺘﺤﻜﻴﻢ، ﻓﺈﻧﻪ ﻗﺪ تحدث ﺑﻌﺾ اﻷﻣﻮر أﺛﻨﺎء سير إﺟﺮاءات اﻟﺘﺤﻜﻴﻢ ﺗﺴﺘﺪﻋﻲ ﺗﺪﺧﻞ اﻟﻘﺎﺿﻲ الوطني، والتي ﺗﺮﺟﻊ إلى ﻋﻮاﻣﻞ مختلفة ﺗﺆﺛﺮ ﺳﻠﺒﻴﺎ ﻋﻠﻰ ﻓﺎﻋﻠﻴﺔ اﻟﺘﺤﻜﻴﻢ، ﻓﺈذا ﻣﺎ ﻇﻬﺮت ﻣﺸﺎﻛﻞ ﻋﻤﻠﻴﺔ ﺧﻼل سير إﺟﺮاءات اﻟﺘﺤﻜﻴﻢ، نجد أن اﻟﻌﺪﻳﺪ ﻣﻦ اﻟﺘﺸﺮﻳﻌﺎت ﻗﺪ ﺗﺼﺪت لهذه المشاكل ﺑﻮﺿﻊ ﻗﻮاﻋﺪ ﻣﻜﻤﻠﺔ يمكن ﻟﻸﻃﺮاف إﻋﺘﻤﺎدﻫﺎ لمعالجة هذه الأوضاع[122].

وﻋﻠﻴﻪ ﻓﺈن اﻟﺪراﺳﺔ ﺳﺘﻨﺼﺐ ﻋﻠﻰ بعض الحالات التي ﻳﺘﺪﺧﻞ ﻓﻴﻬﺎ اﻟﻘﺎﺿﻲ الوطني ﺧﻼل سير إﺟﺮاءات اﻟﺘﺤﻜﻴﻢ من خلال ثلاث مراحل، مرحلة تعيين المحكمين (أ) واتخاذ الاجراءات التحفظية (ب).

 

  • تعيين المحكمين.

الأصل في مجال التحكيم التجاري وخاصة الحكيم الدولي حرية اختيار المحكمين، فإن ذلك لا يعني أن هذا الطريق هو الوحيد لإختيارهم، فقد تحدث مماطلة من أحد الأطراف في التعيين أو لا يعينه أصلا، أو في حالات آخرى لا يتفق الأطراف على تعيين المحكم الذي اختاره الطرف الآخر حالة وجود محكم واحد إلى غيرها من الحالات،  فإنه في جميع هذه الحالات لهدم تحديد الأطراف أو عدم الإتفاق على تعيين هيئة الحكم للمحكم الثالث، فإنه هذا لا يعني فشل التحكيم بل نزولا عند إرادة الأطراف وحماية حسن النية وحفاظا على مصداقية نظام التحكيم، يجوز لأحد الأطراف الطلب من الجهات المختصة للقيام بعملية التعيين[123].

فقد ورد هذا الحل في القانون الفرنسي، حيث أعطت المادة 1493/2 ق م ف الإختصاص إلى رئيس محكمة باريس للقيام بالتعيينات حسب المادة 1457، بشرط أن يتم التحكيم في فرنسا[124].

وعلى نفس النهج سار المشرع المصري[125] حيث خول الاختصاص لمحكمة الاستئناف بالقاهرة وذلك سواء كان التحكيم داخل مصر أو خارجيا، بل يخول للأفراد الإتفاق على تخويل الاختصاص لمحكمة آخرى، هذا الذي يحسب للمشرع المصري كونه أعطى نوع من المرونة للأطراف في اختيار الهيئة لما لذلك من تعزيز لإرادة الأطراف وسيادة مبدأ سلطان الإرادة.

أما عن المشرع المغربي، فإنه من خلال الفصل 327-5 في الفقرة الأخيرة ” … رئس المحكمة المختصة …” وعليه يالاحظ أنه ساير التشريعات الآخرى بخصوص هذه القاعدة، إلا أنه يعاب عن المشرع المغربي عدم الدقة في صياغة هذا الفصل، كون أن هذه الصياغة فيها نوع من لبس لمن يعود الإختصاص؟؟[126]، عكس ما أقره من خلال الفصل 327-42 من نفس القانون حيث جاء به ” رئيس المحكمة التي يجرى فيها الصيغة التنفيدية في المغرب، رئيس المحمكة التجارية بالرباط إذا كان التحكيم جاريا خارج المغرب”. كما في أحد قرارات محكمة الإستئناف التجارية بمراكش” لا يجوز إلى رئيس المحكمة تعيين محكم إلا بعد تعذر تعيينه رضائيا”[127]

 

  • واتخاذ الاجراءات الوقتية التحفظية.

ﺗﺘﺨﺬ التدابير اﻟﻮﻗﺘﻴﺔ أﺛﻨﺎء السير في اﻟﺪﻋﻮى ﻟﻠﻔﺼﻞ ﻣﺆﻗﺘﺎ في ﻣﺴﺄﻟﺔ (وﺿﻌﻴﺔ) ﻣﺴﺘﻌﻠﺠﺔ في انتظار الحل النهائي، ﻓﺎﻹﺟﺮاء المؤقت ﻫﻮ إﺟﺮاء ﻻ ﻳﺮﻣﻲ إلى اﻟﻔﺼﻞ في ﻣﻮﺿﻮع اﻟﻨﺰاع، وﻟﻜﻦ ﻳﺮﻣﻲ إلى الحصول ﻋﻠﻰ ﻧﺘﻴﺠﺔ ﺛﺎﻧﻮﻳﺔ ﻛﺤﺠﺰ أﻣﻮال أو تقديم كفالة[128].

أﻣﺎ االتدبير اﻟﺘﺤﻔﻈﻲ ﻓﻴﻬﺪف إلى المحافضة ﻋﻠﻰ ﺣﻖ أو عين رﻳﺜﻤﺎ ﻳﻔﺼﻞ في الموضوع، ﻛﻤﺎ ﻳﺴﻤﺢ ﻫﺬا التدبير ﻟﻠﻄﺮف اﻟﺬي ﻳﻄﻠﺒﻪ ﺿﻤﺎن ﻓﺎﻋﻠﻴﺔ اﻟﻘﺮار اﻟﺘﺤﻜﻴﻤﻲ اﻟﺬي ﺳﻴﺼﺪر ﻣﺴﺘﻘﺒﻼ، أو ﻋﻠﻰ اﻷﻗﻞ ﺳﻴﺠﻨﺐ الآثار غيرالمرغوب ﻓﻴﻬﺎ لهذا اﻟﻘﺮار ﻓﻬﺬﻩ التدابير المؤقته واﻟﺘﺤﻔﻈﻴﺔ ﺗﻜﻮن داﺋﻤﺎ إﺳﺘﻌﺠﺎﻟﻴﺔ تبعية ومؤقته مصيرها متوقف على مضمون القرار التحكيمي النهائي[129].

كقاعدة عامة يمكن لمحكمة التحكيم أن تحكم بتدابير مؤقته أو تحفظية بطلب من أحد الخصوم، ولما لسلطة المحكم من نقص في جانب التنفيذ فإنه يتم طلب ذلك من طرف السلطة المختصة (القضاء الوطني) للمساعدة واصدار أمر تحفظي أو وقتي.

وﻻ يعتبر لجوء أﻃﺮاف اﻟﻨﺰاع إلى اﻟﻘﻀﺎء الوطني ﻟﻠﻄﻠﺐ ﻣﻨﻪ اتخاد ﻣﺜﻞ ﻫﺬﻩ اﻹﺟﺮاءات اﻟﻮﻗﺘﻴﺔ أو اﻟﺘﺤﻔﻈﻴﺔ ﻣﻨﺎﻗﻀﺎ ﻹﺗﻔﺎق اﻟﺘﺤﻜﻴﻢ وﻻ ﻧﺰوﻻ ﻋﻨﻪ، ﻷن ﻫﺬا اﻟﻄﻠﺐ ﻻ يمس أﺻﻞ الحق اﻟﺬي ﻳﺒﻘﻰ ﻗﺎﺋﻤﺎ لهيئة اﻟﺘﺤﻜﻴﻢ ﻟﻠﻔﺼﻞ ﻓﻴﻪ.

فقد عالج المشرع الفرنسي هذه القاعدة من خلال المادة 809/1 ق م ف أنه يعود الأمرإلى قاضي الأمور المستعجلة دون أن يتعارض ذلك مع اتفاق التحكيم، كإسترداد البضاعة أو إلغاء إعلان كاذب إلى غيرها من الأمور.

أما الشرع المصري من خلال القانون رقم 27[130] بالمادة 145 ” يجوز للمحكمة المشار لها في المادة 09 من هذا القانون أن تأمر بناءا على طلب أحد الطرفين، بإتخاذ تدابير مؤقته أو تحفضية سواء قبل البدء في اجراءات التحكيم أو أثناء سيرها”

أما عن المشرع المغربي، فمن خلال الفصل 327-1 و327-15 سمح بالتدخل سواء قبل تشكيل هيئة التحكيم أو أثناء مباشرة المهمة” وعهد بالإختصاص “لقاضي المستعجلات بالمحكمة التجارية”، وبهذا يكون للمشرع المغربي نفس توجه التشريعات الآخرى في هذا الجانب من مراحل التحكيم حيث أنه سمح باتخاد هذه التدابير سواء قبل أو بعد سريات اجراءات التحكيم.

 

الفقرة الثانية: تدخل القاضي الوطني في تنفيذ المقرر التحكيمي.

 

ﺗﻨﺘﻬﻲ الخصومة اﻟﺘﺤﻜﻴﻤﻴﺔ  – ﻛﻤﺎ رأﻳﻨﺎ ﺳﺎﺑﻘﺎ –  ﺑﺈﺻﺪار الحكم اﻟﺘﺤﻜﻴﻤﻲ الحاسم ﻟﻠﻨﺰاع اﻟﺬي إﺗﻔﻖ اﻷﻃﺮاف ﻋﻠﻰ إﺧﻀﺎﻋﻪ ﻟﻨﻈﺎم اﻟﺘﺤﻜﻴﻢ، وﻫﺬا الحكم ﻫﻮ اﻟﺜﻤﺮة الحقيقية ﻟﻠﺘﺤﻜﻴﻢ.

ﻓﻔﻲ ﻣﺮﺣﻠﺔ اﻟﺘﻨﻔﻴﺬ ﻳﺪﺧﻞ اﻟﺘﺤﻜﻴﻢ ﻏﻤﺎر ﻣﺮﺣﻠﺔ ﺟﺪﻳﺪة ﺗﺮﻓﻊ ﻓﻴﻬﺎ ﻳﺪ المحكمين ﻋﻦ اﻟﺪﻋﻮى، وفي ﻫﺬﻩ المرحلة تتغير المعدلات، ﻓﻘﺒﻞ ذﻟﻚ ﻛﺎﻧﺖ إرادة اﻷﻃﺮاف ﻫﻲ اﻟﻔﺎﺻﻞ المتقدم، أﻣﺎ في ﻫﺬﻩ المرحلة ﻓﺈن إرادة الأطراف تتراجع ﻛﻠﻴﺎ ﻟﺘﻔﺴﺢ المجال أﻣﺎم اﻟﻘﻀﺎء الوطني، ﺣﻴﺚ تمارس المحكمة اﻟﺮﻗﺎﺑﺔ ﻋﻠﻰ اﻟﻘﺮار اﻟﺘﺤﻜﻴﻤﻲ ﻗﺒﻞ اﻷﻣﺮ ﺑﺘﻨﻔﻴﺬﻩ في إﻗﻠﻴﻢ اﻟﺪوﻟﺔ[131].

وهذه الرقابة تبرزمن خلال الرقابة على مدى سير اجرارت التحكيم و تسمى رقابة شكلية و التي بدوها تنحصر في العيوب الإجرائية التي قد تسقط فيها هيأة التحكم، كما أنه هناك الرقابة القضائية والتي بدورها يخول للقاضي الوطني إحظار الخصوم وإعمال مبدأ المواجة[132]، هذه الرقابة التي يطلق عليها “نظام المراجعة”، هذه الأخيرة غير مرغوب فيها لأنها تنسف أهم خصائص التحكيم و هو إرادة الأطراف في الإبتعاد وتجنب القضاء الوطني.

لكن تبقى أهم أوجه تدخل القضاء في مرحلة التنفيذ من خلال إضفاء الصيغة التنفيدية، حيث من المسلم به أن أحكام المحكم لا تتمتع إلا بحجية الأمر المقضي به، وبالتالي لا تكون لها قوة التنفيذ إلا بعد صدور أمر خاص من القضاء الوطني يسمى ” أمر التنفيد[133] “.

ويحوز اﻟﻘﺮار اﻟﺘﺤﻜﻴﻤﻲ اﻟﻘﻮة اﻟﺘﻨﻔﻴﺬﻳﺔ ﺑﺼﺪور أﻣﺮ ﺧﺎص ﻣﻦ اﻟﻘﻀﺎء الوطني – وﻫﻮ اﻷﻣﺮ ﺑﺎﻟﺘﻨﻔﻴﺬ – ويذيل هذا القرار بالصيغة التنفيدية، ويجري ﺗﻨﻔﻴﺬﻩ وﻓﻘﺎ ﻟﻺﺟﺮاءات المعتمدة ﻟﺘﻨﻔﻴﺬ اﻷﺣﻜﺎم اﻟﻘﻀﺎﺋﻴﺔ اﻟﻌﺎدﻳﺔ[134].

وتشترط ﻏﺎﻟﺒﻴﺔ القوانين اﻟﻮﻃﻨﻴﺔ ﻟﺘﻨﻔﻴﺬ أﺣﻜﺎم اﻟﺘﺤﻜﻴﻢ احترام ﻧﻈﺎﻣﻬﺎ اﻟﻌﺎم، وﺿﺮورة احترام حقوق اﻟﺪﻓﺎع وﺳﻼﻣﺔ اﻹﺟﺮاءات، ويجب أن ﻳﺮاﻋﻲ المحكم ﻫﺬﻩ اﻟﻘﻮاﻋﺪ ﺣﺮﺻﺎ ﻋﻠﻰ ﻋﺪم ﺗﻌﺮض ﺣﻜﻤﻪ ﻟﻠﺒﻄﻼن ورﻓﺾ ﺗﻨﻔﻴﺬﻩ[135].

وﻟﻘﺪ ﺗﻀﻤﻨﺖ اﻟﺘﺸﺮﻳﻌﺎت المقارنة ﻧﺼﻮﺻﺎ ﻟﺘﻨﻈﻴﻢ تمتع ﺣﻜﻢ اﻟﺘﺤﻜﻴﻢ ﺑﺎﻟﻘﻮة اﻟﺘﻨﻔﻴﺬﻳﺔ ﺑﻌﺪ ﺻﺪور اﻷﻣﺮ ﺑﺘﻨﻔﻴﺬﻩ ﻣﻦ اﻟﻘﺎﺿﻲ المختص قانونا[136]، والمشرع المغربي أيضا خول القضاء هذه الرقابة، وذلك كما في حالة التنفيد الجبري، حيث هنا تتدخل السلطة المختصة للإضفاء الصيغة التنفيدية على حكم المحكم بناءا على طلب أحد الخصوم – الصادر قرار التحكيم لصالحه -، فحسب الفصل 327-31 من قانون 05-08 فإنه “رئيس المحكمة الصادر الحكم بدائرتها ” هو من يختص بإضفاء هذه الصيغة.

إﻻ أﻧﻪ يجب ﻋﺪم المغالاة في اﻟﺮﻗﺎﺑﺔ ووﺿﻊ اﻟﻘﻴﻮد التي ﺳﺘﻔﺮغ اﻟﺘﺤﻜﻴﻢ ﻣﻦ ﻣﻀﻤﻮﻧﻪ وﺗﺒﻌﺪﻩ ﻋﻦ ﻣﺴﺎر تحقيق أﻫﺪاﻓﻪ وﻋﻠﻴﻪ إذا ﺑﺎﻟﻐﺖ اﻟﺘﺸﺮﻳﻌﺎت اﻟﺪاﺧﻠﻴﺔ في ﻓﺮض اﻟﻌﺪﻳﺪ ﻣﻦ اﻟﺸﺮوط دون إﻧﺘﻘﺎء ﻣﻨﻬﺎ الضرورية، وتقديم اﻟﺘﺤﻔﻈﺎت اﻟﺘﻌﺴﻔﻴﺔ ﻟﺘﻨﻔﻴﺬ ﺣﻜﻢ التحكيم، ﻓﺈن ذﻟﻚ ﺳﻴﺆذي ﺣﺘﻤﺎ إلى ﺗﻌﺎﻇﻢ ﻫﻴﻤﻨﺔ اﻟﻘﻀﺎء الوطني اﻟﺬي أراد أﻃﺮاف اﻟﺘﺠﺎرة خاصة الدولية اﻟﺘﺨﻠﺺ ﻣﻨﻪ بلجوئهم إلى ﻧﻈﺎم اﻟﺘﺤﻜﻴﻢ ﻟﺘﺴﻮﻳﺔ  نزاعاتهم اﻟﺘﺠﺎرﻳﺔ لما لذلك من أثر كبير على تقليص إرادة الأطراف في نظام التحكيم.

 

خلاصة

من خلال هذه الدراسة، اتضح لنا الطابع الإتفاقي للتحكيم  والحرية الواسعة التي يتمتع بها الأطراف عبر كل مراحله ابتداءا من اتفاق التحكيم الذي يعتبر حجر أساسي في نظام التحكيم مرورا بإختيار الهيئة التي يناط إليها مهمة الفصل في النزاع فيرسم الأطراف حدود ونطاق السلطات المخولة لها، ثم تحديد الإجراءات سواء الموضوعية أو الشكلية، وصولا إلى قرار التحكيم الذي يعتبر الثمرة التي تجعلهم يذهبون إلى هذا النظام.

غير أنه الواقع العملي أتبث أنه إذا كانت الإرادة هي صاحبة السيادة في حقل التحكيم، فإنه هناك عوامل تنقص من هذه الإرادة والحرية، وتؤدي إلى تدميرها وتقييدها، وهذا راجع إلى السياسة التشريعية لمختلف الدول بما أثر على بصورة سلبية على فاعلية نظام التحكيم وعلى تحقيق هدفه، مما جعلنا نقول أن التحكيم ينقسم بين تحكيم ممنوح وهو ما اتضح لنا من المبحث الأول، وتحكيم محروس حيث تفرض حالات تدخل القضاء لمساعدة ومراقبة التحكيم – ما اتضح من خلال المبحث الثاني – لدى نتساءل عن مصير وضعية التحكيم في المستقبل أمام هذا التدخل القضائي ؟

 

لائحة المراجع المعتمدة:

 

  • القرآن الكريم:
  • الآية 35 من سورة النساء
  • القوانين:
  • قانون رقم 08.05 يقضي بنسخ وتعويض الباب الثامن بالقسم الخامس من قانون المسطرة المدنية، تنسخ أحكام الباب الثامن بالقسم الخامس من قانون المسطرة المدنية المصادق عليه بالظهير الشريف المعتبر بمثابة قانون رقم 1.74.447 بتاريخ 11 من رمضان 1394 (28 سبتمبر 1974).
  • القانون رقم 08-09 المؤرخ ب 25/02/2008 المتضمن قانون الاجراءات المدنية والادارية الجزائري.
  • قنون المرافعات الفرنسي .
  • قانون التحكيم المصري رقم 27 لسنة 1994.
  • الكتب:
  • مصطفى بونجة ونهال اللواح: التحكيم التجاري من خلال العمل القضائي المغربي، طبعة أولى سنة 2014.
  • ذ كمال إبراهيم: التحكيم التجاري الدولي، دار الفكر العربي، الطبعة الأولى ، 1991.
  • سعيد يوسف البستاتي، القانون الدولي الخاص، تطور وتعدد طرق حل النزاعات الخاصة الدولية، ط الأولى.
  • سامية راشد: التحكيم في العلاقات الدولية الخاصة، اتفاق التحكيم، منشأة المعارف، ط 1984.
  • نبيل إسماعيل عمر: التحكيم في المواد المدنية والتجارية، الوطنية والدولية، ط ثانية دار الجامعة الجديدة، 2005
  • أمال الفزايري: دور قضاء الدولة في تحقيق فاعلية التحكيم، منشأة المعارف 1993.
  • محمد كولا: تطور التحكيم التجاري الدولي، منشور بغدادي، دون مطبعة طبعة 2008.
  • الأطروحات :
  • نهال اللواح: القاضي الوطني والتحكيم التجاري الدولي، اطروحة لنيل الدكتوراه في القانون الخاص سنة 2012/2013
  • نصيرة سعدي : عقود نقل التكنولوجيا، أطروحة ، ديوان المطبوعات الجامعية، جامعة الجزائر 1992.
  • زروني الطيب: النظام القانوني للعقود الدولية في القانون المقارن، رسالة دكتوراه كلية الحقوق الجزائر سنة 1990/1991..
  • الرسائل:
  • أسماء عبيد: التحكيم في التشريع المغربي، رسالة لنيل دبلوم الدراسات العليا المعمقة في القانون الخاص، كلية العلوم القانونية و الاقتصادية والاجتماعية سلا، سنة 2008/2009 الصفحة 65.
  • – ﻧورة ﺣﻠﯾﻣﺔ، اﻟﺗﺣﻛﯾم اﻟﺗﺟﺎري اﻟدوﻟﻲ، ﻣذﻛرة ﻟﻧﯾل ﺷﻬﺎدة اﻟﻣﺎﺳﺗر، ﻗﺳم اﻟﺣﻘوق، ﺗﺧﺻص إدارة اﻷﻋﻣﺎل، ﻛﻠﯾﺔ اﻟﺣﻘوق، اﻟﻌﻠوم اﻟﺳﯾﺎﺳﯾﺔ، ﺟﺎﻣﻌﺔ ﺧﻣﯾس ﻣﻠﯾﺎﻧﺔ، الجزائر 2014.
  • – بعزيزي سعاد: مظاهر سلطان الارادة في التحكيم التجاري الدولي، مذكرة لنيل شهادة الناسترفي القانون العام تخصص القانون العام للأعمال ، جامعة عبد الرحمام ميرة بجاية سنة 2014/2015.
  • – جارد محمد: دور الارادة في التحكيم التجاري الدولي – دراسة مقارنة – مذكرة لنيل شهادة الماجستر في القانون الدولة الخاص، جامعة أبي بكر بلقايد – تلمسان كلية الحقوق والعلوم السياسية. سنة 2009/2010.

 

  • المقالات والمجلات:
  • عبد الحق الجناتي الادريسي: التحكيم التجاري بين مطلب السرية ومطلب الشفافية، المجلة المغربية للمنازعات القانونية عدد 9 سنة 2009.
  • مصطفى تراري، بحث مقدم في إطار مؤتمر التحكيم والاستثمار ، فندق حسان الرباط، المجلة المغربية للوساطة والتحكيم.
  • دفاتر المجلس الأعلى العدد-6_ 2005.
  • المجلة المغربية لقانون الأعمال والمقاولة، العدد 11، سنة 2006.
  • المواقع :
  • مقال أحمد أنوار ناجي: مدى فعالية الوسائل البديلة لحل المنازعات وعلاقتها بالقضاء، دكتور في الحقوق :
  • droitcivil.over-blog.com-article-721189.9.html
  • la.justice.francaise.com

للإطلاع على بعض الأحكام الفرنسية.

 

  • المراجع باللغة الفرنسة:
  • Philippe fouchard, E.gouillard, B Goldaman « traité d’arbitrage commercial international » Edition L-I-T-E-C, 1996
  • Serg lazareff, l’arbitre et le contrat, le respect du contrat, journée d’étude organisé à paris le 12/01/1984 par le comité Français de l’arbitrage – Rev – arb 1984, n° page 209. للغة جع بالفرنسة:لقانون العام

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الفهرس

 

مقدمة: 1

 المبحث الأول: هامش إرادة الأطراف في ظل التحكيم. 5

المطلب الأول: مظاهر سيادة الأطراف في تنظيم التحكيم. 5

المطلب الثاني: مظاهر سيادة الأطراف أثناء سير الخصومة التحكيمي. 18

المبحث الثاني: تحصيل سيادة إرادة الأطراف في التحكيم. 28

المطلب الأول: القيود الكلاسيكية الواردة على سيادة الأطراف في التحكيم. 28

المطلب الثاني: تدخل القضاء الوطني في التحكيم. 32

 

 

 

[1] . جارد محمد: دور الارادة في التحكيم التجاري الدولي – دراسة مقارنة – مذكرة لنيل شهادة الماجستر في القانون الدولة الخاص، جامعة أبي بكر بلقايد – تلمسان كلية الحقوق والعلوم السياسية. سنة 2009/2010. ص 11.

[2] . نورة حليمة: التحكيم التجاري الدولي، مذكرة ماستر تخصص إدارة الأعمال، سنة 2013/2014 ص 1.

[3]  .ذ كمال إبراهيم: التحكيم التجاري الدولي، دار الفكر العربي، الطبعة الأولى ، 1991 ص 30.

[4] .جارد محمد: دور الارادة في التحكيم التجاري الدولي – دراسة مقارنة – مذكرة لنيل شهادة الماجستر في القانون الدولة الخاص، جامعة أبي بكر بلقايد – تلمسان كلية الحقوق والعلوم السياسية. سنة 2009/2010 الصفحة 1.

[5] . رأي الفيلسوف أرسطو، مشار إليه بكتاب سعيد يوسف البستاتي، القانون الدولي الخاص، تطور وتعدد طرق حل النزاعات الخاصة الدولية، ط الأولى  ص 258.

[6] . سامية راشد: التحكيم في العلاقات الدولية الخاصة، اتفاق التحكيم، منشأة المعارف، ط 1984، ص 4. مأخود عن محمد جارد: م س، ص 7.

[7] .القانون رقم 08-05 المنشور بالجريدة الرسمية عدد 5584 بتاريخ 6دجنبر 2007 الذي يقضي بنسخ وتعويض الباب الثامن نت القسم الخامس من ق م المدنية.

[8] .مقال أحمد أنوار ناجي: مدى فعالية الوسائل البديلة لحل المنازعات وعلاقتها بالقضاء،  دكتور في الحقوق :

www.droitcivil.over-blog.com-article-721189.9.html

 

[9] . – الفصل 306.ق م م :  يراد بالتحكيم حل نزاع من لدن هيئة تحكمية تتلقى من الأطراف مهمة الفصل في النزاع بناء على اتفاق تحكيم .

الفصل 307 ق م م  . اتفاق التحكيم هو التزام الأطراف باللجوء إلى التحكيم قصد حل نزاع نشأ أو قد ينشأ عن علاقة قانونية معينة ، تعاقدية أو غير تعاقدية .

يكتسي اتفاق التحكيم شكل عقد تحكيم أو شرط تحكيم .

 

 

[10] . نبيل إسماعيل عمر: التحكيم في المواد المدنية والتجارية، الوطنية والدولية، ط ثانية دار الجامعة الجديدة، 2005، ص22.

[11] .بعزيزي سعاد و بكوش سامية: مظاهر سلطان الارادة في التحكيم التجاري الدولي م س ص 19.

[12] . قادري عبد العزيز: م س ص 269.

[13] . المشرع الفرنسي وكذا الجزائري لم يعرفوا اتفاق التحكيم لا في المرسوم التشريعي 09/93 ولا في القانون 08/09 المؤرخ في 25/02/2008  حيث نصالمادة 1040/1 من القانون 08/9 ” تسري اتفاقية التحكيم على النزاعات القائمة والمستقبلية”

أما عن المشرع المغربي فقد زعم بتعريفه خلافا للقانون الفرنسي وذلك بالفصل 307 ” اتفاق التحكيم هو التزام الأطراف باللجوء إلى التحكيم قصد حل نزاع نشأ أو قد ينشأ عن علاقة قانونية معينة ، تعاقدية أو غير تعاقدية”.

[14]  يطلق على الشرط التحكيم على التحكيم الذي يدرج في العقد الأصلي وهو يكون قبل حدوث النزاع، أما مشارطة التحكيم تطلق حالة الاتفاق أو العقد الاحق لوقوع النزاع.

[15] .أحمد أنوار ناجي: مدى فعالية الوسائل البديلة لحل المنازعات وعلاقتها بالقضاء، م س ص( مقال الكتروني ).

[16] .راجع أمال الفزايري: دور قضاء الدولة في تحقيق فاعلية التحكيم، منشأة المعارف 1993. ص 23.

[17] Jean robert, op-cit, page 47.

‘مأخود عن جادر محمد: دور الارادة في التحكم التجاري الدولي، م س ص 18.

[18] . راجع قادري عبد العزيز، م س الصفحة 262.

[19] . من أشهر القرارات التي تؤكد ذلك نجد قرار mardelé في 19 فيفري 1930. أشارله  جاد محمد: دور الارادة في التحكم التجاري الدولي، م س ص 19.

[20] .سامية راشد: م س الصفحة 85.

[21] . للاطلاع أكثر على قضية GOSSEF  راجع :

Philippe fouchard, E.gouillard, B Goldaman « traité d’arbitrage commercial international » Edition L-I-T-E-C, 1996 ; page 201.

اشير له من طرف جاد محمد: دور الارادة في التحكم التجاري الدولي، م س ص 19 و20.

[22] . القانون رقم 08-09 المؤرخ ب 25/02/2008 المتضمن قانون الاجراءات المدنية والادارية.

[23]. قانون رقم 08.05يقضي بنسخ وتعويض الباب الثامن بالقسم الخامس من قانون المسطرة المدنية، تنسخ أحكام الباب الثامن بالقسم الخامس من قانون المسطرة المدنية المصادق عليه بالظهير الشريف المعتبر بمثابة قانون رقم 1.74.447 بتاريخ 11 من رمضان 1394 (28 سبتمبر 1974.

[24] . ظهيرالالتزامات والعقود بالمغرب.

[25] .كالإكراه والغلط والتدليس.

[26] . بعزيزي سعاد – بكوش سامية : م س ص30.

[27] “L’existence d’une sentence arbitrale est établie par la production de l’original accompagné de convention d’arbitrage ou des  copies de ces documents réunissant les conditions requises pour leur authenticité…”

[28] . جارد محمد : م س الصفحة 20.

[29] .راجع منير عبد المجيد: م س الصفحة 92 مأخوذ عن جارد محمد : م س الصفحة21.

[30] .نصيرة سعدي : عقود نقل التكنولوجيا، أطروحة ، ديوان المطبوعات الجامعية، جامعة الجزائر 1992 الصفحة 396.

[31] . الفصل 315 .يجب أن يتضمن عقد التحكيم تحت طائلة البطلان:  تحديد موضوع النزاع و تعيين الهيئة التحكيمية أو التنصيص على طريقة تعيينها .

يكون العقد لاغيا إذا رفض محكم معين فيه القيام بالمهمة المسندة إليه.

[32]  كرسه القضاء الفرنسي في قضية gosset لسنة 1963. والتي كانت أول خطوة لتكريس المبدأ وللمزيد من التفصيل راجع زروني الطيب: النظام القانوني للعقود الدولية في القانون المقارن، رسالة دكتوراه كلية الحقوق الجزائر سنة 1990/1991 ص 360 وما بعدها.

[33] . المادة 23 من قانون التحكيم المصري” يعتبر شرط التحكيم اتفاقا مستقلا ﻋﻦ ﺷﺮوط اﻟﻌﻘﺪ اﻷﺧﺮى وﻻ يترتب بطلان اﻟﻌﻘﺪ أو ﻓﺴﺨﻪ أو إنهائه أي أﺛﺮ ﻋﻠﻰ ﺷﺮط اﻟﺘﺤﻜﻴﻢ اﻟﺬي ﻳﺘﻀﻤﻨﻪ إذا ﻛﺎن ﻫﺬا اﻟﺸﺮط ﺻﺤﻴﺤﺎ ﰲ ﺣﺪ ذاﺗﻪ “.

[34] .  المادة 1040/4 من قانون الاجراءات المدنية و الادارية الجرائري “ﻻ ﳝﻜﻦ اﻹﺣﺘﺠﺎج ﺑﻌﺪم ﺻﺤﺔ إﺗﻔﺎﻗﻴﺔ اﻟﺘﺤﻜﻴﻢ ﺑﺴﺒﺐ ﻋﺪم ﺻﺤﺔ اﻟﻌﻘﺪ اﻷﺻﻠﻲ .”

[35] . رأي J.P ANCEL  مشار له في كتاب حفيضة السيد حداد م س ص 95.

[36] .راجع مصطفى محمد الجمال: وعكاشة محمد عبد العال: التحكيم في العلاقات الخاصة الدولية والداخلية: الطبعة الأولى، منشورات الحلبي الحقوقية ط 1998، ص 304. مأخود عن جارد محمد  م س، ص 24.

[37] .مصطفى محمد الجمال وعكاشة محمد عبد العالي: م سالصفحة 307.

[38] .منير عبد المجيد: م س ص100.

[39] . المادة 19 من ق المدني المصري ”  تخضع اﻟﻌﻘﻮد اﻟﺪوﻟﻴﺔ ﻟﻠﻘﺎﻧﻮن اﻟﺬي ﻳﺘﻔﻖ ﻋﻠﻴﻪ اﻷﻃﺮاف، أو اﻟﺬي يتبن ﻣﻦ اﻟﻈﺮوف اتجاه ارادتهمﻢإلى ﺗﻄﺒﻴﻘﻪ”.

[40] . تنص المادة 1496 ق م ف :

“L’arbitre tranche le litige conformément aux règles  de droits que les partie on choisies à défaut d’un tel choix conformèrent à celle qu’il estimé appropriées, il tient compte dans tout les cas des usages du commerce”.

[41] . بعزيزي سعاد و بكوش سامية: م س ص 56.

[42] .أسماء عبيد: التحكيم في التشريع المغربي، رسالة لنيل دبلوم الدراسات العليا المعمقة في القانون الخاص،  كلية العلوم القانونية و الاقتصادية والاجتماعية سلا، سنة 2008/2009 الصفحة 65.

[43] .هذا المبدأ تم تكريسه صراحة من القضاء الفرنسي في قرار شهير لنسة 1910 الذي إعتبره الفقه قرار أساسي arrét de basse حيث جعل مبدأ سلطان الارادة قاعدة قضائية قررت من خلالها محكمة النقض أن تجعل العقود الدولية سوء من حيث الابرام أو الشروط أو آثار هو القانون الذي اختاره الأطراف. للإطلاع أكثر المرجوا مراجعة جارد محمد م س الصفحة 26 و 27.

[44] .مصطفى محمد الجمال وعكاشة محمد عبد العال، م س الصفحة 304.

[45] . منشور في حوليات القانون الدولي لسنة 1959.

[46] . مصطفى محمد الجمال وعكاشة محمد عبد العال، م س الصفحة 306.

[47] .نهال اللواح: القاضي الوطني والتحكيم التجاري الدولي، اطروحة لنيل الدكتوراه في القانون الخاص سنة 2012/2013 الصفحة 200.

[48] . والعلة من ذلك مخافة أن ينقسم المحكمين إلى عدد متساوي وبالتالي يتعذر استصدار حكم بالأغلبية.

[49] .محمد حسين منصور: العقود الدولية، دار الجامعة الجديدة،  بدون دكر السنة، ص 489.

[50] . راجع منير عبد المجيد: التنضيم القانون للتحكيم الدولي و الداخلي في ضوء الفقه وقضاة التحكيم، منشأة المعارف 1997 ص 133. مأخود عن جارد محمد: دور الارادة في التحكيم التجاري الدولي – دراسة مقارنة- م س ص30.

[51] . ﻤﻬﺩﻱ ﺩﻴﺎﻨﺔ: ﻤﻅﺎﻫﺭ ﺘﻘﻴﺩ ﺇﺭﺍﺩﺓ ﺍﻷﻁﺭﺍﻑ ﻓﻲ ﺍﻟﺘﺤﻜﻴﻡ ﻓﻲ ﺍﻟﺘﺸﺭﻴﻊ ﺍﻟﺠﺯﺍﺌﺭﻱ، دفاتر السياسة والقانو، العدد 17 جوان 2017. ص17.

[52] . جارد محمد: م س ص30..

[53] . قرار محكمة النقض الفرنسية في 13 أبريل 1972 مأخوذ من موقع :

www.la.justice .francaise.com

[54] .أسماء عبيد: م س ص35.

[55] . قانون المرافعات الفرنسي المادة 1415 .

[56] . المرجو الطلاع عن المادة 168/2 من قانون المرافعات اللبناني، و كذا المادة 1451 من القانون الفرنسي.

[57] . جارد محمد: م س ص 33.

[58] . للاطلاع أكثر المرجو مراجعة نهال اللواح: م س الصفحة 216وما بعدها

هناك أيضا بعزيزي سعاد و بكوش سامية: م س الصفحة 126 و ما بعدها.

[59] . منير عبد المجيد: م س ص 134.

[60] . محمد كولا: م س ص 180.

[61] . محمودي سعود: م س ص 263.

[62] . Serg lazareff, l’arbitre et le contrat, le respect du contrat, journée d’étude organisé à paris le 12/01/1984 par le comité    Français de l’arbitrage – Rev – arb 1984, n° page 209

مأخود عن جارد محمد: م س الصفحة 38.

[63] . المادة 1474 من ق م ف.

[64]  بعزيزي سعاد و بكوش سامية: م س ص 65.

[65] . جارد محمد: م س 40.

[66] . فوزي محمد سامي م س الصفحة 230.

[67] . راجع محمد كولا: م س ص 186.

[68] .جادر محمد م س  ص 43.

[69] . من هذه الاجراءات المسائل المتعلقة بالمواعيد، بيان الدعوى، تقديم مذكرات والمستندات المدعمة، نظام الجلسات وحضورها والخبراء…. الخ.

[70] . محمد كولا: م س ص186.

[71] . ولدت النظرية الشخصية في رحاب الفكر الفلسفي للمذهب الفردي الذيساد خلال القرن 19م، والذي يقوم على تقديس حرية الفرد بوصفها حقا طبيعيا.

  • للمزيد راجع أشرف عبد العليم الرفاعي، القانون الواجب التطبيق على موضوع التحكيم والنظام العام في العلاقات الخاصة الدولية، دار الفكر الجامعي، 2003 ص 38 و مابعدها. مأخوذ عن جارد محمد م س الصفحة 44.

[72] . “La convention d’arbitrage peut directement ou par référence d’arbitrage régler la procédure à suivre dans l’instance arbitral, elle peut aussi soumettre celle-ci à la loi de procédure qu’elle détermine”

[73] . نص الفصل 25 ” لطرفي التحكيم الاتفاق على الإجراءات التي تتبعها هيئة التحكيم بما في ذلك حقها في اخضاع هذه الاجراءات للقواعد النافدة في أي منظمة أو مركز تحكيمي في جمهورية مصر العربية أو خارجها، فإذا لم يوجد مثل هذا الاتفاق كان التحكيم مع مراعاة هذا القانون أن تختار اجراءات التحكيم التي تراها مناسبة “.

[74] . الفصل 318 يعتبر شرط التحكيم اتفاقا مستقلا عن شروط العقد الأخرى . ولا يترتب على بطلان العقد أو فسخه أو إنهائه أي أثر على شرط التحكيم الذي يتضمنه إذا كان هذا الشرط صحيحا في ذاته

[75] . نهال اللواح: م س ص 201.

[76] .جادر محمد: م س ص47.

[77] . تقرير  sausser hall  المقدم إلى معهد القانون الدولي، منشور في حوليات معهد القانون الدولي لسنة 1951 ص 541. مأخوذ عن نورة حليمة م س ص 59. كما أشار له محمد جادر: م س ص 47.

[78] . راجع المادة 5 من اتفاقية نيويورك لسنة 1958 الخاصة بالاعتراف وتنفيد أحكام التحكيم.

[79] . مقال أحمد أنوار ناجي: مدى فعالية الوسائل البديلة لحل المنازعات وعلاقتها بالقضاء،  دكتور في الحقوق :

www.droitcivil.over-blog.com-article-721189.9.html.

[80] ” articl 1494/2 “Dans le silence de la convention, l’arbitre règle a procédure, autant qu’il est besoin soit directement, soit par référence à une loi ou à un règlement d’arbitrage ”

[81] . محمد كولا: م س ص200.

. بعزيزي سعاد و بكوش سامية: م س ص 132.[82]

[83] . محمد كولا م س ص 203.

[84] . سبق الإشارة لأنه من الازم أن يكون كتابة تحت طائلة البطلان.

[85] . نهال اللواح: م س ص 200.

[86] . جادر محمد م س ص60.

[87] . قد يكون هذا القانون الأكثر اتصالا بالموضوع أو الأكثر ملائمة، فقد يكون وطني لأحد الأطراف، أو قانون محل الإبرام أو قانون التنفيد أو الاقد بقانون الجنسية المشتركة ….

[88] . محمد كولا: م س ص265.

[89] . “CONFORMEMENT A CELLE”

[90] . بتصرف جادر محمد ، م س ص53.

[91] . بمعنى أن المحكم يبحث عن القانون الذي له  علاقة و رابطة مه النزاع.

[92] .المادة 93/3 من القانون 27 لسنة 1994.

[93] . رأي الأستادNIBOYET : مشار له في رسالة بعزيزي سعاد و بكوش سامية: م س ص 136. وكذلك محمد جادر: م س ص73.

[94] . أسماء عبيد: م س ص 75

[95] . محمد جادر: م س

[96] . محمد كولا: م س 186.

[97] . نورة حليمة: م س الصفحة 65.

[98] .يعتبر بعض الفقه أن المماطلة و رفض التنفيد يفتح الباب لمرحلة جديدة تسمى ” مرحلة ما بعد التحكيم ” من خلالها يلجئ الأطراف الى القضاء.

[99] .يعرف التنفيد الجبري بالتنفيد القضائي، لأنه يتم بتذخل القضاء وتحت اشرافه.

[100] : محمد جادر: م س ص 77.

[101] . تمت الاشارة له من طرف محمد جادر: م س الصفحة 80.

[102] . تنص كذلك المادة 185 من ق م ف على ضرورة التاكيد من انقضاء مواعيد الطعن وانتفاء موانع تنفيده.

[103] . راجع المادة 09 من قانون 27 لسنة 1994 بمتابة قانون التحكيم المصري.

[104] . محمد كولا: م س ص 256.

[105] . المرجوا الإطلاع على المادة 28 من القانون المصري و المادة 30 من ق المدني سوريو المادة 24 من القانون الجزائري …. و هذا الحل مكرس في جل الإجتهادات القضائية في كل من فرنسا وبريطانيا وأمريكا.

[106] . ابراهيم رضوان الجغيير : م س ص 229 مأخود هن محمد جادر م س ص 88.

[107] .زروتي الطيب: م س ص 229.

[108] . سعيد يوسف البستاني : م س ص 224.

[109] .راجع زروتي الطيب: م س ص 135.

[110] . أحمد عبد الكريم سلامة: القواعد ذات التطبيق الضروري وقواعد القانون العام في القانون العام وفي القانون الدولي الخاص، دار النهضة العربية دون سنة الطبع دون مطبعة  ص 20 مأخود عن محمد جادر م س 98.

[111] . راجع أحمد عبد الكريم سلامة: م س ص 25. مأخود عن محمد جادر م س ص99.

[112] . تعريف الأستاد France CAKIS مشار له في كتاب أحمد عبد الكريم سلامة، م س الصفحة 25 و26.

[113] . محمد كولا: م س، ص

[114] .رأي الأستاذ  PIERRE PAYER  مشار له في رسالة محمد جادر م  س ص101.

[115] . جادر محمد: م س الصفحة: 102.

[116] Juris Classeurs- 1991- droit international fasc 586 1 ou civil fasc 1070-1

راجع محمد جادر م س ص102.

[117] . نبيل إسماعيل عمر: م س ص 165.

[118] . محمد جادر : م س 103.

[119] . نفسه ص 104.

[120] . أمال الفزايري: م س ص 156

[121] . أمال الفزايري: م س 157.

[122] . هذا الحل مكرس في فرنسا في المادة 1444 ق م ف و قانون الحكيم رقم 27 لسنة 1994 المصري في المادة 17 وكذا مجوعة من النصوص في القانون المغربي رقم 05-08.

[123] . محمد كولا : م س ص 159.

[124] . محمد جادر م س ص 109.

[125] . المادة 09 من قانون 27 لسنة 1994.

[126] . زروني الطيب: م س ص

[127] . قرار عدد 1577 الصادر عن محكمة الاستئناف التجارية بمراكش بتاريخ 10/11/2008 في ملف عدد 886/4/2008.

[128] . أمال الفزايري م س ص 186.

[129] A. bekhechi ; Op CIt page 87.

أشار له محمد جادر: م س ص 111.

[130] . القانون رقم 27 لسنة 1994 المعدل سنة 1997.

[131] . محمد جادر: م س ص 121.

[132] . مقال أحمد أنوار ناجي: مدى فعالية الوسائل البديلة لحل المنازعات وعلاقتها بالقضاء م س بدون ترقيم – الكتروني –

[133] .الأمر بالتنفيد : اﻹﺟﺮاء اﻟﺬي ﻳﺼﺪر ﻣﻦ اﻟﻘﺎﺿﻲ المختص ﻗﺎﻧﻮﻧﺎ، وﻳﺄﻣﺮ بمقتضاه ﺑﺘﻤﺘﻊ ﺣﻜﻢ المحكمين وﻃﻨﻴﺎ ﻛﺎن أو أﺟﻨﺒﻴﺎ ﺑﺎﻟﻘﻮة اﻟﺘﻨﻔﻴﺬﻳﺔ، ﻓﻬﻮ يمثل  ﻧﻘﻄﺔ اﻹﻟﺘﻘﺎء بين ﻗﻀﺎء اﻟﺘﺤﻜﻴﻢ واﻟﻘﻀﺎء اﻟﻌﺎم.

[134] . راجع محمد جادر م س ص 127.

[135] . كما أشرنا أعلاه في التزامات المحكم، ضف على ذلك الإجراءات التي تعتبر من النظام العام كالدفاع….

[136] . المرجو الإطلاع على المواد 185، 1477، 1478 من ق م الفرنسي.

المرجوا الإطلاع كذلك على المادة 09 من القانون 27 لسنة 1994.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى